اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينقد حسين سوزنچي كتاب «الحجاب الشرعي في عصر النبي»؛ ويتحدى بالأدلة القرآنية والروائية الدعوى القائلة بكفاية ستر الجذع والذراعين، ويستقصي تحول الثقافة العربية في الحقبة النبوية.

نحن المسلمون، سواء الشيعة والسنة منا، وإن اختلفنا في بعض الأحكام الشرعية (مثل الوضوء)، فإن التعاليم التي وصلتنا عبر الآيات والروايات لم تترك لنا مجالاً للشك في أن الحجاب الشرعي واجب على المرأة المسلمة، وهو ستر جميع البدن غير الوجه واليدين (إلى الرسغ)؛ وهذا الأمر كان واضحاً إلى درجة أنه اليوم، ليس فقط بين المسلمين، بل في العالم كله، يُعتبر الحجاب علامة على تعريف المرأة المسلمة، حتى أن الحكومات في أرجاء العالم التي لا تنظر برحابة للإسلام، ترفض هذا النمط من اللباس، لأنه علامة على إسلام المرأة، في مدارسها وإداراتها؛ أي أن هذا الحجاب، بالإضافة إلى مساهمته في حفظ أخلاق المجتمع، أصبح اليوم يؤدي دور العلم في التعبير عن هوية المرأة المسلمة.
قصد صاحب كتاب «الحجاب الشرعي في عصر النبي (ص)» الطعن في هذا المفهوم للحجاب لدى المرأة المسلمة، وفرضيته أن الحجاب الشرعي في ذلك الزمان لم يكن بهذا المدى، بل كان عبارة عن ستر الجسد والفخذين والعضدين، وأن الإسلام لا يصرّ على ستر المرأة أمام الرجال الأجانب.
كتاب «الحجاب الشرعي في عصر النبي» مؤلَّف حوالي ألف صفحة من السيد أمير تركاشوند، وكما ذُكر في صفحة مقدمته، انتهى تأليفه على ما يبدو في سنة 1389، وبعد تعديلات، نُشر في سنة 1390 على الفضاء الإلكتروني. هذا الكتاب بدأ ينتشر تدريجياً بين غير المتخصصين وصار يُعتبر في أوساط معينة من المجتمع مستنداً مهماً ضد الحجاب الشرعي؛ وهذا هو ما دفع إلى كتابة مقال يُعنى بفحص مدى مصداقيته. وإن كان المقال المرفق قد كُتب أساساً كنقد لكتاب «الحجاب الشرعي في عصر النبي»، إلا أن القارئ بنظرة ثانية إلى التحليلات التي أُجريت باستخدام الآيات والروايات، يمكنه أن يتعرف على استشهادات ودلالات قرآنية وروائية خاصة بموضوع الحجاب.
.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحجاب في الآيات والروايات
نقد لكتاب «الحجاب الشرعي في عصر النبي»[۱]
حسين سوزنچي
المقدمة
كتاب «الحجاب الشرعي في عصر النبي» مؤلَّف حوالي ألف صفحة من السيد أمير تركاشوند، وكما ذُكر في صفحة مقدمته، انتهى تأليفه على ما يبدو في سنة 1389، وبعد تعديلات، نُشر في سنة 1390 على الفضاء الإلكتروني. مع أن صاحب الكتاب أشار في صفحة مقدمته إلى أن:
«هذا الكتاب قد عُرض فقط للاستفادة والفحص منكم يا محققين دينيين![۲] فتجنبوا نشر مطالب الكتاب والإشارة إليه، إلا في الكتب البحثية والرسائل الجامعية.»
لكن هذا الكتاب بدأ بالانتشار تدريجياً بين غير المتخصصين وصار يُعتبر في أوساط معينة من المجتمع مستنداً مهماً ضد الحجاب الشرعي؛ وهذا هو ما دفع إلى كتابة مقال يُعنى بفحص مدى مصداقيته.
يقول صاحب الكتاب عن هدفه:
«كل جهد هذا الكتاب هو أن يُظهر ابتداءً أي أجزاء من أجسام الناس كانت مستورة في الجاهلية بالملابس وأي أجزاء كانت عارية، حتى نصل في النهاية إلى معرفة رد فعل المجتمع الإسلامي وفي مقدمته القرآن تجاهها.» (الحجاب الشرعي في عصر النبي، ص4)
لهذا الغرض يتوجه في القسم الأول من الكتاب إلى دراسة حالة الملابس في الجاهلية؛ وفي القسم الثاني يتناول وجهة نظر القرآن، وبعد معارضته للتفسيرات المتعارف عليها من بعض آيات القرآن الكريم، يصيغ خلاصته على النحو التالي:
«من خلال صراحة الآيات والإشارات والمعاني الضمنية فيها، استخرجت الأهداف الثلاثة التالية (بوصفها أهداف القرآن من مراعاة الحجاب والستر): أولاً: الحماية من الحر والبرد. ثانياً: إتمام جمال الخلقة. ثالثاً: الصيانة الجنسية، والتعبير عن الاحتراز من الدنس. والهدف الثالث قد يشير إلى أن الستر المطلوب من القرآن لم يكن غاية بذاته، بل كان أولاً للتحكم في رغبات رجال ذلك العصر المنحرفة، وثانياً لكي تعلن النساء المؤمنات (اللاتي عشن في عصر الجاهلية الملوث) بتحسين حجابهن فعلياً أنهن اجتنبن الفساد.» (ص16)
يتناول المؤلف في القسم الثالث آراء الفقهاء بشأن الحجاب، وعلى الرغم من اعترافه بأن الرأي الشهير للفقهاء عن الحجاب الشرعي للمرأة هو «ستر جميع البدن باستثناء الوجه والكفين»، إلا أنه يعتبر هذا الرأي غير صحيح. برأيه، الحد الواجب للحجاب عند المرأة هو «ستر الجذع والفخذ والعضد»، ويسعى لتقديم شواهد من أقوال بعض الفقهاء في القرنين العاشر والحادي عشر لإثبات ادعاءه. طبعاً يشير في هذا السياق إلى أن فتوى أحد فقهاء القرن الرابع كانت بأن الحجاب الشرعي الواجب للمرأة ينحصر في ستر العورتين!
تكمن مشكلة هذا المقال في السؤال التالي: هل تملك حجج المؤلف القدرة على إثبات الفهم المذكور من الآيات والروايات؟ وهل تمت الدقة اللازمة في فحص وعرض آراء الفقهاء؟ بعبارة أخرى، طلب المؤلف في مقدمة الكتاب:
«عند الدراسة يجب تفريغ الذهن من خصائص الحجاب الراهن، لأن الفرق بينه وبين حجاب عصر النبي (ص) فاحش جداً، وذلك لتخفيف شيء من صعوبة تقبل المعلومات الغريبة.» (ص19)
لكن هل سيقتصر توقعه على هذا الحد بتفريغنا ذهننا من الافتراضات المسبقة، أم أنه يتوقع منا أن نتجاهل أيضاً المناهج البحثية المعتبرة في مجالات اللسانيات والدراسات التاريخية من أجل قبول رأيه؟
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، وقد اتفق عليها الجميع (ويسعى المؤلف لتصويرها بصورة بارزة جداً في مائتي وسبعين صفحة من كتابه)، هي أن فترة الجاهلية وقبل مجيء الإسلام شهدت وضعاً متدهوراً من حيث الستر والعلاقات الجنسية. لكن الافتراض المسبق للمؤلف المحترم هو أن «من غير الممكن أن يكون النبي (ص) قد استطاع تدريجياً إصلاح هذا الوضع في مدة ثلاثة وعشرين سنة من نبوته.» المشكلة هي: هل يمكن لنبي حقق بعناية إلهية تطوراً في مجتمع أمي بلا ثقافة في فترة قصيرة، بحيث لم يعتبر فقط التعليم من أعظم القيم، بل تحول إلى أعظم حضارة في عصره، أن يحقق تغييراً مهماً في وضع الستر في ذلك المجتمع أم لا؟
يسعى المؤلف بالاعتماد على الافتراض السابق إلى إثبات هذه الفرضية[۳] بأن الإسلام لم يكن لديه مثل هذا القلق من الإصلاح، وتوصياته بشأن حجاب المرأة والرجل كانت في الغالب مقتصرة على تغطية العورة، وفي كثير من الحالات لم يكن مصرًا عليها؛ وإذا طرح هذا الحد من التغطية، أو على الأكثر تغطية تشمل الجسد والفخذ والذراع للنساء، فإن قلقه كان فقط لمنع حدوث علاقات جنسية حرة، وليس أي شيء بشأن العفة والحياء وما إلى ذلك. بعبارة أخرى، خلاصة وجهة نظره هي أنه من الناحية الإسلامية لا يوجد دليل على أن تكون النساء مرتديات تغطية أكثر من العورة (أو على الأكثر الجسد والفخذ والذراع)؛ وفي الثقافة العربية أيضًا لم تكن مثل هذه التغطية ذات قيمة، والثقافة العربية كانت بطريقة بحيث يستحيل تغييرها في غضون 23 سنة من قبل النبي (ص). في رأي المؤلف، يعتبر أحد الجذور الرئيسية للفهم المعاصر بشأن الحجاب هو إجراءات الخليفة الثاني (ص۸۷۷-۸۸۶) الذي تولى الحكم بعد فترة قصيرة من وفاة النبي (ص). بالطبع، السؤال الذي لم يُطرح أبدًا هو: لماذا الخليفة الثاني – الذي، وفقًا لأسس المؤلف، سواء من الناحية الإسلامية أو من حيث التعصبات العربية، لم يكن لديه حافز لهذا العمل – أصر على هذا القدر على هذا العمل، وتمكن من تحقيق عمل كان يعتبره المؤلف مستحيلًا على النبي الأكرم (ص) تحقيقه في 23 سنة، وقام به بعد 5 سنين فقط في المجتمع؟ وكيف يمكن أن تشارك زوجات وأصحاب النبي (ص) وبعدها جميع الرواة والمحدثين والفقهاء في هذه المؤامرة العظيمة، وأن يتعاونوا معه على ما أسماه بصناعة الحديث وإصدار الفتاوى الباطلة، وأن لا يعترض أحد، بل حتى الإمام علي (ع) وبقية الأئمة الأطهار (ع) ليس فقط لا يبديان أصغر اعتراض، بل يشاركان في هذا التيار أيضًا؟!
على أي حال، عندما يواجه الإنسان مثل هذه الصورة، يتوقع تقديم أدلة تاريخية معتبرة عليها؛ والهدف من المقالة الحالية هو فحص أدلته. لهذا الغرض، في الفصل الأول، بشكل مفصل، يتم الإشارة إلى بعض الفرضيات التي شكلت أساس نظريته الكبرى، وتقييم الحجج لهذه الفرضيات؛ وفي الفصل التالي، سيتم فحص نظريته الرئيسية بمزيد من التفصيل، وهي أيضًا أكثر أقواله جدلًا (أي أن عموم الفقهاء قد أخطأوا وبالغوا في فهم الحجاب الشرعي). وبالمناسبة، لتسهيل القراءة، يتم ذكر النقاشات الأكثر تخصصًا والاستشهادات في الحاشية السفلى. لكن قبل الدخول في النقاش، من المناسب الإشارة إلى ثلاث نقاط:
۱) ضرورة تجنب الإساءة والسب والتعابير البذيئة في النقاشات العلمية: للأسف، المؤلف المحترم في الحالات التي يخالف فيها رأيًا ما، يستخدم جميع أنواع التعابير المسيئة ضد أصحاب ذلك الرأي، وكذلك استخدم في نصه الكثير من الكلمات البذيئة التي لا تناسب نصًا بحثيًا، وإذا اضطررنا لاحقًا في المقالة، بسبب الاقتباس المباشر، إلى إيراد بعضها، فإننا نعتذر مسبقًا من القارئ الكريم. بالطبع، هناك حالات حيث استخدم المؤلف تعابير بذيئة، لكن نظرًا لمكانة الشخص المعني [مثلًا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم]،[۴] فمن غير المرجح أن يكون قد قصد الإساءة؛ ومع ذلك، فإن طريقة بيانه بحيث أنه إذا لم يعتبرها القارئ إساءة، فإنه على الأقل يشعر بعدم الإنصاف.
۲) تجنب التطرق إلى نقاشات غير ضرورية: أحد الأسباب التي جعلت الكتاب يصبح طويلًا وتفصيليًا بشكل مفرط هو أن المؤلف أحيانًا ما يتطرق بالتفصيل إلى مسألة لا أحد يستشهد بها في نقاش الحجاب الشرعي؛ لكنه يناقش بطريقة توحي بأن هذه المسألة كانت من الأدلة المهمة لنقاش الحجاب الشرعي، وبرفضه لدلالتها، يبدو كأنه تم رفض أحد الأدلة المهمة للحجاب الشرعي المعروف. على سبيل المثال، من انحرافات الجاهلية أن بعض المشركين كانوا يطوفون حول الكعبة بأجسام عارية، وفي بعض آيات القرآن الكريم يتم ذم هذا السلوك. بالرغم من أنه واضح أن هذه الآيات لا علاقة لها بنقاش الحجاب الشرعي للمسلمين، وأي فقيه لم يستخدم هذه الآيات في نقاش حجاب النساء؛ لكن المؤلف خصص نقاشات طويلة لها لإثبات أنه من هذه الآيات لا يتضح حد التغطية الواجبة للمرأة! في المقالة الحالية لا نتطرق إلى مثل هذه النقاشات.
٣) عدم الدقة في ترجمة المسائل: من الطبيعي أن معظم النصوص المفحوصة في المسألة المطروحة للنقاش نصوص عربية؛ والشرط الأول لمثل هذا البحث هو الإلمام المناسب باللغة العربية، وفي حالات متعددة يبدو أن تحليل المؤلف ناشئ عن خطأ في ترجمة العبارات، وقد أفضى هذا الخطأ في بعض الأحيان إلى نسبة صفات مسيئة أو سفيهة بحق بعض الشخصيات الإسلامية العظيمة مثل فاطمة الزهراء عليها السلام[٥] أو بعض نساء أهل بيت النبي الأكرم (ص)[٦].
ألف. نماذج من الفرضيات والاستدلالات الكتاب
كما أُشير إليه، يتناول هذا الفصل بعض أهم فرضيات المؤلف بشأن الوضع التاريخي لتلك الفترة ومعاني الآيات والروايات المفحوصة، وسيتم بحث آراء الفقهاء في الفصل التالي. في كل حالة يتم أولاً عرض فرضيته بإيجاز، ثم تقييم صحة الاستدلالات وقوتها:
١٫ هذا التعبير من الآية ٣١ من سورة النور: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيوبِهِنَّ» [يجب أن يضربن بخمرهن على جيوبهن]، لا يدل على الحجاب الذي يغطي الرأس والعنق، بل المقصود هو أن تغطي النساء بقطعة قماش فتحات أجسادهن، أي المقصود من الآية تغطية موضع العورة (وربما بالإضافة إلى ذلك، فتحات بين الثديين). وبطبيعة الحال، كاحتمال ثالث، قد يكون المقصود تغطية فتحات الملابس (التي كانت العورة تظهر من خلالها). السبب في هذه الترجمة هو أولاً أن كلمة «خمار» لا تدل على الخمار، بل يمكن أن تكون أي ملابس (وخاصة التنورة المستخدمة لتغطية الجزء السفلي من الجسد)، وثانياً «جيب» لا تعني «الرقبة»، بل تعني أي فتحة؛ وملابس تلك الفترة كانت غير مخيطة تماماً، وعندما كانت النساء يستخدمن قطعة قماش واحدة غير مقسمة لتغطية عورتيهن، كانت العورة تظهر أحياناً من الفتحة؛ لذا طلبت الآية من النساء تغطية فتحات أجسادهن (العورة، وربما بين الثديين) أو فتحات ملابسهن التي تكشف العورة بقطعة قماش. (ص٥٦٢-٥٨١)
النقد والدراسة
بخصوص ما إذا كان هناك دليل مقنع على أن معظم الملابس في تلك الفترة كانت «غير مخيطة» أم لا، سيتم بحث ذلك في الفقرات التالية؛ لكن الاستدلال الأساسي له لرفض معنى هذه الآية (التي ترجمها جميع المفسرين بالطريقة المذكورة بين القوسين) هو ترجمات جديدة لكلمتي «خمار» و«جَيب». جميع الكتب المتخصصة التي ناقشت المفردات العربية والقرآنية أقرت بأن كلمة «خمار» تعني «غطاء تغطي به المرأة رأسها»[٧] والتي تُترجم في الفارسية بـ «الخمار»؛ وبخصوص «جَيب» أيضاً، اتفقوا جميعاً على أنها تعني «فتحة الملابس عند الرقبة» وأوضحوا أنه على الرغم من أن جذر هذه الكلمة يعود إلى «الشق والقطع»، إلا أنها بصيغة «جَيب» تُستخدم فقط في حالة «القميص» (=الثوب).[٨] وفي القرآن الكريم أيضاً استُخدمت بهذا المعنى دائماً؛ فمثلاً في قصة موسى عليه السلام يقال له أن «أدخل يدك في جَيب (=فتحة الملابس) ملابسك، وعندما تخرجها ستكون بيضاء مشعة.» (سورة النمل، الآية ١٢؛ سورة القصص، الآية ٣٢). لكن ما هو دليل المؤلف؟
بخصوص كلمة «خمار»، يكرر من بداية الكتاب مراراً وبدون أي سند، أنه وفقاً لآراء بعض الفقهاء، استُخدمت كلمة «خمار» في الروايات بمعنى «التنورة» وللتستر بالجزء السفلي من الجسد (مثلاً ص٤١). عندما يصل إلى كلمة «خمار» في بحث الآية المعنية، يكرر دعواه بالطريقة التالية كأحد الموضوعات التي ستتم مناقشتها في الصفحات التالية:
يعتبره البعض خماراً وغطاء للرأس، بينما يراه آخرون معادلاً للرداء (الذي يغطي النصف الأعلى)، وكذلك يمكن استخلاص من بعض الروايات أنه معادل للإزار والتنورة (الذي يستخدم لستر الجزء السفلي من الجسد)، لكن قد يكون المعنى الأصلي والأعم منه هو الملابس ووسيلة التستر، بصرف النظر عن مجال التغطية.» (ص٥٤٢)
بخصوص الرأي الأول (الخمار والعمامة)، وهو رأي جميع اللغويين، يتم تقديم عدة مصادر في الصفحات السابقة (ص540) وفي الصفحات اللاحقة (563)؛ إلا أن القارئ مهما انتظر مصدرًا للأقوال اللاحقة، لم يجد ما يرشده؛ بينما يواجه بعد قليل من الادعاء السابق، بالجملة التالية: «كلمة الخمار تحمل معنى شاملاً، وكما أوضحت سابقًا، تعني الجارة واللباس بشكل عام» (ص562) وفي صفحتين بعدها أيضًا: «ليس من الواضح أن الخمار بمعنى الخمار والعمامة، لأنه ربما، كما قلت، يكون معادلاً للرداء الرجالي» (ص564). علاوة على ذلك، يعترض المؤلف هنا على جميع المفسرين بتعابير حادة، لماذا ترجموا وفسروا الآية تحت تأثير ذاتياتهم؟! بالطبع، بعد حوالي 160 صفحة وفي بحث آخر، يأتي بالرواية (وليس الروايات) الموعودة. والرواية هي: «لا يقبل اللّه صلاة حائض إلّا بخمار» [الله لا يقبل صلاة امرأة قد بلغت الحيض إلا بالخمار]. كيف تدل هذه الرواية على أن كلمة «الخمار» تعني «غطاء الجزء السفلي من البدن»؟ بسبب أن الشهيد الأول طرح هذه الرواية ضمن روايات تتعلق بـ «ستر العورة في الصلاة»، يستنتج المؤلف أن «الشهيد الأول احتج بهذه الرواية لستر العورة والجزء السفلي» (ص729) بينما الشهيد الأول نفسه، بعد الجمل التي احتج بها المؤلف بقليل، والتي للأسف لم يذكرها المؤلف، يقول صراحة: «المقصود بكلمة «العورة» [في البحث السابق] بخصوص المرأة، هو كل البدن والرأس، ما عدا الوجه والكفين»؛[۱۰] أي أن استخدامه لهذه الرواية يتسق مع المعنى العادي للرواية، وليس بقصد استخدام الخمار لتغطية العورة بمعناها الاصطلاحي الحديث.
