اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يقول نظام بهرامي كميل إن المثقفين الإيرانيين فضّلوا الشعبية على طلب الحقيقة، وإن الطريق الثالث باء بالفشل؛ وهو يرى أن معيار التصنيف ليس الموقف من الغرب، بل الإيمان بجوهر الحداثة، وعلى هذا الأساس يصنفهم.

في تاريخ إيران المعاصر، برز المثقفون بالمعنى الدقيق للكلمة منذ السنوات الأخيرة من حكم ناصر الدين شاه، وأدّوا دوراً مهماً في تشكيل أحداث التاريخ المعاصر. لم تولد المثقفية في إيران سليمة وقائمة على شروط محلية، والحوار معها يتطلب شروطاً خاصة.
يعرف متابعو مباحث المثقفين نظام بهرامي كميل، عالم الاجتماع المعاصر، من خلال كتابه «نمطية المثقفين الإيرانيين». أهم دعواه في كتاب النمطية هي أن المثقفين الدينيين والمحليين وكل أولئك الذين أرادوا أن يصنعوا مزيجاً من محاسن التراث والحداثة ويأتوا بطريق ثالث للمجتمع؛ لم يحولوا في نهاية المطاف أي نحاس إلى ذهب، بل ألقوا بتكاليف تجاربهم وأخطائهم الفكرية على عاتق المجتمع. وهو يعتقد أن المثقفين الإيرانيين فضّلوا الشعبية على طلب الحقيقة. وتشمل نقوده تيار المثقفين بعد الثورة من رضا داوري إلى يوسف أباذري وسيد جواد طباطبائي.
لقد قمتم في كتاب «نمطية المثقفين الإيرانيين» بتصنيف المثقفين الإيرانيين بناءً على علاقة منظومتهم الفكرية بمسألة الحداثة منذ عصر المشروطة فصاعداً. وهو تصنيف يتوافق بشدة مع المعطيات التاريخية وكذلك النظريات العلمية. بناءً على هذا، وبالنظر إلى المنظومة الفكرية للأشخاص، هل صنفتم أيضاً المثقفين الإيرانيين بعد الثورة؟
برأيي يمكن ذلك، وإذا كنا نرغب في تجميع المعرفة والتجربة، فيجب علينا أن نقسم المثقفين؛ كما يوجد هذا التقسيم في كل علم. كل تصنيف سيؤدي بطبيعة الحال إلى بعض التحريفات، وفيما يتعلق بالتصنيف بناءً على المنظومة الفكرية للمفكر؛ فمن المحتمل ألا يسر بعض المثقفين بوضعهم في مجموعة ومدرسة فكرية واحدة.
أحد أسباب عدم الرضا هذا هو أن المثقفين لا يريدون أن يصبحوا ضمن مجموعة واحدة؛ لأن كل واحد منهم يدّعي ويعتبر نفسه زعيماً لمجموعة فكرية جديدة يجب تعريف الآخرين ضمن مجموعته. كما يقول المثل، نحن الإيرانيين كل منا ملك صغير؛ والمثقفون ليسوا استثناءً من هذه القاعدة. كما أن الانتماء إلى مدرسة ما يعني أن على المثقف أن يجيب على النقود الموجهة لتلك المدرسة، ولأن المثقفين يميلون أكثر إلى النقد بدلاً من أن يكونوا مجيبين على نقد الآخرين؛ فسيعارضون مثل هذه التصنيفات.
بالطبع هناك صعوبات أخرى، مثل أن معظم المفكرين مروا بفترات فكرية مختلفة، فنضطر مثلاً إلى القول إن جلال آل أحمد كان يسارياً في فترة، ثم أصبح يسارياً محلياً أو صاحب طريق ثالث، وفي النهاية يقترب من اليسار الإسلامي. أو أن رضا داوري كان في فترة مفكراً جوهرانياً يقبل كُلية الحداثة؛ لكنه يعارض هذه الكُلية، وفي فترة أخرى لا يقبل هذه الكُلية فحسب؛ بل يعتبرها قدرنا المحتوم.
فيما يتعلق بتصنيف المثقفين؛ قلت رأيي بشكل موسع في كتاب «نمطية المثقفين الإيرانيين» الذي يشمل المثقفين من قبل ثورة المشروطة إلى ما بعد الثورة الإسلامية. كلامي الأساسي هو أن معظم هذه النمطيات وضعت المثقفين في ثلاث مجموعات: «موافق للحداثة»، و«معارض للحداثة»، و«موافق للمزج بين التراث والحداثة». الإشكال في هذا التقسيم هو أن معظم المثقفين الذين يريدون الهروب من وصمة التغرب (التي ألصقت بأمثال تقي زاده) أو وصمة الرجعية (التي ألصقت بأمثال الشيخ فضل الله النوري) يضعون أنفسهم في المجموعة الثالثة، أي الموافقين للمزج بين محاسن التراث ومحاسن الحداثة والغرب.
كذلك إذا دققنا، نجد أن معيار هذا التقسيم هو حكم قيمي وأخلاقي على الغرب. مجموعة تريد الغرب؛ ومجموعة تعاديه، والمجموعة الثالثة (الكيميائيون) يريدون الانتقاء والتلفيق بين الغرب وتراث المجتمع. هذا الوضع أوصل تيار المثقفين في إيران إلى طريق مسدود، وبرأيي أن من أهم الأعمال إيجاد معيار جديد لتصنيف المثقفين.
