اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينتقد أعظم بويا منهج محسن كديور وأدلته في مواجهة نظرية عبد الكريم سروش حول «الدين والسلطة». ويرى أن تفريق كديور بين «التنوير الديني» و«التجديد الديني» ينطوي على غموض، وأن معيار إصلاح أصل الدين في مقابل المعرفة الدينية يفتقر إلى الفاعلية.

نقد لكتاب «تحدي الإسلام والسلطة»
نقد نقد كديور لسروش
أعظم بويا
تناول عبد الكريم سروش في محاضرتين بعنوان «الدين والسلطة» (المحاضرة الأولى والثانية) الجوانب التاريخية والسوسيولوجية للإسلام، وقام، كما يقول هو نفسه، بتوسيع فكرته التي وردت في مقال «العقيدة والاختبار»[1] والتي كان قد نشرها قبل نحو ثلاثة عقود، وأبرز ضلعاً آخر من أضلاع دراسات «التنوير الديني»؛ ألا وهو الدراسات التاريخية والسوسيولوجية. وقد حظيت هاتان المحاضرتان بعنوان «نظرية الدين والسلطة» باهتمام المؤيدين والمعارضين وأثارتا العديد من الانتقادات والآراء. كما قام محسن كديور في جلستين بنقد تلك النظرية. وتتناول هذه الكتابة، بغض النظر عن صحة أو بطلان ادعاءات سروش، نقدَ منهج وأدلة كديور. لكن قبل ذلك، أشير إلى فهمي الأولي لهذه النظرية. حين استمعت إلى محاضرة «الدين والسلطة»، شعرت وكأن عبئاً ثقيلاً قد أُزيح عن كاهل المصلحين المسلمين؛ عبء تجميل الدين، وهو العمل الذي ظل المصلحون المسلمون منهمكين فيه بكل ألم طوال القرن الأخير، لكنه انشغال بلا راحة بال. تذكرت حوار حفيد داروين - بصفته ملحداً - مع قس وباحث مسيحي تنويري. كان يتحدى ذلك التنويري المسيحي دفاعاً عن نظرية داروين ورفضاً للإيمان بوجود الله، قائلاً: إنكم أيها المصلحون الدينيون تتعاملون مع النصوص الدينية بشكل انتقائي وتفرغونها من معناها. تأخذون آيات من الكتاب المقدس وتتركون آيات أخرى. وبعد سنوات سمعت هذا النقد نفسه على لسان مصطفى ملكيان في مواجهة المثقفين الدينيين في إيران. ومع سماعي لنظرية «الدين والسلطة» شعرت وكأن عصر هذا النقد سيشارف على نهايته مع هذه النظرية.
أما ما سيأتي لاحقاً، فهو نقد لمطالب محسن كديور في نقده لنظرية «الدين والسلطة»، في كتابتيه المعنونتين بـ «الرد على النقد الكتابي للدكتور سروش؛ إيضاح تحدي الإسلام والسلطة» و«تحدي الإسلام والسلطة؛ نقد سروش».