بخصوص كلمة «الجيب» أيضًا، رأي المؤلف المحترم هو أنه بما أن جذر كلمة «جاب» يعني القطع والشق، فإن معنى كلمة «الجيب» ليس فتحة الثوب، بل أي شق، وربما المقصود من الآية بالشق الذي يجب تغطيته هو عورة النساء (وربما شق بين الثديين أو فتحة الملابس التي تظهر العورة منها)![۱۱] هذا يشبه من يقول إن كلمة «الجواب» أيضًا، بما أنها من نفس الجذر، تعني «الشق»، وعندما نقول: «أعط الحسن جوابًا»، المقصود ربما هو «اشقق الحسن»! بتعبير آخر، على الرغم من أن الفتحة، لكونها تشبه الشق، سميت فتحة الثوب بـ «الجيب»؛ إلا أن هذا لا يعني أنه عندما يقولون «أغلقوا جيبكم»، المعنى هو «أغلقوا شقكم»!
2. كلمة «الساق» في تلك الحقبة الزمنية تعني «الفخذ»، والنساء العربيات كنّ يربطن «الخلخال» فوق الفخذ وليس على الكاحل؛ وبالتالي، فإن التأكيد في الآيات والروايات، بل وفي فتاوى الفقهاء القدماء على تغطية «الساق»، كان المقصود منه تغطية الفخذ فقط. (ص594)
النقد والتحليل
هذا فرض متكرر عدة مرات في الكتاب، ويجب النظر في دليل المؤلف على مثل هذا الفرض، الذي يخالف رأي معظم اللغويين[۱۲] وأيضًا يخالف استخدام هذه الكلمة في القرآن الكريم[۱۳]؟ في المرة الأولى التي يطرح فيها هذا الفرض، يضعه على أساس فهم من كلام آية الله مكارم الشيرازي، وربما لو علم آية الله بمثل هذا الفهم من كلامه، تأثر سلبًا.[۱۴] بالتأكيد يعد المؤلف بأنه «سيقدم توضيحًا عن هذه الكلمة في القسم الختامي (العامل الثامن عشر)» (ص86)؛ إلا أنه عندما يراجع القارئ الموضع الموعود، بعد رؤية قائمة من الكلمات، والتي تتضمن كلمة الساق أيضًا، يواجه الجملة التالية: «بما أنني عالجت شرح كل منها في ثنايا البحث، فسأكتفي بها وأنهي العنوان الأخير من الكتاب» (ص995) وينتهي الكتاب! يطرح المؤلف أيضًا في الصفحة 152 بكلمة «ربما»، نفس الادعاء مرة أخرى، دون دليل. وفي الصفحة 258 يقول مرة أخرى «مع الأخذ في الاعتبار الشكوك التي أثرتها سابقًا بهذا الشأن، ربما يمكن على الأقل اعتبار الساق معادلاً للقدم بكاملها» وأخيرًا في الصفحة 594 يكرر الادعاء بهذا التوضيح: «تم تقديم توضيح بهذا الشأن في القسم الأول من الكتاب (البحث الخامس من الفصل الأول)» [أي نفس ص86] ويستنتج: وبالتالي، كانت النساء العربيات يربطن الخلخال في الفخذ، وليس في الكاحل!
على أي حال، قَبِل المؤلف المحترم بهذه الحجة فرضية لم يكتفِ فيها بأن عدّ الحجاب الشرعي المتعارف بعيد الاحتمال، وجعّل الروايات المتعددة الموثوقة مزيفة، بل استخدمها مراراً لإثبات أن تعري النساء المسلمات أمر عادي؛ مثلاً عندما روى أنه في معركة أحد جاءت امرأتان لنجدة الجرحى، وأثناء ركضهما لمساعدتهما، رأى شخص ما خلاخيل قدميهما (أَرَى خِدَمَ سَوْقَهُمَا؛[۱۵]ص۸۸)، فاستنتج أن أفخاذهما كانت عارية، وأن من هذه الحادثة يستنتج أن تعري النساء المسلمات أمر طبيعي وعدم مراعاتهن للحشمة في الملابس السفلية! من الجدير بالذكر أن معركة أحد وقعت سنوات قبل نزول آية الحجاب، وهذه الحكاية نفسها تدل على أنه، بخلاف رأي المؤلف، كانت ملابس النساء المسلمات حتى قبل فرضية الحجاب الشرعي بمستوى يغطي حتى كاحل القدم، بحيث إنه عندما رأى شخص خلخالاً على كاحل امرأة بسبب الركض في ساحة المعركة، ظل هذا الأمر في ذاكرته ورواه للآخرين.
۳٫ تعبير «الرأس» (= الرأس)، الذي يُعتبر تغطيته واجبة للنساء، لا يعني «الرأس الجسدي»، بل يعني «رأس الملبس»؛ أي أن ملابس النساء كانت تغطي الجسد حتى منتصفه، وطُلب منهن أن يغطين رأس الملبس أيضاً (أي مقدمة الصدر)! (ص۷۸۸-۷۹۳)
النقد والتحليل
هذا القول هو أحد الأدلة الرئيسية لديه لإثبات عدم وجوب تغطية الرأس والعنق للنساء، والمؤلف، معتمداً على هذا القول، يفسّر جميع الروايات وحتى فتاوى الفقهاء القدماء بشأن تغطية رأس المرأة بأنها تتعلق بتغطية الصدر. لكن ما هو دليله على مثل هذا التفسير؟ منذ بداية الكتاب، يُؤخذ «الرأس» بالمعنى المذكور أعلاه بشكل متكرر دون أي شرح، وحجته الرئيسية تأتي في نهاية الكتاب. تتعلق هذه الحجة برواية تاريخية عن إجراء اتخذه الخليفة الثاني وهو أنه «منع إماء العبيد من تغطية رؤوسهن ليتمايزن عن النساء الحرات» (ص۷۹۰). لكن هذه الحكاية التاريخية، حتى لو كانت صحيحة، ما علاقتها بدعواه؟ يضع هذا بجانب حكاية تاريخية أخرى ويكتب:
ينقل عبدالله بن أنس عن جده أنس بن مالك قوله: كان إماء عمر يخدمننا وأثداؤهن تهتز: «كُنَّ إماء عمرَ يخدُمننا كاشفات عن شعورهن، تضطرب ثديهن». كان سبب اهتزاز الأثداء عدم استخدام ملابس الجزء العلوي من الجسد، وسبب عدم استخدام ملابس الجزء العلوي الذي أدى إلى ظهور الأثداء، كان تنفيذ أمر عمر أي كشف الرأس الذي ذكرته أعلاه.» (ص۷۹۱)
ترجمة الجملة العربية المذكورة كالتالي: «كُنَّ إماء عمر يخدمننا كاشفات عن شعورهن [= كان شعرهن مكشوفاً] وتضطرب ثديهن» (ص۷۹۱). بينما في هذا النقل، يعتبر أنس الكشف فقط بشأن الشعر، لا الصدر؛ لكن المؤلف المحترم، كما يُلاحظ، أولاً يستنتج من هذه الحكاية أن أثداء إماء عمر كانت أيضاً عارية! ثم بدون أي دليل، يعتبر السبب «عدم استخدام ملابس الجزء العلوي»، أي يستنتج تعري كامل الجزء العلوي من أجسادهن! وفي الخطوة التالية، يوسّع هذه الحادثة (التي حتى لو كانت حقيقية، فهي على الأرجح متعلقة ببيت عمر بن الخطاب ولا يُعرف ما إذا كانت قبل نزول آية الحجاب أم بعده) على كل المجتمع الإسلامي وعصر خلافة عمر بن الخطاب نفسه، وبدون أي دليل، يعتبر سبب هذه الحالة عند الإماء تنفيذ أمر حكومي من الخليفة الثاني (كشف رأس الإماء)، الذي ربما صدر سنوات بعد هذه الحادثة! أي عندما قال عمر بن الخطاب «لا يجب أن تغطين رؤوسكن»، كان مقصده أنه لا يُسمح لهن باستخدام الملابس لتغطية الجزء العلوي من أجسادهن، وبالتأكيد يجب أن تكون أثداؤهن عارية ومكشوفة! في الواقع، خلاصة رأيه تنتهي إلى أنه في ذلك الوقت في الأماكن العامة كانت «الإماء» يُسمح لهن بتغطية أجسادهن من الخصر إلى الركبة فقط، وبهذه الطريقة تمايزن عن «النساء الحرات» اللواتي كن يغطين أجسادهن فقط حتى الصدر!
بمثل هذا الاستدلال، يختزل المؤلف المحترم روايات (وحتى فتاوى) متعددة تدل بوضوح على أن تغطية «رأس» المرأة (غير الوجه) واجبة، إلى مجرد تغطية الصدر؛ والأغرب من ذلك أنه بعد أن نسب مثل هذا الإجراء إلى الخليفة الثاني، يشرع لاحقاً في شرح يستمر حوالي 10 صفحات يبين فيه أن أحد الأسباب الرئيسية لإلزام حجاب الرأس والعنق كانت إجراءات وتشدد الخليفة الثاني بشأن ملابس النساء! (ص۸۷۷- ۸۸۶)
بلى، المؤلّف الموقّر في المواضع التي رأى فيها مصلحة، لم يأخذ كلمة «الرأس» بمعنى الرأس الجسماني فحسب، بل قدّمها حتى بمعنى «الجزء الأعلى من الرأس الذي يُغطّى تحت العمامة»؛ وكذلك عندما يريد أن يطرح هذا الفهم بشأن معنى كلمة «الجلباب» (في الآية 59 من سورة الأحزاب، وهذه الآية أيضًا عن حجاب النساء) بأن معنى الجلباب ليس الخمار، بل شيء يشبه العمامة! يستند إلى رواية أم سلمة (بدون أي ترجمة أو توضيح) التي قالت: «الجلباب: مقنعة المرأة، أي يغطين جباههن ورؤوسهن» (ص515) [= الجلباب مقنعة المرأة، أي بها يغطين جباههن ورؤوسهن.] (رؤوس، جمع كلمة «رأس» والتي المؤلّف، أخذها هنا دون أي دليل، بمعنى «أعلى الرأس»).
4. يمكن للنساء في المنزل أن يظهرن عُرايا تمامًا أمام الأجنبي والمعارف لأن المقصود من «القاعدات من النساء» في الآية 60 من سورة النور - التي تقول: «وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِی لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» [وليس على القاعدات من النساء اللاتي لا يرجون نكاحًا جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة، وأن يستعففن خير لهن، والله سميع عليم]- ليس النساء اليائسات الطاعنات في السن، بل على الأغلب،[16] النساء اللواتي يكن في المنزل ولا يعتبرن العُري عيبًا؛ والمقصود من وضع اللباس ليس خلع الحجاب الشرعي، بل يعني تمامًا أن تكن عاريات في المنزل، حتى أمام الأجانب! (ص611-613)
النقد والدراسة
كل من يعرف اللغة العربية (وبالتالي جميع المفسّرين والفقهاء الشيعة والسنة عبر التاريخ) يدرك أن مقصود هذه الآية أن حجاب الرأس والعنق للنساء الطاعنات في السن اللاتي لا يعدن مورد الرغبة الجنسية، وإن كان أقرب إلى العفة، لا يجب: كلمة «قاعدات» جمع «قاعد» أو «قاعدة»، وهي وإن كانت مأخوذة من جذر «قعود» (= الجلوس)، إلا أنها كما قال معظم أهل اللغة عند استعمالها في حق النساء تقصد النساء الطاعنات في السن اللاتي لا يحضن بعد الآن (اليائسات).[17] المؤلّف الموقّر، بتجاهله المعنى الصحيح لهذه الكلمة، ومدّعيًا أن «قاعدات» تعني «النساء اللاتي يكن في المنزل»! يفتح عنوانًا برمز «معافاة جميع النساء الموجودات في المنزل من اللباس»، ويصل هناك إلى هذه الخلاصة بأن معنى الآية:
«يمكن للنساء في منزلهن، حتى لو افتقد المنزل إلى باب واستتار كافٍ، أن يخلعن [جميع] الثياب، لكن يجب ألا يشرعن بعد خلع الملابس بالوقوف أمام الباب والنافذة (وبالتالي إظهار محاسن الجسد).» (ص613)
المؤلّف الموقّر بإضافة المعلومات داخل الأقواس (التي تفسّر «الثياب» بـ «جميع الثياب»)، واستخدام التعبير «حتى لو افتقد إلى باب واستتار كافٍ» يؤكّد أنه حتى لو تمكّن الآخرون من خارج المنزل أن يروهن عاريات تمامًا، فلا توجد مشكلة! بتعبير أبسط، القرآن الكريم الذي في الآية 58 من هذه السورة نفسها ينبّه بشأن المحارم الذين يترددون كثيرًا في المنزل بأنه في أوقات خلوة الزوج والزوجة، حيث قد لا يكونان يرتديان لبسًا لائقًا، لا يدخلوا غرفة النوم فجأة ويطلبوا الإذن دائمًا،[18] في آيتين بعدها يأذن للنساء أن يظهرن في المنزل، بشكل عام (وليس فقط في غرفة النوم ومع الزوج)، حتى لو كن في منظر وفي مجال رؤية الأجانب من خارج المنزل، لا مانع أن يظهرن عاريات تمامًا وفقط بهذا الشكل لا يذهبن عاريات أمام باب المنزل!
فأما ما هي أدلتهم على نسبة هذا التفسير إلى القرآن الكريم؟ يلجأ المؤلف أولاً إلى أحد التفاسير المعاصرة التي ترجمت بداية الآية بالصيغة «نساء جالسات لا يطمعن في النكاح». إذا لم يكن لدى الإنسان افتراض مسبق خاص، فسيفهم من هذا التفسير نفس المعنى الذي قدمناه نحن (متابعة لعموم المفسرين والمترجمين) في بداية البحث عن الآية. لكنه يعتبر هذا التفسير نفس المعنى المقصود لديه! ولإثبات هذا الادعاء، يبدأ بالقول بأن «قواعد» قد تكون جمع «قاعد» أو «قاعدة»، ثم بدون أي استناد لغوي أو تاريخي، وخلافاً لأقوال اللغويين القدماء والمحدثين الصريحة،[۱۹] يدّعي أنه إذا كانت «قواعد» جمع «قاعد»، فمعناها «نساء جالسات»، وبالتالي فإن «القواعد من النساء» تعني «وجود النساء والاستقرار في البيت» (ص۶۱۲) ثم يستشهد لإظهار أن الآية تشير إلى وظيفة «النساء في البيت» بمراجعته أحد التفاسير السنية، حيث يورد قولاً شخصياً (وليس حديثاً) من ابن عباس بدون ترجمة (ص۶۱۲)[۲۰] وترجمته هي: «قال ابن عباس عن «القواعد من النساء»: المقصود أنه لا بأس للمرأة أن تجلس في بيتها بـ«الدرع» (= القميص النسائي) والخمار (= الوشاح) وتضع الجلباب (= الملاءة) جانباً، طالما لم تقصد التبرج (= إظهار الزينة)». حتى لو تركنا جانباً جميع روايات النزول والروايات عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بشأن هذه الآية، يبقى السؤال: كيف يُفهم من كلام ابن عباس «تعري النساء الكامل في البيت أمام الأجانب»؟[۲۱]
۵٫ [أحد الأخطاء المتكررة في هذا الكتاب هو الخلط بين الدلالات والاستعمالات المختلفة لكلمة واحدة (مثل الحقيقة والمجاز)، وهذا، بالإضافة إلى ما ورد في الهوامش ۱۰ و ۱۳ و ۲۱، يشير إلى نقطة مهمة أخرى تم طرحها لتقديم صورة عن حالة الملبس قبل الإسلام:] كان الرجال والنساء قبل ظهور الإسلام يتركون عادة ما تحت الخصر إلى الأسفل مكشوفاً، لأن بعض اللغويين قالوا بخصوص كلمة «معاري» (الأماكن من الجسد التي لا يغطيها الناس عادة) إنها تعني «الوجه والید والرِجل»؛ وهذا يدل على أن العرب كانوا يغطون في الجزء السفلي من الجسم فقط العورة؛ لأن كلمة «الرِجل» (القدم) «من الأصابع إلى أصل الفخذ» تشمل كل هذا! بالطبع، بما أن تغطية العورة تغطي تلقائياً ما فوق الفخذ، فكان الجزء من نصف الفخذ إلى الأسفل عادة مكشوفاً عند النساء والرجال. (ص۷۳-۷۴)
النقد والتحليل
لا أعتقد أنه ضروري أن أوضح أن كلمة «الرِجل» لا تُستعمل دائماً بمعنى «من الأصابع إلى أصل الفخذ»؛ بل كما هو الحال في اللغة الفارسية أيضاً، فإنها تُستعمل أحياناً بمعنى جزء من هذا المدى حسب القرائن والشواهد. حتى عندما ينقل المؤلف عبارات اللغويين العرب، فإنهم في شرح المعاري والعبارة (الوجه والید والرِجل) قالوا: المقصود هو المدى الذي يظهر دائماً (إنه بادٍ أبداً) والمرأة [في حياتها اليومية ولقضاء حاجاتها العادية] لا تستطيع إلا أن تظهره (لابد مِن إظهارها) (ص۷۰-۷۱). هل ما يضطر إلى البقاء مكشوفاً وعادة ما يكون من الصعب تغطيته هو «من الأصابع إلى نصف الفخذ»؟ إذا ضعنا الشرح أعلاه إلى جانب روايات متعددة (التي أورد المؤلف نفسه عدداً منها في مواضع مختلفة من كتابه) تتعلق بحكم تغطية «الوجه والید والقدم»، جنباً إلى جنب مع التعبير «الأماكن التي لا تُغطى عادة»، يتضح أن المقصود من «الرِجل» (القدم) في هذا البحث هو نفسه «القدم» (المدى من الكاحل إلى أطراف الأصابع)؛ وبالمناسبة، في القرآن الكريم أيضاً (كنص كان يخاطب هذا الشعب الجاهلي ويستعمل الألفاظ بالمعنى الذي كانوا يفهمونه) استُعملت «الرِجل» غالباً بخصوص المدى «من الأصابع إلى الكاحل»، وأشهرها آية الوضوء (سورة المائدة، الآية۶)[۲۲] وحتى في نهاية الآية ۳۱ من سورة النور التي تتعلق بحكم الحجاب الشرعي، استُعملت «الرِجل» بمعنى «باطن القدم»؛ حيث يحذر النساء بقوله: «ولا يضربن بأرجُلهن» أي لا تضرب النساء بأقدامهن على الأرض عند المشي لكي لا ينتبه الآخرون إلى صوت الخلاخيل المخفية، من الواضح أن المقصود من ضرب القدم على الأرض هو ضرب باطن القدم، وليس ضرب «من الأصابع إلى أصل الفخذ»!