في الكتاب المذكور قدمت معيارًا جديدًا وقلت إنه قبل أن نستفسر عن الموقف القيمي للمثقف إزاء كُلية الحداثة (أي الغرب)؛ ينبغي أن نسأله هل يقبل كُلية وجوهر الحداثة، أي مقولات مثل الذاتية التأسيسية، والإنسانية، والعلمانية، أم لا؟ بعبارة أخرى، المعيار المناسب لتصنيف المثقفين هو «الحداثة»، والسؤال الأول هو هل للحداثة جوهر أم لا؛ وليس هل يحب المثقف الحداثة أم لا؟
من أين يتحدد امتلاك الحداثة لجوهر أو عدم امتلاكها له في المنظومة الفكرية للمثقفين؟
يتحدد امتلاك الحداثة لجوهر في الدرجة الأولى من المشروع الفكري الذي يقدمه المثقف، لا من النقد الذي يوجهه للآخرين. سأفصل هذا الموضوع إذا سنحت الفرصة عند دراسة أفكار الدكتور سيد جواد طباطبائي. وبهذا المعيار سنحصل على إجابتين:
1_ إذا كان الجواب بالإيجاب؛ نسأله من حيث القيمة هل هو داعم ومُروّج لهذه الكُلية أم معارض وعدو لها؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فإنه يندرج في مجموعة المؤيدين لكُلية الحداثة؛ والتي تشمل من آخوند زاده قبل الدستورية وتقي زاده بعد الدستورية إلى رضا داوري في مرحلته الثانية ورامين جهانبكلو اليوم. وإذا أجاب الشخص بأن للحداثة جوهرًا وكُلية لكنه من حيث القيمة يعارضها ولا يريد لإيران أن تسلك طريق الغرب؛ فهذا هو الشيخ فضل الله النوري، ومصباح اليزدي، وفرديد، ونصر، ورضا داوري في مرحلته الأولى حين كان يُنظّر في بدايات الثورة. وبالطبع فإن لهاتين المجموعتين الرئيسيتين تفرعاتهما التي يمكن للقارئ مراجعتها في الكتاب.
2_ إذا كان الجواب بالنفي؛ أي أن الشخص لا يعتقد بجوهر وكُلية الحداثة ويرى أنه يمكن الانتقاء من مقولاتها أو تغييرها؛ ندرس ونرى على أي مصدر يستند في هذا الانتقاء. لقد عرّفت المصدر الموجود والذي يشمل «الإسلام»، و«إيران»، و«الفكر اليساري»، وبالطبع فهذه القائمة مفتوحة ويمكن أن يُضاف إليها مصدر جديد.
وعلى هذا الأساس، فإن الفئة الأولى، وهم الإسلاميون غير الجوهريين، ينقسمون بدورهم إلى ثلاث مجموعات: إسلام اليمين، وإسلام اليسار، والإسلام الفقهي. يشمل إسلام اليمين من السيد جمال الدين الأسد آبادي والنائيني في العصر الدستوري إلى عبد الكريم سروش (في مرحلة ما بالطبع) والسيد محمد خاتمي والمجموعة العظمى من المثقفين الإصلاحيين الحكوميين. الممثل البارز لإسلام اليسار هو الدكتور شريعتي، وللإسلام الفقهي آية الله بهشتي وآية الله مطهري.
الفئة الثانية هم القوميون غير الجوهريين الذين أطلقت عليهم اسم التوطينيين، ويمتدون من فخر الدين شادمان إلى سيد جواد طباطبائي.
أليس تصنيف سيد جواد طباطبائي ضمن التوطينيين غريبًا رغم نقوده للتوطينيين؟
لا ننسَ أن سيد جواد طباطبائي يقول في كتابه «المجلد الثاني من ديباجة حول نظرية انحطاط إيران»؛ إن السبيل هو أن نصل، عبر مساءلة أساس التراث ونقده بأدوات حديثة، إلى الطريق الذي ينبغي أن يفضي إلى نهضة حضارة إيران الأرض؛ وإن كنت لا أرى سوى درب ضيق ومظلم. أي أنه رغم أن طباطبائي في النقد وفي الوجه السلبي يرى بحق أن شريعتي وجلال هما إيديولوجيان لم يستوعبا كُلية الحداثة أو يتوهمان إمكان التلاعب بها؛ إلا أنه في الوجه الإيجابي وحين يريد أن يقترح حله الخاص يسير في المسار نفسه ويتصور طريقًا ثالثًا وطريقًا توطينيًا لإيران.
بعبارة أخرى، يقبل سيد جواد طباطبائي كُلية الحداثة حين ينتقد الآخرين، لكنه حين يقدم مشروعه الفكري يظن أننا نختلف عن بقية العالم وينبغي أن نجد طريقنا الخاص بنا. المشروع الإيرانشهري يعني أنه قد فصل كُلية الحداثة عن كونيتها، وهذا أمر متناقض.
الفئة الثالثة هم اليساريون غير الجوهريين، وتشمل من خليل ملكي، وأنور خامهاي، وجلال (في مرحلة من حياته الفكرية) إلى مصطفى شعائيان.
تجدر الإشارة إلى أن التصنيفات السابقة لم تكن قادرة على إظهار امتداد واستمرارية المثقفين الإيرانيين من عصر المشروطة حتى الآن؛ لكن التصنيف المقترح في هذا الكتاب يمتلك القدرة على إظهار الصلة بين ميرزا آقا خان كرماني ومحمد أمين رسول زاده ومصطفى رحيمي، الذين ينتمي كل منهم إلى جيل من المثقفين؛ لكنهم جميعًا يساريون ديمقراطيون. علاوة على ذلك، يمكنكم في هذا الكتاب رؤية مخرجات كل تيار فكري في مجال السياسة. فعلى سبيل المثال، مخرجات اليمين الإسلامي غير الجوهري هي حكومة خاتمي، ومخرجات اليسار الإسلامي غير الجوهري، أي شريعتي، هي منظمة مجاهدي خلق.
