اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يشكّل الادعاء بعدم وجود قبح أخلاقي في عدم ارتداء الحجاب وعدم انتهاكه للأمر الإلهي محورَ مقالات الدكتور سروش دباغ. ينقد هذا المقال أسس هذه الرؤية من خلال تحليل علاقة الحجاب بالأخلاق والفقه، ويتناول ما تنطوي عليه من غموض مصطلحي واستنادات فقهية.

كتب الدكتور سروش دباغ (نجل الدكتور عبد الكريم سروش) مقالة قبل فترة بعنوان «الحجاب في ميزان الأخلاق» كان خلاصة مدعاه فيها أن عدم ارتداء الحجاب لا إشكال فيه من الناحية الأخلاقية، وليس مصداقاً لانتهاك الأمر الإلهي. أثارت هذه المقالة انتقادات، فكتب بعد مدة مقالة ثانية لمزيد من توضيح مدعاه بعنوان «عدم الحجاب أم انعدام العفة، أيهما غير أخلاقي.» في تلك الأيام أرسل لي أحد الأصدقاء هاتين المقالتين وطلب مني أن أعبر عن تحليلي بشأنهما. وحيث أنه ربما يمكن العثور في هاتين المقالتين على أهم استدلالات معارضي مسألة الحجاب، فقد بدا لي أن نقدهما ودراستهما يمكن أن يكون ذريعة للرد على كثير من الانتقادات الموجهة لمسألة الحجاب؛ لذا كتبت نقداً لهاتين المقالتين، شرحت في ثناياه كثيراً من المباحث حول الحجاب وعلاقته بالأخلاق.
.
استلام ملف PDF استلام ملف HTML
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
١) علاقات الدين والأخلاق، بحث حول نظرية الأمر الإلهي الأدنى ونطاق شمولها
٢) ماهية الأحكام الفقهية وعلاقتها بالأحكام الأخلاقية
٣) فلسفة الحجاب وتبيين علاقة حكم الحجاب بالأخلاقيات
٤) علاقة الإجبار والأخلاق
٥) وجود أو عدم وجود فقيه ذي رؤية مغايرة بشأن الحجاب
٦) دلالة القرآن الكريم على وجوب حجاب المرأة المسلمة
قدم جناب الدكتور سروش دباغ قبل فترة في مقالتين «الحجاب في ميزان الأخلاق» و«عدم الحجاب أم انعدام العفة؛ أيهما غير أخلاقي؟» تحليلاً وتوصل إلى هذه الخلاصة وهي أن عدم مراعاة الحجاب الذي كان يُعتبر حتى الآن حجاباً شرعياً في المجتمع الإسلامي، لا قبح أخلاقي فيه، ولا يستلزم تجاهل الأمر الإلهي.
محصل رأيه في مقالة «الحجاب في ميزان الأخلاق» هو أن:
«وفقاً لرواية من "نظرية الأمر الإلهي الأدنى" التي يعدها الكاتب مبررة، فإن وزن الأحكام الفقهية في ميزان الأخلاق والاستعانة بالعقل والبديهيات الأخلاقية العقلانية والعرفية، شرط ضروري لاعتبار الأحكام الفقهية مبررة ولاكتشاف مراد الله في يومنا هذا. ومع الأخذ بعين الاعتبار الأبحاث التاريخية والفقهية لأمير تركاشوند وفتوى أحمد قابل من جهة، وإحراز حدود ونطاق الفعل العفيف والأخلاقي في يومنا هذا بالنظر إلى البديهيات الأخلاقية العقلانية للمراقب المثالي من جهة أخرى، وكذلك الالتفات إلى بروز الصبغة الهوياتية والفقهية لحكم الحجاب؛ يمكن الاستنتاج بأن عدم تغطية شعر الرأس والعنق في يومنا هذا، لا قبح أخلاقي فيه، وليس مصداقاً لفعل غير عفيف، ولا يتضمن تجاهل مراد الشارع والله.»
وقد تم التعبير عن هذه الرؤية بعبارة أكثر صراحة في مقالة «عدم الحجاب أم انعدام العفة؛ أيهما غير أخلاقي؟» على النحو التالي:
«يمكن الاستنتاج بأن أحكام الحجاب في الشريعة الإسلامية، أولاً وبالذات، ذات صبغة هوياتية لا أخلاقية؛ ومن ثم لم يكن تغطية العنق وشعر الرأس ضرورياً لجميع النساء المسلمات. ثانياً، إن مقولة ستر جسد الرجل والمرأة فعل طبيعي يندرج ضمن سائر الأفعال الطبيعية التي تقع تحت مقولة «العفة» وتكتسب «ربطاً أخلاقياً»؛ وإن كانت حدود الستر وتخومه قابلة للتغير من ثقافة إلى أخرى. في أيامنا الراهنة، لا تعدّ كثرة من الثقافات والأعراف عدم تغطية العنق وشعر الرأس مصداقاً لفعل غير عفيف وغير أخلاقي ولا تعتبره كذلك؛ ويمكننا نحن أيضاً أن نراجع النظر في هذا الباب وألا نعتبر سلوك الكثرة ممن لا يغطين العنق وشعر الرأس سلوكاً غير أخلاقي. علاوة على ذلك، ومع الأخذ بعين الاعتبار «النظرية الحدّية للأمر الإلهي» وقبول هذا القول من جهة أن قلة من الفقهاء وبعضاً من دارسي الإسلام المعاصرين يعتقدون أن آيات القرآن لا تدل دلالة قطعية (نصّ) على ضرورة تغطية العنق وشعر الرأس، وجواز عدم تغطية العنق وشعر الرأس المطابق للبديهات الأخلاقية العرفية من جهة أخرى، يمكن الاستنتاج بأن عدم تغطية العنق وشعر الرأس في أيامنا الراهنة لا قبح أخلاقي فيه من حيث المبدأ، وهو في الوقت نفسه لا يتضمن انتهاكاً لأمر الله ومراده ولا تجاهلاً لنص القرآن.»
لإثبات الادعاء أعلاه، طُرحت في هاتين المقالتين مقدمات متعددة، ويُسعى في هذه الكتابة إلى دراسة اعتبار هذه المقدمات والنتيجة المترتبة عليها. لكن قبل الدخول التفصيلي في هاتين المقالتين، لعل من الضروري التذكير بنقطتين:
النقطة الأولى، نقطة علمية، وهي ضرورة تجنب الغموض وعدم الدقة في استعمال المفردات والاصطلاحات، وكذلك عدم توضيح المراد، الذي من ثماره غير المرغوبة الوقوع في مهاوي مغالطة الاشتراك اللفظي. كان الأجدر بالكاتب المحترم أن يدقق أكثر في هذا المجال كي لا تُستعمل عبارة ما في «المقدمة» بمعنى، ثم تُستعمل في «النتيجة» بمعنى آخر. على سبيل المثال، أهم مفهوم مطروح للنقاش هو مفهوم «الأخلاق»، حيث وردت كلمة «غير أخلاقي» في المقالتين موضع البحث، تارة بمعنى «المجال الخارج عن الأخلاق» (ما لا حكم للأخلاق فيه)، وتارة بمعنى «المباح أخلاقياً» (ما لا حكم سلبياً للأخلاق عليه)، وتارة بمعنى «المنافي للأخلاق» (ما هو مذموم أخلاقياً)؛ وكذلك «الأخلاق العلمانية» تُستعمل تارة بمعنى «الأخلاق ما قبل الدينية» (وهي نوع من الأخلاق الكونية)، وتارة بمعنى «الأخلاق المقبولة في المجتمعات العلمانية» (وهي ليست كونية بالضرورة)؛ ومثل هذه الأمور من عدم الدقة لا تليق ببحث علمي.
النقطة الثانية، تذكير بأخلاقيات البحث: إذا بلغ البحث ميدانًا من ميادين العلم والتحقيق حيث لا يكون الباحث صاحب نظر فيه، وأراد أن ينقل قولًا عن أصحاب النظر في ذلك الميدان وينسبه إليه، ويبني عليه نقاشه، فإن من شروط أخلاقيات البحث أن يتجه إلى متخصصين يعتبر المجتمع العلمي ذو الصلة تخصصهم معتبرًا، ولا ينبغي أن يكون مجرد الاهتمام الشخصي بوجود ذلك القول في ذلك الميدان ذريعةً لفرضه عليه بأي ثمن. لنفترض أن السيد
«عموم القائلين بـ«نظرية الحد الأدنى للأمر الإلهي»، يعتقدون أنه وإن كانت الأخلاق في المجالين المذكورين غير محتاجة إلى الدين، إلا أن تحصيل المعرفة الأخلاقية المبرَّرة يتوقف على الرجوع إلى الدين ولا تُنال بشكل مستقل. وفي الوقت نفسه، يؤكد بعض القائلين بـ«نظرية الحد الأدنى للأمر الإلهي» أن عقلنا يمكنه اكتشاف المعرفة الأخلاقية المبرَّرة. ووفقاً لهذا التصور، فإن العقل البشري في ميدان الأخلاق يكتشف ما أراده الله ويصادق عليه ويعتبره مبرَّراً. وفي الواقع، في هذا التصور، لا يتبع العقل النص المقدس؛ بل يكتشف بشكل مستقل الصواب والخطأ الأخلاقيين؛ اكتشافاً يتناسب ويتلاءم مع إرادة الله وأمره».
وهو يضع هذه النظرية في مقابل «نظرية الحد الأقصى للأمر الإلهي» التي تقول بضرورة الرجوع إلى النصوص الدينية في كل من المجالات الثلاثة: الدلالية والأنطولوجية والإبستمولوجية، وبرفضه لهذه الرؤية، يستنتج صحة نظرية الحد الأدنى.
وفي المرحلة التالية، ونظراً لوقوع التعارض أحياناً بين الحكم الأخلاقي الذي يدركه العقل، والحكم الفقهي الوارد في النصوص الدينية، يؤكد على ضرورة أن يكون لدى الإنسان منظومة معرفية متماسكة، ولحل هذا التعارض الذي نشأ برأيه بين الحكم الفقهي للحجاب والحكم الأخلاقي المتعلق به، يطرح استخدام منهج «الموازنة المتأملة»، «موازنة ذات اتجاهين يكون فيها الذهاب والإياب بين طرفي الموازنة ضرورياً»، ويكون هذا تمهيداً ليقوم في الفصل التالي بمقارنة مسألة الحجاب في مجالي الأخلاق والفقه.
