اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى داريوش شايغان باريس القرن التاسع عشر وأصفهان الصفوية قطبين متضادين؛ الأول رمز للرأسمالية والتحديث، والثانية تجلٍّ لعالم الحلم. العمارة هي تحقق اليوتوبيا؛ إنها عبور بين المدن، وولوج إلى عوالم متباينة وأساليب حياة غير متجانسة.

ما تقرؤونه هو نص محاضرة الدكتور داريوش شايغان التي أُلقيت في قاعة جمعية المهندسين الاستشاريين الإيرانيين، مساء يوم الاثنين 21 دي 1394 (11 يناير 2016) بحضور مجموعة كبيرة من المعماريين وطلاب تخصصي الهندسة المعمارية والتخطيط الحضري. في البداية، قدّم المهندس سعيد ساداتنيا تقريراً عن الأنشطة الثقافية لجمعية المهندسين، ثم استعرض علي دهباشي أعمال الدكتور داريوش شايغان. بعد ذلك، ألقى الدكتور شايغان محاضرته التي لاقت اهتماماً من جمع المعماريين والمهندسين. وفي الختام، أجاب الدكتور شايغان على أسئلة الحضور لمدة ساعة.
داريوش شايغان: قبل كل شيء، أرى لزاماً عليّ أن أقول إنني لست مخططاً حضرياً، ولا معمارياً، ولا مؤرخاً للفن، ولا حتى عالم اجتماع. أنا في الواقع مفكر حر كنت في السابق مشتغلاً بعلم الهنديات والأديان والفلسفة المقارنة. لذا، لا تتوقعوا مني قولاً يذهل الألباب، كي لا يتحول أملكم حتماً إلى خيبة. أعترف بالطبع أن المدن القديمة لطالما أثارت انتباهي، أعني المدن التاريخية الكبرى، سواء في الغرب أم في الشرق. مدن تحمل على أكتافها إرث التاريخ الثقيل، وتضم في قلبها صروحاً عظيمة ومهيبة من تاريخ البشرية؛ مثل دلفي في اليونان، وبنارس في الهند، وأنغكور وات في كمبوديا، والمدينة المحرمة في بكين، وكيوتو في اليابان، والأقصر في مصر، وماتشو بيتشو في البيرو، وأهرامات ثقافة المايا العجيبة في بالينكي ويوكاتان في المكسيك وغواتيمالا. إن "عصر الكاتدرائيات"، الذي وصفه جورج دوبي ببراعة في كتاب يحمل العنوان نفسه، جذاب لي إلى ما لا نهاية. أعشق مدناً مثل أصفهان وإسطنبول وفلورنسا وروما وطليطلة، فهي مدن تمثيلية. حتى أنني حاولت أن أعرف باريس، هذا العالم الأصغر الذي كان في عصر المسيحية في القرون الوسطى مهداً للفكر والتفكير المدرسي، وفي القرن التاسع عشر كان، على حد تعبير فالتر بنيامين الذي كان يعشق هذه المدينة حقاً، عاصمة العالم. في مقالة مرّ عليها زمن طويل، حاولت من خلال مقارنة باريس بأصفهان أن أُظهر إلى أي مدى هاتان المدينتان قطبين متضادين. فإذا كانت باريس التي أنشأها هوسمان في عهد الإمبراطورية الفرنسية الثانية، كما يقول بودلير بتعبيره الجميل، "مدينة تعج بالازدحام، مدينة تعج بالحلم، حيث تتشبث الأشباح في وضح النهار بالمارة"، فإن أصفهان هي التجلي المثالي لعالم الحلم والمعلقة في الفضاء.