۶٫ في زمن النبي (ص) لم تكن الخياطة والملابس المخيطة رائجة، وكان الناس متخلفين إلى درجة أنهم كانوا يستخدمون بدلاً من الملابس المخيطة قطعة واحدة فقط أو على الأكثر قطعتي قماش؛ وبالتالي في مثل هذه الظروف لا يمكن التوصية بالحجاب الشرعي كما نعرفه اليوم. أهم دليل على ذلك[۲۴] أنه في ذلك الوقت كانت تُستخدم كلمات الإزار والرداء في الملابس، وهذه الكلمات تُستخدم للملابس غير المخيطة؛ والمحدثون يشكون أيضاً في أن النبي (ص) استخدم الملابس المخيطة (ص۲۳۲-۲۴۹ و ۲۸۸-۲۹۴).
النقد والمناقشة
ربما يمكن اعتبار هذا القول أهم شاهد على الفرضية المسبقة لديه (استحالة إلزام النساء بالحجاب الشرعي المتعارف عليه). لكن حتى لو تجاهلنا عدم انسجام دعواه «رواج القماش في مجتمع لا تكون فيه الخياطة رائجة» مع مباحث تاريخ الحضارة،[۲۵] وتغاضينا عن دلالة «وجود كلمات متنوعة عن الملابس في ثقافة ما» على «وجود تنوع في الملابس في تلك الثقافة»،[۲۶] فلا يزال يجب القول بأن بيانه لا يمتلك القدرة على تبرير هذه الدعوى فحسب، بل يمكن العثور على أدلة كثيرة في نصه تدحضها:
(۱) عجز التبرير: ينسب المؤلف في البداية إلى المحدثين أنهم يشكون في الملابس المخيطة للنبي (ص).(ص۲۴۳) لكنه لا ينقل فقط كلاماً من أي محدِّث يعبر عن مثل هذا الشك، بل يورد عشرات الأحاديث عن استخدام النبي (ص) للملابس المخيطة، بحيث يتضح أن هناك روايات كثيرة حتى عن طول وقصر كم ملابس النبي (ص)؛ والعجيب أنه يتركها جميعاً دون أي فحص سندي وبحجة وحيدة وهي أن الملابس المخيطة لم تكن رائجة في زمن النبي (ص) (أي المطلب الذي كان من المفروض أن يثبته). (ص۲۴۳-۲۴۸)
لكن تبريره الأساسي هو أنه يظن أن الملابس الوحيدة في ذلك الزمن كانت الرداء والإزار، ومعنى الرداء «الملاءة العلوية» ومعنى الإزار «التنورة»، وكلاهما يُستخدم للقماش غير المخيط.
بخصوص كلمة «الرداء» في الكتب المعتبرة في علم اللغة، لا توجد مناقشة حول كونها مخيطة أو غير مخيطة، وغالباً ما يكتفى بتوضيح أن هذه الكلمة تعني نفس الملابس المعروفة باسم «الرداء».[۲۷] فقط ابن الأثير أشار إلى أن «الرداء هو لباس أو ملاءة يضعها الناس على ملابسهم الأخرى على أعناقهم وأكتافهم».[۲۸] إذا اعتبرنا هذا المعنى، فإن ذلك يستلزم أن الأشخاص الذين كانوا يرتدون الرداء كانوا يلبسونه فوق ملابسهم؛ أي أولاً كان لديهم ملابس أخرى (إذن لم تكن ملابسهم الرداء والإزار فقط) وثانياً إذا أزالوا الرداء، لم يكونوا عراة (المؤلف الموقر يستدل برويات لإثبات أن عري النبي (ص) أمام الآخرين كان أمراً طبيعياً، وفيها أن الريح أسقطت رداء النبي (ص) على الأرض أو أن النبي (ص) ألقى رداءه على كتف شخص ما أو على جنازة شخص ما).
بخصوص كلمة «الإزار» أيضاً، في معظم الكتب المتخصصة في اللغة العربية، لم يأتِ إشارة إلى كونه غير مخيط.[۲۹] صحيح أن الزبيدي (توفي ۱۲۰۵) نقل قولاً عن كونه غير مخيط، لكن بعد ذلك ينقل من قول بعض علماء اللغة الآخرين أن «الإزار يُستخدم لكل ما يستر الإنسان».[۳۰] إذا قام شخص بتتبع الاستخدامات المختلفة لهذه الكلمة، سيجد أن ما يمكن قوله عن الإزار هو أنه حتى لو كان غير مخيط، فهو لباس استُخدم في أوقات كثيرة مع ملابس أخرى وحتى أحياناً فوق الملابس الأخرى[۳۱] وفي إحرام الحج أيضاً حيث يُستخدم تعبير الرداء والإزار، ويُؤكد أن ملابس الرجال (وليس النساء) يجب أن تكون غير مخيطة، يشدد على أن الرجال لا يرتدون معها ملابس مخيطة. كل هذا يدل على أن الإزار والرداء كانا رائجين إلى جانب ملابس أخرى، وليس كملابس وحيدة.
(٢) الأدلة الموجودة في كتابه على نقض دعواه: أولا إنه هو نفسه في بحث وضع الأشراف في الجاهلية يتحدث عن الملابس الطويلة والفاخرة لهم (ص٤٢-٤٩). أليست الملابس الفاخرة (التي على أساس نقل المؤلف نفسه، أحيانا يشار إليها بنفس كلمة «إزار» وأكد النبي (ص) على تقصير «الأكمام» منها) ملابس مخيطة؟ علاوة على ذلك، في الآيات والروايات التي يسوقها، ليس فقط تعابير أخرى مثل لباس وثوب قد استعملت (وليس أي معجم أو مؤرخ يدعي أن هذه تستعمل فقط للملابس غير المخيطة)[٣٢] بل هناك كلمات مثل قميص [قميص] وسربال [ربما السروال] قد نص أهل اللغة على أنها ملابس مخيطة. والطريف أن هاتين الكلمتين الأخيرتين وردتا كلتاهما في القرآن، وهو نفسه يسوق روايات متعددة في مواضع مختلفة من الكتاب خاصة بشأن السربال (الذي ورد أيضا بصيغة السروال) بل يحاول أحيانا أن يقدمه بوصفه «شلوارك» (لا سروال) (ص٢٤٨). وهذا يدل على أن العرب في ذلك العصر كانوا يعرفون هذين النوعين من الملابس تماما ويستخدمونهما.[٣٣] بعيدا عن كل هذا، فإن مجرد عشرات الأحاديث التي ساقها هو نفسه عن ملابس النبي (ص) المخيطة في كتابه والتي لم يستطع أن يثير إشكالا سندا ضدها (ص٢٤٤-٢٤٨) تكفي لرفض دعواه.
يبدو أنه بخلاف ظنه، كان استخدام الإبرة (وبالتالي الخياطة والحياكة) في تلك المجتمع منتشرا جدا، حتى أن القرآن الكريم يستخدم هذا التمثيل لإظهار أن الكافرين المستكبرين لا يدخلون الجنة، وهو أن «لن يدخلوا الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط» (سورة الأعراف، الآية ٤٠) وفي مقابل هذه الآية، يطرح احتمالا بأنهم استخدموا الخيط والإبرة لرقع القماش، لا لخياطة الملابس (ص٢٩٤). لكن هل يمكن أن يكون رقع القماش منتشرا في مجتمع بينما لا تكون الخياطة منتشرة؟ (مزيد من التوضيح جاء في الهامش ٢٥.)
٧٫ في الإسلام نهي فقط عن النظر إلى عورة الجنس الآخر (لا الجنس نفسه)؛ والروايات التي تدل على حرمة النظر إلى الفرج وعورة الجنس نفسه قد تعرضت للتغيير عند النسخ، والتغييرات الرئيسية تتعلق بالنقاط الإملائية؛ أي أن الروايات التي تقول «فلا يحل للرجل أن ينظر إلى فرج أخيه ولا يحل للمرأة أن تنظر إلى فرج أختها» [لا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة أخيه ولا يحل للمرأة أن تنظر إلى عورة أختها]، قد حصل التباس في النقط في «يـ» و «تـ» من «أخيه» و «أختها»؛ أي أن الرجل قد جرى تذكره بشأن النظر إلى عورة النساء، والمرأة بشأن النظر إلى عورة الرجال.(ص٥٣١)
النقد والبحث
يتوقع الإنسان في مواجهة مثل هذا القول أن يواجه بحثا في الفيلولوجيا والنسخيات، لكن الدليل الذي يسوقه لإثبات قوله أعلاه هو: أن تعري المؤمنين أمام الجنس نفسه في صدر الإسلام كان عاديا تماما؛ وبعيدا عن ذلك، كيف يمكن أن يكون الفرد مسؤولا أمام الجنس نفسه بينما لم يلفت انتباهه في مسؤولية تجاه الجنس الآخر. (ص٥٣٠-٥٣٢)
أولا إحدى الشواهد المهمة التي يسوقها لـ «عادية تعري المؤمنين أمام بعضهم» روايات تقول إنه في صدر الإسلام كان الرجال يحضرون الحمام عراة تماما والنبي (ص) نهاهم عن ذلك. هذه الروايات في أحسن الأحوال تدل على أن هذا الخطأ كان موجودا بين بعض المسلمين والإسلام عارضه، لا أن الإسلام قبله. خاصة مع الأخذ في الاعتبار النزول التدريجي للآيات، فإن حدوث مثل هذه المسائل طبيعي تماما: هذه الأشياء كانت موجودة في العرب الجاهلي وعندما يصبح الناس مسلمين، كانوا لا يعرفون جميع الأحكام من اليوم الأول ولم يكن كثير من الأحكام نازلا إلا تدريجيا. الحقيقة أن هذه الأحاديث نفسها تدل على أنه لو كان مثل هذا الشيء موجودا فقد قوبل بنهي النبي (ص).
أما بشأن المسؤولية المتبادلة فيجب أن نقول ألا يتوقع عندما ننبه الرجال بشأن دخول الحمام أن ننبههم أيضا بشأن نظر الرجال والنساء إلى عورة بعضهم بعضا؟
بعيدا عن كل هذا حتى لو قبلنا هذا التبرير في هذه الرواية فماذا نفعل بعشرات الروايات الأخرى المذكورة في نفس الكتاب والتي جاءت فيها عبارات «الرجل والمرأة»[٣٤] بدل «أختها وأخيه» أو التي اعتبرت قبح النظر إلى عورة الجنس نفسه مثل قبح النظر إلى عورة الجنس الآخر؟[٣٥]
***
ما تقدّم يمثّل جزءاً يسيراً فقط من الآراء القابلة للنقاش في هذا الكتاب، وحيث إنها شكّلت أساس الكثير من التحليلات الأخرى للمؤلف، أشرنا إلى نقدها؛ وإذا ما أردنا أن نطرح ونناقش جميع هذه الآراء، لاحتجنا إلى مثنويّ سبعين ألف ورقة. والحال أن هذا القدر يكفي للاطلاع على مستوى الاعتبار العلمي لهذا الأثر، إلاّ أنّه لمّا كان المؤلف قد خصّص حجماً كبيراً من الكتاب، وللأسف بسوء الأدب وشتائم متعدّدة، لتخطئة فهم عموم الفقهاء من بحث الحجاب، بدا أنّه من الضروري تناول هذا الموضوع بشيء من التفصيل بصورة مستقلة.
***
ب. رأي الفقهاء في الحجاب الشرعي
الإجماع من جميع فقهاء الشيعة والسنة عبر تاريخ الإسلام في شأن الحجاب الشرعي الواجب على المرأة أمام الأجنبي، هو ستر جميع البدن ما عدا الوجه (أي الصورة) والكفّين (اليدان إلى الرسغ)[۳۶]، وطبعاً استثنى عدد قليل من الفقهاء عدم ستر «القدمين» (الرسغان وما دونهما) للنساء. يدّعي مؤلف الكتاب أنّه في هذه المسألة كان بين فقهاء الشيعة ثلاثة آراء. أي أنّه بالإضافة إلى الرأي السابق، الذي يعترف بشهرته لكنه يعتبره خطأ ومخالفاً للواقع، يُزعم أنّ بعض الفقهاء [أي: المحقق الأردبيلي (ت۹۹۳)، وملا محسن فيض الكاشاني (ت۱۰۹۱) وملا أحمد النراقي (ت۱۲۴۴)] كانت فتواهم أنّ الحجاب الواجب على المرأة هو فقط ستر «الجذع والفخذ والعضد»! (ص۶۸۵-۷۸۰) وأحد الفقهاء [ابن جنيد الإسكافي (ت ۳۸۱)] كانت فتواه أنّ الحجاب الواجب على المرأة أمام الأجنبي هو فقط ستر العورتين! (ص۷۸۰-۸۳۰)
من الطبيعي أن يكون دليل هذا الرأي مما ورد في كتبهم؛ لكن يبدو أنّ عدم إلمام المؤلف بالنصوص الفقهية أدّى إلى مثل هذه الفهومات. لذا سنشير ابتداءً إلى بعض النقاط التي تلزم لفهم نصوص الفقهاء:
١) يستخدم فقهاء الشيعة أربعة مصادر في إصدار الفتوى: القرآن والروايات والإجماع والعقل؛ ولذا فهم يبحثون في كل مسألة عمّا إذا كان في كل واحد من هذه المصادر الأربعة دليل كافٍ لإثبات المسألة المطروحة أم لا؟ من الطبيعي أنّه أحياناً لا يمكن إثبات مسألة شرعية بآية قرآنية (مثلاً عدد ركعات الصلاة) أو لا يمكن إثباتها برواية منفردة وهكذا. وكذلك فإنّ مقصود علماء الشيعة بـ «الإجماع»، ليس مجرد «الاتفاق بين العلماء» بل «الاتفاق الذي يُفهم منه رأي الإمام المعصوم» أي أنهم يقبلون الإجماع الذي يكون اصطلاحاً «كاشفاً عن قول المعصوم». فعندما يقول فقيه مثلاً «هذا الحكم لا يثبت بهذه الآية، لكنني أقبله بدليل الإجماع»، لا يعني ذلك أنني لا أعترض لأنّ الجميع قالوه؛ بل يعني أنّ هذا الإجماع يدلّ على روايات يثبت الحكم بناءً عليها، وإن كان نص تلك الروايات لم يصل إلينا بشكل مستقل. الخطأ الذي وقع فيه المؤلف الكريم هو أنّه عندما رفض فقيه دلالة آية أو رواية على وجوب ستر مثلاً الرأس والرقبة، ظنّ أنّ ذلك الفقيه يفتي بعدم وجوب ستر الرأس والرقبة على المرأة، مع أنّه لو انتبه أي شخص للعبارات التي وردت في كتاب المؤلف الكريم بدون ترجمة، لوجد أنّ ذلك الفقيه، بالاستناد إلى دليل الإجماع، أفتى بوجوب ستر رأس ورقبة النساء.
٢) بخلاف رسائل تحرير المسائل، التي تُقدّم فيها الأحكام الشرعية دون أي استدلال، في الكتب الفقهية تخضع جميع المسائل للبحث والدراسة بكل جدية؛ لذلك من الممكن أن تكون فتوى فقيهين في رسائلهما متطابقة تماماً، لكن مثلاً أحدهما جعل دليله الرئيس آية قرآنية؛ بينما الفقيه الآخر لم يقبل دلالة تلك الآية واستنبط نفس المسألة باستخدام رواية. أي أنه عندما نريد أن ننسب رأياً إلى فقيه بالمراجعة إلى كتابه الفقهي (الاستدلالي)، يجب أن نراعي جميع أقواله وأن نقيس تلك الأقوال بسائر عبارات نفس ذلك الفقيه، لا بعبارات فقهاء آخرين. مثلاً إذا وجدنا أن الفقيه ألف قال: إني بناءً على هذه الرواية أعطي هذه الفتوى، وقال فقيه آخر: إنني لا أقبل دلالة تلك الرواية على تلك المسألة، فلا يمكننا أن نستنتج أنه لا يقبل هذه الفتوى أيضاً، بل يجب أن ندرس باقي أقواله لأنه من الممكن أن يكون قد قبل نفس هذه الفتوى بالاستناد إلى آية أو رواية أخرى. من الأسباب التي جعلت المؤلف الموقر ينسب مثل هذه الآراء إلى بعض الفقهاء عدم الانتباه إلى هذه النقطة. فمثلاً من رأي أكثر الفقهاء أن مقدار الستر الواجب في الصلاة مساوٍ لمقدار الستر بحضرة الأجنبي؛ لكن كان هناك فقهاء لم يعتبروا هذين الأمرين متساويين. المؤلف في بدايات القسم الثالث عندما يعرض آراء الفقهاء، نقل عن بعضهم أن مقدار الستر في الصلاة ومقابل الأجنبي متساوٍ؛ ثم بخصوص فقيه ترددَ حول وجوب ستر رأس المرأة في الصلاة، استنتج أن رأيه حول مقدار ستر المرأة بحضرة الأجنبي هو ذات الشيء؛ بينما، كما سيأتي لاحقاً، عبارات نفس ذلك الفقيه صريحة في أنه كان يعتبر ستر رأس المرأة بحضرة الأجنبي واجباً.
٣) في الكتب الفقهية بعد أن يتم فحص آراء أشخاص مختلفين، عندما يرد الفقهاء على الرأي المخالف، يبينون رأيهم بتعابير مثل «الأصح»، «الأولى»، «الأقوى» و«الظاهر». هذه التعابير تدل على رأي قطعي للفقيه؛ لكن المؤلف أحياناً اعتبرها بمعنى «مستحب» واستنتج من أن فقيهاً مثلاً قال «الشعر الطويل الذي ينزل أسفل الرأس على الأصح يجب أن يكون مستوراً» أن هذا الفقيه كان يعتبر ستر الشعر والعنق مستحباً، لا واجباً! (ص٧٤٧)
بهذه المقدمة ننتقل الآن إلى الفقهاء الذين استند إليهم سماحته، بالترتيب الذي تناولهم المؤلف:
الملا أحمد النراقي، في عبارة عربية أوردها المؤلف دون ترجمة، يقبل صراحة بدليل الإجماع حكم ستر جميع البدن ما عدا الوجه والكفين للمرأة (فالمناط هو الإجماع؛ ص٧٦٤) ويشرح أنه إذا أراد شخص ما إثبات المسألة دون الالتفات إلى الإجماع وبرواية فقط كانت محل نقاش، فإنه لن يستطيع أن يأتي باستدلال كامل حول وجوب «ستر الشعر في الصلاة». ثم بخصوص رأي مثل هذا الشخص (الذي هو نفسه لا يقبله) يقول صراحة «المقصود من الشعر الذي قد لا يعتبر هذا الشخص ستره واجباً هو الشعر الذي يتجاوز حدود الرأس، وإلا فبشأن شعر حدود الرأس لا يوجد اختلاف في الرأي والروايات تدل عليه».