تثور عدة أسئلة حول هذا التحليل:
۱) هل يمكن، في باب علاقة الدين بالأخلاق في المجالات المذكورة، طرح هاتين النظريتين فقط: الحد الأدنى والحد الأقصى للأمر الإلهي (وبالتقرير الوارد في المقالات المذكورة تحديداً)، بحيث يُثبَت إحداهما برفض الأخرى؟
۲) هل يمكن لاستدلالاته في كل من المناظير الثلاثة: الدلالية والأنطولوجية والإبستمولوجية، أن تثبت استغناء الأخلاق عن الدين في ذلك المنظور؟
۳) هل التفسير الذي يطرحه باعتباره تفسيراً أكثر تبريراً لـ«نظرية الحد الأدنى للأمر الإلهي»، هو حقاً نظرية حد أدنى أم نظرية إنكارية؛ وبعبارة أخرى، هل رؤيته الحقيقية هي نظرية «الحد الأدنى للأمر الإلهي»، أم نظرية «الاستغناء المطلق عن الأمر الإلهي» التي تقف في مقابل كلتا نظريتي الحد الأدنى والحد الأقصى، وبالتالي في مقابل أصل التدين؟
٤) مع تفسيره هذا للنظرية، هل هناك أصلاً حاجة إلى الموازنة المتأملة ورفع التعارض المدعى؟
۱) إن الإبهامات في بيانه حول نظريتي الحد الأدنى والحد الأقصى للأمر الإلهي تجعل كثيراً من استدلالاته تتحول إلى «مصادرة على المطلوب». فهل هاتان النظريتان متقابلتان في كل من المناظير الأربعة: الدلالية والأنطولوجية والإبستمولوجية والسيكولوجية، أم في المنظور الإبستمولوجي فقط؟ بالطبع، بما أنه قد قبل تأثير الدين على الأخلاق في البعد السيكولوجي، يمكن القول إن تقابل النظريتين ليس بالضرورة في المناظير الأربعة جميعاً؛ لكن سياق كلام الكاتب المحترم يوحي بأن قبول نظرية الحد الأقصى للأمر الإلهي يستلزم أنه في الأبعاد الثلاثة الأخرى (الدلالية والأنطولوجية والإبستمولوجية) يجب الرجوع فقط إلى النصوص الدينية، أي لفهم معنى المفردات الأخلاقية، ولتحديد الأوصاف والمبادئ الأخلاقية، ولتحصيل المعرفة الأخلاقية المبرَّرة؛ وفي المقابل، تقول نظرية الحد الأدنى إنه لا حاجة للرجوع إلى النصوص الدينية في أي منها، وأن العقل مستقل في كل ذلك. ثم برفض نظرية الحد الأقصى، يستنتج صحة نظرية الحد الأدنى.
بغض النظر عن صحة أدلتهم في رد النظرية القصوى، هل هذا النوع من الاستدلال مبرر منطقياً؟ أي ألا توجد شقوق أخرى يمكن تصورها؟ أليس من الممكن أن يقبل شخص ما، من منظور الدلالات، استقلال معاني المفردات الأخلاقية، لكنه لا يقبله من المنظورين الآخرين؟ أليس من الممكن أن يقبل شخص استقلال العقل في منظوري الدلالات والأنطولوجيا الأخلاقية، لكنه لا يقبل استقلاله في منظور الإبستمولوجيا؟ (من المثير للاهتمام أنهم هم أنفسهم قد قبلوا صراحة إمكانية الحالة الأخيرة في مقالتهم الأولى) أم لا يُفترض أن يقبل شخص ما، في منظوري الدلالات والإبستمولوجيا، رأي الحد الأدنى، لكنه في منظور الأنطولوجيا يقبل رأي الحد الأقصى؟ و... إذا كانت هذه الشقوق متصورة، فهل من رد وجهة النظر الأولى (التي ترى الإنسان محتاجاً لمراجعة النصوص الدينية في كل المجالات الثلاثة) تثبت بالضرورة وجهة النظر الدنيا (التي لا تترك مجالاً لمراجعة النصوص الدينية في أي مجال)؟ يبدو أن استخدام تعابير الحد الأدنى والحد الأقصى في موضع توجد فيه ثلاثة مكونات للحكم يجب فحص كل منها بشكل مستقل (أي أن هناك منطقياً ثمانية آراء [٨ =٢٣]) لا يفيد سوى زيادة غموض النقاش، وبرأي واحد، يقع في أحد طرفي الطيف، لا يمكن بالضرورة قبول مضمون الرأي الذي يقع في الطرف الآخر من الطيف.
أ) من منظور الدلالات
يطرحون في البداية أن "المفردات الأخلاقية لها معنى من تلقاء نفسها وباستقلال عن النصوص الدينية" ولكن بعد بضعة أسطر، ولإثبات هذا الادعاء، يتمسكون بـ "نظرية المعنى الاستعمالي" التي بموجبها "يظهر ضيق وسعة المعنى للمفردات في مجتمع لغوي، ونتيجة لذلك، يظهر استعمال المفردات في سياقات متنوعة من قبل مستخدمي اللغة." إذا تم تنحية النظرة القائمة على كل شيء أو لا شيء، والتي هي مضللة جداً في مجال تحليل الوقائع الاجتماعية، فإن النظرية التي يستندون إليها، لا تؤدي فقط إلى عدم استنتاج مدعاهم، بل ومع الالتفات إلى مباحث تحليل الخطاب، يثبت عكس مدعاهم: في القواعد المتعلقة بتحليل الخطاب يبينون أنه مع إزاحة الدوال في خطاب ما، يتغير فهم المجتمع للكلمات، لدرجة أن بعض وجهات النظر اليوم في مجال تحليل الخطاب، بدلاً من أن تكون ذات فعالية في "تحليل" الخطاب، تقدم نظريات لـ "صياغة الخطاب" (مثل وجهة نظر لاكلا- موف). الشريعة، خاصة إذا كانت متمركزة حول النص كالإسلام، (مقابل الديانة المسيحية المتمركزة حول الشخص لا النص) هي بذاتها مستخدم لغوي مهم ومؤثر، وباستخدام المفردات في سياقات مختلفة (وفقاً لنظرية المعنى الاستعمالي) تخلق سعة وضيقاً في المعنى، بل وتغييراً في المعنى، وترسم خطاباً جديداً. هذه الظاهرة كانت موضع اهتمام خاص من قبل فقهاء وأصوليي الشيعة، وأدت إلى أن يُفتح في مباحث علم أصول الفقه نقاش تحت عنوان "الحقيقة الشرعية" و "الحقيقة المتشرعة".[١]المصطلح الأول هو حيث تُستعمل الكلمة المعنية في لسان الشارع نفسه بمعنى جديد، والثاني حيث تُستعمل الكلمة المذكورة بمعنى جديد، ليس في لسان الشارع نفسه، بل في ثقافة المجتمع الإسلامي. إن ما إذا كانت جميع المفردات قابلة لهذا التغيير يمكن أن يكون محلاً للنقاش، لكن لا شك في التغيير الإجمالي لبعض المفردات، وقد أظهر السيد توشي هيكو إيزوتسو هذا الادعاء ليس فقط حول المفاهيم الأخلاقية[٢]، بل وحول مفاهيم عينية مثل "الإنسان" أيضاً[٣]. لذا حتى لو كان للعديد من الكلمات الأخلاقية دلالة خاصة قبل استقرار الشريعة في المجتمع (وهي كذلك)، فمن المحتمل تماماً أنه بعد مجيء الشريعة واستقرارها حصل تغيير في العبء الدلالي لبعضها على الأقل، بل وأضيفت مفردات جديدة إلى ساحة المفاهيم الأخلاقية للمجتمع؛ وعلى الأقل في مورد دلالة هذه المفردات لسنا في غنى عن مراجعة النصوص الدينية، إذن فالكلام عن الاستقلال الكلي للعقل في مجال الدلالات غير جائز. يعبرون عن ذلك بقولهم:
"ابتناء الدلالات الأخلاقية على الدين غير مبرر؛ لأنه ينبغي على الأقل معرفة معنى بعض المفردات الأخلاقية قبل الرجوع إلى النصوص الدينية."
بالنظر إلى سائر توضيحات الكاتب المحترم، فإن مقصوده من كون هذا الابتناء غير مبرَّر هو عدم حاجة دلالات الأخلاق إلى الدين مطلقاً؛ وهنا يمكن ملاحظة وقوعه في مغالطة الكل أو لا شيء. أي يمكن الاتفاق معه في هذا «البعض»، لكن هل «البعض» يعني «الكل»؟ كلامنا يتعلق ببقية المفردات الأخلاقية؛ فإذا كانت البقية تحتاج في معناها إلى الرجوع إلى النصوص الدينية، فإن الحديث عن استغناء دلالات الأخلاق عن الدين يصبح غير مقبول.
ب) من المنظور الأنطولوجي
الاستدلال أعلاه يُطبَّق، بالأولوية، على أنطولوجيا المفردات الأخلاقية؛ واللافت أن الكاتب المحترم نفسه يشير في مقالته الثانية إلى حالة من هذا القبيل؛ أي حالة تفضي فيها فضاءات المعرفة والتعاليم الدينية إلى اتصاف فعلٍ ما بالحُسن أو القُبح. فجملته هي: «… مسألة من قبيل زنا المحارم، التي يعتقد جمهور فقهاء الفريقين أن هذا الفعل ذو قبح أخلاقي وأن ارتكابه حرام شرعاً.» والسؤال هو: ألا يمكن، من الناحية الأنطولوجية، اعتبار القبح الأخلاقي لزنا المحارم أو اللواط ناشئاً من الدين؟ ثم إن التدقيق في الدليل المقدَّم لرد ابتناء أنطولوجيا الأخلاق على الدين يُظهر أيضاً أن النظرة القائمة على الكل أو لا شيء لا تزال مهيمنة على كلامه؛ فهو يصرح: «إذا أمر الله بتعذيب طفل بريء، فإن حدوسنا الأخلاقية تقول إن القيام بهذا الفعل خطأ.» بصرف النظر عن أن أصل المثال قابل للنقاش (وسيأتي في الفصل 2، البند 4)، ولكن بافتراض صحة المثال وأن حدوسنا الأخلاقية تصدر حكماً مستقلاً بشأن حُسن وقُبح بعض الأفعال؛ فهل يعني هذا أنها تصدر حكماً بشأن جميع الأفعال، وأنه لم يعد ممكناً أن ترسِّخ التعاليمُ الدينيةُ حُسناً أو قُبحاً أخلاقياً لفعلٍ ما (مثل زنا المحارم أو اللواط) في ساحة إدراكنا؟
ج) من المنظور الإبستمولوجي
طُرح في عباراته تصوران للنظرية الحدّية في مجال الإبستمولوجيا، وقد اختار التصور الثاني؛ ويبدو أنه وقع مرة أخرى في مأزق مغالطة الكل أو لا شيء: هل يمكن، من كون «العقل يجد في بعض الحالات تبريراً مناسباً للفعل الأخلاقي دون الرجوع إلى النصوص الدينية» (وهو كلام قابل للدفاع بالطبع)، أن نخلص منطقياً إلى أن «العقل ليس بحاجة مطلقاً إلى الرجوع إلى النصوص الدينية في هذا المجال»؟ بعبارة أخرى، في جميع الاستدلالات المؤيدة للنظرية الحدّية، قُدِّمت فقط حالاتٌ من استقلال العقل، ثم استُنتج أنه لا حاجة للعقل في أي حالة إلى الرجوع إلى الدين، وأن العقل كافٍ ومستقل في جميع الحالات؛ في حين يمكن افتراض وجهة نظر ثالثة مفادها أنه في تبرير القضايا الأخلاقية، يكون للعقل المستقل نصيب، وللدين نصيب مستقل، وهناك مجال يبدي فيه كلاهما رأيه. هذه الوجهة ليست قابلة للافتراض فحسب، بل لها مصداق في التاريخ: إنها القول الشائع لدى علماء الشيعة الذين، في الوقت الذي كانوا يقبلون فيه الحُسن والقُبح العقليين في كليات الأخلاق، كانوا يرون في الوقت نفسه أن العقل عاجز عن إدراك معظم الجزئيات ويحتاج إلى معونة الشرع (الرجوع إلى النصوص الدينية)، وكانوا بالطبع يعتقدون أن بعض توصيات الشرع هي «حكم إرشادي»، أي أنها وإن طرحها الشرع، فإن العقل يمكنه أيضاً أن يدركها مستقلاً. إن وجود وجهة نظر كهذه يُفقد أدلة الكاتب المحترم فعاليتها، لأن هذه الوجهة تقع بين وجهتي نظره القائمتين على الكل أو لا شيء، وفي حين أنها تعترف للعقل بمجال (وهو الحالات نفسها التي يعددها)، فإنها لا ترى في ذلك نفياً لضرورة الرجوع إلى النصوص الدينية.
