اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
إن شجاعة آية الله الصانعي في مراجعة آرائه الفقهية جعلته من طلائع الحوزة. وفهم نوعية نظرته وأسسه الفقهية، أكثر من فتاواه المتميزة، هو المعيار الأساسي لتقييم وجهات نظره وضرورة لفاعلية فقه الحوزات.

الفقه، من منظور علم اللفظ، هو نفس الفهم أو فهم خاص، الذي، كما يقول الزمخشري، يرتبط بالشقّ والفتح؛ لأن جذره يحمل هذا المعنى. كما أن البعض، مثل الراغب الأصفهاني، اعتبروا الفقه، من هذا المنظور، أمراً أخصّ من العلم والمعرفة بمعناها العام وعدّوه كشفاً لمعرفة خفية من خلال معرفة جلية. لا شك أنه في جزء من التعاليم الدينية التي تؤكد على «التفقّه» في الدين، كما ورد في الآية ١٢٢ من [سورة] التوبة، فإن المقصود هو هذا المعنى العام واللغوي لكلمة الفقه. وهذا ما جعل الفقه يُستخدم في معنى ودائرة أخصّ، وكما ورد في بعض مصادر علم اللغة، تم تعريف «الفقه» بمعنى «العلم بالدين». لكننا نعلم [أنه] لاحقاً، أصبح نطاق استخدام وحتى نطاق معنى كلمة الفقه أخصّ من هذا المعنى أيضاً، وتم استخدامه «كمصطلح» فقط في نطاق جزء من التعاليم الدينية والإسلامية. ولهذا فإن مصطلح الفقه يُستخدم منذ أكثر من ألف عام [وهو] يشير إلى أحد العلوم الإسلامية ويعبّر عنه.
الفقه علم يسعى إلى معرفة التكاليف والآداب العملية وتشكيل ذلك الجزء من حياة الإنسان الفردية والاجتماعية الذي يعود إلى نطاق سلوكه؛ الجزء الذي يُطلق عليه اسم الأحكام «الشرعية» ويشكّل، إلى جانب التعاليم «الاعتقادية» والتعاليم «الأخلاقية»، الأضلاع الثلاثة الرئيسية للإسلام. ولهذا فإن علم الفقه هو الأكثر ارتباطاً بالحياة الفردية والاجتماعية للمسلمين، وهذه الميزة جعلته من جهة واسعاً وبالغ الأهمية، ومن جهة أخرى جعلت دور الفقهاء في الحياة الدينية للمسلمين دوراً متميّزاً.
يمتلك علم الفقه، شأنه شأن سائر العلوم، «منهجاً» و«مصادر» و«مباني» خاصة به. كما أنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدة علوم، بوصفها مقدمة أو أداة للفقه؛ علومٌ تشكّل بعضها، مثل «أصول الفقه»، أساساً في ظل الفقه وبوصفه مقدمة له، وتوسّع بعضها الآخر، مثل علم الرجال وعلم الحديث، في ظل الفقه. إن ما يُطلق عليه اليوم، ومنذ القدم، اسم «الاجتهاد»، هو في الواقع المنهج والطريق الرئيسي في علم الفقه والتوصل إلى الأحكام الشرعية، ويمكن وصفه بأنه «فنّ» واسع وعميق؛ مع الأخذ بالاعتبار أن بعض فقهائنا قد أشاروا إليه بوصفه «قوة قدسية»، واعتبروا منشأه المعرفي والقيمي، فضلاً عن خصائص مصادره ونتائجه التي تُعد جزءاً من الأمر الديني المهم، أمراً يتجاوز كونه فناً وقدرة علمية ومهنية في مصاف سائر الفنون.
إن ارتباط العلوم المذكورة الوثيق بالفقه، والدور الذي تؤديه في كيفية الاجتهاد وبالتالي في معرفة الأحكام الشرعية، يدفع الفقيه إلى المعرفة التخصصية بتلك العلوم، وهذا الأمر حتمي في قسم من المسائل التي لها دور مباشر في الاجتهاد وكيفية الاستنباط. ولهذا، فإن الفقيه، حتى لو لم يكن صاحب رأي في جميع مسائل العلوم التي يرتبط بها الفقه، فإنه مضطر لأن تكون له آراء ومبانٍ محددة في المسائل والمباني المؤثرة. هذه الحاجة واضحة جلية في مجال علم الحديث وعلم الرجال، وهي أكثر وضوحاً في مجال «أصول الفقه»، الذي تشكل فلسفة وجوده علمَ الفقه، بل يُعد، بنظرة أعم، جزءاً من علم الفقه، ولا يمكن للفقيه، دون التمتع بالقدرة الاجتهادية ودون معرفة وتحديد مبانيه الأصولية، أن يمارس الاجتهاد في مجال المصادر والأحكام الشرعية. ولهذا، فإن الفقهاء، منذ القدم، لم يقتصروا على البحث والتدريس في مسائل أصول الفقه إلى جانب الفقه فحسب، بل قام كثير منهم بتأليفات مستقلة في هذا الشأن؛ وتناولها بعضهم الآخر في مؤلفاتهم الفقهية، أولاً في قالب مقدمة وبهدف تبيين مبانيهم وأطرهم الأصولية، وبهذا تشكل علم مستقل إلى جانب سائر العلوم الإسلامية.
لقد شهد علم أصول الفقه، الذي تستفيد منه علوم أخرى كالتفسير أيضاً، توسعاً لافتاً في القرنين الأخيرين، وأصبح أحد الاحتياجات العامة في الحوزات العلمية في مختلف المستويات الدراسية والعلمية والاجتهادية. وهكذا، فإن تمتع الفقيه بـ«مباني أصولية» واضحة وقابلة للدفاع عنها يُعد، إجمالاً، حاجة وأصلاً ثابتاً على الدوام، ويُعتبر نقطة تحول في معرفة منهجه الفقهي وقدرته الاجتهادية وتحليل فتاواه. الفقيه الجليل والأستاذ المعظّم، سماحة آية الله الصانعي (دام ظله)، الذي مارس البحث والتدريس لسنوات في مجال أصول الفقه أيضاً وأظهر ذلك في مباحثه الفقهية، له مباني في مسائله، خاصة في بعضها الذي يؤدي دوراً بارزاً في كيفية الاستنباط، يمكن متابعتها في فرصة أخرى.
