اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
وسائل الإعلام في المجتمع ما بعد الحداثي هي التي تُحدّد الواقع؛ من تضخيم القضايا الهامشية إلى التحكّم الخفي في الأفكار، لسنا مستهلكين لوسائل الإعلام بل نُشكّل موضوعاً لها، وقد قُذف بنا في جبروت هذه العلاقات.

"العيش في مجتمع ما بعد الحداثة يعني أن يكون لديك إيمان من نوع الإيمان الديني بوسائل الإعلام وأن تتخذها إلهاً!" في ظل الأغلبيات الصامتة (In the Shadow of the Silent Majorities) / جان بودريار ***
في اعتقادي، لا يوجد موقف فردي مجرد ولا إنسان فاعل محض، لا أنني أنفي هذه المسائل جملةً وتفصيلاً؛ كلا، فحديثي عن شيء آخر سأوضحه لاحقاً. إن وسائل الإعلام (بشكل عام) في العصر الراهن هي التي تُقوِّم وتُحدِّد مواقف الأفراد وأولوياتهم الفكرية والسلوكية. وبعبارة أدق، فإن وسائل الإعلام هي مقوِّمة العالم الراهن، ولا يمكن تصور العالم بدونها. بوسع وسائل الإعلام أن تُهمِّش مسألة رئيسية ومهمة أو تحذفها بالكامل، وفي المقابل يمكنها أن تحوِّل مسائل هامشية وتافهة إلى مسائل رئيسية، أو أن تخلق احتياجات زائفة وتدفع الناس نحو قضايا سطحية وغير ضرورية كالاستهلاكية المفرطة وما شابهها. فعلى سبيل المثال، غطَّت وسائل الإعلام إنقاذ بطة صغيرة في كارولاينا الشمالية بهذه الشدة والحدة وكأن المسألة الوحيدة الموجودة هي هذه فحسب، بينما في الوقت نفسه كان يُقتل يومياً 40 - 50 - 60 شخصاً في الشرق الأوسط جراء التفجيرات وغيرها، ولم تكن وسائل الإعلام تغطي كل تلك الانفجارات إلا إذا كانت هناك نقطة غير اعتيادية أخرى (برأيهم) يمكن أن تكون مادة إخبارية جيدة. ذلك لأن تغطيتها جميعاً لم تعد تحمل جاذبية للمتلقي، وبطريقة ما، إذا قُتل كل يوم ولسنوات طوال عدد من الناس بهذا الشكل في منطقة معينة، فإنها تتحول إلى مسألة طبيعية واعتيادية، أما مساعدة بطة صغيرة فهي أمر نادر. قام عدد كبير من الناس، تبعاً لوسائل الإعلام، بإعادة نشر ذلك الخبر (إنقاذ البطة) مراراً، وقضوا وقتاً طويلاً في مشاهدته أو الحديث حوله، وأمضوا ساعات في الكتابة وإلقاء الخطب حول قيمة الحياة واحترامها، حتى لو كانت حياة بطة صغيرة في مجرور، وساروا لساعات حاملين الشموع احتراماً للحياة، وهنا حياة البطة، دون أن ينتبهوا إلى أنه في نقطة أخرى يُقتل ويُصاب يومياً عشرات بل ربما مئات الأشخاص، دون أن تغطي وسائل الإعلام أخبارهم أو تنظر إليها كمسألة رئيسية. بالطبع، لا يقتصر الأمر على القيمة الإخبارية والجاذبية فحسب، بل بعبارة أدق، فإن وسائل الإعلام هي التي تخلق الجاذبية، بل وحتى الواقع نفسه، للناس وتلقِّنهم إياه؛ فالسياسات الكبرى - الاستراتيجية للدول العظمى والشركات العملاقة الدولية، والتي تعمل وسائل إعلام قوية تحت إشرافها قطعاً، هي المحدِّدة في هذا السياق. لقد كان داعش، قبل أن يرتكب هذه الجرائم المروعة في العراق بوقت طويل، يقوم بنفس الأفعال تماماً في سوريا؛ كان يقطع الرؤوس، ويأخذ جماعات من الأبرياء قرب مقابر جماعية ويربطهم بالرشاشات، ويحرق الجثث أو يربطها بالسيارات ويسحلها على الأرض، ويدمر الآثار الوطنية والتاريخية... إلخ. لكن في ذلك الوقت، كانت وسائل الإعلام تُظهر تلك المسائل بشكل مختلف أو لا تُظهرها على الإطلاق. لا تستطيع الدول الليبرالية الديمقراطية، بحكم طبيعتها (بشكل عام)، أن تسيطر على الجماهير وتشكلها كما يحدث مثلاً في دولة مثل كوريا الشمالية. في كوريا الشمالية، يشاهد الناس شبكتي تلفزيون تابعتين للحكومة، ولا يوجد هاتف محمول، وبطبيعة الحال لا وجود للأقمار الصناعية والإنترنت. تقوم جماهير الناس بما