التجديد الديني والتنوير الديني
منذ بضع سنوات، احتدمت النقاشات حول استبدال مصطلح «التجديد الديني» بمصطلح «التنوير الديني». كان الكثيرون يميلون، بل ويصرون، على أن يُستخدم مصطلح التجديد الديني بدلاً من التنوير الديني، الذي طرحه سروش، للإشارة إلى تيار الإصلاح الديني في إيران، وكان لكل منهم أسبابه. وتحدث البعض، كمحمود صدري، عن فصل قطبين في التجديد الديني. وقد استخدم صدري في وصف هذين القطبين ثنائية «إعادة البناء/التحسين»، واعتبر شعار قطب التحسين هو «بلوغ العمران والحرية بأقل تكلفة»، وشعار قطب إعادة البناء هو «الحقيقة بكل سعتها»، ورأى أن التبادل بينهما أمر ضروري (محمود صدري، خطاب إعادة البناء والتحسين). وهذا الوصف يتجه قبل كل شيء إلى إصلاح المجتمع الديني. وقد بيّن صدري أنه «في الحالات التي لا تتوافق فيها المعتقدات الدينية أو التقليدية مع أهداف الإصلاح، يتم نقد تفسيرات المفسرين قدر الإمكان، لا أصل الدين والتقليد وجوهرهما» (المصدر نفسه). على أية حال، قام كديور، الذي يُصنف ضمن المحسِّنين وفقاً لرأي صدري، في مقدمة نقده لنظرية «الدين والسلطة»، برفع الجدل حول استبدال هذين المصطلحين إلى مستوى التفريق بينهما؛ تفريق يبدو أنه يمكن أن يجعل الخلافات بين طيفي المصلحين الدينيين في هذه الأيام أكثر معنى، وأن يفضي في المستقبل إلى نقاشات جادة في هذا الشأن ليصبح الشرخ بين هذين الطيفين أكثر وضوحاً: «من النتائج الأخرى لهذه الخطوة الجديدة علنيةُ الانفصال التام للتجديد الديني (القائلين بإصلاح المعرفة الدينية) عن التنوير الديني (الشخصيات المنشغلة بإصلاح أصل الدين)» (كديور، الجلسة الثانية، 15).
«لقد آن الأوان لأن تتميز الصفوف الفكرية في الفكر الإسلامي المعاصر بشكل شفاف عن بعضها البعض؛ المجددون الذين يرون سقف الإصلاح هو «الفكر الديني والعلوم الإسلامية» - وهي بشرية بالكامل - يتميزون عن المتنورين الذين يرون أن «أصل الإسلام» - الكتاب والسنة المعتبرة - مشمول بالإصلاح أيضاً، وجعلوا نقد القرآن نصب أعينهم» (كديور، من كلمة الله إلى أحمد وكلام الله).
يعدد كديور خطوات مشروع سروش قائلاً: إن سروش «دخل من الخطوة الثالثة في إصلاح الدين». ثم يضيف «لقد خطا الدكتور عبد الكريم سروش خطوته الخامسة في تنفيذ برنامجه البحثي لإصلاح الدين».
لكن ينبغي القول إن هذا التفكيك، على الرغم من أهميته، إلا أن شرح كديور ووصفه له ليس واضحاً.
لقد قبل كديور في كتاباته الأخيرة، ومنها المقالة قيد البحث، التفكيك بين «الدين والمعرفة الدينية»، و«بشرية المعرفة الدينية» التي هي من نتائج القبض والبسط النظري للشريعة. وجعل الإصلاح فيهما معياراً للتفريق بين التنوير الديني والتجديد الديني. وهو يعتقد أن «إصلاح أصل الدين» هو سمة المثقف التنويري، و«إصلاح المعرفة الدينية» هو سمة المجدد الديني. لكن المعيار المذكور يكتنفه من الغموض ما لا يجعله قادراً على تحقيق غرضه. فعلى كديور لإثبات هذا المعيار أن يقدم أولاً تعريفاً واضحاً لـ«الدين»، و«أصل الدين»، و«إصلاح أصل الدين». فإن عرّف «الدين» بأنه «النصوص الدينية» (كما تم تعريفه في القبض والبسط) واعتبر النصوص الإسلامية هي «القرآن والسنة»، وهو يعلم ذلك، فعليه أن يوضح ما معنى «إصلاح القرآن» و«إصلاح السنة»؟ سواء اعتبرنا القرآن كلام الله المباشر أم كلامه غير المباشر (كلام النبي (ص))، وكان القرآن الموجود هو عين ذلك الكلام، فكيف يمكن إصلاحهما؟ أي عمل نقوم به حيالهما يكون «في شأن الدين» لا «في الدين». حتى لو قمنا بدراسة حجية القرآن الموجود بمناهج النقد التاريخي، وخلصنا مثلاً إلى أن ثمة زيادة ونقصاناً قد تسربا إلى القرآن، فإن ما يتبقى بعد حذف الزيادات وإضافة النواقص هو «الدين» والإصلاح فيه لا معنى له. وإن خلصنا إلى أنه لم تتسرب أية زيادة أو نقصان إلى القرآن الموجود، فما يتبقى هو «الدين» والإصلاح فيه لا معنى له. أما بخصوص «السنة»، والتي يبدو أنها المحور الأساسي لنقاش كديور، فالأمر على هذا المنوال. إذا اعتبرنا «السنة» هي مجموعة الأحاديث المعتبرة؛ أي الأحاديث التي ثبتت نسبتها إلى النبي بعد استخدام المناهج التاريخية في تقييم الاعتبار، فهل ينكر المثقف التنويري نسبتها إلى النبي، وعلى العكس من ذلك، يقبلها المجدد الديني؟ وفي هذه الحال، ماذا سيكون الفرق بين المثقف التنويري والمجدد الديني؟ سيجد هذا السؤال إجابته بالانتقال إلى المبحث الثاني.