ينقسم كتاب "البحث عن الفضاءات المفقودة"، الذي كان، حسب علمي، سبب انعقاد ندوة هذا المساء، إلى قسمين: القسم الأول يتناول في الغالب مسألة الفن الغربي والشرقي، مثل مقالة "رحلتي في القرن الخامس عشر الميلادي" التي هي إشارة إلى المعرض الكبير الذي أُقيم بمناسبة الذكرى الخمسمئة لاكتشاف القارة الأمريكية عام 1992 في Washington National Gallery of Art، حيث اجتمعت في هذا المعرض جميع ثقافات العالم، من ثقافة اليابان والصين والهند إلى العالم الإسلامي والغرب والحضارات ما قبل الكولومبية؛ ثم مقالة "البحث عن الفضاءات المفقودة"، و"باريس المدينة العالمية"، وغيرها. أما القسم الثاني فهو سلسلة مقالات عن بعض الفنانين الإيرانيين المعاصرين البارزين مثل بهمن جلالي، المصور الفوتوغرافي؛ وعباس رستمي، بمناسبة مجموعته الفوتوغرافية لأبواب البيوت المهجورة، ومقالة مفصلة عن رؤية سهراب سبهري للعالم بعنوان "لحظة في الواحة"، وهي شرح وتفسير لمجموعة من أشعاره كنت قد ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، وأبو القاسم سعيدي، وآيدين آغداشلو.
لنعد الآن إلى العمارة. في رأيي، ثمة تماثلات حتمية بين المسكن، أي الفضاء المبني، وفضاء الذهن ومناخ القلب، بحيث لا يمكن تغيير أحدهما دون المساس بالآخر. لطالما كانت العمارة تجسيدًا لحلم، أو يوطوبيا، أو تخيل جمعي (fantasmagorie). وكل مضمون فضائي يقترن بنمط حياة، وطريقة في المعرفة، بل ويمكن القول إنه يقترن بطريقة في الحضور. دعوني أضرب مثالًا حيًا: بانتقالنا من بنارس، القلب الروحي للهند، إلى أصفهان، ومنها إلى باريس، ثم إلى لوس أنجلوس، فإننا لا نعبر فحسب فضاءات متنوعة، بل نختلط بأنماط حياة ورؤىً غالبًا ما تكون متباينة؛ بعبارة أخرى، نخرج من عوالم غير متجانسة. تارة نكون شهودًا على تناظر جميع مراحل الحياة في بنارس، فمثلًا إذا عبرنا نهر الغانج بطول المدينة في الصباح الباكر، نرى أنواعًا وأشكالًا من الصور أمام أعيننا، أحدهم يتعبد للشمس (سوريا)، وآخرون منهمكون في الدعاء والاغتسال، وأطفال يلعبون في الماء، وشخص آخر يقضي حاجته في النهر نفسه، ثم تصلون في النهاية إلى محرقة (crematorium) حيث تُحرق الجثث، ويمكنكم سماع صوت انفجار الجماجم. وكأن هذه الحوادث كلها هي الصورة السينمائية للحياة، صور تتجلى في آنٍ واحد. وتارة نصادف في أصفهان الرؤية السحرية للقباب الفيروزية التي تبدو وكأنها معلقة في الهواء بلا أي سند، وتارة أخرى نشهد في باريس أوديسة الروح وسيرها وتجسدها المتعاقب في الزمان والتاريخ، فمن نوتردام باتجاه نهر السين من الشرق إلى الغرب نحو قوس النصر، نشهد جميع المراحل الكبرى لعمارة الغرب؛ نوتردام وهو العالم القائم بذاته في العصور الوسطى، ثم اللوفر الذي كان قصرًا للملوك، فميدان الكونكورد الذي كان ميدان الثورة وحيث فُصل رأس لويس السادس عشر عن جسده، وأخيرًا قوس النصر الذي هو رمز إمبراطورية نابليون وإيديولوجيا الثورة، وتتفرع من هذا المركز اثنا عشر شارعًا رئيسيًا. وتارة نجد أنفسنا في فضاء لوس أنجلوس غير المحدد، فضاء يتكرر باستمرار في امتداده الأفقي الرتيب والممل. هذه المحطات، جميعها رموز لتمددات الفضاء المتنوعة، على المستويين الأفقي والعمودي معًا. إذا كان الإنسان يعكس كل هذه الفضاءات والأزمنة المتنوعة، فلعل السبب هو أن هذه الفضاءات كلها كانت موجودة فيه بالقوة من قبل، وكانت جزءًا من مناظر روحه. هدفي هنا هو إجراء مقارنة موجزة بين باريس وأصفهان، والتي ترد تفاصيلها الأوسع في مقال «بحثًا عن الفضاءات المفقودة».