في هذا السياق، هل يمكن لتصنيفكم هذا أن يقدم تعريفًا للمثقف المحافظ؟ ما هو تعريفكم لهذا النموذج من المثقفين؟ وأيضًا، من وجهة نظركم، كيف ينبغي أن تكون علاقة المثقفين بمؤسسة السلطة؟
«المحافظ» هو من يقبل الوضع القائم ولا يوجه له نقدًا جوهريًا وأساسيًا. أما بخصوص «المثقف»، فأعتقد أن المهمة الأساسية للمثقف هي نقد السلطة بالأداة الحديثة، أي العقل القائم على ذاته. هذا النقد يمكن أن يكون نقدًا للسلطة السياسية أو نقدًا لسلطة القيم والمعتقدات والأعراف في المجتمع. هذا النقد بالغ الأهمية لأنه، بالإضافة إلى توعية أفراد المجتمع، يمنع تشكل الفساد وانتشاره، لا سيما في المجال السياسي.
كذلك، ولجعل النقاش أكثر تحديدًا ودقة، أميل إلى التمييز على الأقل بين المحافظة والثورية (أو لنقل اللامحافظة) في ثلاثة مجالات: «الثقافة»، و«السياسة»، و«الاقتصاد». في مجال الثقافة، الثوري هو من يتحدى بعض القيم والمعتقدات والأعراف السائدة والأساسية في المجتمع ويطالب بتغييرها؛ وعلى العكس، المحافظ هو من لا يعترض على أي من قيم المجتمع ومعتقداته. في مجال السياسة، الثوري هو فرد ينقد الوضع القائم ويزعزع أسسه. ومن المنظور الاقتصادي، الثوري هو من يرى البنية الاقتصادية الحاكمة، أي مكانة الفاعلين وحصتهم في الملكية والإنتاج وتلقي الثروة، ظالمة وسببًا رئيسيًا للبؤس والنواقص، ولهذا السبب يقترح بنية ونظامًا اقتصاديًا بديلًا.
من البديهي أنه في العالم المادي والواقعي، تتشابك هذه الأبعاد الثلاثة، ولا سيما البعدان السياسي والاقتصادي (خصوصًا في المجتمعات الاستبدادية) لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض.
بعبارة أخرى، هل يُجرّ المثقفون، شاءوا أم أبوا، إلى الساحة السياسية؟
نعم. في العالم الثالث، يُجرّ المثقفون، شاءوا أم أبوا، إلى مجال السياسة. لأن الدولة تتدخل في جميع المجالات وتريد أن تكون كل شيء. لذا، بطبيعة الحال، النقد والتنوير في أي مجال يجرّان الدولة إلى الوسط ويؤديان إلى النقد السياسي. انظر الآن إلى أمثال العلامة جعفري، والدكتور إلهي قمشهاي، والدكتور غلام حسين إبراهيمي ديناني، أي فن وموهبة يمتلكون بحيث يمكنهم إلقاء ألف محاضرة عن الشعر والفلسفة والفن والأسرة والعرفان والدين والتاريخ دون أن يضايقوا أحدًا!
فيما يتعلق بعلاقة المثقفين بالسلطة، يجب القول إن القاعدة هي أن يحافظ المثقف على مسافته من السياسيين؛ إذا تضاءلت هذه المسافة، فمن الصعب جدًا على المثقف أن يؤدي مهمة اكتشاف الحقيقة والدفاع عنها بإنصاف، وعاجلًا أم آجلًا، سيضطر إلى التخلي عن أحدهما للحفاظ على الآخر. بالطبع، يجد العالم الديني الذي يدخل مجال السياسة هذا التناقض نفسه، وفي الواقع، كان خلاصة كلام مكيافيلي في كتاب «الأمير» هو أن مجال السياسة يختلف عن مجال الأخلاق، والقاعدة هي أن السياسة هي ساحة اكتساب السلطة والحفاظ عليها بأي وسيلة. المثقف الذي يندمج في حكومة أو حزب معين لا يمكنه أن يتحلى بالعدالة والإنصاف في النقد السياسي الذي يمارسه. معظم المثقفين المقربين من معسكر الإصلاحيين الحكوميين، من عبد الكريم سروش إلى هاشم آغاجري ومحمد رضا جلاييبور، هم في مثل هذا الوضع. ومع أنني أعتبر أحمدي نجاد شعبويًا، إلا أن نقد معظم المثقفين المرتبطين بالتيار السياسي الإصلاحي له كان من منطلق السياسة، أي إضعاف سلطته، وليس من منطلق التنوير الساعي إلى الحقيقة والتوعية.
برأيكم، ما هي أهم الأساليب والحيل التي يختبئ وراءها المثقفون المحافظون في إيران، وما هو نقدكم لهم؟
في رأيي أن المثقفين الإيرانيين، عن وعي أو دون وعي، لجأوا إلى أساليب شتى لإخفاء نزعتهم المحافظة، وأود أن أعرض اثنين من أهمها:
الأول هو إزاحة الأولويات: أهم حيلة يلجأ إليها الأساتذة والمثقفون المحافظون ليظهروا بمظهر الناقد هي أنهم يزيحون الأولويات، أي يضعون القضايا الأقل أهمية في مركز انتقاداتهم. لذا، إذا أردنا التمييز بين المثقف المحافظ والنفعي والمثقف غير المحافظ، فعلينا في الخطوة الأولى أن نحدد ما هي القضايا والأولويات الرئيسية للمجتمع.
سبق أن كتبت في كتاب «نمطية المثقفين الإيرانيين» وفي نقد تيار التنوير الديني الذي يحول الانقسام «الديني - غير الديني» إلى الأولوية الرئيسية للمجتمع: «إن التناقض والانقسام الرئيسي في مجال السياسة هو الانقسام بين ’الديمقراطية والنزعة التحررية‘ و’الاستبداد والنزعة الشمولية‘، وجر الانقسامات الاجتماعية والثقافية الأخرى إلى مجال السياسة هو إضعاف لجبهة الديمقراطية والنزعة التحررية. وهذا بالطبع لا يعني التغطية على الظلم الجنسي والعرقي والعقائدي وتجاهله؛ لكن ينبغي الانتباه إلى أن جذور التمييز بين الرجل والمرأة، والكردي والتركي والفارسي والبلوشي، والمسلم وغير المسلم، والبرجوازي والبروليتاري، والمتدين والعلماني، والمعمم والمكلا، وغيرها تكمن في وجود الاستبداد ذاته.»