۳) إذا ما دققنا في الجمل المنقولة عنه، نجده يطرح، تحت مسمى «نظرية الأمر الإلهي الأدنى»، وبذريعة أن بعض القائلين بهذه النظرية لديهم تقرير آخر، ما هو في الواقع «نظرية الاستغناء المطلق عن الأمر الإلهي». بمعنى أننا حتى لو قبلنا بهذا القدر من التسامح وقلنا إن «نظرية الأمر الإلهي الأدنى» تعني أن إحراز معاني المفردات الأخلاقية وكذلك تعيّن الأوصاف الأخلاقية في العالم الخارجي لا يتوقفان على تعلق إرادة الله بهما (= عدم حاجة الأخلاق إلى الدين في مجالي الدلالة والأنطولوجيا)، وأن إحراز المعرفة الأخلاقية المبرَّرة فقط هو ما يتوقف على الرجوع إلى الدين؛ فعندئذ، ومع استبعاد هذا المجال الأخير (التلقي الثاني في مجال الإبستمولوجيا)، أي مجال يبقى (ولو في حده الأدنى الممكن) للأمر الإلهي حتى نسميه «نظرية الأمر الإلهي الأدنى»؟ إذا كان الأمر كما يشرحه هو: «في هذا التلقي، لا يتبع العقل النص المقدس؛ بل يكتشف، بشكل مستقل، الصواب والخطأ الأخلاقيين، اكتشافاً يتناسب ويتلاءم مع إرادة الله وأمره»، فمع هذا الاستقلال، أي مجال يبقى للأمر الإلهي حتى يُقال إننا نقبله بوصفه المجال «الأدنى»؟
وبتعبير آخر، إن النظرية الأدنى تُبقي حداً أدنى من الاعتبار لمتعلَّقها (وهنا: الأمر الإلهي)؛ ولكن في تقريره لم يتبقَّ أي اعتبار للأمر الإلهي.[۴] من الواضح أن «الاستغناء» يختلف عن «الحاجة الدنيا»؛ فالقول بالمدخلية التامة لعقلنا في اكتشاف الصواب والخطأ الأخلاقيين، يعني أنه لا حاجة مطلقاً إلى الوحي في هذا المجال، لأن العقل أولاً مدخليته تامة، وثانياً يمتلك هذه المدخلية التامة ليس فقط في اكتشاف نفس الأحكام، بل وأكثر من ذلك في اكتشاف صواب وخطأ الأحكام التي يطرحها الوحي. وبتعبير آخر، وفقاً لهذا البيان، لا يمكن حتى أن يقول الوحي كلاماً يكون العقل إزاءه صامتاً (اصطلاحاً: ما يُعجز العقل، في مقابل ما يناقض العقل وما يقبله العقل)؛ وهذا الادعاء هو بمثابة نفي مطلق لقيمة الوحي، ولا يمكن لأي متدين أن يقول به.
لذلك، حتى لو كان إثبات «نظرية الأمر الإلهي الأدنى» ممكناً من خلال مناقشة «نظرية الأمر الإلهي الأقصى»، فإن نظرية «الاستغناء المطلق» لا يمكن إثباتها بالمناقشة المذكورة؛ لأن هذه النظرية تقف مبدئياً في مقابل كلتا النظريتين الدنيا والقصوى؛ ذلك أن مفترضها المسبق هو الاستغناء المعرفي الكامل عن الدين، في حين أن كلا النظريتين المذكورتين تقبلان أصل الحاجة المعرفية إلى الدين وتتناقشان في حدود ونطاق هذه الحاجة.
يبدو أن منشأ هذا الخلط في كلام الكاتب المحترم هو المزج بين مقام الإرادة الإلهية ومقام الأمر الإلهي؛ فهو حين يريد أن يبيّن أن «العقل يكتشف، بشكل مستقل، الصواب والخطأ الأخلاقيين» يضيف هذا التوضيح: «اكتشافاً يتناسب ويتلاءم مع إرادة الله وأمره». من كان على دراية بتحليلات علماء أصول الفقه، يدرك كيفية وقوع الخلط في هذه العبارة: مقام إرادة الله يختلف عن مقام أوامره (= الأوامر) الإلهية؛ أي أنه من الممكن أن يكون الله قد أراد شيئاً (بمعنى الإرادة التشريعية)، ولكن لم يصدر بعدُ أمرٌ وفرمانٌ من جانب الله بخصوصه.[۵] يمكن إيجاد أبسط صور هذه المسألة في الأحكام التي كانت تنزل تدريجياً؛ مثلاً في حرمة شرب الخمر، رغم أن إرادة الله تعلقت بتحريمه، إلا أن أمر الله بخصوصه لم ينزل في اليوم الأول من تبليغ الإسلام؛ وبالصدفة، فإن مسألة الحجاب التي هي محل بحثه هي من هذا النمط من الأحكام. إذا أُخذ الفرق بين الإرادة الإلهية والأمر الإلهي على محمل الجد، حينئذٍ يتضح أن «نظرية الاستغناء عن الأمر الإلهي»، التي أسماها الكاتب المحترم خطأً «نظرية الأمر الإلهي الأدنى»، لا يمكن أن تكون مقبولة على الإطلاق، على الأقل من منظور متدين.
۴) بالنظر إلى أن فقهاء الشيعة يعترفون بـ «العقل» المُفضي إلى الاطمئنان بوصفه أحد مصادر المعرفة الدينية وفي مصاف الآيات والروايات، فإن إجراء الموازنة المتأملة هو إجراء يتم في صلب عملية الفقه ذاته ولا حاجة لأن يقوم أحد بهذه الموازنة بين الفقه والأخلاق، ولكن الأهم من ذلك: أنه إذا قال أحد بـ «نظرية الاستغناء المطلق عن الأمر الإلهي»، فإنه يكون قد سد طريق «الموازنة المتأملة»، لأنه سيرفض مسبقاً كل ما لا يجد دليلاً عليه في العقل العرفي؛ وهذا هو المنطق الذي يحكم بحث المؤلف المحترم، ومن هنا فإن جملته هذه:
«وفقًا لرواية من "نظرية الحد الأدنى للأمر الإلهي" التي يعدها الكاتب مبرَّرة، فإن وزن الأحكام الفقهية في ميزان الأخلاق والاستعانة بالعقل والحدوس الأخلاقية العقلانية والعرفية، شرط ضروري لاعتبار الأحكام الفقهية مبرَّرة ولاكتشاف مراد الله في يومنا هذا»
مما يدل على موازنة أحادية الاتجاه، لا ثنائية الاتجاه (التي هي من لوازم الموازنة المتأملة)، وهي غير مقبولة إلا وفق روايته التي هي في الواقع "نظرية الاستغناء عن الأمر الإلهي"؛ ومن الجلي أن من ينكر حاجة الإنسان إلى الدين والأمر الإلهي، لا يقبل أية قضية فقهية أو دينية من حيث هي دينية. بعبارة أخرى، هذه الرؤية قابلة للدفاع عنها من قبل إنسان لاديني، لكن السؤال هو: لماذا يتوقع أن يقبلها المتدينون؟ هذه نقطة سيتم توضيحها أكثر في البحث التالي.
كما أشير، فإن إحدى المشكلات المهمة في النص الحاضر هي الإبهامات الناشئة عن ابتلائه بالاشتراك اللفظي، والتي تتجلى بشكل خاص في هذا البحث. فمثلاً، ما المقصود بالتعاليم المعيارية للدين، وهل للدين تعاليم وأوامر أخلاقية أم أن له تعاليم فقهية فقط؟ يقول في موضع ما بصراحة عن التعاليم المعيارية للدين:
«المراد بالدين في هذا السياق، الأحكام الفقهية للدين التي قد تتعارض مع التعاليم الأخلاقية.»
لكنه يقول في موضع آخر:
«الأوامر الأخلاقية الموجودة في الدين، تتداخل بشكل معتد به مع أحكام الأخلاق العلمانية؛ لكن الأحكام الفقهية، تتعارض في بعض الأحيان مع الأحكام الأخلاقية العرفية والعلمانية.»
إذا تجاوزنا هذه الإبهامات، فإن إبهامًا مهمًا آخر يُلاحظ في كلامه، وربما مهد عن غير قصد لبعض المغالطات، هو كيفية تحديد النسبة بين الفقه والأخلاق. يعرب عن أن:
«الشخص الذي يريد أن تكون له منظومة معرفية منسجمة، عليه عند حدوث التعارض، أن يلتمس توازنًا وتعاضدًا بين الأحكام الأخلاقية والأحكام الفقهية، عبر فحص الأحكام الأخلاقية وقياس النسبة بين الأحكام الفقهية والأحكام الأخلاقية»
وبناءً على هذا، أقدم على وزن الأحكام الفقهية في ميزان الأخلاق، وادعى أنه يستخدم في هذا الإجراء منهج "الموازنة المتأملة" لراولز؛ وهي موازنة «ثنائية الاتجاه، يكون فيها الذهاب والإياب بين طرفي الموازنة ضروريًا.» في هذه المرحلة، ولأنه بصدد الحكم بين الحكم الأخلاقي للحجاب وحكمه الفقهي، يتجه للوصول إلى حكم أخلاقي حول الحجاب إلى المنظومة الأخلاقية عند "روس". وفق هذه المنظومة، يمتلك البشر في ميدان الأخلاق "واجبات للوهلة الأولى" متعددة؛ لكن في مقام العمل، يتعارض عمومًا واجبان أو أكثر من "الواجبات للوهلة الأولى" مع بعضها البعض. ولإحراز "الواجب الفعلي" الذي يؤدي إلى العمل ويقوّم الفعل الأخلاقي المبرَّر، ينبغي للفاعل الأخلاقي أن يحصل على واجبه الأخلاقي باستخدام "حدوسه الأخلاقية" و"مدركاته الأخلاقية". وبالطبع، يفصل روس بين "الواجبات الأساسية للوهلة الأولى" و"الواجبات المشتقة للوهلة الأولى" التي تتكون من واجبين أو أكثر من الواجبات الأساسية للوهلة الأولى. ثم يصرح الكاتب بأن الحجاب ليس مندرجًا ضمن أي من القسمين المذكورين؛ لذا فهو ليس فعلاً أخلاقيًا في حد ذاته؛ بل هو فعل طبيعي، ولا يمكن الحديث عنه في ساحة الأخلاق إلا إذا وجد "ربطًا أخلاقيًا" بأحد قسمي الواجبات الأساسية أو المشتقة للوهلة الأولى؛ ومن وجهة نظره، لا يوجد مثل هذا الربط الأخلاقي، وهو الجزء الأخير من كلامه الذي سيتم بحثه في الفصل التالي.