على الرغم من أن هذه المقالة لا تتسع للإجابة التفصيلية عن السؤال المذكور، إلا أنه يمكن، بطريقة استدلالية بعدية، الإشارة إلى فارقين رئيسيين بين المثقف التنويري والمجدد الديني؛ أحدهما «النظرة من الدرجة الثانية» والآخر «التدين المعرفي» بمعناه التام، الملازم للاهتمام بالحقيقة. هاتان سمتان من سمات التنوير الديني.
لم يضع المثقفون الدينيون حدودًا مسبقة للتعقل. وقد أورد كديور في مقالته «نقد الدين والسلطة» أن «جرح الضمير الديني للمؤمنين يعود إلى أنهم سمعوا كلام العدو من لسان الصديق، وأنه مع هذا الوصف لله والقرآن والإسلام والنبي، أي رجحان يبقى للإيمان بهم أو في البقاء عليه؟» (الجلسة الثانية، 5). يبدو أن المجددين الدينيين، أكثر من قلقهم على العقلانية وانشغالهم باكتشاف الحقيقة، قلقون على ضمير المؤمنين. في الواقع، يعتقد كديور أن العقل يجب أن يُعرض على النص: «نتاجات التنوير الديني إذا تعارضت مع محكمات كلام الله المجيد، وفي الدرجة الثانية مع السنة المعتبرة لمحمد بن عبد الله (ص)، فهي أذواق غير مسندة ستزول في الثقافة الإسلامية كالزبد على وجه الماء» (كديور، من كلام الله إلى أحمد وكلام الله). أي أن حد التعقل هو النص، وهنا تُطرح النقاشات المتعلقة بـ«النص والظاهر» و«الاجتهاد في مقابل النص»، وعندما يتعلق الأمر بفهم النص وتفسيره، تبلغ الاختلافات في الرأي حول تحديد النص ذروتها. يبدو أن للمجدد الديني حدودًا لا يجيز إعادة النظر فيها، ولا يعترف بأي نظرة جديدة إلا داخل سياج هذه الحدود. ومن هنا يقترب أحيانًا، دون قصد، من خطاب التكفير، ويطلب من المثقف الديني أن يوضح موقفه ويعلن ما إذا كان مسلمًا أم لا: «هل تجاوز التنوير الديني الإسلام والمسلمانية... على أي حال، هو ملزم أخلاقيًا بأن يحدد كيف يفكر في الإسلام والتشيع» و«المثقفون الدينيون بهذا التصور للتعددية الدينية (تساوي جميع الأديان في الحقانية والنجاة) ليست لديهم هموم إسلامية وشيعية» (كديور، تأمل في شأن التجديد الديني في إيران المعاصرة).
من خصائص التنوير الديني «النظرة من الدرجة الثانية»، أي إخراج الذات من قلعة الدين والنظر إليه من الخارج؛ النظرة التي تشكل على أساسها القبض والبسط النظري للشريعة. المثقف الديني يجعل النص الديني نفسه والمعرفة الدينية موضوعًا للبحث العقلي والعلمي الحر، وينظر إليهما من موقف معرفي أو سوسيولوجي أو تاريخي، كباحث محايد في الدين. لكن يبدو أن المجددين الدينيين ليس لديهم انشغال جاد بالدخول في النظرة من الدرجة الثانية والخروج من النظرة من الدرجة الأولى والمباحث الكلامية والفقهية والحديثية أو الميتافيزيقية على أقصى تقدير.