لكن إلى جانب الاحتياجات المذكورة، التي تُطرح بشكل صحيح ومتعارف عليه في تعريف علم الفقه والاجتهاد ومتطلباتهما المسبقة، فإن ما يحتاجه الفقيه من منظور أعم وأفق أسمى، في معرفته الأدق والأشمل وتعزيز فاعلية نتائجه الفقهية، والذي يؤدي دوراً مهماً بل لا بديل له في الاجتهاد وتشكيل «مبانيه الفقهية»، هو بعض المعارف و«النظرات الكلية» والعامة في مجال الدين والشريعة والاجتهاد الإسلامي. ما وجدته، من هذا المنظور، خلال سنوات التوفيق في الاستفادة عن قرب من سماحة آية الله الصانعي، في نظرته، هو عدة نقاط ومبانٍ كلية، يُشار إلى قائمة ببعضها قبل شرح بعض المباني الفقهية لسماحته، ويُترك شرحها لفرصة أخرى:
١- التأكيد على شمولية الإسلام وتلبيته للاحتياجات؛ ٢- التأكيد على دور الاجتهاد في حياة الإسلام؛ ٣- التأكيد على أصالة الاجتهاد الجواهري؛ ٤- التأكيد على دوام نمو الفقه وحرية الاجتهاد؛ ٥- الاهتمام بمؤشر فاعلية الفقه كمعيار في الاجتهاد؛ ٦- الاهتمام بمعرفة الموضوع والواقعية في الاجتهاد؛ ٧- التأكيد على لزوم الانتباه إلى تدخل الزمان والمكان في الاجتهاد؛ ٨- الاهتمام بدور الفهم العرفي للأدلة اللفظية في الاجتهاد، خاصة إلغاء الخصوصية؛ ٩- التأكيد على متانة منطق ورصانة الاجتهاد الشيعي؛ ١٠- الاهتمام بقدرة الفقه وتوسعه في ميدان العلاقات الاجتماعية.
نعلم أن الفتاوى الفقهية يجب أن تستند جميعها إلى أدلة وشواهد كافية. ومن حيث الحجم، فإن القسم الأكبر من الأدلة هو الآيات والروايات الموجودة في أبواب ومسائل فقهية مختلفة. وقسم آخر من الأدلة هو مجموعة من القواعد الفقهية الكلية التي يشمل نطاق كل قاعدة، بحسب مضمونها، جزءاً من المسائل، والقواعد ليست متساوية من هذه الناحية؛ فبعضها يجري في نطاق خاص، وبعضها الآخر، مثل قاعدة نفي الضرر ونفي الحرج، يجري في أغلب الأبواب الفقهية. ولكن إلى جانب القواعد الفقهية أو أبعد منها، قد يكون كل فقيه، بحسب مستواه ومنهجه الاجتهادي، قد استنبط مبانٍ فقهية أعم من مجموع الشريعة والأدلة الموجودة، بحيث تلقي بظلالها حتى على كيفية الاستناد إلى القواعد الفقهية.
إن سماحة آية الله الصانعي، في إطار موازين الاجتهاد، الذي أشار إليه مراراً -اقتداءً بأستاذه الكبير سماحة الإمام الخميني (قدس سره)- بـ "الاجتهاد الجواهري"، قد توصل إلى مبانٍ فقهية متميزة أو يؤكد عليها، وما يستحق الاهتمام والتحليل العلمي، من منظور علمي واجتهادي، أكثر وقبل الفتاوى المتميزة لسماحته، هو هذه المجموعة من المباني التي يُعتبر بعضها، في الوقت نفسه، فتوى فقهية أيضاً. وعلى سبيل المثال، فإن ما ذهب إليه هذا الفقيه الجليل من تأكيد على ضرورة العلاقات الإنسانية بين جميع البشر، بغض النظر عن نوع فكرهم وعقيدتهم، قد تشكل في ظل جزء من هذه المباني. وسنشير هنا إلى بعض هذه المباني، وفي كل مبنى سنشير فقط إلى جزء من فتاواه.
جميع البشر، لكونهم بشراً وفي ذاتهم، يتمتعون بالحرمة والكرامة، ولهم قيمة وحقوق إنسانية. لا يمكن لأحد أن يعتبر معتقداته مبرراً للتعرض لحقوق الآخرين والتصرف في شؤونهم المادية أو المعنوية أو الفردية أو الاجتماعية. ومن هنا، يؤكد سماحة آية الله الصانعي على أن نفس ومال وعِرض وشرف وحرية وحقوق الإنسان لجميع البشر يجب أن تبقى مصونة، والاستثناءات التي هي نتيجة عوامل عارضة وخارجية ليست خاصة بفئة معينة، ولا دور للمعتقدات فيها. وعلى سبيل المثال، كما أن الغيبة والنميمة بحق الشيعة غير جائزة، فهي أيضاً غير جائزة بحق الآخرين، مسلمين وغير مسلمين، وإذا جازت في بعض الموارد، فهي جائزة بحق الجميع. وفي ثبوت حد القذف، لا فرق بين المقذوف المسلم وغير المسلم. ومن وجهة نظره، فإن القصاص والدية الكاملة وحتى وجوب الكفارة بسبب ارتكاب القتل لا تختص بقتل المسلم، بل تشمل غير المسلم أيضاً، حتى لو كان كافراً حربياً ولكنه "مُعاهَد"، وكونه معاهداً يتحقق أيضاً على أساس قبول المعاهدات الدولية العامة والانضمام إليها. كما أن مجرد المعتقدات، حتى لو كانت خاطئة من المنظور الإسلامي، لا يمكن أن تكون سبباً لنجاسة الشخص، ومن ثم فإن غير المسلمين جميعاً، سواء كانوا من أهل الكتاب (موحدين) أو من غير أهل الكتاب (غير موحدين)، طاهرون من الناحية الشرعية. وهذا المعيار نفسه يجري بشأن الزواج أيضاً. وبالطبع، فإن حساب الفئة الثالثة، وهم "الكفار المعاندون"، منفصل.