حتى هذا الجزء من البحث، يمكن طرح عدة أسئلة مهمة حول رؤيته:
۱) يعتقد أن الموازنة المتأملة يجب أن تكون ثنائية الاتجاه، لكن أليس تعبيره هو وزن أحادي الاتجاه للأحكام في ميزان الأخلاق؟
۲) هل يوجد حقًا تمييز بين التعاليم الأخلاقية والتعاليم الفقهية؟ إذا كان هناك تمييز، فما الدليل على ضرورة أو حتى فائدة أن يُوزن الثاني بميزان الأول؟ أليست أدلة الكاتب نفسه في التمييز بين الفعل الطبيعي والفعل الأخلاقي، دليلًا موجّهًا لرفض دعواه هو (الذي يرى ضرورة الفحص الأخلاقي للحجاب، وقد أصدر حكمًا أخلاقيًا في شأن الحجاب وعدمه)؟
۳) إذا كان من المقرر أن تُوزن التعاليم الفقهية بالتعاليم الأخلاقية، فهل سيصدر حكم عادل بشأن السلوكيات الدينية في محكمة الأخلاق غير الدينية والعلمانية؟ هل يُعيّن في أي محكمة أحد طرفي النزاع قاضيًا؟ لو وُضع مؤشر القياس على أنه القضايا الأخلاقية السابقة على الثقافات الخاصة (ما يُصطلح عليه بالأخلاق الكونية)، لربما كان قابلًا للدفاع؛ لكن لماذا صارت الأخلاق العلمانية، أي الأخلاق السائدة في الثقافات غير الدينية أو المعادية للدين والتي لا تملك منطقيًا أي أولوية أخلاقية على الثقافة الدينية، معيارًا للتحقق من صحة التعاليم الدينية؟
٤) أليس الافتراض المسبق بإمكانية وزن الحكم الفقهي في ميزان الأخلاق - سواء في الأخلاق الكونية، أو في المنظومة الأخلاقية لراولز، الذي يرى أن ميزان الأخلاق هو العقل العرفي العلماني - إنكارًا للنبوة؟ بتعبير آخر، هل يمكن، مع افتراض مسبق قائم على إنكار النبوة، أن تكون هناك توصية للمتدينين (سواء أكانوا معرفة اندیش أم معیشة اندیش)؟
۱) ورد هنا ادعاءان، أحدهما صحيح لكن لا ثمرة له في استنتاجات الكاتب، والآخر غير صائب وقد صار مقدمة لاستنتاجاته. ما هو صحيح وقابل للدفاع هو أن:
«الشخص الذي يريد أن تكون له منظومة معرفية منسجمة، لا يمكن أن يعاني من تعارض في مجالاته المعرفية ومعتقداته المختلفة. مثل هذا الشخص، إذا واجه تعارضًا في مجال الأحكام الفقهية والأحكام الأخلاقية في حياته، ينبغي له، بفحص الأحكام الأخلاقية وقياس النسبة بين الأحكام الفقهية والأحكام الأخلاقية، أن يلتمس توازنًا وتعاضدًا بين هذين الاثنين.»
لكن من العجيب أن الكاتب، رغم تصريحه بأن «هذه الموازنة المتأملة ذات اتجاهين، وفيها يكون الذهاب والإياب بين طرفي الموازنة ضروريًا»، إلا أنه يتابع قائلًا:
«مقتضى هذا الكلام هو أنه يجب وزن الأحكام الفقهية في ميزان الأخلاق، واعتبار الأحكام التي تكون مقيدة بالقيود الأخلاقية وليست مصداقًا لنقض العدالة والكرامة الإنسانية في يومنا هذا، أحكامًا مبررة.»
مهما تأمل المرء لا يدرك كيف يمكن من ضرورة الذهاب والإياب ذي الاتجاهين أن يُستنتج لزوم الفحص أحادي الاتجاه؛ ومن العجيب أنه من عنوان المقال الأول وحتى نهاية المقال الثاني، يستمر هذا الوزن أحادي الاتجاه تمامًا! حقًا، ما العلاقة بين وزنه أحادي الاتجاه والموازنة المتأملة عند راولز، ومدرسة «الانسجامية - التأسيسية المعتدلة»، اللتين تؤكدان كلتاهما على كون الفحص ذا اتجاهين؟ وأساسًا، ما الثمرة من الإشارة إلى الموازنة المتأملة والمدرسة المذكورة في مقاله؟
۲) لنفترض أن الكاتب لا يريد أساسًا أن يستخدم المدرسة المذكورة ومنهج راولز ذا الاتجاهين، بل يقصد أن يضع الأحكام في ميزان الأخلاق بشكل أحادي الجانب تمامًا. أول سؤال يطرح نفسه هو: ما ضرورة هذا الوزن أو على الأقل ما فائدته؟ كلام راولز واضح تمامًا: من نشأ لديه تعارض في معتقداته المختلفة يجب أن يقيم موازنة بينها؛ أما بخصوص من لم ينشأ لديه مثل هذا التعارض، فأي إصرار على أن نأخذ مجموعة من تعاليمه إلى محكمة يكون قاضيها هو الطرف الآخر في الدعوى، ومن المعلوم مسبقًا ما هو حكمه؟![۶]
أي أنه قد حدث خلطان في البحث هنا: الأول، هل يوجد منطقيًا تمييز بين التعاليم الأخلاقية والتعاليم الفقهية أم لا؟ إذا كان هناك تمييز، فأي إصرار على أن يُوزن الثاني حتمًا بميزان الأول؟ وثانيًا، إذا كان من المقرر أن يُوزن، فلماذا بالأخلاق العلمانية؟ يبدو أن الكاتب المحترم قد انتبه إلى الإشكال الأول، لأنه في المقال الثاني، بعد أن أكد أنه «يمكن ويجب وزن هذا الحكم الفقهي [الحجاب] في ميزان الأخلاق»، قال:
«قد يتبادر إلى ذهن البعض سؤال مفاده أن مسألة الحجاب لها جانب فقهي، ومن ثم لا يمكن ولا ينبغي الحديث عنها من منظور أخلاقي»
لكن يبدو أنهم قدّموا توضيحًا في الرد على هذا الإشكال، يثبّت الإشكال تمامًا ويدحض موقفهم. وتفصيل الأمر هو: أنهم بعد الإشارة إلى الفرق بين «المفاهيم الأخلاقية الثخينة» (كالعدالة، والظلم، والرأفة، والوفاء) و«المفاهيم الأخلاقية الخفيفة» (كالحسن، والقبح، والوجوب، والحرمة) والفرق بين هذين و«الفعل الطبيعي» (كالأكل، والشرب، والضحك)، اعتبروا «الحجاب» [كمفهوم فقهي] فعلًا طبيعيًا، وصرّحوا بأن:
«حيثما تكون للأفعال الطبيعية صلة أخلاقية، فإنها تندرج أولًا تحت أحد المفاهيم الأخلاقية الثخينة، ثم تُتّصف بأحد المفاهيم الأخلاقية الخفيفة كالحسن والقبح والوجوب والحرمة...»؛ و«يمكن الحديث عن هذا الفعل الطبيعي في حقل الأخلاق عندما يندرج تحت المقولات الأخلاقية.»
جملتهم الأخيرة (يمكن الحديث عن هذا الفعل الطبيعي...) تظهر أنه حتى لو سايرناهم ووضعنا الحجاب (كحكم فقهي) في مصاف الأفعال الطبيعية، فليس فقط جملتهم الابتدائية (يمكن و«ينبغي» وزن هذا الحكم الفقهي [الحجاب] بميزان الأخلاق) غير صحيحة، وليس فحص الحجاب في ميزان الأخلاق فيه «وجوب» و«ضرورة»، بل إن هذا الفحص لا «يجوز» إلا إذا اندرج الحجاب تحت عنوان أخلاقي.
دققوا: الحديث عن أخلاقية فعل طبيعي من عدمها، وفق توضيحهم، جائز حين يجد صلة أخلاقية؛ وكل همّهم في مواصلة النقاش هو إظهار أن الحجاب لا يجد صلة بأي عنوان أخلاقي (كالعفة مثلًا). فإذا صحّ ادعاؤهم هذا (بأن الحجاب لا صلة أخلاقية له)، فإن لازم هذا الكلام هو عكس مقصودهم تمامًا، وفي الواقع، دحض لدعواهم الأساسية (ضرورة بحث الحجاب من زاوية الأخلاق). لقد انصبّ كل همّهم في هاتين المقالتين على إظهار ضرورة تناول مسألة الحجاب من زاوية الأخلاق، وإصدار حكم أخلاقي مفاده: «إن عدم الحجاب جائز أخلاقيًا ولا إشكال فيه»؛ ولكن وفقًا للبيان أعلاه، إذا لم يجد الحجاب صلة بأي عنوان أخلاقي، فلازم ذلك أنه لا يمكن إصدار أي حكم أخلاقي (جوازًا أو عدم جواز) بشأن الحجاب أصلًا؛ وإذا كان لا يمكن إصدار مثل هذا الحكم الأخلاقي بشأن الحجاب، فما معنى كتابة مقالة بعنوان «الحجاب في ميزان الأخلاق» ثم التبرير الأخلاقي لعدم الحجاب؟
لعلهم يجيبون بأن مقصودي من عبارة «عدم الحجاب لا إشكال فيه»، هو عدم وجود حكم أخلاقي للحجاب ذاته؛ لا أن تُعتبر هذه الجملة حكمًا أخلاقيًا. إذا كان هذا ما قصدوه، فيجب القول إن هذا أيضًا من المواضع التي استُعمل فيها تعبير «اللاأخلاقي» في بحثهم باشتراك لفظي. المعنيان المستعملان هنا باشتراك لفظي هما: «ما لا صلة له بالأخلاق» و«الجائز من الناحية الأخلاقية». المعنى الأول يُخرج المصداق المبحوث من ساحة إبداء الرأي الأخلاقي، بينما المعنى الثاني يجعله قابلًا لإبداء الرأي الأخلاقي، ويُعلن بالطبع أن الفتوى الأخلاقية المتعلقة به هي «الجواز» و«الإباحة»؛ ومن الواضح أن الحكم بـ«الجواز الأخلاقي» و«الإباحة الأخلاقية» هو حكم على شيء يمتلك قابلية إبداء الرأي الأخلاقي.[٧] إذا كان مقصودهم حقًا هو عدم وجود أي حكم أخلاقي لعدم الحجاب، وليس تقديم هذا الحكم الأخلاقي بأن «عدم الحجاب لا إشكال فيه أخلاقيًا»؛ فلازم هذا الكلام حينئذ أن مسألة الحجاب وعدم الحجاب نفسها لا تمتلك قابلية إبداء الرأي من الناحية الأخلاقية، وأن تبقى مسكوتًا عنها أخلاقيًا؛ في حين أن كل مسعاهم في هاتين المقالتين هو طرح ليس فقط إمكانية، بل ضرورة إبداء الرأي الأخلاقي بشأن الحجاب وعدم الحجاب، وإقناع المخاطب بأن عدم الحجاب جائز أخلاقيًا ولا إشكال فيه، وأن المرأة المسلمة غير المحجبة لا ينبغي ذمّها أخلاقيًا.[٨]
۳) مع أن الإشكال أعلاه يكفي وحده لرد دعوى هذه المقالة، إلا أننا نفترض أنه تراجع عن موقفه وقبل رأيي المتواضع، كما سيتبين لاحقاً في سياق النقاش، بأن الحجاب نفسه قابل للحكم الأخلاقي. لكن يبقى عليه إشكال آخر وهو لماذا اختزل «الأخلاق الكونية» إلى مستوى «الأخلاق العلمانية»: إذا أردنا إصدار حكم على السلوكيات الأخلاقية في مجتمع معين، فعلينا إما أن نعتمد على معايير ذلك المجتمع نفسه، أو على المعايير الكونية (أي المعايير الأخلاقية المتعالية على الثقافات الخاصة)؛ ومن الواضح أنه من غير الجائز اتخاذ المعايير غير الكونية والخاصة بمجتمع ما معياراً لقياس سلوكيات مجتمع آخر؛ وهذا للأسف ما حدث في هذه المقالة. فهو في مواضع عديدة يحكم على الأحكام الفقهية بالأخلاق العلمانية (لا الأخلاق الدينية، ولا الأخلاق الكونية). تأملوا في عباراته:
«بعض الأحكام الفقهية مثل «الرجم» و«الردة» لا تنسجم مع منجزات الأخلاق العلمانية.»