إن إدراك باريس حقبة هوسمان صعب دون إدراك الإيديولوجيا الإمبراطورية (الشاهنشاهية) التي تشكل بنيتها التحتية؛ كما أن عمارة رينغ شتراسه الفخمة في فيينا مستحيلة دون الدور المهم للبورجوازية وقيمها العليا، أي الحقوق والثقافة، وهي قيم تجسدت في هياكل أربع عمارات بأساليب متنوعة: البرلمان (Reichsrat)، ومبنى البلدية (Rathaus)، والجامعة (Universität)، ومسرح المدينة (Burgthearter)، أحدها على الطراز القوطي، وآخر على الطراز النيوكلاسيكي، وثالث على طراز عصر النهضة، والأخير على الطراز الباروكي. فلنقارن الآن باريس القرن التاسع عشر بأصفهان العصر الصفوي.
في باريس القرن التاسع عشر، يُعد التخطيط العمراني على طريقة هوسمان، في الوقت نفسه، علامة على انتصار الرأسمالية. فقد قام هوسمان، بموجب مرسوم من نابليون الثالث، بتدمير باريس أولًا ثم إعادة بنائها وفق تخطيط معين في سياق تحديث المدينة، أي أنه حولها من مدينة قروسطية إلى مدينة حديثة. لقد شيد شبكة واسعة من الجادات في مركز الجزء القديم من المدينة، كان من المقرر أن تؤدي دور الشرايين الرئيسية في النظام الحضري. وقد ترتب على إنشاء هذه الجادات تدمير كامل للعشوائيات وللعديد من المباني، وتشريد سكانها، والقضاء على بعض الأحياء القديمة في المدينة، مما أدى إلى تحطيم السياج الذي كان مضروبًا حول عالم فقراء الحضر المغلق نسبيًا. وبهذه الطريقة، تمكن المعوزون لأول مرة من الوصول إلى أجزاء المدينة الأخرى، ووطأت أقدامهم هذه الوليمة الجديدة. وعلى جانبي الجادات، شُيدت المتاجر والمؤسسات التجارية والمباني الزجاجية وأنواع المطاعم والمقاهي بمصابيحها الغازية وزخارفها المبهرجة الساحرة، وهكذا بدأت حياة باريس الليلية بمسارحها وأبّهتها وملذاتها الليلية، وغيّرت شيئًا فشيئًا من أخلاق الناس. نجد انعكاس هذه الصور والمشاهد مرارًا في أعمال بودلير. كما يقول في قصيدة «البجعة»:
باريس تتغير! لكن لا شيء في أعماق حزني
لم يتغير! القصر الحديث، السقالات، الصخور
الأحياء القديمة، كل شيء يتحول أمامي إلى استعارة،
وذكرياتي العزيزة أثقل وطأة من الصخور
بهذه الوسيلة، يحيي الشاعر باريس التي اندثرت على طريقته الخاصة. في الواقع، عالم الخيال والفن هو عالم يهب الهالة، ويسعى بودلير من خلال الإبداع الشعري إلى بث حياة جديدة في بقايا العالم الممزق الخامد الفاتر الوحيد، وهنا يتجلى دوره كصانع للاستعارات (allégoricien) من منظور فالتر بنيامين. ليس من العبث أن لُقب بودلير بشاعر الحداثة الكبير، لأن سمة الحداثة كما يقول بنيامين هي اختفاء الهالة الغامضة، بمعنى أن القيمة السلعية للبضاعة تحل محل القيمة الشعائرية للأشياء لتحولها إلى سلعة قابلة للتبادل والعرض. بودلير، بإحساسه العميق بهذا الانهيار للهالة، يمنح الأشياء مكانة جديدة بمساعدة شعره. إنه، عبر الاستعارة، يضفي عليها طابعاً إنسانياً ويهبها بذلك مكاناً للعيش. تحت النظرة الكيميائية للشاعر، تستعيد جميع شروخ الحداثة قدرها ومكانتها المفقودة، أو كما يقول بنيامين، يرد الشاعر على ذروة الرأسمالية وعلى الاغتراب الناتج عنها بكتاب من ثلاثمئة صفحة من القصائد الغنائية.