بخصوص قول الملا محسن الفيض الكاشاني، إذا تجاوزنا التوضيحات بلا استناد من المؤلف الموقر، ودرسنا فقط العبارات العربية بلا ترجمة التي أوردها (ص٧٦٩-٧٦٨)، يتضح أن رأيه أيضاً مثل المرحوم النراقي أولاً يتعلق بالشعر الذي ينزل أسفل حد الرأس والعنق، لا شعر على الرأس (ولا يقال عن سائر الحالات التي يدعيها المؤلف)؛ ثانياً يتعلق بستر المرأة في الصلاة، لا بحضرة الأجنبي؛ وثالثاً يرفض صراحة هذا الرأي.[٣٧]
بخصوص المحقق الأردبيلي، يستند المؤلف الموقر إلى جمل منه (ص٧٧٠) والترجمة الصحيحة لها (مع حذف الإضافات التي أضافها المؤلف الموقر للترجمة) هي أن: «لولا القلق بشأن الإجماع المذكور، ربما كان من الممكن لشخص ما أن يحكم بعدم وجوب تغطية الرأس والأماكن التي عادة ما تظهر.» بصرف النظر عن أن هذه الجملة نفسها (خلافاً لرأي المؤلف الموقر) تدل على أنه يقبل دليل الإجماع في هذه المسألة، وبالتالي لا يحكم بعدم وجوب تغطية الرأس، يجب القول أولاً إن جمله في الصفحتين السابقتين، التي للأسف لم يشر إليها المؤلف الموقر، تدل بوضوح على أن فتواه هي تغطية «كل الجسد ما عدا الوجه والكفين»؛ خاصة وأنه يقول إنه لا يوجد اختلاف رأي في هذه المسألة على الإطلاق؛ وثانياً يصرح بأنه سيناقش التفاصيل المتعلقة بحجاب المرأة تجاه الرجل الأجنبي في موضع آخر وهنا يريد أن يناقش التغطية في الصلاة؛[٣٨] وحتى لو انتبه شخص ما إلى نفس النص الذي أورده المؤلف الموقر، فمن الواضح أن بحثه يتعلق بحجاب المرأة في الصلاة.[٣٩]
الآن، حتى لو قبلنا بسوء فهم تعبير الإجماع والآراء التي نقلها وردها هؤلاء الأعلام كاحتمال، واعتبرناها آراء لهم بأنفسهم، فهل يجوز أن نستنتج من التعابير السابقة، التي تتعلق أساساً بتغطية رأس المرأة أو شعرها الطويل في الصلاة، اكتفاء النساء بتغطية «الجسد والفخذين والذراعين» تجاه الرجل الأجنبي ونسب ذلك إلى هؤلاء الفقهاء؟
أما بخصوص ابن الجنيد، فلم يبقَ من ابن الجنيد أي أثر، وفي هذا الموضوع بقيت منه فقط نقولات في أحد كتب العلامة الحلي (م٧٢٦) (وقد نقل الآخرون لاحقاً هذا الأمر من نفس الكتاب) وهي: «قال ابن الجنيد: لا بأس أن تصلي المرأة الحرة وغيرها وهي مكشوفة الرأس حيث لا يراها غير ذي محرم لها»[٤٠] معنى هذه العبارة هو: «قال ابن الجنيد: لا بأس بأن تصلي المرأة الحرة وغير الحرة وهي غير مغطاة الرأس، في الحالة التي لا يراها فيها الرجل الأجنبي.»[٤١] هذه الجملة توضح جيداً أنه، إن كان لديه حقاً مثل هذه الفتوى، فأولاً كانت تتعلق بتغطية الرأس، وثانياً كان يميز بين التغطية في الصلاة والتغطية تجاه الرجل الأجنبي. لكن المؤلف بعد إيراد هذه الجملة، يجعل معنى «رأس» بنفس المعنى غير المقبول لـ «رأس الملابس»[٤٢] وحيث أنه اعتبر حجم ملابس النساء إلى الصدر، يستنتج أن المرأة يمكنها في الصلاة ألا تغطي ثدييها أيضاً! ثم بالنظر إلى فتوى بعض الفقهاء الآخرين الذين اعتقدوا أنه لا فرق بين تغطية المرأة في الصلاة وتجاه الرجل الأجنبي، يستنتج أن ابن الجنيد بالتأكيد كان يحمل نفس الرأي ويخلص إلى أنه يعتبر التغطية الواجبة للمرأة تجاه الرجل الأجنبي فقط بقدر تغطية العورتين (أو من الخصر إلى الركبة)! ثم لأن العبارة «حيث لا يراها غير ذي محرم لها» (في المكان الذي لا يراها فيه الرجل الأجنبي) تتناقض صراحة مع هذه الفهوم، يقول: «من المحتمل جداً أن يكون الجزء النهائي من العبارة ليس استمراراً لكلام الإسكافي، بل توضيحاً من الشارحين دخل النص بالخطأ وتم تلقيه كأنه كلام ابن الجنيد.» (ص٨٠٠) دليله على هذا الاحتمال الجدي! هو أن شخصاً يُدعى «شبّر» نقل عباراته بدون الجملة النهائية وأورد هذا العنوان في الحاشية: «مصابيح الظلام شبر نسخة خطية كمجلس». عندما يرى القارئ غير المتخصص عنوان هذه النسخة الخطية، يتخيل أن «شبر» بالتأكيد هو اسم شخص عاش قبل العلامة الحلي (المتوفى ٧٢٦) وربما كان لديه إمكانية الوصول إلى نسخة مختلفة عن نسخة العلامة الحلي؛ بينما هذا الشخص (الذي اسمه الكامل هو السيد عبد الله شبر الحلي الكاظمي) توفي سنة ١٢٤٢؛ والكتاب المذكور هو شرح على كتاب مفاتيح الشرائع (من تأليف الملا محسن فيض الكاشاني، المتوفى ١٠٩١). في الواقع، المسألة هي أن فيض الكاشاني (الذي ادعى المؤلف في الصفحات السابقة أن فتواه في حجاب المرأة اقتصار على تغطية الجسد والفخذين والذراعين) قد صرح في مفاتيح الشرائع بأن: «تغطية الرأس للمرأة في الصلاة واجبة ولا يوجد سوى قول شاذ واحد [= رأي عدد أتباعه قليل جداً حتى يكون غير جدير بالالتفات] مخالف لهذه المسألة» (ج١، ص١٠٥)؛ وعلى القاعدة، كان على الشارح (المرحوم شبر) أن يوضح أن «المقصود من القول الشاذ عند المؤلف هو رأي ابن الجنيد»؛ وحيث كانت العبارة الأولى من ابن الجنيد كافية لاستناده، لم يأتِ ببقية الجمل. الآن، هل يجوز نسب مثل هذه الأمور إلى المرحوم ابن الجنيد بمثل هذا الدليل؟
والآن حان دور الإطلاع على أدلتهما في الرد على الفتوى المشهورة. فبعد أن يبحثان في الصفحات 645-684 عن الفتوى المشهورة، يقدمان الخلاصة التالية:
«الرأي المشهور بشأن حجاب النساء هو ستر جميع البدن ما عدا الوجه والكفين. وكما قيل، إن أقدم أساس لهذا الرأي هو روايتان عن النبي(ص):
ألف- المرأة عورة، فإن أخرجت قدمها من البيت استقبلتها الشياطين؛
باء- عندما تبلغ المرأة لا ينبغي أن يُرى منها غير الوجه والكفين؛
لكن بعد الدراسات التي أجريتها في شرح كل منهما، تبين أن أيًا من هاتين الروايتين لم تصدر أصلاً عن النبي(ص)! وكذلك محتوياهما يتناقضان مع سيرة حضرة النبي وتوجيهاته الأخرى.» (ص684)
بينما يجب القول: أولاً، إن الأقدم أساساً لا يعني بالضرورة الأقوى والدليل الوحيد؛ ثانياً، لا هاتان الروايتان هما «الأقدم» دليلاً على وجوب الحجاب، ولا هما «الأقوى» و«الدليل الوحيد» له؛ وثالثاً، مثلما في الحالات السابقة، توجد أخطاء عديدة في ترجمتهما وتحليلهما للنص الأصلي لهذين الحديثين، من الأخطاء غير المقبولة في ترجمة الكلمات والجمل، إلى الإلمام الناقص بكيفية دراسة السند والدلالة في الأحاديث. لكن تفصيل هذه المسائل الثلاث:
1. هل معيار صحة قول ما هو أقدم أساس له؟ أقوى دليل ليس بالضرورة أقدم دليل. فمثلاً، الجميع يعلم أن دليل داروين لإثبات نظرية التطور (الأقدم دليل) وجهت إليه اعتراضات كثيرة؛ وأدلة هذه النظرية المعاصرة أقوى بكثير من دليل داروين نفسه. وفي بحث الروايات أيضاً هذه مسألة مهمة. من المشاكل المهمة للروايات جعل الحديث والكذب على النبي(ص)، وهو ما بدأ منذ زمان حياته. فالنبي(ص) نفسه قال: «كثُرت علَیَّ الکذابه و ستُکثُر».[43] إذا أخذنا بعين الاعتبار المنع الذي اتخذه الخليفة الثاني من تدوين الحديث والذي استمر حتى زمن عمر بن عبد العزيز (حوالي سنة 100 هـ)، يتضح أن حدة المشكلة أكبر. انتشر هذا الكذب على نطاق واسع جداً، حتى إنه قبل نصف قرن من وفاة النبي(ص)، حدث اختلاف حول كيف كان(ص) يتوضأ؛ وهذا الاختلاف لا يزال قائماً بين الشيعة والسنة. النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، الذي كان يتنبأ بهذه الأمور برعاية إلهية، أكد مراراً على خلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام، وبين مكرراً أنه بعد وفاتي، فيما يخص مسائل الدين، ارجعوا إلى علي(ع) والأئمة من بعده (وذكر أسماءهم واحداً واحداً، والعلامة الأميني في كتابه القيم الغدير أورد روايات متعددة عن النبي(ص) بأسانيد معتبرة من أهل السنة في هذه المسألة)، وقد سلمت كل علمي إلى علي(ع)، وعلي باب مدينة علمي، وغير ذلك.[44] أخذت الشيعة هذه الأدلة على محمل الجد، وبينت بأدلة متعددة أن قول الأئمة الأطهار عليهم السلام معتبر مثل قول النبي(ص)؛ ولذا في كثير من جوانب الدين التي حدثت فيها غموضات، ذهبت إلى الأئمة(ع). بعبارة أخرى، مع قيام الخليفة الثاني بمنع نقل وتدوين الحديث، ضاع كثير من أحاديث النبي(ص)، لكن مع قيام النبي(ص) بتعيين خلفاء موثوقين وضمان أن قولهم مثل قولي، في طبقة القرآن (خاصة انتبه إلى حديث الثقلين المتواتر الذي قال فيه النبي(ص): إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا على الحوض)، لا نصر على الرجوع فقط إلى الروايات النبوية (الأقدم الأدلة)؛ بل نرجع إلى الأدلة الأوثق، من بينها روايات الأئمة الأطهار(ع).
۲٫ المؤلف المحترم في بداية هذا النقاش ذاته، بدلاً من تعبير «الأقدم»، يعرض الموضوع بطريقة تجعل القارئ يظن أن الحديثين السابقين هما «فقط» دليل الفقهاء على هذه المسألة. يقول: «الرأي الشهير (تغطية جميع البدن إلا الوجه والكفين) مبني على أساسين … لكن هذين الأساسين معيبان من الجذور؛ لأن حسبما سأعرضه في العناوين اللاحقة، لم يصدر في الحقيقة أي من هذين الحديثين عن النبي (ص)» (ص۶۴۵). والمثير للاهتمام هنا أنه بعد أن يورد عشرين إسناداً للحديث الأول (وهذا وحده كافٍ لإثبات صحة هذا الحديث، وستأتي تفاصيله لاحقاً)، يفتح فصلاً بعنوان «أحاديث العي والعورات» (ص۶۶۴ إلى ۶۷۱)، ويطرح خمسة عشر حديثاً آخر يتعلق بموضوع حجاب المرأة؛ وفي شأن الرواية الثانية أيضاً، بعد أن يقدم أسانيد متعددة لها، ينقل ثلاثة عشر رواية أخرى حول هذا الموضوع ذاته؛ أي أنه ينفي قصده أن يثبت أن هناك عشرات الروايات الأخرى في هذا المجال التي أولاها الفقهاء اهتماماً؛ مع أنهم يحاولون، بترجمة خاطئة والإساءة إلى المحدثين (سيأتي مثال من ذلك في استمرار النقاش)، أن يعدوا جميعها مردودة. وفوق كل ذلك، إذا رجع أحد إلى المتون الحديثية الشيعية (مثل وسائل الشيعة، ج۲۰، ص۱۹۱-۲۰۶)، سيواجه عشرات الأحاديث الأخرى من الأئمة الطاهرين (ع) حول تفاصيل حجاب المرأة التي لم يشر إليها المؤلف.
۳٫ أما أخطاؤه في ترجمة العبارات، وكذلك في التحليلات المقدمة حول نقد السند أو دلالة الحديث:
۳٫۱٫ من أهم أسباب معارضة المؤلف المحترم للحديث الأول هو أنه يأخذ «العورة» بالمعنى الذي يُفهم به اليوم عن عضو معين؛ وبالتالي يترجم الحديث «النساء عورة» حرفياً بصيغة «النساء عورة»؛ ومن الواضح أن تعبير «المرأة عورة» (بالمعنى الذي يُفهم به اليوم) سيكون تعبيراً مسيئاً. لكن هل كان هذا التعبير يعني دائماً ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قطعاً لا. والدليل البسيط على ذلك استخدامات القرآن الكريم لهذه الكلمة. يقول القرآن الكريم في موضع ما عن أولئك الذين كانوا يتذرعون بأعذار للهروب من الجهاد: إنهم يقولون «إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً»؛ (سورة الأحزاب، الآية۱۳)؛ أو حين يصف ذلك الوقت الذي يكون خلوة الزوجين، والذي لا يجب حتى للأطفال دخوله بدون إذن، يقول إن هذه [= هذه الأوقات الثلاثة الخاصة] «ثلاث عورات لكم»؛ (سورة النور، الآية۵۹). قطعاً في هذه الحالات، المعنى الاصطلاحي المعاصر لهذه الكلمة لا يُقصد: فلا البيت يشير إلى ذلك العضو الخاص، ولا الوقت. إذا رجعنا إلى المراجع التي تتناول تأصيل الكلمات، سندرك أن هذه الكلمة تتعلق من جهة بمعنى «الخلو» و«الخلوة» و«الحاجة إلى الرقابة»، ومن جهة أخرى بمفهوم «الحياء».[۴۵] ربما يكون التعريب «موضع الحياء» (المكان الذي يسبب عدم الاعتناء به شعوراً بالخزي) ترجمة دقيقة جداً لهذه الكلمة، وهي تنطبق على جميع حالات استخدام هذه الكلمة في القرآن (أي البيت الذي قد يُترك خالياً، أوقات خلوة الزوجين، العضو الجنسي، وغيرها). على أي حال، هذه الكلمة، مثل ترجمتها، دخلت مصطلحاتنا المعاصرة نتيجة الاستخدام الكثيف لها فيما يتعلق بعضو معين من الإنسان، بحيث غالباً ما تُستخدم بهذا المعنى؛ في حين أن هذا الاستخدام كان استخداماً مجازياً في ذلك الوقت. يقول الراغب الأصفهاني (المتوفى ۵۰۲): «استخدام كلمة عورة بشأن موضع الحياء من الإنسان هو استخدام كنائي (مجازي)؛ أصله مشتق من كلمة «عار»، وسميت عورة لأن كشفها يسبب العار».[۴۶] إذاً مقصود رسول الله (ص) من تعبير «النساء عورة» لم يكن تشبيه بدن النساء بعضو معين حتى نعتبره مسيئاً ونعترض عليه؛ بل إذا أردنا ترجمة هذه الجملة مع الانتباه إلى مفهوم «العورة» في ذلك الوقت، فالمقصود هو: «بدن النساء يستحق حياءً خاصاً بحيث إن لم يُحافظ عليه سيصبح «موضع النظرات المسيئة» (= موضع الحياء)».
۳٫۲٫ استند المؤلف على أحد الأسانيد المطروحة للحديث الأول، فنقل النص الكامل للحديث بالصيغة التالية: «النساء عورة و إن المرأة لتخرج من بيتها بلباسٍ يستشرفها الشيطان يقول ما مررت بأحدٍ الا اعجبته …»؛ وترجمه بالطريقة التالية:
«النساء عورة، وإن امرأة متى خرجت من بيتها بلباس! خرجت، الشيطان [يتبعها و] تماماً يراقبها ويقول لها: لن تمري على رجل إلا أوقعتِ نفسك وإياه في الشهوة و الفتنة …» (ص649)
وبعد نقل الحديث يصبح الكاتب في حالة من الغضب والانفعال الشديد حتى يكتب:
«يبدو أن ظمأ واضعي الحديث من رواية الترمذي
«يبدو أن ظمأ واضعي الحديث من رواية الترمذي[47]لم يكتفِ تماماً حتى اضطروا إلى إضافة عبارات ليحققوا رغباتهم الشخصية؛ وأودعوا نساء هن نصف عباد الله في السجن المنزلي، وبرغم أنفسهم أساؤوا أعظم إساءة إلى خلق الله. بالطبع الآن لا أتعامل مع متن الرواية وأفحص السند فقط، مع أنني بعد قراءة الروايات أعلاه لا أظن أن لديك رغبة كبيرة لمتابعة فحص الحديث، وقد أعفيتَ مقام الساحة المقدسة لرسول الله (ص) مسبقاً من مثل هذه الهذيانات.» (ص649-650)
بصرف النظر عن أن هذا الانفعال والعاطفة يكشف موقفه السابق من هذا الحديث، وبصرف النظر عن أنه أخطأ في فهم معنى «عورة»، كما أشرنا، إلا أن المشكلة الأهم تنبع من خطأ بسيط في ترجمة العبارة «بلباس يستشرفها». في اللغة العربية إذا جاءت جملة بعد اسم نكرة تُعتبر «صفة» [نعت][48] وتُترجم في الفارسية بـ «أن…». لأنه لم يكن يعرف هذه الملاحظة أو تجاهلها، اعتبر الجملة بعد كلمة «لباس» (أي جملة «يستشرفها الشيطان») جملة مستقلة، وعطفها على الجملة السابقة كـ «جواب شرط»، فأسفر عن معنى لا يعقل وهو أن الرسول (ص) قال «إن أخرجت امرأة نفسها من بيتها بلباس، يأتيها الشيطان و…»! لذلك وضع علامة تعجب أيضاً قبل كلمة اللباس.
إذا انتبهنا إلى هذه الملاحظة البسيطة، فإن المعنى الصحيح للحديث هو:
«وجود النساء يقتضي حياء خاصاً، فإن لم يُراقب فإنها ستصير «موضع نظرات عار» (= الفرج)؛ وحقاً إن المرأة قد تخرج من منزلها أحياناً بلباس يجعل الشيطان يولي اهتماماً خاصاً لها،[49] وفي هذه الحالة يقول الشيطان: لن تمري على أحد إلا …»
ومن الواضح أن مقصد الرسول (ص) من هذه الرواية هو ضرورة الحجاب المناسب للمرأة، والتنديد باللباس الذي يثير الشهوة، وليس الإساءة إلى النساء؛ والحقيقة أن الفقهاء أيضاً فهموا الأمر هكذا. أهذه الكلمات هذيانات؟ أيبرر نقل هذا الحديث أن نصف الرسل بـ «واضعي الحديث» و «الذين يطمعون في الإساءة إلى النساء»؟
3.3. بناءً على الفهم الذي لديه من هذا الحديث، يقول «مع أن جزءاً من الرواية الأولى [أي تعبير «النساء عورة»] يُستشهد به باستمرار في النصوص الفقهية، إلا أنه بمتابعة النص الكامل لها، تبين أنها لا تتعلق البتة بمقدار الحجاب.» أولاً، هذه الرواية، كما أظهره بنفسه، لم تُنقل فقط بهذا السند وبهذه الرواية، بل نُقلت بشكل متكرر خاصة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، وبالتالي نصها الكامل ليس فقط هذا؛ ثانياً، التوضيحات السابقة تبين بوضوح أن استمرار هذه الرواية يتعلق تماماً بموضوع الحجاب، وأن خطأه يرجع إلى عدم معرفته بالترجمة الصحيحة. استمرار الرواية يتحدث عن تجنب اللباس الذي يثير الشهوة، والمعروف أن إثارة اللباس للشهوة تعتمد على أن يكشف الجسد بدلاً من أن يغطيه. إذاً فالرواية تبدأ بتحذير من مفاتن جسد المرأة وتوصي بضرورة الاعتناء بالحجاب العام لجسد المرأة بتعبير يكون تحذيرياً وموقظاً لحياء الأفراد، وتحذر في استمرارها من لباس غير مناسب وكاشف للجسد. وقد فهم الفقهاء الأجلاء من هذا التعبير أصل الحجاب العام لجسد المرأة، ثم باستعانتهم بالروايات الأخرى استخرجوا حدود ما يجوز أن يكشف منه.