هذا القول يشبه أن نقول «بعض الأحكام المدنية في المجتمع الهندي لا تنسجم مع بعض معايير المجتمع الإسباني.» فهل معايير المجتمع الإسباني بالضرورة أسمى من معايير المجتمع الهندي التي أنتجت تلك القوانين المدنية؟! بعبارة أخرى، إذا تبين أن الأحكام المدنية للمجتمع الهندي لا تنسجم مع بعض المعايير الكونية أو بعض معايير هذا المجتمع نفسه، فهذا يُعد ضعفاً ويجب إصلاحه بمقاربة التوازن التأملي؛ أما أن تُقاس قوانين مجتمع بمعايير خاصة بمجتمع آخر، فهذا أمر لا يصح.
قد يقدم هو ردين على ذلك. الأول أن يقول إنني لا أعني بالأخلاق العلمانية الأخلاق السائدة والمقبولة في المجتمعات العلمانية (أي المجتمعات القائمة حالياً وذات التعين الثقافي الخاص)، بل أعني بها الأخلاق الكونية التي تُطرح للإنسان بما هو إنسان (بتعبيره: الناظر المثالي) قبل أي تعين ثقافي خاص. هذا الادعاء جيد، لكنه يسلب منه جميع أمثلته، ومنها ادعاءاته بشأن عدم كون عدم ارتداء الحجاب فعلاً غير أخلاقي؛ ويحول في الواقع ادعاءاته إلى ادعاءات بلا دليل؛ ويعيده بعبارة أخرى إلى مهاوي مغالطة الاشتراك اللفظي، لأنه قصد بكلمة «الأخلاق العلمانية» أولاً «الأخلاق الكونية»، لكنه استند إلى مصاديق «الأخلاق الخاصة بالمجتمعات غير الدينية».
أما رده الثاني فيمكن أن يكون أنه بما أن الدين يأتي بمعايير خاصة، فإن معايير المجتمع العلماني (اللاديني) هي نفسها المعايير الكونية. يواجه هذا الرد تحديين: الأول تحدي تجريبي، أي أن التجربة التاريخية أظهرت أن كل ما عدده من أمور، كان نقيضه سائداً كمعيار مقبول في كثير من المجتمعات الأخرى، وبالتالي فإن الكثير من معايير الأخلاق العلمانية الراهنة ليست كونية؛ وثانياً أنه افترض أن الإنسان لا يتصرف إلا بناءً على العقل، وأن الشيء الوحيد الذي يقف في وجه المعايير العقلية هو الدين، وأن المجتمع إذا كان علمانياً ولادينياً فحتماً ستكون معاييره هي الأخلاقيات العقلية الخالصة. وفساد هذا التصور واضح تماماً، والجميع يعلم أن معايير الإنسان تقع تحت تأثير عشرات العوامل، من الشهوة إلى السلطة والتعلق بالأسلاف... إلخ. الخلاصة أنه مقبول أنه «عند حدوث التعارض، ينبغي على الشخص الذي يريد أن يحتفظ بمنظومة معرفية متماسكة، أن يبحث عن توازن وتعادل بين الأحكام الفقهية والأحكام الأخلاقية، وذلك بفحص الأحكام الأخلاقية وقياس النسب بين الأحكام الفقهية والأحكام الأخلاقية.» لكن بشرط أن يحدث التعارض داخل ثقافة واحدة، أو على الأقل تعارض بين أحكام داخل الثقافة وأحكام كونية؛ أما أن نوحي لمجتمعنا بأنكم تعانون من التعارض بسبب جعلنا للثقافات الأجنبية أصلاً، ثم نرجح أحكام تلك الثقافة الخاصة على أحكام ثقافة مجتمعنا بحجة رفع التعارض، فهذا أمر لا يمكن الدفاع عنه.
٤) والأهم من جميع الإشكالات السابقة أن الافتراض المسبق لكل هذه النقاشات هو إنكار النبوة، أي أن تقييم التعاليم الفقهية في ميزان الأخلاق العلمانية (وحتى الأخلاق الكونية) ناتج عن تصور ينكر النبوة في جوهره. وتوضيح الأمر أن أساس التدين يكمن في قبول الإنسان أنه بالإضافة إلى القضايا المعقولة (التي يستطيع عقله فحصها وقبولها) والقضايا المنافية للعقل (التي ينكرها عقله)، هناك أيضًا مجالات عقلية غائبة؛ أي أن لدينا مجالًا في حياتنا يكون العقل تجاهه، على الأقل في بداية حركته،[٩] صامتًا وبلا معلومات؛ وقد يقوم في البداية ببعض التخمينات، لكنه لا يمتلك معرفة يقينية بتلك التخمينات. ويبدو أن القرآن الكريم في الآية ٢١٦ من سورة البقرة[١٠] يشير بعبارة بسيطة إلى هذه الحقيقة (التي تعد دليلًا تجريبيًا وموضوعيًا وقابلًا للتحصيل للجميع بشأن ضرورة النبوة): لقد حدث لكل واحد منا مرارًا أن أحب شيئًا ما ورأى أن الوصول إليه خير، أو العكس، لكن بعد تجربته، أدركنا أننا لم نكن نعرف الحقيقة في ذلك الأمر وكنا مخطئين. ومن ناحية أخرى، يجد كل إنسان في داخله أنه يرغب في معرفة إجابة هذه الأمور قبل تجربتها؛ وإذا كان هناك إله، وهو موجود، فهو يعلم ما لا نعلمه؛ والنبوة تعني أن هذا الإله الرحيم يطلعنا على هذه المطالب؛ والتدين يعني الثقة بكلام الله أكثر من تخميناتنا الشخصية. وإذا دققنا النظر، فإن الأمثلة التي طُرحت في المقالات المذكورة لعدم لزوم الامتثال لجميع الأوامر الإلهية، إما أنها تخالف الفطرة الإنسانية بوضوح شديد بحيث من البديهي أن مثل هذا الأمر لا يوجد في الأوامر الإلهية (مثل أن "يأمر الله بتعذيب طفل بريء")، أو أنها مجرد أمور عورضت في بعض المجتمعات الحديثة (مثل حكم الرجم) وذلك في سياق افترض منذ البداية عدم معقولية الدين وبطلانه. هل هناك دليل على عدم مشروعية حكم الرجم لشخص مارس اللواط علنًا بحيث شاهده أربعة أفراد عدول على الأقل أثناء الفعل وشهدوا ضده في المحكمة، أكثر من أننا لا يعجبنا حاليًا تنفيذ هذا الحكم وأنه غير مشروع وفقًا لتخميناتنا الحالية (عسى أن تكرهوا شيئًا)؟
علاوة على ذلك، فإن المنظومة الأخلاقية عند روس، التي استُخدمت كنظام أخلاقي مرغوب لديه للقياس، كما شرحها، لا تعتبر فعلًا أخلاقيًا إلا ما كان من سنخ "الواجبات في النظر الأول" (الأساسية أو المشتقة). هذه المنظومة تستلزم إنكار النبوة من جهتين؛ وبالتالي لا تصلح للحكم على الأخلاق الدينية (لأن القاضي لا ينبغي أن يكون لديه حكم مخالف مسبقًا). أولًا، في هذه المنظومة، تُعتبر "الواجبات في النظر الأول" فقط واجبًا أخلاقيًا؛ وهذه الواجبات تُستند فقط إلى الحدس الأخلاقي والإدراك الأخلاقي للفرد نفسه؛ بينما فرض النبوة والتدين، حتى في فضاء التدين الأدنى،[١١] يكمن في قبول الإنسان لوجود واجبات عقلية غائبة (يكون العقل صامتًا تجاهها بدايةً، لكنه لا ينفي إمكانية كونها خيرًا أو شرًا)؛ أي أن المتدين يعتقد بوجود واجبات قد لا تخضع بدايةً وبشكل مستقل لحدسي الأخلاقي؛ ولأجل هذه الأمور العقلية الغائبة بالتحديد يصبح قبول الدين الإلهي واتباعه ضروريًا؛ إذن فالمنظومة الأخلاقية عند روس لا تمتلك بالضرورة القدرة على تحديد جميع الأحكام الأخلاقية.
ثانيًا، القائمة التي يقدمها روس عن «الواجبات الأولية الأساسية» هي بالكامل قائمة النظام الأخلاقي لمجتمع علماني خاص (وليس للأخلاقيات الكونية)؛ حيث لا مكانة أخلاقية للواجبات الدينية المحضة (كالصلاة) ولا يمكن أن تكون لها مكانة. هذه القائمة تختلف عن القائمة التي يمكن تقديمها حول «الواجبات الأولية الأساسية» في خطاب مجتمع ديني. السؤال هو: لماذا ينبغي علينا، كمجتمع ديني، أن نلتزم بهذه القائمة من «الواجبات الأولية الأساسية»؟ لماذا، حتى لو قبلنا أساس ذلك الجهاز (أي فكرة الواجبات الأولية) ولكننا لم نقبل قائمة روس «للواجبات الأولية الأساسية» على ذلك النحو، وقمنا – بناءً على تحليل لا يريد أن يجعل معياره المجتمع العلماني – بحذف بعض البنود من تلك القائمة أو الإضافة إليها، يكون رأينا بالضرورة خاطئًا؟ على سبيل المثال، إذا أردنا أن نتحدث بناءً على أدبيات «الواجبات الأولية»، يبدو أن هناك شواهد عديدة على أن مفهوم «الحياء» في الخطاب الديني، بل وفي الأخلاق الكونية، (وهو قريب جدًا من مفهوم «العفة» لكنه، خلافًا للعفة، لا ينحصر في مجال المسائل الجنسية) يندرج ضمن «الواجبات الأولية الأساسية»، لا ضمن «الواجبات الأولية المشتقة». إذن، قبولنا لنظام روس بالكامل، حتى في تفاصيله العلمانية، ووزن أحكام الدين في ذلك القالب، أمر لا يمكن الدفاع عنه.
قد يقول هو: «إنني أتحدث إليكم من موقع خارج الدين، موقع لا يعتقد بالنبوة». في هذه الحالة ينبغي القول: أولاً، من الضروري دراسة مدى قابلية تلك القائمة للدفاع عنها من وجهة نظر الناظر المثالي (لا الناظر الذي جعل أخلاق المجتمعات العلمانية أصلاً)؛ وثانيًا، في هذه الحالة يكون مخاطبوكم بالضرورة هم البشر العلمانيين واللادينيين[١٢]، لا المتدينين من ذوي التفكير المعرفي أو التفكير المعيشي (رغم أن هذين التعبيرين أيضًا شديدا الغموض، وبالطبع متحيزان).