لكن مع هذه التفاصيل، إذا انتقلنا من باريس إلى أصفهان، فإننا نواجه فهماً مختلفاً تماماً للفضاء المديني. في هذا الفضاء المديني، لم تظهر الصناعة الكبرى بعد فحسب، ولم تبق التشنجات الكبرى للحداثة، أي التناقضات بين الفرد والمجتمع، والداخل والخارج، مجهولة وغريبة فحسب، ولا يمكن أن نجد فيه أثراً للمؤسسات المدنية فحسب، بل إن طريقة تجلي الرؤية التي صممته تنبع من ساحات أخرى للوجود. في أصفهان، لا أثر لتلك المؤسسات المدنية التي تحدثنا عنها في باريس وفيينا، مثلاً البرلمان، البلدية، دار القضاء، إلخ... في الواقع، سكان أصفهان، على عكس سكان باريس وفيينا، ليسوا مواطنين بل مؤمنين تحت سلطة قوتين: الدين والسلطنة؛ والسلطة هي دار الخلافة العباسية ومظهرها عالي قابو في ميدان شاه. استعارة بودلير التي كانت الصفة البارزة لواقع باريس القرن التاسع عشر، لا مصداق لها في هذا الفضاء؛ لأن الهالة التي أشار إليها بنيامين لم تنهر هنا، بل على العكس، يغوص الفضاء المديني بأكمله في الجو السحري للهالة. هنا، أبجدية الفضاء ليست الاستعارة بل رؤية التجلي التي تستمد منبعها من الخيال الخلاق الذي هو عالم المثال في العرفان الإيراني. هنا، لم تتجذر الحداثة بكل غناها وتعارضاتها بعد، بل على العكس، المدينة هي الوجه المشهود والملموس لتقليد عريق. إذن، إذا أردنا أن نتصور لهذه المدينة شاعراً أيضاً، كما اخترنا بودلير لباريس، يمكن أن نذكر حافظ الشيرازي. أي شاعر يستطيع أن يرى العالم على هيئة فضاء معلق في المسافة بين المبدأ والمعاد، وبين الأزل والأبد. هذا الشاعر ليس على دراية بالتقدم الصناعي بمعناه التاريخي، ولا علم له بالرأسمالية. هنا، ليس غرضي إطلاقاً إصدار حكم قيمي ولا أريد أن أقول أيهما أفضل، بل هدفي فقط الإشارة إلى وجهات النظر المختلفة التي يحملها الإنسان عن الثقافة والمدينة وتنسيق الفضاء.
لعل الزمن الوحيد الذي يمكن معه مقارنة باريس بأصفهان هو باريس العصور الوسطى. يتحدث إروين بانوفسكي في كتابه الشهير «العمارة القوطية والفكر المدرسي» (Gothic Architecture and Scholasticism) عن الصلة بين العمارة والفكر المدرسي وتشابه البنية الحاكمة عليهما، ويُظهر كيف تنبثق هاتان البنيتان كلتاهما من قوة مولّدة للعادة (habit-forming force). في مدينة باريس، وفي حقبة تبدأ حوالي عام 1130 ميلادية وتنتهي حوالي عام 1270، يتجلى فن يجعل من هذه الحقبة حقبة استثنائية. في هذه الحقبة، التي انطلق فيها الفن القوطي وأدى فيها كاهن كاتدرائية سان دوني المدعو سوجر (Suger) دوراً محورياً، كانت قنوات انتقال الثقافة في الوسط الحضري تشمل أصحاب جميع الطوائف والحرف: بائع الكتب، والناشر، والمجلّد، والمذهّب، والرسام، ونحّات الحجر، والصائغ، والمعماري. ونتيجة لذلك، قام بين هؤلاء الصنّاع والحرف المختلفة تواصل وتأثر أعمق، وهكذا انطبعت عادات ذهنية واحدة في عقولهم وأرواحهم. كانت جملة هذه العادات تشكل الرؤية المسيحية للفن، حيث كان الفن والفلسفة وعلم الكلام، في ترابط لا ينفصم، يشكلون معاً نوعاً من إقليم الوجود خاصاً بالفكر المدرسي. ومن هنا يصف «غوتفريد زمبر» فن العصر القوطي بأنه «تبلور الفلسفة المدرسية في قالب من حجر». وكما أن أصفهان العصر الصفوي هي مظهر الفكر العرفاني والفلسفي لإيران الإسلامية، كذلك فإن ثقافة باريس القروسطية هي فكر الكنيسة، والكنيسة بدورها هي التقليد بكل ما للكلمة من معنى، لأنها تشمل جميع المنظومات الثقافية التي كان عظماء تلك الثقافة يتمتعون بها.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.