3.4. لكن أليس سند هذه الأحاديث ضعيفاً؟ أسلوبه في البحث، بالإضافة إلى أنه يكشف عن عدم تمكنه من منهجية البحث في السند، فإنه بغير قصد يمنح أدلة كافية لاعتبار الحديث أيضاً:
بخصوص منهجية فحص الإسناد يجب القول إنه في علم «الجرح والتعديل»، مثلما هو الحال في أي علم آخر، يوجد اختلاف في الآراء بين المتخصصين، وقد يحكم الأستاذ ألف بعدم اعتبار شخص ما، بينما يرى الأستاذ ب أن الشخص ذاته معتبر. هذا الاختلاف يكون حادّاً خاصة بين المحدثين الشيعة والسنة: فمثلاً الرواية عن «المغيرة بن شعبة» (الذي ضرب السيدة الزهراء عليها السلام بالسوط أثناء الهجوم على بيتها) يعتبرها المحدثون الشيعة غير موثوقة تماماً، لكنها تتمتع بقيمة كبيرة عند محدثي أهل السنة. وكذلك فإن الكثيرين من محدثي أهل السنة اعتبروا التشيع ذنباً لا يُغفر، واستخدموا ذلك وحده كسبب كافٍ لتضعيف رواياته. لذا إذا أراد أحد أن يرفض إسناد أي حديث معتبر، يكفيه أن يذهب إلى آراء محدثي أهل السنة بشأن الراوي إذا كان شيعياً؛ والعكس بالعكس؛ وبهذه الطريقة يمكن الطعن حتى في إسناد الكثير من أوثق الروايات!
هل يصح أن يأخذ الكاتب الموقر، في الموضع الذي تتفق فيه مسألة ما مع رأيه، حتى في تفسير القرآن الكريم، تفاسير أهل السنة أساساً، ويتخذ من كلام مروان بن الحكم، الذي لعنه النبي صلى الله عليه وآله صراحة، معياراً (ص۱۴۱)؛ لكن حينما تكون رواية معتبرة من أعلام الشيعة مخالفة لميله، يجرد النظر عن تصديقات جماهير غفيرة من المحققين الشيعة الأكابر مثل الشيخ الصدوق والنجاشي وابن شهرآشوب والسيد ابن طاووس والشهيد الأول والعلامة المجلسي والمحدث النوري والآقا بزرگ الطهراني والعلامة الممقاني وغيرهم، ويستند إلى قول أحد محدثي أهل السنة (الذي أهم سببه لعدم اعتبار هذا الراوي هو كونه شيعياً)، ليكيل للراوي كل إهانة وسوء، ويتهمه بأنه اختلق هذه الرواية من باب التخلف عن أهل السنة؟ (ص۶۵۶)
لكن الكاتب ذاته، على غم رغبته، أورد بغير قصد أدلة على اعتبار هذه الأحاديث:
في شأن الحديث الأول ذكر أكثر من ۲۰ إسناد، وهذا وحده يقوي صحة الرواية جداً. في الأسانيد التي أوردها تنتهي جميع الروايات بالنقل عن «عبد الله بن مسعود» عن النبي صلى الله عليه وآله (ص۶۵۱). «ابن مسعود» من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله المشهورين والإمام علي عليه السلام، وهو من عدد قليل ممن هو موثوق بدرجة يقبل الشيعة والسنة روايته معاً. يعتبر الكاتب الموقر أن عدم رواية أحد غير ابن مسعود لهذا الحديث دليلاً مهماً على ردّه؛ مع أنه، حتى لو كان الأمر كذلك (وليس الأمر كذلك؛ بل في المتون الشيعية، الجملة الأولى من هذا الحديث موضع البحث تنتهي غالباً بالنقل عن الإمام علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله)[۵۱] يعتبر الشيعة والسنة «خبر الواحد» حجة (= دليلاً معتبراً)، و«خبر الواحد» معناه رواية لها على الأقل إسناد واحد صحيح (بخلاف «خبر المتواتر» الذي يُنقل عن رواة متعددين). تجدر الإشارة إلى أن معظم الأحكام الشرعية مبنية على خبر الواحد، وإن كنا نقتصر فقط على خبر المتواتر، فربما لا يبقى إلا وقائع معينة مثل حديث الغدير وحديث الثقلين ونحوهما، وحتى تفاصيل الصلاة لن يمكننا إثباتها!
في شأن الحديث الثاني يقرر الكاتب الموقر في البداية أن هذا الحديث رُوي فقط عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله؛ طبعاً دون أن ينوه إلى أن ابن عباس من الرواة الموثوقين المقبولين عند الشيعة والسنة معاً؛ ووجوده نقطة قوة للإسناد وليس نقطة ضعف. لكن اللافت أنه في تتمة بحثه يقبل نقل هذا الحديث عن قول آخرين من الصحابة والتابعين مثل «ابن عمر وضحاك وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة والأوزاعي وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي وغيرهم» (ص۶۷۴)، أي أنه يبين بنفسه أن إسناده لا ينتهي فقط إلى ابن عباس! ثم بدلاً من أن يأتي لفحص إسناد كل واحدة من هذه الروايات، يكتفي برد جميعها بهذه العبارة من ابن كثير (= عالم سني متعصب يود أن يبرز دور عائشة في الإسلام بصورة مهمة جداً) التي تقول: «كأن استنباط ابن عباس وغيره نشأ عن رواية رويت عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله»، ويعتبر هذا الاحتمال بلا سند من ابن كثير أمراً قطعياً، وبهذه الذريعة ينتقل إلى فحص الرواية المنقولة عن عائشة، وعند النقاش فيها يضع جميع الروايات السابقة جانباً دفعة واحدة ويخلص في النهاية إلى:
«خلاصة فحص رواية عائشة عن النبي: كما لاحظنا، كنا أمام سند ضعيف ومتن أضعف بكثير وإجمالاً مختلط ومتناقض؛ وعلاوة على ذلك، لم نعثر على حديث آخر من رسول الله (ص) يؤيد الروايات المذكورة؛ لذا لا يمكن اعتبار هذه الروايات نقلاً واقعياً وموثوقاً، والحكم بنسبة الوجه والكفن إلى الإمام. وبالتالي، ربما يكون كلام ابن عباس وتلاميذه وآخرين ناشئاً من رواية مزيفة في الأساس.» (ص680)
المؤلف يعبّر عن جميع تلك الروايات بأسانيد مختلفة بصيغة «ابن عباس وآخرين»، وبناءً على احتمال ذهني واحد فقط طرحه شخص واحد، يعدّ الجميع مختلقة من رواية واحدة، ثم يقول لم نعثر على رواية أخرى تستطيع تأييد هذه الروايات! لنفترض أنه يتم تقديم روايات أخرى من النبي (ص) الآن. عندما يتجاهل هذا الشخص كل هذه الروايات بهذه السهولة، إذا وجد رواية أخرى، ألن يصنفها مع تلك «الآخرين»، ويعتبرها مزيفة مسبقاً؟ والجدير بالملاحظة هنا أنه استخدم هنا التعبير «ربما يكون كلام ابن عباس وآخرين»؛ لكن بعد بضع صفحات، عندما يريد أن يختم، يقول بقطعية: «لم يصدر أساساً من النبي.» (ص684)
3.5. دليل آخر قدّمه في رفض الحديث الأول هو أنه في بعض المتون الفقهية والروائية، جاء هذا الحديث بسند آخر، مباشرة من قول ابن مسعود (دون إشارة إلى نقله عن النبي (ص))، واستنتج أنه بالتالي لا بد أنه كان من صنع ابن مسعود نفسه! (ص562) كل محقق يعرف أنه عندما يشتهر حديث بين الفقهاء والمحدثين، يُشار إليه باسم راويه. لكن لننفترض أنه فعلاً في الحالات المذكورة (التي لها أسانيد مختلفة)، ينتهي الموضوع عند ابن مسعود، هل فعلاً يشكل هذا دليلاً على أن الروايات السابقة لابن مسعود أيضاً لم تصدر عن النبي (ص)؟ لتتضح مشكلة استدلاله، لاحظ هذا المثال:
– تسمع من شخص يقول: أحمد قال إن حسن قال إن غداً عطلة.
– تسمع من شخص آخر: أحمد قال إن غداً عطلة.
إذا واجهت هاتين الجملتين، هل تحكم بأن «إذاً يتضح أن القول الأول كذب، وحسن لم يقل شيئاً، والعطلة غداً مجرد رأي أحمد»؟! أم أن كل من يواجه هاتين الجملتين، يعتبر الاحتمال الأساسي أنه إذا تحدث أحمد، فهو في الواقع ينقل كلام حسن.
3.6. خلافاً لدعوى المؤلف، الحديث الأول، بل حتى بالاستمرار الذي قدّمه المؤلف، لم يكن محل استناد الفقهاء في هذا الحكم. ما حدث هو أن بعض الفقهاء استندوا إلى العبارة «النساء عورة» (الذي أشرنا إلى ترجمته الصحيحة) التي جاءت بأسانيد أخرى في المتون الحديثية الشيعية (انظر: الهامش 51)، وبالمناسبة، إذا لاحظنا أن المحدثين والفقهاء الشيعة، عموماً لا يقبلون الرواة السنة أو يعطونهم أولوية ثانية، وما دامت الروايات الشيعية موجودة، نادراً ما يلجأون إلى روايات أهل السنة؛ يمكننا أن نحتمل أن هذه الروايات كانت محل استناد الفقهاء الشيعة أكثر، بخلاف الروايات المرادة من المؤلف الكريم، التي سندها موجود في كتب أهل السنة. علاوة على ذلك، إذا كان الفقهاء يملكون هذا الفهم من المؤلف الكريم لهذا الحديث، كان يجب عليهم أن يفتوا ليس بوجوب الحجاب، بل بوجوب خروج المرأة من البيت؛ ونحن نعلم أن أياً من الفقهاء لم يُصدر مثل هذا الفتوى، وجميعهم يعتبرون خروج المرأة من البيت ليس فقط جائزاً، بل في حالات عديدة، مستحباً أو واجباً (مثل الحج). وإضافة إلى ذلك، إذا انتبهنا إلى المعنى الصحيح للحديث، يتضح أن المعيار المطروح في هذه الرواية (استمرار الرواية) هو تذكير أخلاقي معقول تماماً (بمعنى أن: حضور النساء اللائي لا يبالين، قد يكون سبباً لنشر الشهوانية وحضور الشيطان)، وهو يتوافق مع سائر تعاليم الإسلام.
***
الخلاصة
نحن المسلمون، شيعة وسنة، وإن كنا نختلف في بعض الأحكام الشرعية (مثل الوضوء)، فإن التعاليم التي وصلتنا من خلال الآيات والروايات لم تترك لنا شكاً في أن الحجاب الشرعي واجب على المرأة المسلمة، وهو ستر جميع البدن ما عدا الوجه والكفين (إلى الرسغ)؛ وهذا الأمر كان واضحاً إلى درجة أنه اليوم، لا فقط بين المسلمين، بل في كل العالم، فإن ارتداء هذا الحجاب يُعتبر علامة على التعريف بامرأة مسلمة، إلى درجة أن الحكومات في جميع أنحاء العالم التي لا تتعامل بشكل جيد مع الإسلام لا تسمح بهذا النمط من الملبس، لأنه علامة على إسلام المرأة، في مدارسها وإداراتها؛ أي أن هذا الحجاب، بالإضافة إلى مساهمته في الحفاظ على الأخلاق في المجتمع، يؤدي اليوم دور العلم لإظهار هوية المرأة المسلمة.
المؤلف الكريم لكتاب «الحجاب الشرعي في عصر النبي (ص)» سعى إلى الطعن في هذا الفهم للحجاب عند المرأة المسلمة، وفرضيته أن الحجاب الشرعي في ذلك الوقت لم يكن بهذا المدى، بل كان قاصراً على ستر الجذع والفخذ والذراع، وأن الإسلام لا يصر على ستر المرأة أمام الرجال الأجانب. وهو، وإن كان قد أحال في نقاشاته إلى كتب عديدة، فقد ارتكب أخطاء في ترجمة العبارات العربية، وبدل أن يثبت فرضيته كما رأينا، تجاهل أبسط المبادئ المتبعة في المناهج البحثية التاريخية. فمثلاً إذا كان في أصل الكلمة معنى استُخدم في أحد المشتقات يتفق مع فرضيته، تجاهل الاستشهادات التاريخية من جميع كتب المتخصصة في اللغة، وعتبر فهمه معنى الكلمة الأصلي، وطرح جميع الأدلة اللغوية والاجتماعية المخالفة لرأيه بحجج مثل «من البعيد أن يكون الأمر كذلك»؛ أو في الروايات التاريخية، إذا كان أمر ما متفقاً إلى حد ما مع أحد فهومه، ولو كان سنده ضعيفاً جداً، أصرّ عليه بشدة، وفي المقابل رفض عشرات الروايات التاريخية الصحيحة بحجج مثل «أنها ناتجة عن سوء نية المحدثين». وكذلك، بدل أن يضع أمامه أولاً النقولات التاريخية ويفحص صحة الدعاوى وضعفها بمناهج البحث التاريخي، قدّم رأيه أولاً بتفاصيل كثيرة، وبخطأ في ترجمة أقوال بعض كبار الفقهاء، ادّعى أن رأيه مستمد من رأيهم، ثم اتهم رأيه المخالف بأنواع الإهانات والسباب وتجاهله. وأحياناً طرح دعوى في البداية ووعد بإثباتها لاحقاً؛ لكن في المتابعة يُناقَش الأمر بطريقة كأن هذا المطلب قد ثبت من قبل؛ أو طرح رأياً غير مألوف في البداية على سبيل الاحتمال، لكن بعدها يناقشه بطريقة كأنه قد ثبت مسبقاً بأدلة قوية.
من أوجه ضعف الكتاب الأخرى، أحدها الإهانات والسباب التي أطلقها بحق كل من خالفه، والأخرى الغفلة والنسيان اللذان يعتري المؤلف، بحيث كثيراً ما يستشهد لإثبات دعوى برويات مضمونها ينفي صراحة دعوى أخرى له جاءت في موضع آخر من الكتاب. بعبارة أخرى، لو قام أحد بدراسة الروايات التي استشهد بها في نقاشاته فحسب، بمعزل عن شروحاته وسبابه، لكان كافياً له أن ينحي جانباً أي شك بخصوص وجوب الحجاب الشرعي الذي نعرفه اليوم.
ربما يكون أهم دليل تاريخي لديهم هو ذكر حالات من عدم ارتداء الحجاب من قبل النساء أو ظهور العورة من الرجال المسلمين في عهد النبي (ص). لكن الحقيقة هي أنه، بغض النظر عن أن هناك خلطًا متكررًا بين النساء والرجال في هذا النقاش نفسه،[۵۲] فإن هذه الحالات بأي حال لا تثبت فرضيتهم. في الواقع، الاستشهاد بهذه الحالات لرفض وجوب الحجاب الشرعي في ذلك الوقت مبني على غفلة عن النزول التدريجي لآيات القرآن الكريم. فهو، بتعبيره هو، يقيس جميع الأحكام مع «واقعيات المجتمع المعاصر للنبي (ص)»، في حين أن هذه الأحكام جاءت أساسًا لتغيير تلك الواقعيات تدريجيًا. حكم الحجاب، مثل معظم الأحكام الإسلامية الأخرى، لم يُعلن منذ اليوم الأول؛ أي أنه لم يكن الحال أن الرسول الأكرم (ص) كتب من اليوم الأول لرسالته رسالة في تحديد المسائل وشرح جميع أحكام الإسلام فيها وأعطى نسخة لكل مسلم والتزم بها الجميع؛ بل كانت الأحكام تنزل واحدة تلو الأخرى وتدريجيًا، وحتى يلتزم المسلمون بها كان طبيعيًا أن يستغرق الأمر وقتًا؛ مثل حكم الخمر الذي كان بعض المسلمين يشربونها لفترة طويلة؛ ثم نزلت آية بأنه لا يجب شرب الخمر وقت الصلاة؛ وبعد ذلك نزلت آية تحريمها الدائم؛ وفي نفس الوقت كان هناك أفراد قليلون يخالفون وعليهم تُطبق الحدود. هل يمكننا من هذه الحقيقة أن بعض المسلمين المصلين كانوا يشربون الخمر لفترة طويلة، حتى قبل صلاتهم، أن نستنتج: أنه لا يمكن أن يكون شرب الخمر قد حُرِّم في عهد النبي (ص) وأن آية التحريم تعني شيئًا آخر تمامًا؟ بخصوص الحجاب أيضًا، لأن الآيات المتعلقة به نزلت في السنوات الأخيرة من حياة ذلك الحضرة (ص)، فمن الطبيعي أنه في الفترة الزمنية بين بعثة النبي (ص) ونزول آية الحجاب (والتي تبلغ حوالي عشرين سنة) يمكن إظهار حالات متعددة حيث لم يمتثل البعض، دون أن يكونوا آثمين، للحجاب الكامل الذي أصبح واجبًا في الشريعة لاحقًا؛ وربما يمكن العثور على حالات حيث خالف البعض حتى بعد نزول هذه الآيات. لكن هذا بأي حال لا يشكل دليلًا على القول: لأن هذه الحالات من عدم الحجاب كانت موجودة بين مسلمي الصدر الأول، فمن غير الممكن أن يكون الحجاب قد أصبح واجبًا في السنوات الأخيرة من حياة الرسول الأكرم (ص)!
في الختام، لما كنا نواجه في هذا الكتاب إهمالًا جديًا تجاه أحاديث الأئمة الطاهرين عليهم السلام، فقد يكون من المفيد تذكر هذه النقطة التاريخية، التي لم تأتِ فقط في المصادر الشيعية، بل في أهم مصادر أهل السنة[۵۳] أيضًا: قبل أيام قليلة من وفاة الرسول الأكرم (ص)، بينما كان على فراش المرض قال: «هاتوا لي القلم والدواة لأكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا.» فقام عمر بن الخطاب واعترض على طلب النبي (ص) بتعبير «حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ» (كتاب الله يكفينا). فأيده البعض وعارضه آخرون وحدث نزاع. في النهاية، لم يتمكن النبي (ص) من كتابة وصيته أمام الجميع؛ بينما القرآن الكريم قال صراحة: أطيعوا أوامر النبي (ص) (النساء/۵۹) واقبلوا ما أمركم به وقبلوا نهيه فيما نهاكم عنه (الحشر/۸). إذا أمعنا النظر في هذا التعبير من النبي (ص) (شيء أقول لكم لن تضلوا بعده) في بقية كلمات النبي (ص)، سنجد أن النبي (ص) كان يستخدم هذا التعبير دائمًا عند الحديث عن الإمامة من بعده (أشهرها في أحاديث الثقلين والغدير)؛ فمن المرجح جدًا أنهم كانوا يقصدون ذلك هنا أيضًا. والذين خالفوا هذا الأمر وفتحوا طريق الضلالة والاختلاف بين المسلمين بإنكار إمامة من عينهم الرسول الأكرم (ص)، تمسكوا بـ«كتاب الله يكفينا». فلنحذر أن نصير أيضًا بذريعة «كتاب الله يكفينا» مدعين عدم احتياجنا للمعلم والمبين الحقيقي له (أي أحاديث النبي والأئمة) في فهم القرآن، فسنبتلى بذات الضلالة التي توقعها النبي (ص).