وبالطبع، إلى جانب الانقسام بين «الحرية والاستبداد»، فإن الانقسام بين «العدالة والظلم» هو أيضاً قضية حيوية وأولوية بالغة الأهمية، لدرجة أن بعض المثقفين يعتبرونه الأولوية الأولى للمجتمع. ومع احترامي وإيماني بطرح قضية العدالة، يجب القول: إن لم توجد الحرية، وخاصة حرية التعبير، فلا يمكن التوصل إلى إجماع حول تعريف العدالة وتحديد أبعادها وعوائقها وآليات تحقيقها. ولهذا السبب، وكما يقول دارندورف، فإن المجتمعات التي وضعت الحرية في الأولوية تمكنت، إلى حد ما وبمرور الزمن، من تحقيق عدالة نسبية؛ أما البلدان التي بدأت بالعدالة - ويقصد بذلك الاتحاد السوفيتي والدول الشيوعية - فلم تصل أبداً إلى الحرية والديمقراطية.
في رأيي، بعد الاعتراف بالحدود الدنيا من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، يجب البدء فوراً بالعمل على تحقيق العدالة، الأمر الذي يتطلب نضالاً أطول وأعمق. وحتى لا يُفهم كلامي بشكل خاطئ، أقول هنا إن الحريات الاقتصادية، من وجهة نظري، تقع في نهاية طيف الحريات، والأولوية هي للحريات السياسية والاجتماعية؛ وهو الأمر الذي فعله رجال الدولة الإيرانيون على العكس تماماً، مثل هاشمي رفسنجاني، وحسن روحاني، ومحمد خاتمي (بعد عام 1378)، وبعض الاقتصاديين المقربين من هذا التوجه، مثل الأساتذة الكرام موسى غني نجاد، ومحمد طبيبيان، ومسعود نيلي. لقد أظهرت التجربة أن مجتمعات العالم الثالث التي تعطي الأولوية لسياسات الباب المفتوح والتكيف الاقتصادي والخصخصة قبل بلوغ حد أدنى من الحرية السياسية وحرية التعبير، تورث في النهاية حكومة ناهبة، أو كما يسميها دوغلاس نورث «كليبتوقراطية» KLEPTOCRACY. ذلك أنه لا توجد حرية تعبير وإعلام وشفافية كافية لمنع السرقة والريع والاختلاس والفساد الحكومي، ومثل هذه الحكومة تنهب موارد المجتمع، وبمرور الزمن ترسخ ثقافة السلب في المجتمع وتجعل من الجميع لصوصاً.
باختصار، أعتقد أن أهم قضية في البلاد منذ عصر المشروطة وحتى الآن كانت موضوع «الحرية والاستبداد»، وأن خطأ جزء من المثقفين هو أنهم غفلوا عن هذا الانقسام وقاموا بتفعيل انقسامات أخرى مثل «الديني - غير الديني»، و«أبناء المدينة العليا - أبناء المدينة السفلى»، و«الرأسمالي - العامل»، و«الشيعي - غير الشيعي»، و«المرأة - الرجل»، و«الآري - غير الآري»، و«المحجب - غير المحتجب»، و«الإكليروسي - غير الإكليروسي» وما إلى ذلك. حقاً، ما أهمية دين المستبدين وأحرار الفكر أو محل سكنهم أو جنسهم أو عرقهم؟ إذا كان رجل الدين شخصاً طيباً، فهل ينبغي اعتباره خصماً بسبب التحيز المسبق ولأنه معمم؟ والعكس، إذا كان رجل يرتدي ربطة عنق أو امرأة غير محتجبة تتمتع بضمير مهني وتساعد الآخرين، فهل ينبغي اعتبارها عدواً بسبب قطعة قماش زادت أو نقصت قليلاً؟
بمعنى آخر، هل حاول المثقفون إخفاء طبيعتهم المحافظة؟
نعم. بهذه المقدمة يمكن أن نفهم أي تيارات المثقفين حولت أي موضوع وقضية إلى أولويتها الأولى لإخفاء نزعتها المحافظة.
أ. مجموعة من المثقفين العاملين في مجال الأخلاق ونقد المجتمع يضعون على جدول أعمالهم موضوعات مثل: الحجاب، وشبكات التواصل الاجتماعي، والفساد الأخلاقي والعلاقات الجنسية، وإقامة الحفلات الموسيقية المختلطة، والمراسم والاحتفالات الثقافية وما شابه ذلك، ويميلون إلى جعل هذه الموضوعات أولويةً وقضيةً رئيسيةً للمجتمع.
في المقابل، هناك مجموعة أخرى من المثقفين، وفي مجال الأخلاق نفسه، تُعطي الأولوية لموضوعات مثل الكذب، والتظاهر والرياء، والاختلاس، والمحسوبية، والفساد الإداري والرشوة وما شابهها، وتعتقد أن الموضوعات الأخرى تأتي في أولوية لاحقة. حسنًا، لقد رأيتم ممثلين عن كلا المجموعتين، وبإمكانكم أن تحكموا بأنفسكم أيّ المسألتين هي القضية المهمة والأساسية في المجتمع، وأيّ هاتين الفئتين أكثر التزامًا وأيّهما أكثر محافظةً. أتذكر في زمن السيد أحمدي نجاد، حين ثبت تزوير الشهادة الدراسية للمرحوم كردان، لم يتناول الموضوع سوى إمام جمعة واحد أو اثنين في البلاد كلها واستنكرا الكذب والخداع؛ لكن بعد بضعة أشهر، حين صافح أحد الممثلين شخصًا من الجنس الآخر، خرجت الأغلبية من السادة إلى الساحة واستنكرت فعله.