يستند هذا المنهج في نظر الأستاذ المعظّم، كما نبّهني إليه مؤخّراً في لقاء جمعني به، إلى منطق القرآن الكريم وأسلوبه، حيث جعل مخاطَبه العامّ والأصليّ هو «الناس» و«الإنسان». فالقرآن، وإن كان «هُدًى لِلنَّاسِ» [البقرة/١٨٥] وقد جاء لهداية البشر أجمعين، وكان نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «بَشِيرًا وَنَذِيرًا» [سبأ/٢٨] و«رَحْمَةً» للعالمين [الأنبياء/١٠٧]، إلّا أنّه ليس من شأنه إن عجز قسم من البشر، لأيّ سبب، عن التعرّف على رسالة الإسلام عن قرب والإيمان بها، أو حتّى إن عجز عن إدراك وجود الخالق الأحد الفريد، الله عزّ وجلّ، والإيمان بهذه الحقيقة المطلقة، أن يؤدّي به هذا العجز إلى أن يسقط من كامل قيمته الوجوديّة الإنسانيّة ويفقد جميع حقوقه الإنسانيّة. ولهذا، لا ينبغي، على سبيل المثال، أن يُظنّ أنّ الآية الشريفة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/١٣) تختصّ بـ«المسلمين» أو حتّى «الموحّدين». ومن هنا، فإنّ «التقوى» أيضاً، وهي المعيار العامّ في هذه الآية لتقييم الناس، لا ينبغي حصر معناها وتفسيرها في إطار الالتزام بالتعاليم الإسلاميّة أو حتّى التوحيديّة والأديان السماويّة فحسب. وهو يرى حتّى جواز وصحّة الوقف والوصيّة لصالح غير المسلم، ولو كان ذلك لتعمير كنيسة أو معبد. كما يرى أنّ من موارد جواز التيمّم استعمال ماء الوضوء لرفع عطش الكافر، ولو كان حربيّاً؛ لأنّ نفس الإنسان وروحه، بصرف النظر عن العوارض، لها حرمة. ومن الواضح أنّ هذا لا يعني إضفاء الشرعيّة الواقعيّة على جميع المعتقدات والقيم والأعمال السائدة في المجتمعات المختلفة وقبولها؛ بل هو تأكيد على حقيقة أنّه بعد قبول التمييز الكلّيّ بين «الإنسان القاصر»، أيّاً كان معتقده، و«الكافر المقصّر»، فإنّ قصور الناس في معرفة الدين أو المذهب الحقّ لا يوجب سلب حقوقهم الإنسانيّة والعامّة الناشئة من حرمتهم وكرامتهم الإنسانيّة. ولهذا، فإنّ «الكفر» في نظره يحمل معنىً خاصّاً، وكما سنبيّن لاحقاً، فإنّ عنوان «الكافر» لا يشمل كلّ غير مسلم.
إنّ الاهتمام بحرمة الإنسان وكرامته في نظر سماحة آية الله الصانعي لا يقتصر على ما ذُكر في مجال المعتقدات. فقد أثّر هذا المنهج في أقسام أخرى من الفقه أيضاً، ويمكن تحليل بعض الأمثلة عليه من هذا المنظور فيما يلي. كما أشار سماحته في بيان حكم كراهة ردّ المحتاجين إلى أنّ هذا الحكم مقيّد بما إذا لم تؤدِّ مساعدتهم إلى أن يصبحوا عبئاً على المجتمع؛ وإلّا فإنّ ردّهم يكون واجباً.
من المعلوم، من الناحية الفلسفيّة والكلاميّة، أنّ الكفّار، أو بعبارة أخرى غير المسلمين، ينقسمون إلى قسمين: «قاصر» و«مقصّر». فالقاصرون، وهم كما عبّر الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) يشكّلون الأغلبيّة الساحقة من الكفّار، معذورون في معتقداتهم وأعمالهم، ومن هذه الناحية لا يمكن الحكم عليهم بمجرّد معتقداتهم والأعمال الناشئة عنها بأنّهم من أهل النار، بل إنّ صالحيَهم، كما قال الشهيد المطهّريّ، هم من أهل الجنّة. ولكن من المنظور الشرعيّ، الذي ينظر إلى الفروق الاعتباريّة والفقهيّة بين المسلم وغير المسلم في مختلف المسائل والأحكام، فإنّ فقهاءنا إمّا لم يروا فرقاً بين أنواع الكفر، أو رأوا الفرق بمعيار كونهم من «أهل الكتاب» أو «أهل الذمّة» من عدمه. فعلى سبيل المثال، في بحث حكم الغيبة، لم يفرّقوا بين أنواع غير المسلم، وفي حكم الطهارة والنجاسة، إن فرّقوا، فقد علّقوا ذلك على كونهم من أهل الكتاب أو لا.
لكنّ إحدى الأسس الكلّيّة الفقهيّة لدى سماحة آية الله الصانعي، والتي تشكّل منطلقاً اجتهاديّاً لفتاوى متعدّدة له في تنظيم العلاقات الإنسانيّة بين المسلمين وغير المسلمين، هي أنّ غير المسلمين لا ينقسمون من الناحية الكلاميّة والفلسفيّة فحسب إلى قاصر ومقصّر، بل يجب بهذا المعيار نفسه أن يُقسَّموا من المنظور الفقهيّ والشرعيّ أيضاً إلى قسمين:
۱- «الكافر المُعانِد»، الذي أشار إليه القرآن الكريم بقوله: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (النمل/١٤) واعتبرهم أناسًا ينكرون آيات الحق عن ظلم وعلوّ، رغم معرفتهم الباطنة بها؛ وكذلك المقصّرون الذين يتوانون في معرفة الحق رغم الإمكان والقدرة؛
۲- «غير المسلم المعذور»، سواء أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم. هؤلاء، وإن لم يكونوا مسلمين، لا ينبغي اعتبارهم كفّارًا.
الكافر هو من يتجاهل الحق ويخفيه عن علم. وبتعبير الشهيد آية الله المطهّري، فإن العلاقة بين «الإسلام» و«الكفر» هي علاقة «تضادّ»، لا «تباين». ومن هنا، فليس كل من ليس بمسلم هو كافر؛ بل يندرج في صنف ثالث يسمّيه سماحة آية الله الصانعي بـ«غير المسلم». ومن هذا المنطلق، يفرّق سماحته في مسائل مثل حكم النجاسة والطهارة، وحرمة نبش القبر، وإعطاء زكاة الفطرة، والذبح الشرعي، والزواج، والولاية على الولد، والإرث، وكفاية أو عدم كفاية عتق العبد غير المسلم، وحتى تكليف الكفّار بالأحكام الشرعية (فروع الدين)، بين هاتين الفئتين؛ لا بين المسلم وغير المسلم أو الكافر الكتابي وغير الكتابي. ويرى الأستاذ المعظّم أن «الكافر الحربي» هم الذين يحاربون المسلمين بسبب إسلامهم، لا في أي حرب كانت. كما أنه لا يرى تحقّق الردّة بمجرد الشك أو التراجع الاعتقادي للشخص؛ بل في نظره يكون الشخص مرتدًا وتجري عليه أحكامه إذا كانت ردّته تؤدي في الواقع إلى عدم احترام النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهتكه وتكذيبه، واتهام المسلمين، أو إهانة مقدّسات المجتمع الإسلامي، مثل -نعوذ بالله- حرق القرآن الكريم. كما يكتفي سماحته في تعداد شروط الشاهد بمجرد الوثاقة والاعتدال، ولا يشترط «الإيمان» ولا حتى «الإسلام».