والسلام على من اتبع الهدى
تنبيه: تم استخدام برامج مؤسسة تحقيقات نور في هذا البحث في الغالب (مكتبة الفقه الجامعة ۲، مكتبة الأحاديث الجامعة ۶/۳، ومكتبة التفاسير الجامعة ۱/۲)؛ لذلك لم يتم ذكر المعلومات البيبليوغرافية للكتب المستشهد بها على حدة.
الحواشي
[۱]. على الرغم من أن هذه المقالة كُتبت أساساً كنقد لكتاب «الحجاب الشرعي في عصر النبي»، إلا أن القارئ يمكنه من خلال النظر الثانوي للتحليلات التي أُجريت باستخدام الآيات والروايات أن يتعرف على مسألة الحجاب من خلال الاستشهادات والدلالات القرآنية والروائية، لذلك تم وضع عنوان المقالة: «الحجاب في الآيات والروايات؛ نقد لكتاب الحجاب الشرعي في عصر النبي».
[۲]. علامة التعجب من تأليف الكاتب المحترم. فيما يلي، في كل مكان يرد فيه نقل مباشر، جميع علامات الترقيم والإضافات داخل الأقواس والأقواس المربعة تعود للكاتب نفسه، باستثناء علامة التعجب التي تكون داخل الأقواس المربعة.
[۳]. بالتأكيد لم يصرح المؤلف بهذه الفرضية بهذه الصيغة في أي مكان من الكتاب، والجمل أعلاه هي ملخص للمسائل التي قدمها في استخلاصاته، وسيتم الإشارة إلى جملاته في هذا الشأن لاحقاً في المقالة.
[۴]. على سبيل المثال، يتحدث بطريقة تترك لدى القارئ انطباعاً بأن الناس شاهدوا الرسول الأكرم (ص) عدة مرات قبل بلوغه الخمسة والثلاثين من العمر وهو لا يرتدي ملابس مناسبة. يكتب: «عند إعادة بناء الكعبة، أسفل الرسول (ص) إزاره من الخصر ووضعه على كتفيه، فبقي عاري العورة. وفقاً للروايات، كانت هذه آخر مرة رآه فيها الآخرون عارياً وعاري العورة. هذا الحدث الذي وقع في الخمسة والثلاثين (أو الخمسة والعشرين) من عمره وقبل بعثته، كان بداية الشرارات الأولى للاستيقاظ واتصال الحضرة بالعالم العلوي»! (ص۲۲۹) هل لديه دليل كافٍ لمثل هذا الادعاء؟
أولاً، في معظم الروايات التي ذكرها الكاتب نفسه بشأن هذا الحدث (ص۲۶-۲۹) يُذكر أنه عند إعادة بناء الكعبة اقترح عليه البعض أن يرفع ملابسه على كتفيك حتى تكون أكثر راحة، لكن الحضرة (ص) رفضت، وبعد ذلك جاء نداء [بصيغة أدبية] للحضرة يؤكد: «لا تنزع ثوبك» أو «اشدد عليك إزارك»؛ فقط في روايتين قيل إن «الحضرة رفعت ملابسها وجاء النداء: احذر من ظهور عورتك» وفي الواقع لم يُذكر في أي منهما أن أحداً رأى. ثانياً، بخصوص هاتين الروايتين، الأولى وردت فقط في أحد مصادر أهل السنة، وفي نفس المصدر، هناك روايات أخرى تدل على أن النداء كان بالصيغة الأدبية ذاتها وقبل أي إجراء، وللأسف لم يذكرها الكاتب المحترم. الثانية هي رواية تاريخية بلا سند أوردها المحقق المجلسي في كتاب بحار الأنوار، لا كرواية بل كتعليق هامشي، وبعد ذلك مباشرة أورد رواية بسند تدل على أن النداء وصل للحضرة قبل أي إجراء؛ وللأسف لم يورد الكاتب هذه الرواية أيضاً. ثالثاً، معظم الروايات التي أوردها هو نفسه – بما فيها الرواية التي نقل فيها الموضوع عن قول الرسول (ص) نفسه (سيرة ابن إسحاق، ص۵۶) – تدل على أن هذا الحدث وقع في الطفولة أو المراهقة من حياة الحضرة (ص)، وإن كان اليعقوبي يحتمل أنه ربما كان في الخمسة والعشرين؛ وفقط في تلك الرواية التاريخية بلا سند، نُسب هذا الحدث إلى الخمسة والثلاثين. ورابعاً، المكان الوحيد الذي قيل فيه إن هذا كان أول نداء سماوي للرسول (ص) هو هذه الرواية بلا سند نفسها؛ وهذه العبارة نفسها (التي يصر عليها الكاتب المحترم مراراً وحتى دون مناسبة؛ مثلاً ص۳۵۷) تدل على كذب هذه الرواية؛ لأن لدينا روايات متعددة وموثوقة كثيرة تدل على أن الملائكة كانت على اتصال بالرسول (ص) منذ الطفولة، على سبيل المثال، قال الإمام علي عليه السلام في الخطبة القاصعة (وهي من أصح الروايات): «فجعل الله سبحانه أكرم ملائكته نزيلاً، وأفضلهم قائداً، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره» (الخطبة ۲۳۱ من نهج البلاغة بترجمة فيض الإسلام، ج۴، ص۸۱۴). باختصار، في الوقت الذي تشير كل الأدلة إلى أن هذا الحدث وقع في سنوات الطفولة أو المراهقة ولم يكن الحضرة (ص) عارياً، فإن الكاتب المذكور لم يكتفِ بجعل رواية بلا سند كذبها واضح (السن ۳۵ سنة وكشف العورة) معياراً، بل عرض المسألة بطريقة توحي بأنه حتى ذلك العمر لا سمح الله تكررت مرات عديدة رؤية عورته من قبل الآخرين!
[٥]. مثلا يُعتبر أحد أهم الأدلة لديهم لإثبات جواز عدم ستر ساق الرجل لدى النساء، الاستناد إلى رواية عن السيدة فاطمة (ع) وطبقاً لفهمهم لتلك الرواية، فكأن السيدة فاطمة (ع) ـ معاذ الله ـ ساذجة إلى درجة أنه عندما يحضر محرم، لتغطية رأسها، تكشف ساق رجليها! هذه الرواية التي وردت فقط في كتاب دعاء (وليس في المتون الحديثية المعتمدة في البحوث الفقهية)، هي حكاية دعاء علّمته السيدة فاطمة (ع) لسلمان؛ وبالنظر إلى مكانة سلمان، هذه المسألة ذاتها تدلّ على عظمة (وليس سذاجة) السيدة فاطمة (ع). يقول الراوي: كانت لهم (ع) عباءة إذا غطّوا بها رؤوسهم (خمّرت رؤوسها) انكشف ساق أرجلهم، وإذا غطّوا بها أرجلهم انكشف رؤوسهم. ثم يقول الراوي: عندما رأت السيدة فاطمة (ع) سلمان، «اعتجرت». («الاعتجار» لغة بمعنى «ارتداء المعجر»؛ والمعجر هو قماش يُلف حول الرأس.) لاحظ أن الراوي غيّر التعبير ولم يقل: عندما رأت سلمان «خمّرت بها». وفقاً للقاعدة، معنى الرواية هو أن السيدة (ع) كانت ترتدي عباءة (ربما تشبه العباءات الحديثة للرجال، التي إذا رفعوها فوق أكتافهم ووضعوها على الرأس يصل طولها إلى ساق الرجل) على أكتافهم، وعندما رأت سلمان ارتدت أيضاً معجراً. وبالمناسبة، لا توجد في الرواية أي عبارة تشير إلى أن السيدة (ع) لم ترتدِ ملابس تحت العباءة؛ وكذلك تتعلق بوقت قريب بعد وفاة النبي (ص) عندما كان الوضع الاقتصادي للمسلمين جيداً، وليس في فترة الحصار الاقتصادي على المسلمين (حتى لا يُظن أن عبارة الراوي تشير إلى الفقر المدقع للسيدة (ع)). لكن المؤلف أولاً بدلاً من ترجمة العبارة «عليها قطعة عباء» بمعنى «ارتدت عباءة»، ترجمها بطريقة توحي بأن السيدة (ع) لم ترتدِ ملابس أخرى تحت العباءة، وكأنه إذا انزاحت أي جزء من العباءة ظهر جسد السيدة (ع). ثم ترجم العبارة «اعتجرت» (التي معناها: «ارتدت معجراً» أو «لفّت قماشاً حول رأسها»)، بطريقة توحي بأن العبارة كانت «اعتجرت بها»، وكتب: «لفّت تلك القطعة حول رأسها»؛ أي كأن السيدة (ع) عندما رأت سلمان، لفّت تلك العباءة ذاتها حول رأسهم بطريقة معجر؛ ثم لأنه افترض أن السيدة (ع) لم ترتدِ ملابس أخرى، وبالنظر إلى حجم العباءة، استنتج أن «ساق السيدة (ع) بقيت مكشوفة»! (ص٢٦٤) بعبارة أخرى، إذا كان قصد الراوي أنهم سحبوا تلك العباءة ذاتها (التي عندما تغطي الرأس [= خمّرت]، ينكشف ساق الرجل) على رؤوسهم، فكان يجب أن يستخدم أولاً ذات التعبير «خمّرت» وليس «اعتجرت»، لأن لف العباءة حول الرأس يختلف عن سحبها على الرأس، وبصرف النظر عن عدم معقولية الأمر، فإنه يجعلها أقصر كثيراً؛ وثانياً كان يجب أن يستخدم الضمير «بها» لتوضيح أنه استخدم «تلك العباءة ذاتها» لتغطية الرأس، وليس شيئاً آخر. باختصار، طبقاً لفهمهم الذي يتكرر عدة مرات في هذا الكتاب، فكأن السيدة فاطمة (ع) أمام المحرم، لتغطية رأسها، تكشف ساق رجليها؛ وإذا انتبهنا إلى أن (كما سيأتي لاحقاً في المقالة) المؤلف يعتقد بأن معنى «الساق» في ذلك الزمن كان «الفخذ»، يصبح مدى الإساءة في هذه النسبة أكثر وضوحاً. أهل يليق بمثل هذه الترجمة للرواية (وأصل الرواية ورد فقط في كتاب دعاء)، وتبريرات من هذا القبيل، أن تُعتبر عشرات الروايات بشأن حجاب السيدة فاطمة (ع) وتأكيدات تلك الشريفة على الحجاب، وكذلك الروايات التي تدل على ستر ساق الرجل، بدون أي فحص سندي، مزيّفة؟
[٦]. روایة من أم سلمة [إحدى زوجات النبي الكريمة (ص)] نُقلت في كتب أهل السنة: «عن أم سلمة أن النبي دخل عليها ولم تختمر؛ فقال: لَيَّةٌ لا لَيَّتَيْنِ.» وكما وضّح أهل اللغة، فإن «لية» من جذر «لوى» الذي يحمل معنى «مرة واحدة» (مَرَّةً). «لوى» بمعنى «الالتفاف» و«الالتواء»، و«لية» بمعنى «دورة واحدة». والملاحظ أن أهل اللغة عندما أرادوا توضيح كلمة «لية» أوردوا هذه الرواية بعينها وقالوا إن المقصود منها أن تلتف المرأة «الخمار» (= الخمار) حول رأسها دورة واحدة لا دورتين، كي لا يشبه عمامة الرجال؛ ومن شاهد نساء العرب في المجتمعات التقليدية يفهم بسهولة معنى «لفّ الخمار حول الرأس بدورة واحدة». إذن الترجمة الصحيحة للحديث هي: «روي عن أم سلمة أن النبي (ص) دخل عليها وهي لم تضع الخمار على رأسها بعد؛ فقال: دورة واحدة، لا دورتان.» أما مؤلف هذا النص فقد ترجمه في البداية على هذا النحو: «جاء النبي (ص) إلى البيت فرأى زوجته أم سلمة لم تكن قد سترت نفسها، فقال لها النبي لتلف القماش حول منطقة التنورة» (ص٨٥) وهو يكرر هذه الترجمة مرة أخرى، وبعد مئات الصفحات يعتبر سبب هذه الترجمة أن: «قول النبي يمكن نطقه بطريقتين: ١- لَيَّةٌ، لا لَيَّتَيْنِ، وهو يشير إلى طريقة لفّ العمامة وعدد دوراتها؛ ٢- لَيَّةٌ لِألْيَتَيْنِ، بافتراض أن ألْيَتَيْنِ مثنى ألية بمعنى الأرداف والمقعد، وبالتالي يكون معنى الكلام «الف ساتر تنورتك حول أرداف»» (ص٥٦٨) حتى لو تجاوزنا أمر الإساءة في نسب هذه الحالة إلى زوجة النبي (ص)، وأن النبي (ص) الذي هو في قمة الأدب، وفقاً لرأيهم، كان يتحدث بمثل هذه التعابير الغليظة! يجب أن نقول أولاً إنه لو نطق أحدهم بقلة أدب عبارة النبي على صيغة «لَيَّةٌ لِألْيَتَيْنِ»، فمعناها يصبح «لية لأليتين» وحيث إن كلمة «لية» اسم وليست فعلاً، فترجمتها الفارسية ستكون: «دورة واحدة لأرداف اثنين»! وهي عبارة بلا معنى تماماً، وليست المعنى الذي ذكره. فضلاً عن ذلك، وجود كلمة «تختمر» في بداية الحديث، التي تتعلق بـ«لبس الخمار» [= ما يغطي الرأس]، يدل على أن الحديث عن غطاء الرأس وليس عن غطاء أسفل البدن، وكما سيتضح في استمرار المقالة، فإن المؤلف لا يقدم أي دليل قاطع يوضح أن «الخمار» ليس «غطاء الرأس والعصابة»، بل هو بمعنى «التنورة وغطاء أسفل البدن».
[٧]. انظر: مفردات ألفاظ القرآن، ص٢٩٨؛ لسان العرب، ج، ص٢٥٧؛ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، ج، ص١٨١؛ مجمع البحرين، ج، ص٢٩١؛ تاج العروس من جواهر القاموس، ج، ص٣٦٦؛ التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج، ص١٢٩. استخدام «الخمار» لغطاء الرأس شائع جداً، بحيث إنه حتى في الرواية ذاتها التي استند إليها لرأيه بخصوص السيدة فاطمة (س) (انظر الهامش ٥) استُخدمت كلمة «خمّر» للتعبير عن تغطية الرأس بالعباءة.
[٨]. انظر: معجم مقاييس اللغة، ج، ص٤٩٧؛ مفردات ألفاظ القرآن، ص٢١٠؛ شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، ج، ص١٢٢٩؛ النهاية في غريب الحديث والأثر، ج، ص٣٢٣؛ لسان العرب، ج، ص٢٨٨؛ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، ج، ص١١٥؛ مجمع البحرين، ج، ص٢٨؛ تاج العروس من جواهر القاموس، ج، ص٣٩٠؛ التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج، ص١٤٩؛ قاموس القرآن، ج، ص٩١.
[٩]. كلمة «العورة» في الآيات والروايات واصطلاح الفقهاء تختلف عن المعنى المستخدم اليوم، وسيتم توضيحها في استمرار النص (ص٢٢).
[١٠]. ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ج٣، ص٧.
[۱۱]. لازم به ذكر است أن كتابي لسان العرب وتاج العروس في محل البحث من «جَيب» يدلان صريحاً على أنه متعلق بـ «طوق القميص» (تم ذكر عناوينهما في الهامش ۸). قال هذان الكتابان في بحث كلمة «رَجُل» (= رجل): قد يُقال للمرأة «رَجُله»، ثم أوردا بيتاً من الشعر العربي معناه أن «طوق الفتاة الشابة مُزِّق، ولم يُحافَظ على عفتها (رجله)»، وفي ترجمتهما له، مع الالتفات إلى الشطر الثاني، أشاراً إلى أن «جيب» في هذا الشعر (لا في الاستعمالات العادية بلا قرينة) «كناية» عن «الفرج». (تاج العروس، ج۱۴، ص۲۶۳؛ لسان العرب، ج۱۱، ص۲۶۶) أي أن الشاعر استعمل تعبير «تمزيق الطوق» مجازاً بمعنى «انتهاك العفة والاعتداء». الكاتب المحترم ترك جانباً كتب اللغة والتوضيحات الصريحة لهذين الكتابين بشأن كلمة «جيب»، واعتبر هذا الاستعمال المجازي (وهو متداول في أشعار الشعراء، وقد صرّح الكتابان المذكوران نفسهما بكونه كناية ومجازاً) دليلاً على أن مقصود الآية القرآنية الكريمة من «جيب» هو التعبير الفظ عن «شق العورة عند المرأة»؛ وحيث إن التوصية العامة بستر العورة بالخمار (= ما يغطي الرأس) تبدو تماماً غير معقولة، افترض «معنى جديداً للحجاب» (أي: إزار، ساتر الجزء السفلي من الجسد) كما سبق توضيحه!
[۱۲]. وضّح أهل اللغة أن المقصود من الساق هو المسافة بين كعب القدم والركبة. مثلاً، انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، ج۲، ص۲۹۶؛ مجمع البحرين، ج۵، ص۱۸۷؛ تاج العروس من جواهر القاموس، ج۱۳، ص۲۲۶٫
[۱۳]. في آيات القرآن الكريم، حيثما استُعملت كلمة «ساق» بشأن الإنسان، فهي بوضوح تحمل المعنى الذي نفهمه اليوم من ساق الرجل؛ مثلاً، ملكة سبأ المشركة، عند دخولها قصر سليمان ظنّت أن الماء يجري على الأرض، فرفعت ثوبها من على الساق (النمل/۴۴)، وبكل تأكيد عندما يريد الإنسان ألا يبتل قدماه، فإنه يرفع فقط جزءاً صغيراً من الثوب على الساق، وليس الثوب على الفخذ!
[۱۴]. يبدأ الكاتب بالتعبير عن رأي مفاده أن «معنى 'كشف عن ساق' هو انكشاف الفخذ الناتج عن جمع الثوب ورفع الذيل». (ص۸۶) ثم لإثبات هذا الادعاء، يأتي بهذه التوضيحات من كتاب «التفسير الموضوعي لرسالة القرآن» [من تأليف آية الله مكارم الشيرازي]: «تعبير 'ينكشف عن ساق' (تنكشف الساقان) كناية عن الشدة والخطورة، لأنه كان من المعتاد في الماضي أنه عندما يواجهون مشكلة ما، كانوا يرفعون الأكمام ويشدون ذيل الثوب إلى الخصر ليكونوا أكثر استعداداً لمواجهة الكارثة، وبطبيعة الحال في هذه الحالة تنكشف الساقان» (ص۸۶-۸۷) ثم يستنتج فوراً: «وبهذا الترتيب، لا يمكن لكلمة الساق أن تدل على الساق الحديثة (المنطقة بين الركبة والكعب)». (ص۸۷) لكن أي علاقة بين كلام آية الله مكارم الشيرازي وبين أن الساق لا تعني «الساق» المعاصرة بل تعني الفخذ، يمكن أن نجد؟ هل مجرد أن قال: «كانوا يشدون ذيل الثوب إلى الخصر»، يعني هذا أن الفخذ كان ينكشف؟! فلماذا إذاً قال بنفسه صريحاً: «وبطبيعة الحال في هذه الحالة تنكشف الساقان»؟! ألا يعلم الكاتب المحترم أن تعبير «ذيل الثوب» لا يعني أذيال النساء المعاصرة، بل يعني «الجزء السفلي والمرسل من الثوب»؟ علاوة على ذلك، مع التعرف على الاستعمال المجازي لكلمة الساق (حيث أشير إلى أن التعبير 'ينكشف عن ساق' هو كناية)، ألا يتحدد المعنى الحقيقي لها؟ وخلاصة القول أنه حتى لو افترضنا أن آية الله مكارم قصد مثل هذا المعنى، وهو لم يقصده، فهل يكون هذا سبباً لنتجاهل جميع الشواهد اللغوية التاريخية واختصاص جميع اللغويين العرب، ونجعل قول متحدث فارسي معاصر في استعمال مجازي لكلمة هو الطريق الوحيد للتعرف على المعنى الحقيقي لكلمة عربية من قبل ١٤ قرناً؟!