ب. الحداثة وما بعد الحداثة: موضوع «ما بعد الحداثة» الذي أبرزه في إيران خلال التسعينيات الميلادية أشخاص مثل السادة رضا داوري، وبابك أحمدي، وعلي باباجاهي وعدد من المترجمين؛ لم يكن سوى انحراف غير مقصود للرأي العام عن القضايا الأكثر جوهرية. تجدر الإشارة إلى أن الحداثة هي السائدة في الغرب، وما بعد الحداثة بوصفها تيارًا فكريًا وفنيًا هامشيًا لها وظائفها في نقد الحداثة، أما في بلد لم تُعترف فيه بعد بأبسط مقومات الحداثة مثل العقلانية، والحرية، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والاستقلال الذاتي، والحقوق الفردية والاجتماعية، وما زال واقعًا تحت سيطرة التقليد؛ فإن ترويج ما بعد الحداثة ونشرها ليس سوى توجيه ضربة لجسد الحداثة النحيل. وبحسب مفكرين مثل داريوش آشوري وداريوش شايغان، فإن طرح الأسئلة ما بعد الحداثية في مجتمعات لم تبلغ بعد مرحلة التصدي لهذه القضايا هو مسألة زائفة. وبعبارة أخرى، نقد العقلانية والديمقراطية وحقوق الإنسان في مجتمع متطور هو أمر واقعي ومفيد، لكنه في مجتمع غير متطور ضار تمامًا ولا يحتاج إلى شجاعة أو التزام. بالطبع، كان هناك أشخاص آخرون مثل الدكتور محمد رضا تاجيك، الذين انبروا، بهذه الأدبيات ما بعد الحداثية نفسها، لقراءة نقدية للوضع القائم وسعوا إلى نقد السلطة، وقدموا مثلًا مقاربة جديدة للأمن أو حقوق الأقليات.
في هذا السياق، وعلى عكس تاجيك؛ لا يمكنكم أن تجدوا لدى الدكتور حسين كجويان؛ الذي قضى نصف عمره العلمي في دراسة فوكو؛ عملًا أو تحليلًا نقديًا فوكويًا. حتى في كتاب له بعنوان «تطورات خطابات الهوية في إيران» لا يُشير أبدًا إلى دور السلطة وآليتها في بناء خطاب الهوية بعد الثورة، وحسب ما أتذكر، يقول في مقدمة الكتاب صراحةً إنه استبعد عامل السلطة من تحليله. الأمر أشبه تمامًا بأن يقول شخص إنه أجرى بحثًا بعنوان «قراءة ماركسية للثورة الإسلامية» لكنه لم يتطرق إلى مسألة الصراع الطبقي. حسنًا، هذا أيضًا من تناقضات مجتمعنا؛ وكما أشار كتّاب أدب الرحلات؛ إيران أرض التناقضات والمفارقات. نريد أن نكون مفكرًا مستقلاً أنيقًا على طريقة فوكو، وفي الوقت نفسه عضوًا في المجلس الأعلى للثورة الثقافية. ولهذا السبب يُقال إن على المثقف، لكي يتمكن من أداء وظيفته، أن يحافظ على مسافة بينه وبين السلطة.
ج. المحافظة تحت راية محاربة الليبرالية: مجموعة من المفكرين ذوي الميول اليسارية أو الإسلامية، عبر إبرازهم للفجوة بين «الليبرالية والنيوليبرالية» و«الاشتراكية أو الإسلام»؛ يصبّون كل تركيزهم الفكري في الدفاع عن أحدها ومهاجمة الآخر. وكما أشير، فإن هذه الفئة من المثقفين إما ذات ميول يسارية وتهاجم الليبرالية من منطلق اشتراكي قائم على محورية العدالة، فتضع بالتالي موضوعات مثل منطق الرأسمالية، والعولمة، والفجوة الطبقية، والنزعة الاستهلاكية والتسليع في مركز هجماتها. وإما ذات ميول إسلامية وتهاجم الليبرالية من منطلق ديني، فتتخذ من موضوعات مثل النزعة الإنسانية، والعلمانية، والهوية، والانحرافات الأخلاقية، والربا، والأرستقراطية مادةً للنقد.
السؤال الآن هو: هل يدرك منتقدو النيوليبرالية ظروف المجتمع الذي يعيشون فيه، وهل راعوا ذلك في اختيار الموضوعات وطرح المسائل؟ قد يكون الصراع حول مساوئ ومحاسن النيوليبرالية صراعًا حقيقيًا ومهمًا ومفيدًا في السويد والدنمارك الاشتراكيتين الديمقراطيتين، أو في بريطانيا وأمريكا الليبراليتين الديمقراطيتين وبين أحزاب اليسار واليمين في الدول الغربية؛ لكن ما مدى واقعية وجدوى طرح هذا الموضوع في بلدنا أساسًا؟ إن إعطاء الأولوية لهذا الموضوع في البلدان ذات الأنظمة الرأسمالية والنيوليبرالية أمر صحيح؛ ولكن هل يسود مجتمعنا مثل هذا النظام؟ عندما يُذكر نظام الحكم في إيران، هل الصورة الأولى والأهم التي تتبادر إلى الذهن هي كونه رأسماليًا ونيوليبراليًا؟ هل يمكن في تحليل الوضع السياسي-الاقتصادي في إيران مراعاة الأولويات نفسها التي يراعيها المحللون الغربيون لتحليل مجتمعهم؟
يعتقد منتقدو النظام الرأسمالي والنيوليبرالية في إيران أن مثل هذه الأنظمة تصرف انتباه المجتمع عن الموضوعات الواقعية والمهمة، وتُبرز مسائل غير واقعية في أذهانهم، وتُلهيهم بقضايا قليلة الأهمية. وفي الرد يجب القول إن الذين استهدفوا الرأسمالية والليبرالية والنيوليبرالية في إيران هم أنفسهم من جملة الفاعلين الذين يستبدلون المسائل والموضوعات الأساسية بالثانوية، ويُورطون الرأي العام في قضايا خيالية. بعض الأساتذة والمثقفين اليساريين الإيرانيين الذين يدينون ممارسات ترامب العنصرية وكل حدث ظالم يقع في الغرب، ويقلقون على حقوق الأقليات بعد الحادي عشر من سبتمبر؛ لا توجد في سجلهم الفكري مذكرة بسيطة واحدة لدعم العمال الساخطين في بلدهم.