المرأة والرجل، من حيث الجوهر و«النوع» الإنساني، حقيقة واحدة، وكل تعريف يوجد للحقيقة الإنسانية من هذا المنظور وفي هذا المستوى هو تعريف مشترك بينهما. ومن جهة أخرى، لا شك [في] أن بين المرأة والرجل، بوصفهما جنسين و«صنفين» إنسانيين، بعض الفروق التي لا يمكن لأي مذهب أو مؤسسة حقوقية [لديها] اهتمام صحيح والتزام كاف بالحقائق التكوينية والمصالح الواقعية للحياة الإنسانية أن تتجاهلها؛ فروق نتيجتها الطبيعية ظهور بعض المواقف المختلفة في الحياة الطبيعية والاجتماعية للمرأة والرجل. والتشريع الإسلامي أيضًا، الذي فلسفته الوجودية هي «الإنسان»، والذي تشكّل من منبع الوحي الإلهي وصدر على أساس حقائق وجود الإنسان وبهدف سعادته الأبدية، لم يتجاهل هذه الفروق، وبالطبع لا يمكن لأي فقيه، في إطار المصادر الإسلامية والفقهية، أن يتجاهلها. لكن في مجال معرفة الفروق، هناك أصل أساسي ومسلّم اجتهادي هو أن الأصل في الحقوق والتكاليف، التي نسمّيها «الأحكام الشرعية»، هو «الاشتراك» بين المرأة والرجل لا «الاختلاف». وبعبارة أخرى، التساوي بين المرأة والرجل في الأحكام لا يحتاج إلى دليل خاص؛ بل الاختلاف هو الذي يحتاج إلى دليل كاف، وفي موارد الشك يجب الأخذ بالاشتراك.
ما أضفى على اجتهاد وفقاهة الأستاذ المعظّم، سماحة آية الله الصانعي، طابعاً متميّزاً في هذا الشأن، ليس هو تجاهل أصل التمايز بين المرأة والرجل، كما أكّد سماحته مراراً على الفارق الإجمالي في إرث المرأة والرجل الذي نصّ عليه القرآن؛ بل إنه ناشئ من أنه، من جهة، ينظر إلى كلا الجنسين، المرأة والرجل، نظرة إنسانية بحتة، ولم يرَ من هذا المنظار فرقاً بينهما، ومن جهة أخرى، يولّي اهتماماً خاصاً بالأصل الأوّلي للاشتراك، ولا يتخلّى عن هذا الأصل ما لم يوجد دليل مقبول ومقنع يمكن أن يكون مقيِّداً أو مخصِّصاً للإطلاقات والعمومات، ومن جهة ثالثة، بذل جهداً خاصاً في إعادة التعرّف على بعض الآراء الفقهية القائمة وإعادة النظر فيها وتقويم أدلّتها من جديد، وتوصّل إلى نتائج متميّزة. وما أفتى به سماحته من عدم الفرق بين المرأة والرجل في مسائل مثل المرجعية، وقيادة المجتمع، والقضاء، والشهادة، والدية، والقصاص، وإمامة الجماعة والجمعة حتى للرجال، وتأكيده على عدم الفرق بين الزوج والزوجة في التدليس في الزواج، وإرث الزوجة، وتساوي أولوية الزوج والزوجة لبعضهما بعد الموت حتى الدفن، وعدم أفضليّة صلاة المرأة في بيتها، وولاية الأم على الطفل وتقدّمها على ولاية الجدّ، وعدم قصاص الأم كالأب، وعدم جريان حدّ القذف على الأم كالأب، وعدم جريان حدّ السرقة على الأم بسبب سرقتها من بيت ولدها كالأب، إنما هو ناشئ من هذا المنهج وهذا الجهد. وكما أن بعض الفقهاء الآخرين، في الماضي والحاضر، كانت أو لا تزال لهم النظرة نفسها في بعض هذه المسائل مع الأستاذ المعظّم، وكثيرون أيضاً، لا سيّما بين فقهاء الماضي، قد فرّقوا؛ لكن المهم هو أن هذه الفتاوى قد صدرت بناءً على المنهج المذكور تجاه المرأة، وفي إطار الموازين الكلّية للاجتهاد، وهذا الأمر وحده كافٍ في لزوم الالتفات إليه؛ حتى لو لم يقل أحد بنتيجته.
إن قبول الأحكام الإلهية والتعبّد بها، في الحدود التي لا مجال فيها لتدخّل العقل أو العقلاء المباشر، هو أصل بنيوي واعتقادي يستند هذا التعبّد بالطبع في منطلقه إلى قبول العقل وحكمه الكلّي. لكن هذا الأصل لا يحول أبداً دون الاستفادة من معرفة العقل وحكمه ومن الأصول العقلائية. فأساس قبول أصل الدين وأركانه الاعتقادية يقوم على حكم العقل، ومن تعاليم القرآن والسنّة وتأكيداتهما المتكرّرة الالتفات إلى هذا المنبع الإلهي العظيم الذي ورد ذكره في كلام أهل البيت (عليهم السلام) بـ "النبي الباطني" إلى جانب الأنبياء "الظاهريين". إن قسماً كبيراً من الأحكام غير التعبّدية هي نفس الأحكام التي نشأت ووُجدت ولا تزال توجد بين الأمم والمجتمعات الأخرى، ومنها في العصر الجاهلي، بناءً على الحاجات القائمة، من قبل العقلاء والنخب أو حتى العرف العام، وقد واكبها الشارع الحكيم وتُعرف بالأحكام الإمضائية.
في نظر الأستاذ المعظّم، يُعدّ الاستفادة من المنجزات العقلية والعقلائية في الاجتهاد أصلاً، وما نعرفه بوضوح عن سماحته هو أن نتيجة أي اجتهاد لا يمكن أن تكون منافية لحكم عقلي قطعي. كما أن مخالفة بناء العقلاء وارتكازهم ممكنة فقط في حال وجود دليل رصين تماماً، يكون قادراً من حيث الصدور والدلالة على مقاومته. من الواضح أنه لا يمكن لأي فقيه أن يعتقد بغير هذا؛ لكن ميزة سماحته تكمن في اهتمامه بهذا الأصل، في تشخيص مصاديقه ومدى حاكميته.