[۱۵]. «خَدَم» جمع «خَدَمَة» وهي بمعنى «الخلخال» [نوع من الزينة النسائية] الذي كان العرب يربطونه على الكعب (الفائق في غريب الحديث، ج، ص۳۰۹)، و«سوق» هي لفظة أخرى لـ «ساق».
[۱۶]. هناك احتمال آخر طرحه كذلك باعتباره احتمالاً أضعف، وهو يسير في نفس الاتجاه، لذا لم يُفرد ببحث منفصل. ملخص هذا الاحتمال هو: أن مقصد الآية هو إباحة النكاح المؤقت للنساء اللاتي لا يرجون النكاح ولا آمل لهن فيه، وتوصيهن بأنه يمكنهن أن يسعين إلى النكاح المؤقت، لكن لا يجب أن يفعلن ذلك بصورة علنية (بكشف أنفسهن أمام الأجانب أو برفع علم على باب منزلهن) لجذب الرجال إليهن! (ص۶۱۳-۶۲۲)
[۱۷]. مثلاً انظر: معجم مقاييس اللغة، ج، ص۱۰۸؛ كتاب العين، ج، ص۱۴۳؛ لسان العرب، ج، ص۳۶۱؛ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، ج، ص۵۱۰؛ تاج العروس من جواهر القاموس، ج، ص۱۹۶؛ النهاية في غريب الحديث والأثر، ج، ص۸۶٫
[۱۸]. الآية 58 من سورة النور هي كما يلي: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (يا أيها الذين آمنوا إن عبيدكم وإماءكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم يجب أن يستأذنوكم ثلاث مرات في اليوم والليلة: قبل صلاة الفجر، وحين تخلعون ثيابكم في وقت القيلولة، وبعد صلاة العشاء. هذه ثلاث أوقات لخصوصياتكم. لا جناح عليكم ولا عليهم فيما عدا ذلك أن يطوفوا عليكم بعضهم على بعض. هكذا يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم.)
[۱۹]. يختلف علماء اللغة حول ما إذا كانت كلمة «قواعد» جمع «قاعد» أو «قاعدة»؛ لكن كلا الفريقين متفقان على أن هذا المصطلح يُستعمل للنساء المسنات (اليائسات)، بعبارة أخرى، بخلاف ادعاء المؤلف، حتى أولئك الذين يعتبرون «قواعد» جمع «قاعد» قد صرحوا بأن المقصود من كلمة «قاعد» عند إطلاقها على النساء هو «النساء المسنات واليائسات». مثلاً الخليل بن أحمد الفراهيدي (المتوفى سنة 175) يقول: «امرأة قاعد، وتجمع قواعد: وهن اللواتي قعدن عن الولد فلا يرجون نكاحاً» (كتاب العين، ج، ص۱۴۳). ابن الأثير (المتوفى سنة 606) والزبيدي (المتوفى سنة 1205) قالا أيضاً: «القواعد: جمع قاعد، وهي المرأة الكبيرة المسنة» (النهاية في غريب الحديث والأثر، ج، ص۸۶؛ تاج العروس من جواهر القاموس، ج، ص۱۹۶).
[۲۰]. العبارة هي: «عن ابن عباس في قوله والقواعد من النساء قال هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب ما لم تتبرج»
[۲۱]. للأسف المؤلف قدم في بحث استثناءات الحجاب في الآية 31 من سورة النور تحليلات من نفس النمط، فهماً مشابهاً هو الآخر، وهو على الأقل مسيء من وجهة نظر القارئ؛ حيث فسر ظهور المرأة بدون حجاب شرعي أمام محارمها بأنه ظهور كامل عار، وبين أن مقصد الآية هو أن المرأة لا يمكنها فقط أن تكون عارية تماماً أمام زوجها، بل أيضاً أمام أولئك الذين استثنيت الآية الحجاب معهم (الأب والحماء والابن وابن الزوج والأخ وابن الأخ وابن الأخت وغيرهم)! (ص۵۶۰) ما دليله؟ أنه قد ورد في بعض الروايات: «المرأة التي تخلع ملابسها خارج منزلها تهتك العهد بينها وبين الله». من الواضح أن خلع الملابس في منازل الآخرين في هذه الروايات كناية عن العلاقات الجنسية غير المشروعة؛ لكن المؤلف استنتج من هذه الروايات أنه بما أن النساء منعن من خلع ملابسهن خارج منازلهن، فإنهن في منازلهن يمكنهن أن يكن عاريات تماماً، والآية 31 من سورة النور تؤكد إباحة عري النساء أمام محارمهن!
[۲۲]. كما يمكنك الرجوع أيضاً إلى هذه الآيات: المائدة/۳۳و۶۶؛ الأعراف/۱۲۴؛ طه/۷۱؛ الشعراء/۴۹؛ الأنعام/۶۵؛ العنكبوت/۵۵٫
[23]. يستخدم المؤلف المحترم غالباً تعبير «الفقير» (مثلاً ص274)؛ لكن من شرحاته يتضح أن المقصود هو أن المجتمع «متخلف»؛ لأنه لا يمكن أن يستنتج من فقر المجتمع عدم شيوع الملابس المخيطة، إلا إذا ربط المؤلف بين فقر المجتمع وتخلفه؛ فهناك اليوم مجتمعات فقيرة كثيرة في العالم، وإن كانت ملابسهم ممزقة وبالية، إلا أنها ملابس مخيطة وليست أقمشة غير مخيطة.
[24]. بالطبع، أورد المؤلف في مواضع أخرى من الكتاب أدلة أخرى يبعد أن يقبلها أحد كدليل، وهو نفسه لم يعتبرها قابلة للدفاع كثيراً في نهاية نقاشه. فمثلاً أحد أدلته الأخرى هو أن النبي أمر بعدم استخدام الملابس المخيطة في الحج؛ وبالفعل أعرب في نهاية نقاشه عن التعجب: كيف أصدر النبي مثل هذا الأمر، مع أن الملابس المخيطة لم تكن شائعة؟! (ص128-134).
[25]. من حيث التطورات الحضارية، تظهر صناعة الخياطة والحياكة بشكل أساسي قبل صناعة نسج القماش؛ أي إن صناعة نسج القماش (التي تتطلب ترتيب الخيوط على شكل السدى واللحمة) لا تظهر إلا بعد وجود صناعة غزل الخيط وشيوع الخياطة به. وفي القبائل البدوية أيضاً، عندما لم تكن الأقمشة موجودة، كانوا يخيطون الأوراق والجلود معاً ويستخدمونها كملابس. لذا إذا أراد أحد أن يدعي أن الخياطة والحياكة لم تكن شائعة في مجتمع ما، لكن الأقمشة كانت شائعة، فيجب عليه أولاً أن يقدم تبريراً حضارياً مناسباً: كيف يمكن لصناعة نسج القماش أن تنتشر دون صناعة الخياطة؟!
[26]. في الأشعار الجاهلية، وردت ألفاظ كثيرة عن الملابس، مثل: ثوب، لباس، ملبس، برقع، إزار، مئزر، رداء، عباء، قميص، سربال، سروال، كسوة، ملحف، غشاء، قناع، مقنعة، خمار، جلباب، عمامة، غطاية، غلالة، درع، جبة، إتب، خيعل، برد، بقيرة وغيرها. من الواضح أن تنوع الألفاظ يدل على تنوع الملابس، وتنوع الملابس يرد ادعاء أن الملبوسات في ذلك الزمان منحصرة في قطعتي نسيج، إحداهما لستر الجزء الأعلى والأخرى لستر الجزء الأسفل من الجسم.
[27]. ر.ك: كتاب العين، ج8، ص67؛ المحيط في اللغة، ج9، ص350؛ تاج اللغة وصحاح العربية، ج6، ص2354؛ معجم مقاييس اللغة، ج2، ص506؛ شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، ج4، ص2472؛ النهاية في غريب الحديث والأثر، ج2، ص216؛ لسان العرب، ج14، ص316؛ تاج العروس من جواهر القاموس، ج19، ص454
[28]. النهاية في غريب الحديث والأثر، ج2، ص216
[29]. ر.ك: كتاب العين، ج، ص382؛ المحيط في اللغة، ج، ص85؛ تاج اللغة وصحاح العربية، ج، ص578؛ معجم مقاييس اللغة، ج، ص102؛ شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، ج، ص248؛ الفائق في غريب الحديث، ج، ص37؛ النهاية في غريب الحديث والأثر، ج، ص44؛ لسان العرب، ج، ص16؛ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، ج، ص13؛ مجمع البحرين، ج، ص204؛ التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج، ص74. وكذلك أبو الفرج الأصبهاني (المتوفى 502) اعتبره بصراحة بنفس معنى «لباس» (الملبوس مطلقاً) (مفردات ألفاظ القرآن، ص74). يعتقد معظم اللغويين المذكورين أن الإزار يستخدم أكثر للملبس الذي يغطي من الخصر فما دون، وإن كان الطريحي ينقل عن بعض أهل اللغة أن «الإزار ملبس يشمل كل الجسد» (مجمع البحرين، ج، ص204)
[30]. تاج العروس من جواهر القاموس، ج6، ص20
[31]. هناك شهادات روائية كثيرة تبين أن الإزار كان لباساً يرتديه الناس فوق الملابس الأخرى، وظاهراً كان يعطي انطباعاً من الكبر والغرور، لذا ذمّ النبي الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع) «لبس الإزار فوق القميص» (القميص = الثوب). لمراجعة العشرات من الروايات في هذا الشأن، ر.ك: جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج8، ص239.
[۳۲]. بيد أنّ المؤلف يبرّر كلمات مثل «لباس» و«ثوب» بأنها تدلّ على اللباس المطلق، ويستنتج من ذلك أنّه لما لم تكن دلالتها مخصوصة باللباس المخيط، فهي لا تتعلّق باللباس المخيط! (أي خلط بين «اللابشرط» و«المشروط بنفي الشرط» اصطلاحا).
[۳۳]. يقول بشأن كلمة «قميص» إنّها في القرآن تتعلّق بسيدنا يوسف وبالتالي لا صلة لها بزمن النبي (ص)! وعندما يصل في سياق البحث إلى روايات كثيرة جاء فيها تعبير «قميص» بشأن لباس النبي الأكرم (ص)، يقول: لقد أثبتنا سابقا أنّ ملابسهم كانت غير مخيطة، فجميع هذه الروايات باطلة. أما بخصوص كلمة «سربال» التي وردت أيضا في القرآن، فيضعها هنا إلى جانب «ثوب» و«لباس» ويقول إنّ المقصود بها مطلق اللباس لا نوع محدّد من اللباس. مع أنّه حتى لو تجاوزنا رأي بعض اللغويين الذين يعتبرون «السربال» معربة من كلمة «شلوار» (التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج، ص۹۳)، فإنّ معاجم اللغة العامة تعتبر السربال نوعا من القميص، وهو ما يقرّ به المؤلف نفسه بأنّ دلالة «قميص» على اللباس المخيط. انظر: كتاب العين، ج، ص۳۴۴؛ المحيط في اللغة، ج، ص۴۳۳؛ تاج اللغة وصحاح العربية، ج، ص۱۷۲۹؛ مفردات ألفاظ القرآن، ص۴۰۶؛ شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، ج۵، ص۳۰۵۸؛ النهاية في غريب الحديث والأثر، ج، ص۳۵۷؛ لسان العرب، ج، ص۳۳۵؛ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، ج، ص۲۷۲؛ مجمع البحرين، ج، ص۳۹۵؛ تاج العروس من جواهر القاموس، ج، ص۳۴۳؛ قاموس القرآن، ج، ص۲۴۹٫
[۳۴]. مثل الرواية التي أوردها المؤلف المحترم في ص ۸۹۶ وهي: لاينظرالرّجلالیعوره الرّجلولاتنظرالمرأهالیعوره المرأه.
[۳۵]. مثل الرواية الواردة في الصفحة ۹۸۸: عورهالرجلعلیالرجلکعورهالمرأهعلیالرجل،وعورهالمرأهعلیالمرأهکعورهالرجلعلیالمرأه.
[۳۶]. بيد أنّ المذهب الشافعي والمذهب الحنبلي يرى بالفعل وجوب ستر الوجه (والكفّين).
[۳۷]. توجد رواية قد يبدو من الفهم الأول لها أنّها تشير إلى أنّ المرأة يمكنها في الصلاة ألّا تغطّي رأسها. معظم الفقهاء شرحوا أنّ هذه الرواية تتعلّق بالفتاة التي لم تبلغ. (مثلا انظر الهامش ۳۹ وأيضا رأي ابن جنيد في استمرار النص.) المرحوم الفيض، متسقا مع بقية الفقهاء، يوضح في عبارات عربية أوردها المؤلف بدون ترجمة (ص۷۶۹-۷۶۸) بخصوص هذه الرواية، ترجمتها كالتالي: «إذا أراد أحد أن يقول بناء على هذه الرواية أنّ ستر شعر المرأة ليس واجبا، فالجواب هو أنّ هذه رواية متعارضة مع روايات صحيحة أخرى [تعتبر ستر شعر المرأة واجبا] فيجب إما تأويلها [كأن نقول مثلا إنّ المقصود هو الفتاة التي لم تبلغ] أو نضع الرواية جانبا. وبالمناسبة، لم يورد المؤلف النصّ الكامل لكلام الفيض؛ وبالرغم من مرور ۵ سنوات على تاريخ نشر كتابه، أحال إلى نسخة خطية. في حين أنّه لو رجع إلى النصّ الكامل للكتاب المستند إليه والذي نشر أيضا (المعتصم في أحكام الشريعة، ج۲، ص۲۸۶- طهران: دار نشر المدرسة العليا الشهيد مطهري، ۱۴۲۹) لاتضح تماما أنّ بحثه يتعلّق بستر المرأة في الصلاة وليس في مقابل الأجنبي. وسيتم الإشارة في استمرار المقالة إلى بعض العبارات الأخرى للمرحوم الفيض.
[۳۸]. عبارات محقق الأردبيلي التي لم يوردها المؤلف المحترم هي كالآتي: «وأما عورة المرأة فلا خلاف في كون كلها عورة: يجب سترها في الصلاة مطلقا، عدا الوجه والكفين والقدمين، وفي غيرها من الأجنبي؛ وفي تحريم تكرار النظر إليها من المحترم مطلقا؛ ويؤيد الإجماع بعض الآيات والأخبار. وأما ستر هذه الأشياء في غير الصلاة، سيجيء البحث عنه في النكاح؛ وأما حال الصلاة … (مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، ج۲، ص۱۰۴). الترجمة: «أما عورة المرأة؛ لا يوجد اختلاف في الرأي في أن كل جسد المرأة عورة [سيتم توضيح معنى هذا التعبير لاحقا في النص] يجب سترها، ما عدا الوجه والكفين والقدمين، في الصلاة [سواء كان الناظر أجنبيا أم لا] ؛ وكذلك في غير الصلاة في مقابل الأجنبي؛ وكذلك في مسألة حرمة تكرار النظر إلى المرأة من قبل الرجل البالغ العاقل لا اختلاف في الرأي أيضا [أي إذا التفتت نظره عليها دون قصد مرة واحدة فلا إشكال، لكن يجب عليه أن لا يكرر النظر]؛ وهناك شواهد من الآيات والروايات على هذه المسألة التي هي موضع إجماع. أما البحث عن ستر هذه الأشياء [الوجه والكفين والقدمين] في غير الصلاة فسيأتي لاحقا في سلسلة مباحث النكاح؛ الآن لننتقل إلى بحث الستر في الصلاة … .»
على أن محقق الأردبيلي في أحد الاستشهادات الأخرى، التي أوردها المؤلف في كتابه بحذف أجزاء منها (ص۷۶۹)، لديه عبارة يقول في نهايتها: «والحكم محل الإشكال.» ظن المؤلف أن مقصود الأردبيلي من كلمة «الحكم» هو حكم حجاب المرأة في أجزاء الرأس والرقبة والصدر والساعد وأسفل الساق! بينما بالرجوع إلى النص الأصلي، وملاحظة العبارات المحذوفة من محقق الأردبيلي (زبدة البيان في تفسير القرآن، ص۵۴۵-۵۴۷)، يمكن التوصل إلى أن مقصوده من «الحكم» في هذا كتابه التفسيري ليس فتوى الفقهاء، بل «رأي الزمخشري» (صاحب كتاب تفسير الكشاف) في فهم المقصود من العبارة «إلا ما ظهر منها» في الآية القرآنية»؛ أي أنه يعتبر «الحكم الذي يقصده الزمخشري» محل إشكال؛ لكن المؤلف، لأنه حذف العبارات بينها، ظن أن مقصود محقق الأردبيلي هو حكم الحجاب.
[۳۹]. ترجمة إحدى العبارات العربية التي أوردها دون ترجمة هي: «هناك رواية لا إشكال في أن تصلي المرأة المسلمة وليس على رأسها غطاء؛ وقد حملوا هذه الرواية على الفتاة غير البالغة.» (يراجع توضيح هذا الحكم في الهامش ۳۷.)
[۴۰]. مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، ج۲، ص۹۶٫ ذكر المؤلف الصفحة ۱۱۴ بالخطأ لهذه المسألة. من اللازم الإشارة إلى أنه أورد نقلا آخر عن ابن جنيد (وهو أيضا في نفس كتاب العلامة الحلي وفي بحث ستر المرأة في الصلاة) ومثلما فعل في النقل السابق، وسّع مقصوده الذي يتعلق بستر المرأة في الصلاة ليشمل ستر المرأة في مقابل الأجنبي؛ مما لا يستدعي ذكرا منفصلا.
[۴۱]. كما أشير إليه في الهامش ۳۷، فإن بقية الفقهاء فهموا المقصود بالمرأة في هذه الرواية على أنها فتاة غير بالغة. إضافة إلى ذلك، بناء على بعض الروايات، فتوى معظم الفقهاء هي أنه يجوز للإماء أن لا يغطين رؤوسهن في الصلاة. يبدو أن ابن جنيد قبل هذا الجواز بخصوص النساء الحرائر أيضا؛ ولذا أورد التعبير «المرأة الحرة وغيرها» (النساء الحرائر وغير الحرائر).
[۴۲]. بخصوص استدلالات المؤلف لترجمة «الرأس» إلى «غطاء الرأس» في البند ۳ من الفصل السابق، تم تقديم التوضيحات اللازمة.
[۴۳]. الاحتجاج للطبرسي، ج۴، ص۲۱۰: كثيرون ينسبون الأقاويل الكاذبة إلي، وسيزدادون أكثر.
[۴۴]. مثلا قال النبي (ص): «أنا مدينة العلم وعلي بابها» (صحيفة الإمام الرضا عليه السلام، ص۵۸) أو أنه قال لعلي عليه السلام قولا، فعندما سُئل: ماذا قال، أجاب «فتح الله عليّ ألف باب من العلم، يفتح من كل باب ألف باب.» (الكافي، ج۱، ص۲۹۶)
[۴۵]. مثلا الفراهيدي (متوفى ۱۷۵) «عورة» بمعنى «كل أمر يستحى منه» (أي شيء يستحيي الإنسان منه) (كتاب العين، ج، ص۲۳۵). ابن فارس (متوفى ۳۹۵) «عورة» عبارة عن «شيء ينبغى مراقبته لخلوه» (أي شيء يحتاج إلى مراقبة بسبب خلوه وانعزاله.) (معجم مقاييس اللغة؛ ج۴، ص ۱۸۴)؛ ومصطفى يكتب: «هو ما يستقبح بروزه ويلزم ستره عرفا» (وهو الشيء الذي يكون ظهوره مذموماً ويكون إخفاؤه واجباً عرفاً.) (التحقيق في كلمات القرآن الكريم؛ ج، ص۲۵۹).