وبالطريقة نفسها، وكما قيل، يُمارس الوجه الآخر للمحافظة تحت راية مكافحة الليبرالية من قبل أفراد ذوي خلفية دينية. هذه الفئة من المثقفين البراغماتيين والمحافظين، الذين يحبون أن يُطلق عليهم الأصوليون والقيميون، ما جرى في سجن غوانتانامو وأبو غريب يؤلم قلوبهم، لكنهم لا يأبهون بما يجري في سجون بلدهم. النقاد القيميون الذين ينتقدون سياسات النظام الرأسمالي يلتزمون الصمت إزاء الربا الذي تمارسه البنوك والمؤسسات المالية والائتمانية والمحتالين الوطنيين.
ت: التركيز على مسائل وأولويات المجتمعات الأخرى: إحدى الطرق المعروفة والقديمة للمحافظة هي الانشغال بمسائل المجتمعات الأخرى والتزام الصمت إزاء المسائل والموضوعات الأساسية في بلدنا. أولئك الأساتذة والمثقفون الذين يتحدثون باستمرار عن نقاط ضعف المجتمعات الأخرى ويُظهرون البطالة والفقر والرشوة والسرقة والاختلاس والتمييز والانتحار والطلاق في الصين وأمريكا وبريطانيا؛ نسوا أن وقتهم وأعمارهم وميزانية المجتمع وإمكانياته لم تُبذل لهم ليخدموا بلدانًا أخرى، خصوصًا البلدان الغربية، وليتغنوا بعيوبها. أنظار الشعب الإيراني تتجه إليهم كي يفكروا في حل لمشكلاتهم. خبير العلاقات الدولية الذي يُظهر الأخطاء الاستراتيجية لسياسة العلاقات الخارجية للحكومة الأمريكية في البرازيل والمكسيك وشبه الجزيرة الكورية؛ لا يملك جملتين حول عيوب العلاقات الخارجية لبلده في العراق أو أفغانستان. بعبارة أخرى؛ إذا كنا نريد أن نضرب بالمعول، فيجب أولاً أن نستطيع ضربه في حديقتنا.
في ختام هذا الجزء يمكن القول: إذا كان المثقفون، مثل مثقفي عصر المشروطة، لا يزالون يطرحون موضوعات كالحرية والعدالة وحقوق الإنسان والأخلاق بمعنى الحقيقة والإنسانية؛ فهم ملتزمون؛ أما إذا كانوا يُفعّلون انقسامات أخرى؛ فيبدو أنهم وقعوا في المحافظة. طبعًا ليس من الضروري أن يكون هؤلاء المثقفون والناشطون فاعلين بالضرورة في مجال السياسة. يمكنهم العمل في مجال الأخلاق والدين مثل الدكتور مصطفى ملكيان أو الأستاذ مجتهد شبستري أو الدكتور حسن محدثي والدكتور محمد فاضلي. كما يمكنهم، مثل الدكتور محسن رناني والدكتور حسين راغفر، أن يمارسوا النقد والتنوير في مجال الاقتصاد. وهذا العمل نفسه يقوم به من الدكتور رضا داوري إلى الدكتور مرتضى مردميها في مجال الفلسفة والعلوم السياسية. دعونا لا ننسى أننا نناقش فكر المحافظة وعدم محافظة المثقفين، وتأييد أدائهم الفكري أو رفضه لا يعني حكمًا أخلاقيًا ورفضًا أو تأييدًا لشخصياتهم.
كنتم تتحدثون عن حيل إخفاء المحافظة بين المثقفين. ما هي الحيل التالية؟
الطريقة الثانية هي «تجزئة وتفتيت القضايا الأساسية للمجتمع». من الانتقادات القديمة الموجهة إلى الوضعيين أنهم، بإخراجهم الظواهر من سياقها وخلفيتها، وكذلك بتقطيع أوصال المعرفة الاجتماعية، لا ينظرون في نهاية المطاف إلا من خلال عدسة خاصة إلى جزء من الظواهر الاجتماعية، وفي ظروف مصطنعة كذلك. بعبارة أخرى، إنهم يفتتون كُلية الظواهر الاجتماعية، ويُخضعون جزءًا فقط من الأجزاء المختلفة للظواهر للفحص المجهري بشكل غير واقعي، ويقدمون نتائج حول ذلك الجزء فحسب. من البديهي أن مثل هذه النتائج ليست ذات فائدة تُذكر في الممارسة العملية؛ لأن هذه الأبعاد في العالم الواقعي ليست منفصلة عن بعضها البعض. كان الوضعيون يقومون بهذا التفتيت بإيماءة تدّعي العلمية، ويتهمون الآخرين بالتعميم والطوباوية. أدى هذا الموضوع إلى تشكّل نقاشات مطولة، كان من ثمارها تشكّل علوم متعددة التخصصات مثل دراسات الأسرة أو المرأة، وهو ما لا يتسع المجال لبحثه هنا.
على أية حال، يُعد تفتيت القضايا هذا أحد أهم الأساليب التي يختبئ وراءها المحافظون، ولا سيما أساتذة الجامعات. انظر مثلاً إلى نتائج بحث بعنوان «علاقة إدمان الوالدين للمواد الصناعية بدافعية التحصيل الدراسي لدى الطالبات في المدارس غير الربحية» أو «دراسة علاقة الإدارة التشاركية بالرضا الوظيفي لموظفي المناوبة الليلية في المستشفيات التابعة للتأمينات الاجتماعية» أو «تأثير لعبة الكمبيوتر Angry Birds على انخفاض السعادة الاجتماعية لمستخدميها»... إلخ، التي تُجرى، كم تزيد من معرفتنا بظواهر مثل «الدافعية للتحصيل الدراسي» و«الرضا الوظيفي» و«السعادة الاجتماعية». قد تظن أن هذه الموضوعات هي لرسائل مرحلتي البكالوريوس والماجستير، لكنني أؤكد لك أن أطروحات الدكتوراه في كثير من الجامعات والمشاريع البحثية للعديد من أعضاء الهيئات التدريسية في الجامعات لم ترتقِ إلى مستوى أعلى من هذا.