إن نطاق الاستفادة من هذا المبنى في نظر الأستاذ الجليل يصل إلى حدّ أنه اعتبر أحد الأدلّة على تساوي المرأة والرجل في الشهادة هو بناء العقلاء، وألغى الخصوصية من أدلّة شهادة الرجل، وقيّد شرط كون القاضي شيعياً بالقضاء بين الشيعة، وفي استدلاله على عدم وجود هذا الشرط في القضاء بين الآخرين، استشهد - إضافة إلى لزوم رعاية العدالة وإيجاد الأمن بينهم - بالملازمة العقلائية بل العقلية. حتى إنه، بالنظر إلى مجموع أدلّة باب القضاء، لم يعتبر القول بجواز القضاء بين الشيعة من قبل قاضٍ غير شيعي بل وغير مسلم، يكون موضع اطمئنان ومستجمعاً لسائر الشروط، قولاً جزافاً وبلا وجه. كما أنه في حكم الربا، من جهة، حصر الحرمة في "الربا الاستهلاكي" الذي يؤدّي إلى بؤس المقترض واستئصاله ويُعدّ "ظلماً"، وأجاز "الربا الإنتاجي" الذي يكون سبباً لنموّ الطرفين وتقدّمهما، ومن جهة أخرى، لم يُجز أي نوع من الحيل في الربا المحرّم.
وهو، كما أُشير إليه، يشدّد، اقتداءً بأستاذه الكبير الإمام الخميني (قدّس سرّه)، على أنّه إذا أراد الشارع الحكيم أن يشرّع حكماً على خلاف بناء العقلاء وارتكازهم، فعليه أن يكرّره مراراً ويؤكّد عليه حتّى يترسّخ بين الناس. ومن ثمّ، إذا لم نجد شاهداً على تأكيد الشارع وصدور روايات متعدّدة في حكمٍ يخالف بناء العقلاء وارتكازهم، فلا يمكننا الاكتفاء بحديث أو حديثين موجودين والاستدلال بهما.
وإذا كان الأستاذ الجليل قد أولى، منذ القديم، عنايةً خاصّة بفقه المحقّق الأردبيلي وما زال، وكرّس قسماً من طاقته ووقته لسنواتٍ في كتابة حواشيه الاستدلالية على كتاب «مجمع الفائدة والبرهان» لذلك الفقيه الربّاني القدّيس، فإنّ ذلك يعود، في جملة ما يعود، إلى رؤى المحقّق الأردبيلي الثاقبة وعمق نظره القائم على الاهتمام بالاعتبارات والأحكام العقلية. وتأكيد سماحته المتكرّر على أنّه لو أُتيحت له إمكانية التعريف الصحيح بالإسلام والشرع، وبتعبيره الخاص: «لو كان لي في مفترق طرق البشرية كرسيّ بحثٍ لأعرّف بحقائق الإسلام والشرع كما هي وكما عرفتها، لقبل الناسُ الإسلامَ جميعاً»، ينبع، في جملة ما ينبع، من هذا الأساس والمبدأ ذاته القائل إنّ التعاليم الإسلامية والشرعية تسير في اتجاه المعطيات العقلية والعقلائية، ولا تتعارض مع ما يقع في نطاق ارتكازات البشر العقلائية وما هو حصيلة المعرفة والفهم الكلّي للبشرية. والعبارة المذكورة، وإن صدرت عن مبالغة، فإنّها تدلّ على عمق نظرة الأستاذ المعظّم إلى أنّ الإسلام العزيز، حتّى في مجال الفقه الذي يُعدّ من العلوم الاعتبارية، قد تكلّم في إطار الفطرة الإنسانية النقيّة ولم يخرج عن الموازين العقلية والمقاربات الكلّية العقلائية المقبولة. ومن الأمثلة على ذلك أيضاً العناية الخاصّة التي يوليها الأستاذ الكريم للأصل الأساسي «العدل» والتي سيأتي ذكرها في الفقرة التالية. وإلى جانب الاهتمام الخاص ببناءات العقلاء وارتكازاتهم، فإنّ اهتمامه الخاص بـ«الفهم العرفي» في معرفة مداليل الأدلّة اللفظية للقرآن والسنّة، ولا سيّما موضوع «إلغاء الخصوصية»، والاستفادة الواسعة التي استقاها منه في اجتهاده وفتاواه، بوصفه أصلاً ومبدأً في فقهه، بحاجة إلى عناية ودراسة منفصلة، وليس المجال متاحاً الآن للخوض فيه.
العدالة، من منظور كلامي وفلسفي، تُعدّ أصلاً في معرفة الله تعالى، وكما أنّ الله خلق عالم التكوين على أساس العدالة وأحكمه، وفي ساحة القيامة لا تخرج أيّة عقوبة عن هذا الميزان العام، فإنّ تشريعه وسنّه للقوانين قائم على ذلك أيضاً، وكما أكّد الأستاذ الشهيد آية الله مرتضى المطهّري، فإنّ هذا الأصل هو من مقاييس الإسلام ويقع في سلسلة علل الأحكام. أي أنّ جميع الأحكام الإلهية تمرّ في صدورها من معبر أصل العدل، ومن ثمّ لا يمكن لأيّ حكم شرعي أن يتعارض معه.
ومن هذا المنطلق، فإنّ العدالة في نظر آية الله الصانعي هي أصل حاكم وقيمة شاملة وعالمية، لا دخل للعقائد والجنس والقومية فيها، ولا يمكنها أن تقيّدها أو تحدّ منها. ولهذا، إذا كان مدلول دليل ما، بنحو عام أو في جزء من مدلوله، في تعارض قطعي مع أصل العدل، فلا يمكن للفقيه أن يُفتي على أساس ذلك الدليل متجاهلاً هذا الأصل الحاكم. ومن أمثلة ذلك فتوى سماحته بتساوي دية المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، حيث إنّ عدم تساوي الدية، في نظره وحتّى بغضّ النظر عن قصور الأدلّة، يتنافى مع أصل العدالة. كما أنّه، استناداً إلى هذا الأصل نفسه، يرى أنّ تكريم القاضي للمسلم أكثر من غير المسلم، الذي أجازه الفقهاء، أمر باطل ومحرّم.