كديور، رغم تصريحه بأنه لا ينفي التاريخ، إلا أن الطريق الذي يسلكه للوصول إلى إسلام غير متسلط يؤدي إلى نفي تاريخ الإسلام. يعلن موافقته على مقولات سروش الثلاث: «أ. النصوص الدينية الموجودة (من تفسير القرآن، وكتب الرواية، وسيرة النبي، والفقه، والكلام، والعرفان) لها وجهة استبدادية وتسلطية. ب. هذه النصوص قدمت عن النبي أيضًا صورة استبدادية ومتسلطة، صورة العارف المسلح نفسه. ج. سلوك المسلمين، خصوصًا عندما كانوا في السلطة، يُظهر هذا الاتجاه نفسه. (كديور، الجلسة الثانية، 5) لكنه يرى أن موضع خلافه مع سروش هو أن «العلوم الإسلامية السائدة وتاريخ حياة المسلمين لم تكن متناسبة مع توجه القرآن، وسيرة النبي وصفات إلههم، وكانت عوامل أخرى دخيلة في تشكيلها خفيت عن صديقنا المحترم» (كديور، الرد على النقد الكتابي لسروش، 11). أي أن كديور أولاً، يعتبر جميع العلوم الدينية الموجودة وكتب الرواية والسيرة... إلخ محرفة. ثانيًا، يستند إلى شواهد روائية من كتب الرواية الموجودة نفسها لدى الشيعة والسنة لدعم رأيه. منها:
«لا أعرف اليوم شيئًا مما كنا عليه في عهد رسول الله».
«تعاليم رسول الله بعد وفاته (على الأقل بعد تحول الخلافة إلى ملك على يد معاوية بن أبي سفيان سنة 41) أُلقيت في طي النسيان بحيث لم يبقَ منها سوى لقلقة لسان بـ لا إله إلا الله وصلاة الجماعة».
ثالثًا، يرى أن عامل هذا التحريف هو «تدخل السلطة السياسية في استحالة الموازين الاجتماعية للإسلام».
تُظهر المطالب المذكورة غموضًا وتعارضات مختلفة في بيانات السيد كديور، وسأشير إليها:
أ) إذا كانت النصوص الدينية المتاحة ذات نزعة استبدادية، فأي النصوص الدينية لا تتسم بهذه النزعة؟ وما هي تلك النصوص الدينية غير المتاحة؟ جواب كديور في الواقع هو أنه لا توجد نصوص أخرى، بل إن هذه النصوص نفسها قد تعرضت للتحريف. لكن السؤال هو: إذا كانت هذه النصوص محرفة، فلماذا يستشهد بها لتأكيد رأيه؟ وما الذي يضمن أن هذه الروايات نفسها لم تُحرف؟ والنصوص التي يستشهد بها تدل على أنه لم يتبق شيء من تعاليم النبي. ويشير في موضع لاحق من كتابته إلى صناعة وضع الحديث قائلاً: «جماعة من الغلاة أقاموا صناعةَ وضع الحديث وأنتجوا روايات، تبلغ أحياناً حد التواتر ، حول تحريف القرآن والشخصية فوق البشرية للأئمة الهداة ونسبوها إليهم، بحيث إن اكتشاف الوجه الحقيقي للأئمة من تحت أكوام الروايات المختلقة والمزورة صار عملاً بالغ الصعوبة». الصورة التي يقدمها كديور عن النصوص الدينية المتاحة توحي بنصوص تعرضت لتحول عميق بحيث يستبعد التمكن من إزالة غبار التحريف عنها في زمن يمتد بطول التاريخ الذي مضى. عندما يبلغ التحريف مبلغاً تُختلق معه روايات متواترة حول تحريف القرآن وشخصية النبي، فأي أمل يبقى في الوصول إلى تعاليم النبي.