وعلى الوجه الآخر من العملة؛ ظهر مثقفون استنادًا إلى أفكار ميشيل فوكو، وبطرحهم الادعاء بأنه لم يعد لدينا مثقف عام ذو رسالة اجتماعية، وأن على المثقفين أن ينحصر كل منهم في مجال تخصصه، اتخذوا من المحافظة مهنة لهم، فعملوا مثلاً فقط على قضايا المرور، أو البيئة، أو أطفال الشوارع، أو الإنتاجية، أو الاستهلاك، وعلى أية حال اقتصروا على موضوع واحد محدد. بالطبع، إذا لم تشوه هذه الفئة من المثقفين أفكار فوكو، وأظهرت ونقدت بنية السلطة والتمييز الكامنة وراء كل مجال من هذه المجالات التخصصية كما قال هو، فسيكون العمل قيّمًا للغاية، وسنبتعد فعلاً عن التعميم. أما إذا تمسكوا فقط بالجزء الأول من كلام فوكو واكتفوا بالوصف والإخبار وتقديم الإحصائيات في مجال معين؛ فهذا يدل قطعًا على محافظتهم.
ما هو نقدكم لممارسات التيارات الفكرية في إيران بعد الثورة؟ وهل كان لهذه التيارات دور في تحولات المجتمع الإيراني؟
باختصار، لدي عدة انتقادات للتيار الفكري. أولاً، أنهم لا يتحاورون فيما بينهم وسرعان ما يلجأون إلى العنف اللفظي. فبدلاً من أن ينشغل المثقفون بتحليل مجتمعهم، يدخلون في حرب مع بعضهم البعض ويشنون الحملات ضد بعضهم. قد يكون هذا تحليلاً متشائمًا، لكن برأيي، بعد أن اتضحت أهمية المطبوعات الفكرية في تنظير حركة الثاني من خرداد، فكرت مجموعة في أن تعمل في هذا المجال لمنع تشكّل تجربة مماثلة مجددًا. هؤلاء الأشخاص، بين الحين والآخر، أطلقوا مطبوعة وأشغلوا المثقفين بها، وسيجرون هذا النزاع إلى التلفزيون على الأرجح. اسمحوا لي أن أروي تجربتي الشخصية؛ في السنوات القليلة الماضية، وخاصة في الأحداث التي وقعت بعد ارتفاع أسعار العملات والذهب منذ أواخر عام 97، نُهب حجم هائل من أموال وموارد المجتمع. لهذا السبب قررت أن أكتب مقالاً عن الفساد البنيوي والعام؛ وسرعان ما أدركت أنه على الرغم من تكرار مصطلح «الفساد البنيوي»، لم ينشر المفكرون من أبناء وطني الكثير في هذا الشأن. وبعد أن أعددت مذكرة قصيرة وأرسلتها إلى عدة مواقع ومطبوعات، لم أنجح حتى في نشرها. وفي هذه الأثناء، كانت المطبوعات الفكرية قد مهدت الأجواء لكي يصفّي بعض المثقفين حساباتهم مع بعضهم البعض. برأيي، هذا أيضًا نوع من المحافظة اللاواعية في الفضاء الفكري للبلاد.
ثانيًا، للأسف فإن معظم المثقفين يمنحون الأولوية لـ«محبوبية الجمهور» على «الحقيقة»، ولهذا السبب يضطرون في بعض الحالات إلى تنحية الحقيقة جانبًا والركض خلف الناس. هذا في الوقت الذي يبدو فيه أن على المثقف أن يقول الحقيقة؛ حتى لو كانت الحقيقة كطفل غير شرعي يؤدي إلى سوء سمعة الأم. لطالما سمعت تمجيدًا للدكتور شريعتي لأنه كان يمتلك جمهورًا واسعًا، ولأن أشرطة محاضراته كانت تُنسخ بالآلاف مثلًا. إذا كان هذا الاستدلال صحيحًا، ففي الفترة الزمنية نفسها كان جمهور المرحوم كافي أوسع بكثير. اسمحوا لي أن أضرب مثلًا آخر؛ انظروا، لقد عبّر الدكتور يوسف أباذري عن أسفه إزاء حضور الحشود الكبيرة في حفل تأبين مغني البوب المرحوم مرتضى باشايي، وحضورهم القليل جدًا في مراسم عظماء الموسيقى أمثال برويز ياحقي أو همايون خرم، وبالطبع لم يقل أبدًا إنه ينبغي القضاء على هذه الموسيقى وأن يستمع الجميع إلى الموسيقى التقليدية. لأن المفكر إن قال شيئًا كهذا فإنه يخرج من دائرة التنوير ويرتدي قميص الديكتاتور المصلح. على أية حال، في هذا الشأن تدخل أباذري على مستوى النقد والتوعية، وكان ذلك شجاعًا. بين قوسين، مع كل هذا الكلام، أنا أحب أغاني جواد يساري أكثر بكثير من الموسيقى الكلاسيكية.