أصل مفاد قاعدة نفي العسر والحرج، المستندة إلى النصوص القرآنية والروائية، يُعدّ حكماً قطعياً بين فقهاء الإسلام ولا ريب فيه. لكن نوع النظرة إلى هذه القاعدة ونطاقها المعنوي والموضوعاتي أمر لا ينبغي توقع أن تكون نظرة الجميع إليه واحدة. وما يُشكّل النقطة الأساسية في نظرة الأستاذ المعظّم، وقد شهد الكاتب مراراً استشهاده بها وتأكيده عليها، هو أنه إذا كان أساس التشريع الإلهي، كما هو ظاهر من أدلة القاعدة، من جهة، قائماً على نفي الحرج والعسر والمشقة في الدين (إلا في موضوعات تكون ماهيتها، كالجهاد والدفاع، ممتزجة بالصعوبة)، ومن جهة أخرى، فإن العسر والحرج كسائر المفاهيم العرفية التي لم يرد من الشرع تعريف خاص بها، فسيكون الملاك فيه هو العرف أيضاً؛ إلا أن يتدخل الشارع الحكيم في موضع ما ويعبّر عن مقصوده المختلف بصورة موردية؛ سواء في جانب التوسعة في الحكم أو تضييقه. بناءً على ذلك، في فهم معنى الحرج، من الناحية الكلية والاجتهادية، يجب الرجوع إلى العرف. ومن جهة أخرى، فإن سماحة آية الله الصانعي لم يرَ نطاق نفي الحرج محدوداً برفع الحكم، بل استند إليه في موارد لجعل الحكم أيضاً. فعلى سبيل المثال، اعتبر من جهة "حرمة" المعاشرة الأبدية مع الزوجة بعد الإفضاء، التي قال بها الفقهاء، موجبة للحرج ولم يقبلها؛ ومن جهة أخرى، اعتبر عدم وجوب المعاشرة في أقل من أربعة أشهر موجباً للحرج وأمراً منكراً، وفي ظروف حاجة المرأة، قال "بوجوبها".
هذا في حين أنه، بالإضافة إلى مقام استنباط ومعرفة أصل الحكم، نعلم جميعاً أنه في معرفة المصاديق الخارجية وفي مقام أداء التكاليف، فإن معرفة كون الموضوع حرجياً أو غير حرجي، كأي تشخيص موضوعي، هي في نطاق عمل "المكلّف" نفسه وليس "الفقيه". وما بيّنه سماحة الأستاذ (دام ظله) حول عدم لزوم تحميل أحكام غير المحرم على الابن بالتبني، في حال كونها حرجية، إنما يقوم على هذه النظرة ذاتها، وهي أن معرفة معنى الحرج، أولاً، كسائر الموضوعات التي ليست من صنع الشارع الحكيم، هي بالعرف، وثانياً، تشخيص مصاديقه هو على عهدة المكلّف وليس الفقيه. وبيان الجواز هو أيضاً بفرض تحقق الحرج، الذي ورد في متن سؤال المقلّد وذُكر فيه أن الحرمان من الولد مشكلة كبيرة في الحياة، وأن الجلوس والقيام والمعاشرة اليومية للمحيطين بمن اتُخذ ولداً، بصورة التعامل مع سائر غير المحارم، توجب الحرج والصعوبة للطرفين. ومن الواضح أنه إذا كان شخص لا يرى هذا النوع من المعاشرة أمراً حرجياً، فعليه قهراً أن يراعي أحكام الحجاب؛ لكن تشخيص هذا الأمر نفسه هو في نطاق عمل المكلّف نفسه وليس الفقيه ومرجع التقليد.
ما يحظى بالاهتمام في نفي الحرج هو الجانب السلبي للقاعدة؛ لكن إلى جانب ذلك، يُعد موضوع "السهولة في الشريعة" معياراً في الاجتهاد أيضاً. إن ما نُقل في بعض الروايات عن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أنه أشار إلى: "بُعثت بالشريعة السمحة السهلة"، وكان الإمام الباقر (عليه السلام) يقول: "إن الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالة؛ إن الدين لأوسع من ذلك"، ونقلاً عن علي (عليه السلام) أضاف أنه كان يقول: "إن شيعتنا في سعة أوسع مما بين السماء والأرض"، يدل على أنه ليس للحرج مكان في التشريع الإلهي فحسب، بل إن أساس التشريع، بصورة إيجابية، يقوم على السهولة والسماحة أيضاً. هذه نكتة كانت، قليلاً أو كثيراً، محل اهتمام فقهائنا منذ القدم، حتى إن الشيخ الصدوق رأى السهولة إحدى المرجحات عند تعارض روايتين، وبناءً عليها أخذ بجانب مضمون الرواية التي يكون العمل بها أيسر على المكلّف. لكن ما نعرفه عن سماحة الأستاذ في هذا الشأن هو اهتمامه الخاص في تطبيق هذا المبنى في اجتهاده وتأكيده عليه في التوجيهات التي كان ولا يزال يقدمها للمؤمنين والمقلّدين. ومن جهة أخرى، حيث إنه رأى في حكم صلاة وصوم المسافر نوعاً من الترخيص في اتجاه السهولة في الدين، ففي كثرة السفر، التي تجعل السفر أمراً اعتيادياً ويجب فيها إتمام الصلاة وصوم رمضان، لم يرَ فرقاً بين السفر الوظيفي وغير الوظيفي، فعلى سبيل المثال، السائق إذا ذهب إلى سفر زيارة أيضاً، يترتب عليه حكم كثرة السفر.
نعلم أن ما يُطلق عليه في الفقه والأحكام عنوان «الحق» بشكل عام، يُصنَّف إجمالاً في قسمين: «حق الله» و«حق الناس». وبالطبع، لا يمنع هذا التقسيم من أن تكون لبعض الأحكام كلتا السمتين؛ مثل «حق الحضانة»، الذي يُعد في الوقت نفسه تكليفاً إلهياً تجاه الولد. وما يُطرح في الفقه من عنوانَي «الحق» و«الحكم» والفرق بينهما، ناظرٌ إجمالاً إلى هذا التقسيم نفسه.
من النقاط الجديرة بالاهتمام في النظرة الفقهية لسماحة آية الله الصانعي، والتي تُعد نهجاً كلياً في فقاهته واجتهاده، وقد شهدنا مراراً تأكيده عليها ورأينا دورها في فتاواه المختلفة، لا سيما في المسائل الاجتماعية والسياسية، هي عنايته الخاصة بصون «حقوق الناس» في الفقه، والتعريف بنطاقها ومصاديقها في المجالات المختلفة؛ حقوق لا تختص بصنف أو فئة معينة من الناس، بل تشمل «الإنسان»، بوصفه «إنساناً»، من أي عرق ودين ومذهب وجنس وتيار، وفي أي بلد ومجتمع كان. يترك هذا النهج أثراً واسعاً وعميقاً على كثير من المسائل الاجتماعية والسياسية الداخلية والخارجية. النقطة المحورية لهذا النهج في نظر الأستاذ المعظّم، والتي شهدناه [قد] استند إليها مراراً وأكد على مضمونها، هي هذا التعليم الأساسي والحيوي للإمام الصادق (عليه السلام) القائل: «حق الناس يرجع إلى الناس أنفسهم»، وأن الإمام أو الحكومة أيضاً، دون إرادة الناس، لا يحق له التدخل فيه. وكما أن الإمام (عليه السلام)، في هذه الرواية الشريفة نفسها، وفي معرض الفرق بين معالجة جريمة الزنا والسرقة، قد نبّه إلى أن عقوبة الزنا لا تتوقف على طلب أحد؛ بينما بالنسبة للسرقة، فإن واجب الإمام فقط هو [أن] يمنع السارق من فعله، ولا تقع عقوبته إلا بطلب صاحب الحق، الذي هو الناس أنفسهم (أصحاب الأموال): «لأنَّ الحقَّ إذا کان للّه فالواجبُ على الإمام اقامتُه و إذا کان للناس فَهُو للناس».