تقوله لهم الحكومة وتطلبه منهم. يُظهرون للناس الأفرادَ والأحداثَ والإحصائيات، وبشكل عام كل وقائع البلاد والعالم، بالصورة التي تعجبهم. وإذا لم يقبل أحدهم، لأي سبب كان، تلك الرواية، فإنهم بكل بساطة وعلانية يقصونه، ولا يحتاجون لهذا الإقصاء إلى براعة وإبداع إعلامي، بل يختلقون للشخص المُقصى قصصاً بسطحية وغلظة شديدتين لدرجة أن لا أحد، ولا حتى هم أنفسهم، يصدق تلك الرواية. في زمن الزعيم السابق لكوريا الشمالية، أعجب ابن السفير السوري بفتاة كورية، ونتيجة لذلك قُتلت الفتاة وعائلتها بتهمة واهية هي التجسس، بهذه البساطة. أما الحكومات الديمقراطية في العالم الحر فلا يمكنها، كما تفعل الدول الشمولية، أن تحل المسائل بالكامل عبر نفي الآخرين؛ لذلك تسير في مسائلها بأساليب خلاقة ودقيقة ومبتكرة، وتجعل الرأي العام يسير مع سياساتها ليس فقط داخل بلادها بل خارج حدودها أيضاً. ولهذا السبب، تُعتبر ضرورة السيطرة على أفكار وسلوكيات العامة من خلال وسائل الإعلام والدعاية في هذه الدول أمراً بالغ الجدية والحيوية.
ذلك أنه كلما كان المجتمع أكثر حرية – كما يُقال – ازدادت صعوبة استخدام الأدوات القسرية والعنف للسيطرة على الجماهير، لا أنهم لا يستخدمون هذه الأدوات مطلقاً، بل يحاولون ما أمكنهم عدم استخدامها، وإن لم يجدوا بديلاً لجأوا إلى القوة وساروا بالأمور على نحو همجي تماماً، ثم ينسجون حولها القصص ببراعتهم الخاصة ويُظهرون الأمر على نحو آخر؛ فعلى سبيل المثال، حين كان الجنود الأميركيون في العراق وفيتنام يقتلون النساء والأطفال الأبرياء بالنيران المباشرة والأسلحة غير التقليدية، كانت وسائل الإعلام الأميركية تُصوِّر هؤلاء المجرمين العابرين للحدود كأبطال وطنيين وتقلب موضع الظالم والمظلوم، الأمر الذي كان يتحول أحياناً إلى ما يشبه الكاريكاتير في جدلية وتقابل وسائل الإعلام المعارضة والمؤيدة. لا تكاد تخلو أي وسيلة إعلامية من هذا الوضع، وإنما تتفاوت قدراتها وفاعليتها فحسب. فحتى أكثر الوسائل حياداً ليست محايدة تماماً، بل تتحكم في أفكار الجمهور وسلوكه وفقاً لاستراتيجيتها الأساسية وكذلك قدرتها وفاعليتها. وفي خضم هذا الوضع، نعتقد أننا قادرون على اختيار وسائل الإعلام، أو أن نشاهد شيئاً ونتجنب شيئاً آخر بين البرامج، أو حتى ألا نشاهدها مطلقاً، وأننا بصفتنا مستهلكين وذواتاً فاعلة نملك الدور الحاسم. غير أن هذا التفسير ليس صحيحاً، والأصح أننا نحن الذين تستهلكنا وسائل الإعلام، أو أننا نكون موضوعات (أوبجيهات) لها. سواء علمنا أم لم نعلم، وسواء كنا جمهوراً لها أم لم نكن، فإن حدودنا تتحدد بواسطة وسائل الإعلام. وبتعبير الأدب الوجودي وأدبياته، فإننا قد قُذفنا في خضم هذه العلاقات والمعادلات الإعلامية، واندرجنا على نحو ما داخل هذه العلاقات، وحالتنا ليست حالة مجردة ومنفصلة عنها، بل إن فعلنا ونظرتنا يتحددان ويتقيدان بهذه العلاقات ذاتها؛ ونحن على نحو ما لا نملك حالة اختيارية وإرادية، بل قُيِّدنا بجبرية إعلامية. بطبيعة الحال، أنا لا أنفي إرادة الفرد وحريته في الاختيار، بل على العكس، أعتقد أن هناك أفراداً، خلافاً للجمهور الغفير من الناس، يدركون هذا الموضوع أو يحاولون على الأقل أن يتعاملوا معه بوعي، وإن كان هؤلاء الأفراد أيضاً، كما قلت، ليسوا بمعزل عن هذا العالم الإعلامي وعلاقاته ومعادلاته، ويتأثرون به نسبياً، لكنهم يسعون إلى تقليص هذه النسبة وتقليلها، باحثين عن سبيل نجاة، أولاً لأنفسهم ثم للآخرين في المرحلة التالية، وهو في رأيي التعامل الواعي والنقدي والفاعل مع هذه العلاقات.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.