كما أشير، فإن الكاتب المحترم بعد أن أفتى بضرورة وزن الأحكام الفقهية في ميزان الأخلاق، استخدم «الجهاز الأخلاقي لروس» لهذا الوزن. ورغم أن المناقشات السابقة أظهرت أن أصل الوزن المذكور فيه إشكال، وأن جهاز روس الأخلاقي لا يمتلك القدرة على هكذا وزن؛ إلا أنه يمكن أن نبين أن استخدام الجهاز المذكور أيضًا ليس فقط لا يؤمن رأي الكاتب المحترم، بل هو ضده. لذا، نعرض أولاً استدلاله، ثم نقدم نقده وتقييمه:
يذهب الكاتب لوزن حكم الحجاب أخلاقيًا إلى إثبات أن «عدم تغطية الشعر والرقبة» لا يتضمن انتهاك أي من «الواجبات الأولية الأساسية» و«الواجبات الأولية المشتقة». ولهذا الغرض، يعرّف ماهية الحجاب بأنها مسألة فقهية وهوياتية (وليس واجبًا أخلاقيًا)؛ ويقدمها على أنها من سنخ الأفعال الطبيعية (مثل الأكل والشرب) التي لا تخضع بذاتها لأي حكم أخلاقي، وللحكم الأخلاقي عليها لا بد بالضرورة أن تجد رابطًا أخلاقيًا؛ أي أن ترتبط بعناوين أخلاقية أخرى. ومن بين العناوين الأخلاقية، برأيه، العنوان الوحيد الذي يمكن أن يرتبط بالحجاب هو عنوان «العفة». وهو يعرّف «العفة» بأنها «واجب أولي مشتق» حصل من تركيب ثلاثة واجبات هي «الوفاء»، و«تحسين الذات»، و«عدم إلحاق الضرر بالآخرين». ثم يبين أن مراعاة الحجاب العرفي، الذي يشمل بالإضافة إلى الستر العرفي، الاستفادة من الكلام والسلوك المناسب والرصين والإنساني في تنظيم العلاقة مع الجنس المخالف، ضروري أخلاقيًا والعدول عنه فعل غير أخلاقي؛ ولكن حول حدود الستر ومقداره هناك اختلاف في الرأي، وللمؤثرات الثقافية والإقليمية والتربوية والنفسية... إلخ دخل في ذلك؛ وبما أن عدم تغطية الشعر والرقبة في العرف اليوم لا يُعد خلافًا للعفة، إذن فهذا العمل ليس سلوكًا غير أخلاقي وليس فيه قبح أخلاقي.
ويأتي الكاتب، إضافة إلى ما سبق، بشاهد على عدم التلازم بين العفة وتغطية الرقبة وشعر الرأس، وهو أنه يمكن تصور أن شخصًا يغطي رقبته وشعر رأسه، ولكن في تنظيم علاقته مع الجنس المخالف، يسلك سلوكًا غير عفيف؛ أو أن شخصًا لا يغطي رقبته وشعر رأسه ويسلك سلوكًا عفيفًا.
من مباحث مقالته الثانية يمكن استخلاص تبيين ثانٍ بشكل ضمني، وهو أن «منع الرجل من الشهوانية» لا يمكن اعتباره دليلاً على أخلاقية الحجاب؛ لأنه من وجهة نظره، أولاً:
«لو كان هناك اعتبار أخلاقي هنا، وكان عدم تغطية العنق وشعر الرأس يوفر أسباب الإثارة الجنسية الحتمية للرجال ويمهد للفساد في المجتمع؛ لكان بالإمكان التساؤل لماذا لم يرد هذا الحكم على الإطلاق لجميع النساء المسلمات، وأُعفيت النساء الإماء من تغطية شعر الرأس والعنق؟»
وثانياً يعتبرون هذه الضابطة نوعاً من الفرض غير المشروع على النساء، لأنه:
«إذا كانت مراعاة أحوال الرجال هي فقط ما يُنظر إليه، ونطلب من النساء أن يسترن أنفسهن كي لا يُفتتن الرجال؛ فيمكن الافتراض أن عملية مقدار تستر المرأة لن يكون لها حد تتوقف عنده، وقد يأتي يوم يُفتتن فيه بعض الرجال حتى برؤية وجوه النساء المحجبات. ومقتضى هذا الكلام أنه لمراعاة أحوال هؤلاء الرجال بهذه النظرة، على النساء أن يسترن وجوههن بالكامل، وفي المرحلة التالية ألا يخرجن من المنزل، وألا يقعن في مرأى ومنظر الرجال الأجانب وألا يظهرن.»
في دراسة آرائه، يمكن طرح عدة مسائل:
۱) هل الحجاب فعل طبيعي، بحيث يجب بالضرورة أن يُدرج تحت عناوين أخلاقية أخرى للحكم الأخلاقي عليه؟
۲) إذا كان يجب دراسة الحجاب تحت عنوان العفة، وكانت للمكونات الثقافية والمناخية والتربوية والنفسية... مدخلية في حدود ونطاق ومقدار الستر، فعُرف أي ثقافة ومناخ يجب أن يحدد حدود ونطاق الستر لمجتمع ديني؟
۳) هل العنوان الأخلاقي الوحيد المرتبط بالحجاب هو عنوان «العفة»؟
٤) ما هي مكانة منع شهوانية الرجال في فلسفة الحجاب، وهل طرح المسألة من هذه الزاوية هو فرض غير مشروع على النساء؟
٥) هل الحجاب مجرد مسألة فقهية وهوياتية، وليس أخلاقياً؟ وهل أساساً كون المسألة فقهية أو هوياتية لا يستتبع ربطاً ونسبة أخلاقية؟
٦) هل الحكم بأن سلوك عدم الحجاب للمرأة المسلمة غير أخلاقي يعني أنها غير أخلاقية بالكامل؟
۱) كما أشير، على الرغم من أن المنظومة الأخلاقية عند راس قاصرة عن دراسة الأخلاق الدينية، إلا أنه يمكن إثبات أنه حتى بتلك المنظومة الأخلاقية، فإن عدم الحجاب للمرأة المسلمة ليس جائزاً أخلاقياً. النقطة الأولى هي هل أن تعليم «الحجاب» هو مجرد فعل طبيعي، بحيث يجب بالضرورة أن يُدرج تحت عناوين أخلاقية أخرى للحكم الأخلاقي عليه؟ أم يمكن أن يكون مشمولاً بالحكم الأخلاقي بذاته؟
يبدو أنه في كلامه هذا حيث يقول:
«مراعاة الحجاب العرفي، الذي يشمل بالإضافة إلى الستر العرفي، الاستفادة من الكلام والسلوك المناسب والرزين والإنساني في تنظيم العلاقة مع الجنس المخالف، ضروري أخلاقياً»،
وقع الخلط بين «الحجاب» و«العفة»؛ وإذا تم منع هذا الخلط في الموضوع – حتى بالتدقيق في لوازم استدلال الكاتب المحترم – يمكن إدراك أن الحجاب نفسه (بمعنى الستر) عنوان أخلاقي مستقل؛ وإن كان قريباً جداً ومترابطاً مع عناوين مثل العفة.
توضيح المطلب أن كلمة «الحجاب» التي هي محط البحث اليوم، هي في الأساس نقاش حول «الغطاء الخارجي» الذي يُعبَّر عنه في الأدبيات الفقهية بمصطلح «الستر»؛[۱۳] وهذا المصطلح يتعلق أساسًا بمفهوم تغطية أعضاء الجسد؛ ولا علاقة له بـ«الكلام» ولا بـ«السلوكيات غير المرتبطة بالتغطية». لذا فإن تعبير «استخدام الكلام والسلوك المناسب والرزين والإنساني في تنظيم العلاقة مع الجنس الآخر» (الذي أورده الكاتب المحترم لشرح الحجاب) هو في الأساس شرح لمفهوم العفة لا لمفهوم الحجاب؛ فمثلًا قد يقوم شخص ما بتغطية جميع أعضاء جسده (حتى وجهه) تغطية كاملة، لكنه لا يتحلى مثلًا بكلام رزين. هنا يمكن القول: «إن غطاءه وحجابه كاملان الآن، ولكن كلامه ليس عفيفًا.»
والآن إذا أُخذ هذا الفرق المعنوي بين العفة والحجاب على محمل الجد، فبالتدقيق في لوازم كلامه يمكن أن نبين أن بحث «الغطاء» نفسه يمكن أن يُلاحظ تحت عنوان أخلاقي (طبعًا في حدود ما يسميه هو «المفاهيم الأخلاقية الغليظة») فلننتبه إلى عبارته:
«إن حدوسنا الأخلاقية تقول إن نفس كون جسد الرجل والمرأة مغطى، على الأقل أجزاء منه، له صلة أخلاقية.»
ثم يشير إلى ضرورة «ستر العورة وتغطية الأعضاء التناسلية» وهو ما يتعلق بالعفة طبعًا. لا جدال في أن هذا المقدار من الغطاء يتعلق بالعفة؛ ولكن هل ما ينتج عن حدوسنا الأخلاقية بشأن «نفس كون الجسد مغطى» هو هذا المقدار فقط؟ هل بحسب حدوسنا الأخلاقية، إذا كان لدى شخص ما غطاء بمقدار ستر العورة فقط (وليس أكثر من ذلك قيد أنملة)، فهل لا يكون قد ارتكب فعلًا قبيحًا؟! حتى لو أردنا أن نجعل العرف معيارًا مثلما يفعل هو، فلا يزال يبدو واضحًا أن مقدار الغطاء الذي يقبله العرف لكون فعل الفرد أخلاقيًا هو أكثر من هذا الحد، فمثلًا العرف العام في شرحه لفعل رجل يخرج من المنزل بأقل قدر من الملابس الداخلية، لا يشير بالضرورة إلى عدم عفته، بل يستخدم تعابير مثل «قليل الحياء» و«عديم الثقافة» (بحمولة معنوية من الذم الأخلاقي).
۲) يقول في استمرار للنقاش أعلاه: «هناك اختلاف في الرأي حول حدود الغطاء وثغوره ومقداره، وللمؤثرات الثقافية والإقليمية والتربوية والنفسية... مدخلية في ذلك.» والسؤال هو: هل بقي ملتزمًا بلوازم كلامه (مدخلية المؤثرات المذكورة في مقدار الغطاء)؟ إذا كان مخاطب بحثنا هم المسلمون (بتعبيره: المتدينون أصحاب الفكر المعيشي وأصحاب الفكر المعرفي)، فعرف أي ثقافة وإقليم يجب أن يحدد حدود وثغور غطاء مجتمعهم (أي المجتمع الإسلامي)؟ أعرف المجتمعات الإسلامية أم عرف المجتمعات غير الإسلامية؟ إنه يدّعي ببساطة أنه في العرف الحالي، لا قبح أخلاقي في كشف الرقبة وشعر الرأس؛ ولكن عرف من هذا؟ إذا كانت المؤثرات الثقافية والإقليمية والتربوية والنفسية متدخلة في الأعراف، فهل يمكن الحديث بشكل كلي وعالمي عن «العرف الحالي»؟ صحيح أنه يوجد مثل هذا العرف في المجتمعات الغربية وبين بعض المسلمين الذين لا يملكون تقيدًا وتعلقًا جادًا بتعاليم الإسلام؛ ولكن لماذا يجب أن نصف هذا العرف للمسلمين الذين يريدون أن يبقوا مسلمين حقًا، ثم نصنفهم تحت عنوان المتدينين أصحاب الفكر المعيشي، بدرجة أدنى من المتدينين أصحاب الفكر المعرفي؟ أليس من الأفضل بدل تعبير المتدينين أصحاب الفكر المعرفي، أن يُستخدم في حق الذين لا يكترثون بالأحكام الفقهية،[۱۴] تعبير المتدينين غير المكترثين بالمعرفة الدينية الحقيقية؟ إذا كان أحدهم لديه همّ معرفي، فإنه يلتزم بلوازم تلك المعرفة. إذا كنت متدينًا عن عقلانية وعن معرفة، (حتى في فرض الدين الأدنى) فقد قبلت الضوابط التي يقترحها الدين لحياتي وألتزم بها؛ فهل من المعقول حينئذ أن أتجاهل، بحجة أن المعرفة الدينية فقط هي المهمة بالنسبة لي، السلوكيات التي هي من لوازم هذه المعرفة، وأن أجعل عرف الذين لا يتقيدون بهذه السلوكيات أساسًا لاتخاذ قراري؟!