كل ذلك التأكيد الذي يبذله هذا الفقيه المستنير في توجيهاته وفي فتاواه على عشرات المسائل، مثل حق الحرية، وأصل حاكمية إرادة الأفراد، وحقوق الأقوام والأقليات، والاهتمام بإرادة الناس، ومراعاة المساواة والعدالة، ومعارضة الاستئثار، ونفي العنف، وحصر مشروعية الحكومة بإرادة الناس وارتكازها على الأطر العقلائية، وضرورة الالتزام بالقوانين النابعة من إرادة الناس وممثليهم الحقيقيين، وحتى تأكيده على حقوق الموتى، يعود من جملة ما يعود إلى هذا الأصل المحوري نفسه. حتى إنه يرى أن صلاة الإمام المعصوم (عليه السلام) على الجنازة، دون رضا أولياء الميت، غير جائزة وتُعد غصباً لحقهم. وهذا، استناداً إلى هذا الأصل نفسه وبالاستشهاد بهذه الرواية المعتبرة: «إذا حضر سلطان من سلطان الله جنازة فهو أحقّ بالصلاة عليها إن قدَّمه الولی و إلّا فهو غاصبٌ». في حين أن بعض الفقهاء، كصاحب الجواهر، لم يشترطوا رضا ولي الميت في خصوص الإمام (عليه السلام). وكما أن الأستاذ المعظّم يرى أن إمامة الجماعة لمن لا يرتضيه المصلون إماماً، خلافاً لسائر الفقهاء، بمن فيهم أستاذه الإمام الخميني (قدس سره)، الذين اعتبروها مكروهة، هي محرّمة وتؤدي إلى الخروج عن العدالة، وبالتالي توجب حرمة الاقتداء بمثل هذا الإمام. وهو يعرّف هذا الرأي، الذي يراه نابعاً من الأدلة الروائية الموجودة، بأنه يصب في اتجاه حاكمية إرادة الأفراد ورغبتهم، وشاهد على وجود مستوى عالٍ من الحرية والديمقراطية في الإسلام.
من الأسئلة المهمة في الفقه، والتي نشهد في الإجابة عليها خلافاً جدياً، هو أن تنفيذ الحدود الجزائية الخاصة، كحد السرقة والزنا، هل هو من الصلاحيات والمسؤوليات الخاصة بالإمام المعصوم (عليه السلام)، أم أنه لا يقتصر عليه، وأن الحكام والقضاة الذين يتولون الحكم أو جزءاً منه في عصر الغيبة وعدم إمكان الوصول إلى الإمام (عليه السلام)، يمكنهم ويجب عليهم التنفيذ أيضاً؟
وبالطبع، يعود هذا السؤال إلى سؤال أعم، وهو: هل تم في عصر الغيبة تعريف شخص أو أشخاص بوصفهم خلفاء للإمام (عليه السلام)؟ وإذا كان الجواب نعم، فهل انتقلت إليهم جميع الشؤون الحكومية والصلاحيات الخاصة بالإمام (عليه السلام)؟
منذ القديم وحتى الآن، رأت جماعة من الفقهاء أن الأدلة المتوفرة قاصرة عن إثبات ما ذُكر من صلاحية ومسؤولية في عصر الغيبة لغيرهم، بمن فيهم الفقهاء. ومن هنا، فقد رأى هؤلاء أن إجراء الحدود في زمن الغيبة يواجه إشكالاً، أو أظهروا بوضوح أنهم لا يرونه قابلاً للتنفيذ. ومن بين مخالفي إجراء الحدود في عصر الغيبة، يمكن أن نذكر من المتقدمين ابن إدريس والمحقق الحلي، ومن المتأخرين الميرزا القمي، ومن المعاصرين المرحوم آية الله السيد أحمد الخوانساري. وبالطبع، توجد بعض التفصيلات لا حاجة لذكرها. وآية الله الصانعي (دام ظله) أيضاً أظهر منذ سنوات ميله إلى هذا الأساس واختاره مؤخراً؛ مع فارق أنه، خلافاً لسائر الفقهاء الذين لم يتطرقوا إلى عقوبة بديلة، يؤكد على ضرورة استبدالها بالعقوبة التعزيرية، التي تشمل طيفاً واسعاً من الأساليب العقابية وتتم بمشورة الخبراء. ومن الواضح أن مقصوده من الحدود في هذا البحث هو الحدود التي تُعد حقاً إلهياً محضاً، وأما موارد مثل القصاص، التي هي من حقوق الناس، فهي خارجة عن هذا البحث وجارية في عصر الغيبة أيضاً. كما أن عدم الإجراء لا يشمل الاعتداء بالعنف؛ وهو أمر يرى سماحته أن إثباته لا يتوقف على شهادة أربعة شهود، بل يثبت بشاهدين. وبالطبع، فإن حد السرقة أيضاً يندرج في هذا التقسيم ضمن القسم الأول؛ وإن كنا نعلم أنه في فرض جواز الإجراء، يحتاج إلى شاكٍ خصوصي.