ثالثًا، الكثير من المثقفين منشغلون بالمشي على الحبل والشعوذة. إذا نظرتم إلى أجواء الهيئات العلمية في الجامعات، سترون أنه بصرف النظر عن الأساتذة المحايدين والسلبيين، فإن الأغلبية لديهم ميول دينية أو إصلاحية أو يسارية. لكن المجموعات الثلاث تشترك في نقطة واحدة وهي تنحية القضايا الرئيسية جانبًا وتفعيل الانقسامات الفرعية. الأساتذة القيميون يتظاهرون ضد سوء الحجاب واختلاط قاعات الدرس؛ والأساتذة اليساريون لا يكفون عن نقد ترامب وماكرون؛ لكن في النهاية كل هذا من أجل المشي على الحبل والهروب من الموضوعات الأساسية. ليس من العبث أنه عند اختيار الهيئة العلمية في وزارة العلوم، إذا كانت لديك ميول حداثية وبارسونزية فسيتم استبعادك؛ أما إذا كنت ما بعد حداثيًا وماركسيًا جديدًا فستبقى، بشرط أن تتحدث ثلاثين عامًا عن فساد النظام الرأسمالي وظلم أمريكا المستكبرة.
رابعًا، لدى المثقفين الإيرانيين عقدة وعطش غريبان لتسجيل نظرية أو على الأقل مصطلح باسمهم. إنهم يرون أنه من دون شأنهم أن يقولوا إنني من أتباع أفكار جون ستيوارت ميل، أو كانط، أو فوكو، أو من أنصار نظام سياسي معين قائم في العالم. من ديمقراطية شريعتي الملتزمة إلى الديمقراطية الدينية عند سروش، كلها تقع ضمن هذا النموذج الفكري نفسه. برأيي، على المثقف أن يشعر بالالتزام تجاه التكاليف التي تفرضها آراؤه على المجتمع، حتى بعد مماته.
خامسًا والأهم من كل ذلك: لدينا الكثير ممن يدّعون التنوير؛ لكن في ميدان العمل لا نرى أحدًا تقريبًا. لإثبات هذا الادعاء، يكفي أن تنظروا إلى صور التجمع الذي أُقيم لإدانة رش الأحماض في أصفهان. لم يكن هناك أثر لجيش الإيرانيين؛ ولا أثر لأنصار الليبرالية أو منتقديها والنيوليبرالية؛ ولا أثر للمثقفين الإصلاحيين، ولا أثر للقوى القيمية وأتباع عدل علي (ع)؛ أما مثقفو تيار ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار والنوشريعتيون وغيرهم، فمن المحتمل أنهم كانوا مشغولين بأعمال أكثر أهمية.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الدين
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٦ تعليق
بر زمینه دو قطبی « اهورایی / اهریمنی » ـ که زیرساخت هنوز نافذ اندیشه ایرانی است ـ ، هر نقدی بر یک پدیده ، انکار آن تلقی می شود و به ندیدن ، به حساب نیاوردن ، حکم به هدم و نابودی دادن و ... می انجامد . پادزهر این منش ، مرکب و در جریان دیدن امور است ، روشی که معدل گیری پویا و رفتار عادلانه مبتنی بر آن را در پی دارد . روشنگری با همه کاستی هایش ، گام زدن در این مسیر است اما دشمنان خرد این را خوش نمی دارند .
یکی زیباترین مصاحبت هایی بودکه تا به حال خوانده بودم .استاد به درستی اشارت کردند نقد سرمایه داری ، عقل گرابی و دموکراسی موضوع اصلی کشور ما نیست.
مسئله اساسی در کشور شما آقای نویسنده لیبرال رسوا شدن دانشگاه، فیلسوف، استاد دانشگاه تابع مد روز است که در اتاق دربسته و آزمون ها سعی در بدست آوردن جایگاه شغلی و پس از secureکردن آن در روزنامه، مجله، و گفتگوها با زیر پا گذاشتن وجدان و اخلاق خود با تظاهر به ارائه نقد اجتماعی با حمله به ارزشهای فرهنگی و بومی خود تلاش برای جلوه گری ، مشهور شدن و بدست آوردن جایگاه اجتماعی و شهرت به هر قیمت میکند. در زمانی که مردم علیه لیبرالیسم در آمریکا و فرانسه کشته می شوند یا زیر زانوی پلیس جان می دهند دانشگاهی ایرانی بجای روشنگری در باب آشوب های جامعه غرب به خود و خانواده خود و ملت خود می تازد!
خیلی خوب بود؛ متاسفانه اغلب روشنفکران(یا شاید بهتر باشد بگوییم روشنگران! ) به عقاید خود تعهد ندارند و اصطلاحا یکی به نعل می کوبند و یکی به میخ! زمانی که بچه بودم قصه ای خواندم که ماری بچه های قورباغه ای را می خورد و قورباغه برای راسویی ماهی گذاشت تا جلو لانه مار و راسو مار را خورد اما چند روز بعد راسو از همان راهی که یاد گرفته بود آمد و اول بچه ها را خورد و بعد هم خود قورباغه را ! داستان روشنفکران ما هم همین است! نمی دانم کسی که خود را روشنفکر و مدرن می داند با چه منطقی برای توجیه مولفه ها و لوازم مدرنیته از متون بسیار سنتی و مذهبی استفاده می کند؟! به خیال خودشان میخواهند از ابزارهایی که وجود دارد و برای عموم و البته قدرتمداران قابل فهم است و حساسیت هم ایجاد نمی کند استفاده کنند تا بتوانند مدت طولانی فعالیت کنند؛ واقعا نمی دانند عاقبتش ماجرایی قورباغه و راسو می شود؟! اگر نمی دانند که چندان هم فکر روشنی ندارند و اگر می دانند که در حال خیانت به مردمی هستند که چشم امید به ایشان دارند .(حالا بگذریم از خیانتی که به عقاید و باورهایی خود می کنند، چون در مقابل آنچه با جوانان تشنه این مملکت می کنند هیچ اهمیتی ندارد! )
ممنون ازاستادعزیز، آیا تبدیل روشنفکری به خاموشفکری هم امکان پذیر است؟ هیچگاه روشنفکر محبوب نخواهد شد،نگاهی به روشنفکرانی که باعث پیروزی انقلاب شدند بیاندازید، همگی محبوبیت خود را از دست دادند وهر کدام به گوشه ای خزیده اند
نقد بسیارخوبی بود به روشنفکران.جامع و کامل