ب) يرى كديور أن العلة المهمة لهذه التحريفات وغلبة النزعة الاستبدادية في العلوم الدينية السائدة هي تدخل السلطات السياسية بعد النبي. لكنه لا يعتبر السلطة السياسية مؤثرة في التفاسير التي تسعى لإظهار الوجه الرحماني والتحرري للإسلام. ولإثبات عدم اعتبار الروايات المتعلقة بحكم قتل المرتد، يستشهد برأي الشيخ شلتوت ومحمد الطالبي في كون تلك الروايات مزورة. (ج الثاني، 3) لقد سعى مفسرو القرآن في القرن العشرين بهمة عالية إلى تصوير الوجه الرحماني والتحرري للقرآن. وقد أدت هيمنة الاستعمار الغربي وتفوق التقدمات العلمية في ذلك العصر إلى ظهور مثل هذه التفاسير. أي أن التفسير في ذلك العصر كان في الواقع تفسيراً سياسياً للقرآن، كما يقول أمثال شتيفان فايلد.
(انظر. Political interpretation of the Quran, Stefan Wild )
والسؤال الآن هو: لماذا يكون تدخل السلطة السياسية في استحالة الموازين الاجتماعية للإسلام مقبولاً في حقبة وغير مقبول في حقبة أخرى؟ إن سعي أمثال محمد عبده وسيد جمال الدين الأسدآبادي لإظهار الوجه الرحماني والعقلاني للإسلام قد يكون ناتجاً عن هيمنة السلطة في زمانهم بقدر ما كان إظهار الوجه الاستبدادي للقرآن. لا يسأل كديور نفسه لماذا أُضعفت روايات قتل المرتد في المئة عام الأخيرة، أو لماذا ظهرت في هذا العصر روايات تنفي قتل المرتد من تحت الماء.
بطبيعة الحال، يصرح السيد كديور بأنني لا أسعى إلى نفي التاريخ، بل إلى نقد مدروس للتاريخ. لكن استدلالاته وتصريحاته تؤدي إلى نفي التاريخ. وكأن هناك تاريخين؛ تاريخ متاح وتاريخ مثالي، نحمله نحن مسبقاً كمخطط ذهني.
لقد تحدث السيد كديور مراراً عن «النبي التاريخي»، و«واقع الإسلام، ما حدث في التاريخ»، و«الواقع التاريخي». لكن السؤال هو: كيف يمكن الحصول على هذا الواقع؟ هل هذا الواقع بحوزتنا قبل الدخول في التاريخ؟ جوابه على هذه الأسئلة هو أنه يمكن الوصول إلى التاريخ الحقيقي بمعايير التقييم المحايدة للنقد التاريخي. وهو يدعي أنه سلك هذا الطريق على الأقل في مسألة قتل المرتد.
يضع كديور معايير لتقييم الروايات الواردة في السيرة وكتب الحديث والتفسير، ويستعين ببعضها في تقييم روايات قتل المرتد والجهاد الابتدائي، ويرى أن «وفق هذه المعايير العلمية الصارمة، فإن الأدلة التي يمكن الاعتماد عليها هي: أ. القرآن الكريم، ب. أقوال النبي وسيرته العملية المطابقة للمعايير المسلَّمة تاريخياً وبعد تطبيق المنهج النقدي». وفيما يتعلق بالقرآن، يعتقد أن الروايات يجب أن تُعرَض على محكمات القرآن. بل ويضيف أن الروايات التي يُدَّعى تواترها لا يمكن قبولها أيضاً دون تحقيق تاريخي كامل ودراسة نقدية. ويشدد على البحوث التاريخية المحايدة: «تُظهر البحوث التاريخية المحايدة أنه أولاً: لم يُقتل أحد في زمن النبي بتهمة الارتداد» (الجلسة الثانية، 2). ويؤكد أن تطبيق «المنهج النقدي الحديث» على جميع الأدلة التاريخية ضروري (ج 2، 6).