من المحتمل أن يجيب هو بالقول: بما أنني قد بيّنتُ عدم إجماع الفقهاء وعلماء الدين على الحدّ المتعارف للحجاب في المجتمعات الإسلامية، فإن المسلمين غير الملتزمين بهذا الحجاب يمكنهم اتّباع هذا التفسير للدين، وبالتالي يُعتبر عرفهم عرفاً إسلامياً، ومن ثمّ فإن فعلهم ليس بالضرورة مخالفاً لعرف المسلمين. ومع أن دعوى عدم الإجماع هذه ستُواجه بالنقد في الفصل الخامس من البحث، إلا أنه حتى بافتراض عدم ورود ذلك النقد، فإن هذا الجواب يظل غير مقبول؛ أولاً لأن كثيراً من المسلمين الذين لا يراعون حجاب الشعر والعنق ليسوا على اطلاع أصلاً بوجود الأشخاص الذين يستند إليهم، ولا بآرائهم، وليس الأمر أنهم لجأوا إلى هذا الفعل بمراجعة باحث في الإسلام – حتى لو كانوا ممن يشكّ المتخصصون في مجالات الدراسات الإسلامية في تخصصهم – حتى يُعتبر عرفهم هذا عرفاً إسلامياً؛ وثانياً، هل العرف في مجتمع ما يعني قبول جميع أفراده له بنسبة مئة بالمئة؟ إن الكاتب المحترم، كي يُظهر أن ستر العورة فعل أخلاقي مقبول عرفاً، يستخدم تعبير: «كثير من البشر يعتقدون أن ستر العورة وتغطية الأعضاء الجنسية أمر واجب وضروري». إن استخدام تعبير «كثير» يعني أنه يسلّم بوجود من لا يرون هذا الفعل واجباً وضرورياً، ولكن في الوقت نفسه، فإن وجود هؤلاء، لكونهم أقلية، لا يضرّ بإمكانية إعلان أن لزوم ستر العورة مقبول عرفاً. ومع هذا الوصف، حتى لو افترضنا أن تلك القلة من الباحثين في الإسلام الذين يقصدهم الكاتب هم فعلاً باحثون في الإسلام، وأن كلامهم مستند فعلاً إلى الإسلام، فهل تقلّتهم إزاء الكثرة التي لا تُقارن من الباحثين في الإسلام من الشيعة والسنة على امتداد التاريخ الإسلامي، تخلّ بـ«عرف» الباحثين في الإسلام، وبالتالي بالعرف الإسلامي؟ أليست كثرة الباحثين في الإسلام القائلين بلزوم تغطية الشعر والعنق، مقارنة بالباحثين في الإسلام الذين يدّعيهم، أقلّ من كثرة القائلين بلزوم ستر العورة إزاء القائلين بعدم لزومه؟ إذا كان العرف يتحقق بهذه النسبة السكانية، ولا يخلّ به ذكر بضعة استثناءات، فإن عين هذا الكلام يسري على العرف الديني أيضاً. إذن، فعلى الأقل بالنسبة للمسلمين، فإن عدم الحجاب في حدود العنق وشعر الرأس، وفقاً لمبناه، هو خلاف العفة لأنه خلاف عرف المجتمع الإسلامي الملتزم بإسلاميته[۱۵].
۳) لنفترض أنه تمّ قبول حيادية مفهوم الستر من الناحية الأخلاقية، وأنه لكي يُعتبر الستر أخلاقياً يلزم ربطه بمفهوم أخلاقي، ولكن هل العنوان الأخلاقي الوحيد المرتبط بالحجاب هو عنوان «العفة»؟ من المثير للاهتمام أن كتاب الشهيد مطهري نفسه الذي استند إليه في بحث العفة، قد نظر إلى ضرورة الحجاب من زاويتين أخريين على الأقل («الطمأنينة النفسية» و«قيمة المرأة واحترامها»)[۱۶] وكلاهما من العناوين ذات الدلالة الأخلاقية التي لا صلة لها بالعفة، كما أنه نظر إلى الحالتين المرتبطتين بالعفة (تماسك الرابطة الأسرية، استقرار المجتمع) من زاوية غير فردانية؛ فإذا كان يريد أن يُظهر عدم ارتباط الحجاب بالأخلاق، كان ينبغي عليه أن يُشكّك في ذينك البُعدين الأولين، وفي هذه الزاوية غير الفردانية للعفة أيضاً؛ وسيأتي مزيد من الشرح لهذه الأبعاد ودورها في اعتبار مفهوم الستر أخلاقياً في الفقرة التالية.
۴) لقد اعتبر أن منع شهوانية الرجال إحدى ذهنيات المتدينين حول فلسفة الحجاب، وساق دليلين لاعتبارها غير وجيهة: أحدهما أنه «إذا كان عدم ستر العنق وشعر الرأس سبباً لتهييج الرجال وأرضية للفساد في المجتمع، فلماذا أُعفيت النساء الإماء من ستر شعر الرأس والعنق» وثانيهما أن هذا الضابط هو نوع من الإكراه غير المشروع على النساء، بأن يُطلب منهن أن يسترن أنفسهن لكي لا يقع الرجال في الوسوسة.
الخطأ الذي وقع في هذا التحليل هو النظرة الأحادية البعد للمسألة، أو بعبارة أخرى، اعتبار هذا المعيار الديني ناتجاً عن عامل واحد. في تحليل المعايير العرفية والاجتماعية، لا ينبغي أبداً دراسة المسألة بشكل أحادي البعد، فما بالك بالمعايير الدينية التي نعتبرها من عند الله. أولئك الذين يطرحون «منع الشهوانية لدى الرجال» ضمن فلسفة الحجاب، يطرحونه أولاً بصفته أحد المكونات المؤثرة في ضرورة الحجاب، لا بصفته المكون الوحيد؛ وثانياً، وفي المقابل، يطرحون الحجاب أيضاً بصفته أحد العوامل اللازمة لمنع الشهوانية، لا العامل الوحيد؛ وثالثاً يطرحون العفة في أبعادها الاجتماعية، لا من الزاوية الفردية فحسب: فالقرآن الكريم طرح مسألة ضرورة غض البصر قبل (وبالطبع إلى جانب) ضرورة حجاب النساء (الآية 31 من سورة النور)؛ وفي ثقافة المتدينين أيضاً، تُطرح التوصية بحجاب النساء دائماً مقرونة بالتأكيد على اجتناب الرجال للنظر المحرم؛ وهذان الأمران معاً، وبالطبع إلى جانب عشرات التعاليم الأخرى، يصبحان عاملاً لمنع الشهوانية في المجتمع؛ وأما أن يُلاحظ في التحليل الاجتماعي لواقعة ما عامل واحد فقط من العوامل المؤثرة، وذلك أيضاً بنظرة فردانية، ثم يُنكر أي ارتباط بين ذلك العامل والنتيجة استناداً إلى أن ذلك العامل يوجد أحياناً دون أن تتحقق النتيجة، وتتحقق النتيجة أحياناً دون أن يوجد ذلك العامل؛ فهذا نوع من اعتبار الوقائع الاجتماعية ناتجة عن عامل واحد، وهو أمر لا يمكن الدفاع عنه البتة. وكما أنه لا يمكن، بالتحليل الأحادي العامل، التشكيك في قانون اجتماعي[17] مثل تأثير وضعية العرض والطلب في غلاء السلع (لأن العرض قد يزيد أحياناً دون أن ينجم عنه رخص)، فكذلك هنا لا ينبغي لنا أن نحلل دور الحجاب في منع الشهوانية تحليلاً أحادي العامل.
يمكن أن يكون «منع الشهوانية» أحد الهواجس التي وضعها الشارع في الاعتبار عند سن قانون الحجاب، لكنه ليس الهاجس الوحيد بالضرورة. فقد كانت هناك ملاحظات متعددة عند سن قانون الحجاب، وعلى سبيل المثال، في الحالات التي كانت تنتفي فيها موضوعية مسألة الشهوانية، قُدمت تخفيفات في الحجاب. والالتفات إلى هذه النقطة يمكن أن يفسر إلى حد كبير استثناء الإماء والنساء المسنات. فانتفاء مسألة الشهوانية في حق النساء المسنات واضح؛ وأما في حق الإماء فينبغي الالتفات إلى عرف المجتمع بشأنهن. ينقل الكاتب عن المرحوم أحمد قابل قوله:
«أي فرق في الإثارة بين النساء المسلمات الإماء والحرائر حتى لا يجب عليهن ستر الرأس والعنق ويجب على الحرائر؟»
سيأتي رده التفصيلي في المرحلة الأخيرة من البحث، لكن نشير هنا إجمالاً إلى أن ثمة فرقاً مهماً على الأقل هو أن الإماء كن يُعتبرن في المجتمع من الطبقات الدنيا، بحيث لم يكن يُرغب فيهن عموماً، وبالتالي لم تكن حالتهن من حيث الإثارة واحدة حقاً؛ وإلا فمن حيث حرمة الزينة أمام غير المحارم، التي يمكن أن تهيئ أرضية الإثارة، فلا فرق بينهن ولا بين النساء المسنات والنساء الحرائر.
نقطة أخرى في هذا السياق هي أن تعبير «وجوب الحجاب على النساء بغرض منع شهوانية الرجال» هو تعبير ينطوي على نزعة فردانية وذكورية ومهينة تجاه المرأة؛ ومع أن الكاتب المحترم أنكر ذلك في هذه المقالة، لكن بالنظر إلى أن البعض يستخدمون مثل هذا التعبير أحياناً، فقد يكون من الضروري تقديم مزيد من التوضيح حول هذا التعبير. يبدو أن التعبير الصحيح الذي ينبغي استخدامه في هذا الشأن هو تعابير من قبيل تعابير الشهيد مطهري في كتاب مسألة الحجاب؛ أي دور الحجاب في «تماسك المجتمع» و«ترسيخ الرابطة الأسرية». بعبارة أخرى، يمكن الدفاع عن أن حجاب النساء يؤدي دوراً مهماً (وليس العامل الوحيد بالطبع) في منع أجواء الشهوانية في المجتمع (وليس فقط شهوانية الرجال)، وعندما تقل أجواء الشهوانية في المجتمع تصبح الروابط الأسرية أكثر ترسخاً ويصبح الوضع العام للمجتمع أكثر تماسكاً من أجل العمل السليم. بعبارة أخرى، إن إحدى المشكلات التي توجد للأسف بشكل مشترك في تعبير القائلين بالعبارة المهينة أعلاه وكذلك في تحليل الدكتور سروش دباغ، هي النظرة الفردانية لمقولة الأخلاق. هل ينبغي ملاحظة الواجبات الأخلاقية فقط بالمعايير الفردية (التي في التعبير المذكور: الرجل فقط، وفي تعبير الدكتور دباغ: الرجل نفسه والمرأة نفسها فقط) أم أن مكونات مثل الحفاظ على الوضع العام للمجتمع والمساعدة في ترسيخ الروابط الأسرية في المجتمع تؤدي أحياناً أيضاً إلى تشكل واجب أخلاقي على عاتق الأفراد؟
نتيجة هذا البحث هي أنه عند مناقشة الحجاب من زاوية منع الشهوانية (وهي بالطبع عامل واحد فقط من عوامل ضرورة بحث الحجاب)، ينبغي القول إنه ليس الأمر أن النساء يرتدين الحجاب من أجل الرجال، بل يراعين الحجاب من أجل الصيانة الأخلاقية الكلية للمجتمع وتماسك الروابط الأسرية في المجتمع ككل؛ ومثل هذه التوصية للنساء لا علاقة لها بنظرة ذكورية. وبتعبير آخر، وإن كان الظاهر أن النساء يراعين الحجاب من أجل الرجال، إلا أنهن في الواقع يقمن بهذا الفعل من أجل الارتقاء بالأخلاق في مجتمعهن، لا من أجل الرجال؛ كمن يتوقف عند الإشارة الحمراء؛ نظرة تبسيطية تقول إنه توقف من أجل السيارات القادمة من الاتجاهات الأخرى، لكنه في الواقع توقف من أجل الارتقاء بالنظام في مجتمعه، والذي تعود فائدته الإجمالية إليه هو نفسه.