[۴۶]. مفردات ألفاظ القرآن ص۵۹۵٫
[۴۷]. المقصود للمؤلف، رواية قد نقلها سابقاً.
[۴۸]. الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال. (الجمل إذا جاءت بعد نكرة تكون صفة وإذا جاءت بعد معرفة تكون «حالاً».) (مغني اللبيب عن كتب الإعاريب، ج۲، ص۴۲۸).
[۴۹]. «استشراف» في اللغة بمعنى «طلب الإشراف والإطلالة على الشيء» (لسان العرب، ج۹، ص۱۷۹)، وقد ذهب بعض كتب اللغة إلى أنه بمعنى «رفع الرأس لكي ينظر إلى الشيء» (المحيط في اللغة، ج۷، ص۳۲۱)؛ لذا معنى هذا التعبير أن ذاك اللباس يسلط الشيطان والنظرات الشيطانية عليه.
[۵۰]. الراوي المقصود، محمد بن محمد بن أشعث، من محدثي الشيعة في القرن الرابع، وقد أقرّ بنفسه المؤلف الموقّر، بإيراده أجزاء من جمل عربية للآقا البزرگ الطهراني [المحقق الشيعي الكبير الذي ألف الموسوعة الضخمة لآثار الشيعة (الذريعة إلى تصانيف الشيعة)] دون قصد بأن هذا الأخير يذكر رواياته بتعبير «عظيم الشأن» (ص۶۵۹). نقل الراوي رواياته في كتاب سمّاه «الجعفريات» (وعُرِف أيضاً بـ «الأشعثيات» نسبة لاسم المؤلف) من أحد أحفاد الإمام الكاظم عليه السلام (يُدعى موسى بن إسماعيل) وقد نقل الشيخ الصدوق كثيراً من هذه الروايات بسند آخر عن موسى بن إسماعيل نفسه.
هل للمؤلف الموقّر الحق في أن يقول عن كتاب حظي باهتمام كبار الشيعة إلى درجة أن الشهيد الأول (محمد بن مكي العاملي، متوفى ۷۸۶) أعدّ اختصاراً منه (سمّاه «اختصار الجعفريات») لكي يستفيد منه شيعة أكثر: «فقهاء ومحدثو الإمامية منذ القدم لم يحسّنوا النظر إلى كتاب الأشعثيات وفي الواقع، بسبب ضعفه، كان يُعتبر من الكتب المتروكة إلى الحد الذي لم يُستفد منه في وسائل الشيعة؛ لكن في النهاية حسين النوري أودع روايته في مستدرك الوسائل.» (ص۶۵۸) هل كان عدم الاستفادة منه في وسائل الشيعة لهذا السبب؟ من الجيد الانتباه إلى النص الكامل لعبارات الآقا البزرگ الطهراني التي لم يسُقْها المؤلف: «العلامة المجلسي والشيخ الحر العاملي [مؤلف وسائل الشيعة] لم يستطيعا الوصول إلى نسخة هذا الكتاب رغم البحث الكثيف، وقد ادّخره الله تعالى للمحدث النوري صاحب مستدرك الوسائل ومنّ عليه وضع نسخة من هذا الكتاب ضمن مجموعة تحت تصرفه وهيّأ له مصادر أخرى موثوقة وصحيحة بشأن هذا الكتاب. من هنا يطرح المحدث النوري هذا الكتاب قبل غيره في خاتمة كتاب مستدرك الوسائل وفي متن المستدرك نفسه ينقل روايات هذا الكتاب قبل غيرها. بفضل هذا الكتاب والكتب الموثوقة الأخرى، بلغ كتاب المستدرك درجة من الأهمية بحيث أصبح مراجعته ضرورياً لكل مجتهد.» والمثير للاهتمام أن الشيخ الحر العاملي نفسه، الذي يصوّره المؤلف بأنه لم ينتبه لهذا الكتاب، عندما ينقل رواية منه من كتاب «إقبال» السيد بن طاووس، يستخدم عند نقلها تعبير «عظيم الشأن» في حقه. (وسائل الشيعة، ج۱۰، ص۳۲۰).
يوضح المؤلف الموقر بعبارات مسيئة يخجل القلم من ذكرها أن الراوي موضوع النقاش هو الوحيد الذي نقل هذه الروايات؛ وهو وكتابه فاقدا الاعتبار تماما.(ص۶۵۵-۶۵۶) بينما يقول العلامة المجلسي: «أكثر أحاديث كتاب النوادر [حيث قام سابقا بتعريف وتمجيد واسع لكتاب النوادر للراوندي وللموقع العلمي لمؤلفه] هي روايات نقلها سهل بن أحمد الديباجي عن محمد بن محمد بن الأشعث عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر (عليه السلام) وروايته... وهذا ابن الأشعث هو من وثقه النجاشي، والشيخ الصدوق روى في «المجالس» الكثير من هذه الروايات بإسناد آخر عن موسى بن إسماعيل.» (بحار الأنوار، ج۱، ص۳۶) كما يقول: «في بعض كتب الرجال نُقلت طرق أخرى أيضا لهذا الكتاب وسنشير إليها في نهاية كتاب بحار الأنوار.» (بحار الأنوار، ج۱، ص۵۴)
أما دليل المؤلف لرفض روايات ابن الأشعث عن موسى بن إسماعيل فهو أنه أورد من «الكامل» لعبد الله بن عدي نقلا يقول فيه أن شيخا ظل جارا لموسى بن إسماعيل أربعين سنة ولم يسمع هذه الروايات منه. (ص۶۵۶) وهذا مثل من يرفض أقوال أحد تلاميذ المرجع الموثوق به حول فتاواه، لأن عجوزا كان جاره لأربعين سنة لم يسمع هذه الأقوال من المرجع. والعجيب أن المؤلف لا يشير إلى أن عبد الله بن عدي عالم سني، وعندما يورد النص العربي لهذا الشخص يتضح أنه استخدم بشأن ابن الأشعث تعبير «ميله إلى التشيع»، وهو عند المحدثين من أهل السنة يعتبر نوعا من الذم ودليلا على رفض الراوي ويكشف عن موقفه من هذا الراوي. هل يصح الاستناد إلى قول فرد سني يسبق الحكم على الراوي بالكذب لكونه شيعيا، لإيراد أنواع من الإساءات والسباب في حق محدث شيعي كبير، كان بهذا القدر موثوقا عند أعلام الشيعة، وإنما أورد روايةً لم تروق لذوق المؤلف؟
[۵۱]. على سبيل المثال، انظر: وسائل الشيعة، ج۲۰، ص۱۳۴؛ الكافي، ج۵، ص۵۱۱ و۵۳۵؛ من لا يحضره الفقيه، ج۳، ص۳۹۰؛ الجعفريات، ص۹۴؛ الأمالي للطوسي، ص۳۷۰ و۵۸۵؛ شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام، ج۳، ص۲۰۱؛ النوادر (للراوندي)، ص۳۵؛ ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، ج۳، ص۴۷۶؛ بحار الأنوار، ج۱۰۰ ص۲۴۰؛ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج۱۴، ص۱۸۱؛ وغيرها. وبالطبع المؤلف الموقر برغم أنه قال إن جميع الأسانيد تنتهي إلى ابن مسعود، فإنه هو نفسه يورد رواية كتاب الجعفريات في استمرار بحثه؛ لكن كما مضى في الهامش ۵۰، حاول أن يجعل الرواية المذكورة تبدو بلا اعتبار، وأورد بعض الروايات الأخرى تحت عنوان «أحاديث عي وعورات»، وبدون أن يعترف بأنه لم يستطع إيجاد إشكال في إسندها، بإضافة توضيحات في ترجمة بعضها، والإساءة إلى رواتها، ومقارنتها ببعض روايات أهل السنة، أوهم أن كل هذه لا بد أن تكون مكذوبة!
[۵۲]. أي أنه أثناء النقاش حول وضع الحجاب للنساء، يُورد نقول تاريخية بعبارات عربية، وغالبا بدون ترجمة بمضمون أن «في حادثة معينة ظهرت عورة رجل» فيفهم القارئ أن هذه الحادثة تتعلق بكشف عورة النساء، ليصل لاحقا إلى نتيجة مفادها أن عري النساء بحد كشف العورة كان أمرا عاديا.
[۵۳]. الأسانيد الشيعية لهذه الرواية كثيرة جدا، لكن لكي يتأكد القارئ من وجود هذه الرواية في مصادر أهل السنة أيضا، يجب القول إن أعتبر كتاب حديثي عند أهل السنة هو «الجامع الصحيح من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسننه وأيامه» لمحمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى سنة ۲۵۴) وغالبا ما يُشار إليه باسم «صحيح البخاري». هذا الكتاب يتمتع بقدر كبير من الاعتبار عند أهل السنة بحيث لا يشكون في صحة رواياته فحسب، بل يكفي لإثبات موثوقية راوٍ أن تكون رواية منه في هذا الكتاب. الرواية المذكورة أعلاه هي الحديث رقم ۵۶۶۹ من هذا الكتاب الموجود في ج۴، ص۲۹ من هذا الكتاب (الطبعة: القاهرة، المكتبة السلفية).
صورة هذه الصفحة من الكتاب :

.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٩ تعليق
جناب سوزنچی، شما عربی ۱۴۰۰ سال پیش رو بلد نیستی چرا مغالطه میکنی. من به شما ثابت میکنم که جیب اشاره شده در قرآن همان شکاف در مقعد و آلت جنسی زنان است. شما اگر فرصت داشتی یه صحبتهای استاد محمد شهرور که خود یک عرب است دقت کن. ایشان به روشنی میگوید که این جیب در قرآن همان شکاف جنسی است که باید با خمار که لنگی است پوشیده شود https://www.youtube.com/watch?v=dfAC1GtTFmk به علاوه کیریستوف لوکزامورگ که آشنا به زبانهای آرامی و سریانی است و کتاب خوانش آرامی/سریانی قرآن را نوشته https://en.wikipedia.org/wiki/The_Syro-Aramaic_Reading_of_the_Koran میگوید که منظور از آیه وليضربن بخمرهن على جيوبهن با در نظر گرفتن خمار در زبان سریانی/آرامی همان لنگ است (دقیقه ۹:۴۰) https://www.youtube.com/watch?v=EyDTnPYWc4U&t=602s
کلمه جیب در فارسی هم بمعنای شکاف آمده شکافی در کت یا شلوار یا پیراهن .
به نظر می آید راه مشترک ادیان و آیینهای مختلف در جهان برای رسیدن به آرامش و معنویت همان راه خودشناسی و معرفت نفس است. و مقاله خودشناسی آلدوس هاکسی، ترجمۀ استاد ملکیان در کتاب سیری در سپهر جان و نیز مقاله خود را بشناس در کتاب راهی به رهایی به قلم خود ایشان، مقالات خواندنی هستند و شاید استدلالی ترین نوشته درباه معرفت نفس در میان اندیشمندان اسلامی( در میان اندیشمندان غیر اسلامی اطلاعی ندارم) رساله الولایة علامه طباطبایی است. به ویژه ایشان در آخر فصل چهار هم طریقه ای برای تمرکز و نفی خواطر ذکر می کنند و هم به راه معرفت نفس که روش خودشان و استادانشان بود، اشاره می کنند و سربسته رد می شوند؛ البته در کتاب بررسی ها اسلامی ج 2 در توضیح معنای« فکر در عدم» در نامه میرزاجواد آقا ملکی تبریزی به این روششان صریحا ولی مختصر اشاره کرده اند. کتاب مثنوی مولوی به گفته استاد محمد رضا شفعیی کدکنی« بالاترین حماسه عرفانی بشریت» نیز از جمله کتابهایی که بهتر است بخوانیم.و به شروح مهم آن از جمله، شرح فروزان فر و دکتر شهیدی و نیز شرح کریم زمانی و درس گفتارهای دکتر سروش تحت عنوان آینه دوم و ... رجوع کنیم جدا از اینها به نظر بنده خداوند در درون هر انسانی قوانین اصلی اخلاق را نهاده است و نشانه آن تلنگرهایی است که از وجدان انسان گوشزد می شود. شاید خلاصه همه را در این متن بتوان دید که سخن یکی از اندیشمندان معاصر است:« هیچ کرداری نیست که به[تر] باشد از پرستش خدا و سپس پرستاری[ و نیکی] به بندگان خدا؛ از این رو هر کرداری آن گاه شایسته است که دراین مقوله بگنجد... .» خداوند حسّ پرستش و نیکی و خیرخواهی به بندگانش را در همه ما دم افزون کناد!
سلام جناب ترکاشوند ...باخواندن کتاب حضرتعالی وگوش کردن سخنرانیهای آیت الله جزایری وفتوای جناب جوادی آملی در مورد حقوق کارمندان بانک چنان باورها وارزشهای دینی من فرو ریخت که بی حجابی اطرافیان مرا آزار نمیدهد که بماند حتی خودم تصمیم به کنار گذاشتن چادر کرده ام وجالب اینکه احساس رهایی وآزادی میکنم وحس محبت ودوستی نسبت به همه دارم ...نمیدانم مسیر درستی انتخاب کرده ام یا نه ؟ ولی دیگر اعتمادی به فتاوای بسیاری از مراجع ندارم بااینکه سالها در حوزه درس خوانده ام وهر حدیث وکلامی از بزرگان را دربست قبول میکردم ، الان هر کلامی را تحلیل میکنم و ارزشهایی که قبلا جزیی از زندگی من بود رنگ باخته ...زیارتها مانند قبل از تقدس خاص برخوردار نیست چرا که احساس میکنم وقتی خدا هست نباید سراغ غیر او رفت وزیارت ادای احترامی ست به یک بنده خوب خدا که من وهمه انسانها میتوانند به درجه آنها برسند چرا که حتی پیامبر میفرماید انا بشر مثلکم ...دیگر احادیثی که خلقت پیامبر وامامان را از نور میدانند را باور نمیکنم ...حتی در وجود امام زمان شک دارم چرا که برای این سوالم جوابی پیدا نمیکنم که اگر قرار است امامی بیاید ودنیا را که پراز ظلم شده نجات دهد وقدرت فوق العاده ای در هدایت مردم دارد پس چرا همین کارها را امامان قبل او نکردند که بشر این همه سال اسیر جنگ وبدبختی نباشد مگر کلهم نور واحد نیستند ... از خودم گله مندم که چرا سالها پیرو کسانی بودم که اصلا به روز نیستند ...من علاوه بر حوزه ، فوق لیسانس مشاوره خانواده ام و چند وقت پیش وقتی فتوای جناب جوادی آملی را شنیدم که برای حل معضل رشوه اعلام کردند حقوق کارمندان بانک حرام است چنان باورهای مرا فرو ریخت که با خودم گفتم نکند دیگر فتاوای علما ومراجع همینقدر آبکی باشد ومن که عمری مبلغ دینی بوده ام کار عبث کرده ام ...کلاسهای دینی ام را تعطیل کردم چون به همه چیز مشکوکم ...نمیدانم حقیقت دین را باید از که وکجا بگیرم ...با کتاب قانون شفای کاترین پاندر آشنا شدم ...شاید باور نکنید بیست سال تفسیر قرآن میگفتم ولی امسال ماه رمضان این کتاب را در کنار قرآن تدریس کردم آنقدر تاثیر مثبتی در رفتار وزندگی حاضرین در جلسه قرآن گذاشت که در مدت بیست سال سابقه نداشت ...به حرم امام رضا رفتم وشکایت کردم که چرا باید یک نویسنده مسیحی ارتباط مرا با خدا نزدیک کند ؟!در حالیکه من حافظ تقریبا نصف قران هستم و خیلی باقران سرو کار داشتم ...شاید یک علتش این بود که همیشه دنبال ثواب بوده ام ودین معاملاتی داشته ام ...خلاصه خییییییلی متحیرم ونمیدانم چگونه ازین برزخ شک وتردید باید بیرون بیایم ...اگر میتوانید مرا به اطمینان برسانید لطفا کمکم کنید
سلام کتابهای آقای حیدر علی قلمداران و سید ابوالفضل برقعی و سید مصطفی حسینی طباطبایی را به شما خواهر محترم پیشنهاد می کنم.
پاسخ به فریبا یزدانی: 1- کسانی که نام برده اید معیار اسلام نیستند. مولا امیرالمومنین(ع) میفرمایند : " حق را بشناس تا اهل آنرا بشناسی". 2- معرفت خدا ایمان تقوا اخلاق و رفتار نیکو را باید از الگو هایی که خدا تعیین فرموده یاد گرفت. ملاک و معیار دین قرآن همراه باعترت است. باید به سراغ انان رفت. این فرمان خدا و پیامبر(ص) است. احترام و پیروی از بر گزیدگان خدا ضروری است. 3- برای یک شروع مناسب سعی کنید با دقت خطبه غدیر از فرمایشات پیامبر (ص) را مورد مطالعه با اندیشه قرار بدهید. 4- پیامبر(ص) انسان هستند ولی انسانهای غیر معصوم را نمی توان با آن حضرت مقایسه نمود همانطور که نور شمع قابل مقایسه با نور خورشید نیست. 5- دلیل انحراف جامعه ها تا کنون عدم پذیرش امامان در زمانهای قبل و عدم پذیرش امام زمان(ع) تا کنون بوده است وراه اصلاح پذیرش است.
سپاس اقاي تركاشوند گرامي كتاب شما براي مومناني است كه نو انديشند و بر خلاف نظر ايشون نظريه داروين همچنان ابطال ناپذير است اين نقد هم بر قدرت مطالب شما افزود وكلمه ساق هم مثل مو ودست و صورت نام يكي از اعضاء بدن است واهانتي در ان نيست موفق باشيد
اگر امروزه یک زن مسلمان بخواهد حد و اندازه ی حجاب شرعی را بداند میتواند از دیدگاه مرحوم احمد قابل هم استفاده کند و یقینا برای عمل کردن به وظیفه ی شرعی در مورد حجاب کسی از نظر آقای مهندس ترکاشوند استفاده نمیکند لذا کتاب ایشان نتیجه ی مطالعات و تحقیقشان در این مورد بوده و میتواند مورد نقد قرار گیرد اما مسئله ی میزان حجاب شرعی اگر بخواهد مورد مخالفت جدی قرار گیرد باید نقاد فتوای آقای احمد قابل را خدشه دار کند . خلاصه مطلب اینکه مخالفت با شخص که مطرح نیست بلکه مخالفت با این دیدگاه که حجاب شرعی شامل سر و گردن نمیشود مطرح است و برای اینکار قاعدتا باید نظر فرد متخصص و مجتهدی مثل آقای قابل را بتوان رد کرد و نقد تحقیق یک فرد غیر متخصص اگرچه بلامانع است اما فتوای عدم لزوم پوشش برای سر و گردن را خدشه دار نمیکند .در حالیکه هدف اصلی این است نه آن .
سلام علیکم به نظرم استدلالهای آقای دکتر کدیور از استدلالهای آقای قابل قویتر است. ایشان در مقالات خود استدلالات آقای قابل را رد کرده اند اما در عین حال همان موضع ایشان را دارند. بنده اولا نقدهای دکتر کدیور را بر آقای قابل وارد می دانم و ثانیا نشان داده ام که استدلالهای آقای کدیور هم دچار نقصهای فراوانی است و برخی از مقدمات آنها خودش دلیلی بر رد مدعای ایشان است. مقاله بنده در نقد دکتر کدیور در سایت بنده موجود است به آدرس http://www.souzanchi.ir/hejab-in-sureh-noor-critic-of-kadivars-opinion/