أما بخصوص خبر الواحد، فيقول إن خبر الواحد الظني الصدور ليس بحجة مطلقاً في المباحث الاعتقادية. وعليه، ينبغي أن يعتبر خبر الواحد حجة في الأحكام العملية. لكن يبدو أنه لا يعتبره حجة حتى في الأحكام ما لم تقترن به قرائن عقلية وتاريخية موثوقة: «الأساس البحثي لاعتبار الخبر هو كونه محفوفاً بقرائن عقلية وتاريخية موثوقة (سواء من الروايات الأحادية أو المتواترة التقليدية أو غيرها) (الجلسة الثانية، 6).». نعم، إن محدثي الشيعة، ومنهم الشيخ الطوسي والشيخ المفيد والعلامة النائيني ومفسر القرآن المعاصر العلامة الطباطبائي، لا يعتبرون خبر الواحد حجة في التفسير والاعتقادات، بل يعتبرونه حجة فقط في الأحكام الشرعية، ودليلهم على ذلك أن خبر الواحد لا يفيدنا في النهاية إلا الظن، بينما الحجة في الاعتقادات هي العلم لا الظن. أما في الأحكام العملية فالظن كافٍ. وهم بالطبع لا يعتبرون كل خبر واحد حجة، إلا إذا اعتُمد بشواهد معتبرة. وقد تبنى كديور هذا الموقف نفسه. وبالطبع، لهذا الرأي مخالفون، منهم آية الله الخوئي الذي يعتبر الخبر المعتبر حجة في التفسير والاعتقادات أيضاً. وعليه، فإن علماء المسلمين مختلفون في هذه المسألة. فإذا كان السيد كديور يتبنى موقف المجموعة الأولى، فعليه أن يقدم أدلته على ذلك ويثبت أن رأي أمثال آية الله الخوئي لا يمكن الدفاع عنه.
صحيح أن المعايير التي يتبناها كديور، كما يقول هو نفسه، صارمة للغاية، لكن ثمة مشكلتين هنا: الأولى عدم وضوح تلك المعايير، والأخرى أنه حيثما توصل إلى نتائج قطعية لا نجد أثراً لهذه المعايير الصارمة، ومنها في حكم قتل المرتد.
يعتقد كديور أن: «البحوث التاريخية المحايدة تُظهر أنه لم يُقتل أحد في زمن النبي بتهمة الارتداد» (الجلسة الأولى، 14). لكن ليس من الواضح تماماً ما الذي يعنيه كديور بـ البحوث التاريخية المحايدة؟ هل يقصد البحوث التي أجراها المؤرخون باستخدام المناهج التاريخية والوثائق والأدلة غير اللاهوتية؟ وهل المقصود بالتاريخ، تاريخ المؤرخين أم التاريخ الديني؟ وبشكل عام، ما المقصود بالمحايدة هنا؟
الأدلة القابلة للاعتماد في قبول القضايا التاريخية
يرى كديور أن المصادر الموثوقة هي القرآن الكريم وأخبار وأقوال النبي (ص) التي تثبت بموازين منهج النقد التاريخي. لكنه لا يقدم دليلاً على لماذا لا ينبغي تطبيق منهج النقد التاريخي على القرآن الكريم، وهل القرآن نفسه ليس وثيقة تاريخية؟ إنه لا يوضح كيف يعرض وثيقة تاريخية على وثيقة تاريخية أخرى. العلاقة بين هاتين الوثيقتين التاريخيتين (القرآن والروايات) لم تُبحث في كلامه، كما لم يتم التطرق إلى منهجية هذا العرض. هل هذا العرض هو عرض على المحتوى أم على الألفاظ؟ إذا كان عرضاً على المحتوى، فبأي منهج هرمنيوطيقي يتم أولاً تحليل معنى كلا النصين؟ ثمة غموض آخر هنا، وهو أنه ليس من الواضح ما هو المنهج الانتقادي ومنهج النقد التاريخي اللذان يتحدث عنهما كديور مراراً، بل ويعتقد أنه ينبغي فحص حتى الروايات المتواترة بهذين المنهجين؟ إنه لا يشير إلى هذا المطلب إطلاقاً، رغم أن كتابته مليئة بالمصطلحات التقليدية المتعلقة بفحص الأحاديث، ومنها خبر الواحد وخبر المتواتر والخبر الذي يفيد الظن أو العلم أو الشك. هل منهج النقد التاريخي هو هذا؟ إنه لا يتجاوز هذه الدائرة حتى في فحص روايات الارتداد والجهاد الابتدائي. وفي استدلالاته لا يستخدم أياً من المناهج النقدية مثل نقد النص، ونقد المصدر، ونقد الشكل، والنقد التاريخي، ونقد التقليد، والنقد التحريري، والنقد البنيوي، والنقد اللغوي وغيرها من النقود. الكلام هنا كثير، ولكني أكتفي بهذا القدر وأحيل القارئ إلى كتابة أمير مازيار المتقنة («كديور وادعاء النقد التاريخي»، صدانت)[2].