إن وجود الحكومة، حتى لو لم يكن حاجة فطرية وأولية للبشر، فلا شك أن تاريخ حياة الإنسان، بقدر ما هو متاح، يُظهر أن الإنسان، على الأقل في حياته الاجتماعية، بحاجة إليها. ولكن مما تنبع مشروعية الحكومة؟ كما نعلم، هذا سؤال له تاريخ طويل جداً في حياة البشر، وكما جربت المجتمعات البشرية حتى الآن أشكالاً شديدة التنوع من الدولة والحكومة، فقد ظهرت أيضاً نظريات مختلفة في تحليل فلسفة الحكومة وسببها وأسس مشروعيتها. وفي تقسيم عام، تعود جميع النظريات الموجودة في تحليل المشروعية وأسسها، عادة، إلى أساسين: المشروعية الإلهية وغير الإلهية. وفي نظرة نمطية ومتعارفة، يُصوَّر الأمر وكأن هذين الأساسين متعارضان دائماً، وأن كل نظرية من النظريات الموجودة تقع بالضرورة في أحد هذين الفرعين؛ فرعان لا تجانس بينهما، وكأن الإرادة الإلهية تقف دوماً في مقابل إرادة الشعب؛ في حين أن هناك طريقاً ثالثاً أيضاً في تبيين مشروعية الحكومة، وهو أن الله، نظراً إلى فلسفة الحكومة وماهيتها وطبيعتها المتغيرة في الأزمنة والأمكنة المختلفة، قد ترك كيفية تلبية هذه الحاجة، شأنها شأن كثير من الحاجات الفردية والاجتماعية الأخرى، للشعب نفسه، ولم يشرع أسلوباً وقالباً خاصاً لتشكيل الحكومة والنظام السياسي. وما كان منظور الشارع إليه هو فقط الإلزام ببعض المعايير والمقاييس، والتي هي عادة نفس المعايير العقلائية التي توصل إليها البشر، وخاصة نخب المجتمعات الإنسانية، بناءً على معرفتهم الفطرية وفهمهم الغريزي، عبر تجارب كثيرة. وبعبارة أخرى، إن الله تعالى قد ترك كيفية تشكيل الحكومة للشعب نفسه وللمجتمعات الإنسانية، وفي كل مجتمع، ما يختاره الناس في إطار عقلهم الجمعي وبناءً على ارتكازهم على الأصول العقلائية، وما يؤسسون عليه مصلحتهم، فهو أيضاً محل رضا الله الحكيم، وهذا هو ما يُعد أساس المشروعية، وهذا الأصل لا يختص بالمجتمعات الإسلامية. فمشروعية الحكومة في سائر المجتمعات أيضاً تتشكل على هذا الأساس وتُفسر في هذا الإطار.
سماحة آية الله الصانعي (دام ظله) يقوم منذ سنوات [وهو] يحلل ويقيم موضوع الحكم بمثل هذا المنهج؛ لكنه في السنوات الأخيرة صار يؤكد عليه بشكل أوضح. وبناءً على هذا وفي نظره، فإن مجرد «الفقاهة» لا تكون موجبة لـ«الولاية» السياسية و«مشروعية» الحكم، وليس الأمر أنه في عصر الغيبة يكون الفقيه وحده قادراً على تولي الحكم دائماً ويجب عليه ذلك؛ إلا إذا رأى الناس، أو النخب كممثلين للعقل الجمعي والإرادة العامة، ولو بناءً على معيار الأكثرية والأقلية، أن مصلحتهم العامة تقتضي إسناد الأمور إلى فقيه واحد أو عدة فقهاء. وهو بالطبع، وبحق، يستثني من هذه القاعدة الكلية، فيما يخص المجتمع الإسلامي، مرحلة إمامة المعصومين (عليهم السلام)، التي كانت قائمة على مصالحها الخاصة، [و]بحاجة إلى تعريف ونصب أشخاص معينين ومحدودين من قبل الله تعالى، ويؤكد على ضرورة الفصل بين حساب زمن حضور الإمام المعصوم (عليه السلام) وسائر الأزمنة والمجتمعات الأخرى. وفي الوقت نفسه، أكد مراراً أنه على الرغم من أن ولاية ومشروعية إمامة وحكم الإمام المعصوم (عليه السلام) هي من قبل الله تعالى، وتتمتع بخاصية «العصمة»، ومخالفته إثم، إلا أن الإمام (عليه السلام) أيضاً، كما ورد في بعض الروايات، لا يمكنه ولا ينبغي له أن يتولى الحكم دون الرضا العام. علاوة على أنه يجب أن يعمل بطريقة تجلب مودة الناس ومحبتهم إليه ويبقى «محبوب القلوب». ومن جهة أخرى، يرى الأستاذ المعظم أن حرمة قبول الولاية والمسؤولية من قبل الحكام الجائرين تقتصر على أولئك الحكام الذين كانوا، كبني أمية وبني العباس، يدّعون خلافة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ويسعون إلى محو أحكام الدين والمذهب، وليس كل حاكم وفي كل حكومة. ومن هنا، فإن التعاون مع سائر الحكومات والزعماء الذين هم في خدمة أمن المجتمع والدفاع عن حقوق الناس جائز؛ وهو يؤكد طبعاً أنه لا شك في حرمة المساعدة على ظلم وإهدار حقوق هذه الفئة من الزعماء.
وفي الختام، وكنتيجة كلية، يشير إلى أنه من الطبيعي أن يكون لكل فقيه، بمقتضى استنباطه واجتهاده في كل مسألة فقهية، «نظر» وفتوى متميزة عن سائر الفقهاء، وأن يسفر ذلك في المجموع عن كم هائل من الاختلاف في الفتاوى والأقوال الفقهية. كما أنه من الممكن [أن] يكون كل فقيه، على مستوى أضيق، «مبدعاً» أو «متبنياً» لمبانٍ و«نظريات» تعد «نقاط تحول» في فقهه. والأستاذ المعظم، آية الله الصانعي، كما لوحظ، له فتاوى ومبانٍ خاصة. ولكن، علاوة على هذين المستويين من العمل الاجتهادي، أي إصدار «النظر» و«التنظير»، ففي نظرة أعم، أحياناً ما يكتسب «فقه» بعض الفقهاء، بلحاظ مجموع آرائهم في مجال المناهج والمباني والنظريات وحتى الفتاوى، مؤشرات عامة تشكل مدرسة فقهية، وبتعبيرنا الشائع، «مكتباً فقهياً»؛ كما يقال على سبيل المثال «المكتب الفقهي للسيد المرتضى» أو «المكتب الفقهي للمحقق الأردبيلي» أو «المكتب الفقهي للإمام الخميني». أو يقال «المكتب الفقهي لسامراء»، الذي يعرف بمحورية فقه الميرزا الشيرازي وأصحابه في حوزة سامراء. وإذا عرفنا المكتب الفقهي بأنه مجموعة من المناهج والمباني والنظريات والمناهج الكلية المتميزة لفقيه أو حوزة فقهية، فليس من المبالغة أن نعتبر سماحة آية الله الصانعي (دام ظله) من هذا المنظور ذا «مكتب فقهي» خاص، وأن نقيم ونحلل آراءه الفقهية في إطار هذا المكتب. وعلى أقل تقدير، فإن فقهه، ولا سيما من ناحية المباني والمناهج الكلية، قابل للدراسة لمعرفة ما إذا كان قابلاً للتعريف والتقديم على مستوى مكتب فقهي متميز أم لا؟ وحسب ظن الكاتب، فإن مثل هذه القابلية موجودة في فقهه المعظم له، وهي بحاجة إلى معرفة مؤشراتها وأطرها الكلية والتعريف بها. نسأل الله تعالى الصحة وطول العمر لهذا الفقيه الجليل والتوفيق لمعرفة وتدوين مكتبه الفقهي.
.
.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.