عرض الروايات على محكمات القرآن
اعتبر كديور، في كتابيه الأخيرين وكذلك في كتابه «كلام الله حتى أحمد وكلام الله»، أن أحد أهم شروط صحة الخبر هو عرضه على محكمات القرآن، دون أن يوضح موقفه من آيات القرآن المحكمة والمتشابهة. أي الآيات محكمة وأيها متشابهة؟ معيار تحديد الآيات المحكمة والمتشابهة هو معركة آراء بين الباحثين في علوم القرآن والمفسرين. فكما أن هناك آية في سورة آل عمران (الآية 7) تقسم الآيات إلى محكمات ومتشابهات، هناك آية أخرى تعتبر القرآن كله محكماً «أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ» (هود: 1)، وآية أخرى تعتبر القرآن كله متشابهاً «كِتَابًا مُتَشَابِهًا» (الزمر: 23)، وقد قدم المفسرون آراء مختلفة في الجمع بين هاتين المجموعتين من الآيات. وقد بلغت هذه الاختلافات حداً جعل بعض الباحثين المعاصرين في علوم القرآن يعتبرون ثنائية المحكم والمتشابه المفهومية من صنع المتكلمين لترجيح أحدهما على الآخر في مناظراتهم الكلامية (مثلاً نصر حامد أبو زيد)، بينما اعتبر باحث معاصر آخر جميع الآيات محكمة من منظور ومتشابهة من منظور آخر (عبد الكريم سروش). في ظل هذه الحال، يفترض على كل باحث أن يوضح أولاً وجهة نظره في هذا الشأن، ثم يجعل العرض على الآيات المحكمة معياراً لرد الروايات وقبولها.
يعتبر كديور، في موضوع الجهاد الابتدائي، رواية «ألا إني إنما أمرت أن أقاتل ...» خبراً واحداً ومعارضاً لمحكمات القرآن (الجلسة الثانية، 10) ويتساءل: «بأي آية من القرآن أُمر النبي بالجهاد الابتدائي بهذا المعنى ...؟». والسؤال الآن هو: هل معيار العرض على محكمات القرآن حاسم في كل مكان، إذا كان حاسماً أصلاً؟ على سبيل المثال، نحن المسلمون نقيم صلواتنا اليومية وفقاً لرواية عن النبي (ص) «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وهي رواية عملية لا قولية. إذا أردنا تقييم اعتبار هذه الرواية، فعلى أي محكمات القرآن ينبغي أن نعرضها؟ في أي آيات القرآن وردت كيفية أداء الصلاة؟
مما قيل نستنتج أن نقد السيد كديور لـ«الدين والسلطة» يشتمل على مفاهيم غامضة، وعلى استدلالات مختلة وغير واضحة وغير معتبرة. وعليه، وبصفته باحثاً أكاديمياً، يقع على عاتقه أولاً أن يهتم بإيضاح المفاهيم التي يستخدمها، وثانياً أن يعرّف بمنهج النقد التاريخي الذي يقصده ويبين أين وفي أي من استدلالاته استفاد منه.
.
.
[1] عقيده و آزمون/ عبدالكريم سروش/ كيان سال دوم مرداد و شهريور 1371 شماره 8/ دريافت PDF مقاله
[2] النص والسلطة وسوسيولوجيا النص الديني/ أمير مازيار/ صدانت/ مطالعة المقال
.
الدين
الدين
الدين
العلوم السياسية
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.