إذا ما انتبهنا إلى أن «إحدى فلسفات وجوب الحجاب على النساء في الأدبيات الدينية هي أن الإسلام يولي المرأة المسلمة شأناً واحتراماً خاصين»، يتضح أكثر أن نسبة النظرة الذكورية إلى الإسلام هي ظلم مضاعف. لفهم كيف يكون الحجاب مصداقاً للاحترام الخاص للمرأة المسلمة، يمكن الانتباه إلى هذه النقطة: بخصوص شخص له في أعيننا احترام وحرمة، بأي لباس نتوقع منه أن يخرج من المنزل وإلى أي حد ننظر إلى جسده؟ مثلاً، إذا خرج عالم بارز نكن له احتراماً خاصاً من المنزل بأقل قدر من الملابس الداخلية لأي سبب (كمرض خاص يستوجب نقله فوراً إلى المستشفى)، ألا نسعى، بالإضافة إلى عدم التحديق فيه، إلى خلق حاجز أمام الآخرين لنمنع رؤيته بتلك الحالة؟ إن عدم نظرنا إليه هذا، وضرورة ارتدائه لباساً أكثر من الملابس الداخلية، كلاهما يدل على احترامه، لا على أننا أفضل منه وأمور من هذا القبيل.[١٨]
النقطة الأخيرة التي ينبغي مراعاتها لتجنب التحليل الأحادي العامل للحجاب هي أن تجنب الشهوانية هو عنصر واحد من عناصر الحياة المختلفة، وليس العنصر الوحيد؛ ولذا فعندما تُطرح مسألة كالحجاب من هذه الزاوية نفسها، ينبغي في الوقت ذاته أن تكون على نحو يراعي مقومات الحياة الأخرى. أي أن إحدى المسائل في الحياة الاجتماعية هي منع الشهوانية؛ لكن المسألة الأخرى هي إمكانية حضور المرأة المعقول في المجتمع. لقد اعتقد كثير من المفكرين المسلمين أن جواز عدم تغطية الوجه والكفين (الوجه واليدين) للمرأة هو من باب أن الإسلام لم ينظر بعامل واحد ولا يريد أن يراعي فقط وفقط مقوم منع أجواء الشهوانية في المجتمع عند وضع قانون الحجاب؛ بل إنه يراعي أيضاً مسألة أن تتمكن المرأة من دخول ساحة الحياة الاجتماعية بشكل عفيف؛ ولأن تغطية الوجه والكفين تستلزم عملياً عدم إمكانية حضور المرأة في المجتمع وضرورة لزومها البيت واحتجابها، لذا لم يوجب ذلك.[١٩]
إذا ما أخذت هذه النقطة بعين الاعتبار، حينها يتضح أن الإشكال الذي ينقله الكاتب المحترم عن المرحوم أحمد قابل بخصوص ضرورة تغطية شعر المرأة وعنقها هو إشكال في غير محله. لقد قال ذلك المرحوم:
«بالنظر إلى أن أساس الجمال في منطقة الرأس والعنق يعود إلى جمال ‹العين والحاجب والفم والشفة والأسنان والذقن وتركيبتها›، وأن الإسلام لم يوجب تغطيتها، فأي خصوصية جذابة في شعر المرأة وعنقها استوجبت التأكيد على ضرورة تغطيته بهذا الشكل؟»
الجواب هو أن جواز عدم تغطية الوجه له فلسفة أخرى غير فلسفة ضرورة الحجاب؛ وتحديد هذا القدر للحجاب هو حصيلة عدة مقومات، وليس فقط ملاحظة مقوم الجاذبية.
٥) من المطالب التي أشير إليها مراراً في تعبير الكاتب المحترم هي أن الحجاب مجرد مسألة فقهية وهوياتية وعدم مراعاته لا علاقة له بالأخلاق. يبدو أن الإبهام الموجود في كلمتي «فقهية» و«هوياتية» قد أدى إلى مغالطة لو أزيحت لأتضح أن هذه الفقهية أو الهوياتية نفسها تستتبع أساساً علاقة ونسبة أخلاقية، وأن تجاوز سلوك فقهي أو هوياتي لمن يعيش في ذلك المجال الفقهي أو الهوياتي هو إجراء مخالف للأخلاق.
سأبدأ أولاً بمفهوم «الفقهي». ما المقصود بحكم «فقهي»؟ من حيث المبدأ، المقصود به حكم استنبطه فقيه من النصوص الدينية؛ وبتعبير آخر، المقصود بالحكم الفقهي هو حكم يمكن نسبته إلى الدين بناءً على الطرق المعتبرة في استنباط الأحكام من النصوص الدينية. وكما أشير في البند ٤ من الفصل ٢، فإن أساس التدين المعقول والقائم على المعرفة[٢٠] يكمن في أن الإنسان يسلّم بوجود مجالات في الحياة لا يكفي فيها العقل وحده لتحديد الوظيفة الواجبة، ولهذا السبب يحتاج إلى هداية إضافية لمعرفة المسار الصحيح للحياة. وإذا أردنا الحديث بشكل خاص عن دين الإسلام (الذي، خلافاً لأغلب أديان العالم، جعل أساس قبوله التسليمَ لكونه الحق، لا مجرد اتباع شخص)[٢١]، فالمسلم الحقيقي هو إنسان توصّل، بفحصه المعرفي، إلى حقيقة أن هناك إلهاً خلقه، واقتضت رحمته ومودته أن يضع له برنامجاً لحياته راعى فيه مصلحته فحسب، لا أي منفعة لنفسه. وقد يطرح عليه أموراً كوظائف له، لا يدرك ضرورتها في البداية؛ لكن إن كان الله إلهاً حقاً، فتشخيص الله صوابٌ قطعاً. وقد وُضعت هذه الأمور بين أيدينا عبر نصوص، فهمُها منهجيّ، ويُسمى منهجها اصطلاحاً بالفقه؛ والحكم الفقهي هو بيان هذه الوظائف. وإذا أردنا التعبير عن هذا الأمر في المنظومة الأخلاقية لروس، التي يهواها الدكتور سروش دباغ، فينبغي القول: إن مقتضى الشكر، ومقتضى تحسين الذات، كلاهما يقتضيان أن يعمل المسلمُ الذي يحمل هذه المعتقدات، بوصفها «واجباً أخلاقياً للوهلة الأولى مشتقاً»، بكل واحد من الأحكام الفقهية. إذن، إذا كان الحجاب حكماً فقهياً، فالعمل به يُعد واجباً أخلاقياً على المسلم.
لننتقل الآن إلى مفهوم «الهوية». لقد استخدم الكاتب في مقالاته هوياتيةَ الحجاب بمعنيين. أحد معنييها هو دلالة الحجاب على هوية الشخص المسلم. يقول:
«هذه الأحكام مقيدة بالزمان والمكان، ولها صبغة فقهية وهوياتية، لا أخلاقية. في الواقع، كما أن اليوناني والأسترالي واللبناني والإيراني مشغول البال بهويته، ويحب علم بلاده ومفاخرها الثقافية والعلمية ويباهي بها ويبتهج؛ فإن حكم الحجاب، بالنسبة للمرأة المسلمة أيضاً، له صبغة هوياتية وفقهية في الغالب.»
وهنا يبرز السؤال: ما هو الحكم الأخلاقي للالتزام بهوية المرء والدفاع عنها؟ حتى لو رجعنا إلى منظومة روس الأخلاقية نفسها، التي يستند إليها، يمكن أن نبين أن مثل هذا الواجب هو، على الأقل، «واجب للوهلة الأولى مشتق»؛ لأنه يؤدي إلى «تحسين الذات». وإذا دققنا في حدوسنا الأخلاقية، نجد أن الإصرار على هوية المرء، وعدم الذوبان في الهويات الغريبة – ليس بالطبع إلى حد العنصرية الذي يؤدي إلى انتهاك بعض القوانين الأخلاقية – أمر مستحسن ومرغوب فيه، فالإيراني مثلاً الذي يستخف بإيرانيته ولا تحظى مفاخر إيران الثقافية بقيمة واحترام خاصين في نظره، مستحق للذم. وبالمثل، إذا كان للحجاب جانب هوياتي بالنسبة للمرأة المسلمة، فإن الالتزام به يُعد التزاماً أخلاقياً، واللامبالاة به تُعتبر، بالنسبة لها كمسلمة، ضعفاً أخلاقياً. والشاهد البسيط على أخلاقية مسألة الحجاب كأمر هوياتي، هو أن الناس، حتى كثيراً من غير المسلمين، يعتبرون الفتاة المسلمة المحجبة التي تكون مستعدة، حفاظاً على حجابها (الذي اكتسب لها صبغة هوياتية تماماً)، لتحمل بعض المحروميات، جديرة بالثناء، ويمتدحون ثباتها في الحفاظ على هويتها ومعتقداتها.
أما المعنى الأضعف والأقل قابلية للدفاع عن كون مسألة الحجاب فقهية وهوياتية، والذي أورده الكاتب المحترم فقط في المقالة الثانية، وحتى ذلك بمجرد نوع من الإسناد إلى المرحوم قابل، فهو أن «هوية النساء الحرائر تميزهن عن النساء الإماء». يقول:
«بناءً على تحليل المرحوم قابل، ليست الأنوثة ولا الإسلام هما سبب وجوب تغطية الرأس والعنق [لأن هذا الحد من التغطية ليس واجباً على المرأة المسلمة الأمة]. يبدو أن الجانب الهوياتي للحجاب والتفريق بين النساء الحرائر وغير الحرائر، كان السبب الرئيسي لتغطية الرأس والعنق في عصر النبي.»
كما أشير سابقًا، فإن استدلال المرحوم قابل ناشئ عن رؤية أحادية العامل لقانون الحجاب؛ أي أنه ظن أن فلسفة الحجاب تقتصر على منع شهوانية الرجال، واستنادًا إلى أن الحجاب لم يكن واجبًا على الإماء، أو في حالة الوجه الذي يتمتع بجاذبية كبيرة، ينفي هذا العامل؛ ومن نفي هذا العامل، يستنتج نفي ضرورة حجاب الشعر والعنق. لكن الحجاب معيار متعدد الأبعاد، ومنع الشهوانية عامل واحد، وهناك عوامل أخرى تدخلت في تصميم كيفية الحجاب. ومن المتفق عليه، يبدو أن هذا التمييز بالذات بين النساء الحرائر والإماء هو أحد عناصر تشكيل هوية الحجاب، ولكن ليس كعلة للحجاب، بل كمسهّل لترويجه؛ وعدم الانتباه لهذه الحيثيات المختلفة يؤدي إلى مثل هذا الخطأ في التحليل.
لتجنب هذا الخطأ، يجب إعادة النظر في مسألة حفظ احترام المرأة ورفع قيمتها، والتي كانت، وفقًا للمباحث السابقة، إحدى فلسفات الحجاب. ولفهم أفضل، من المفيد الانتباه إلى هذا المثال القانوني: أحيانًا يستثني المشرّع فئةً ما لتشجيع فئة أخرى على الالتزام بقانون؛ وهذا الاستثناء، أكثر من كونه ذا عبء حقوقي، يحمل عبئًا قيميًّا يضفي قيمة على ذلك القانون الأول ويهيئ الأرضية لتنفيذه. مثلًا، قد يُسنّ قانون في مؤسسة ما (كوزارة الخارجية مثلًا) ينص على أن جميع الموظفين الذكور يجب أن يترددوا على هذه الوزارة ببدلة وربطة عنق. ثم، لرفع ضمان تنفيذ هذا القانون، يُستثنى الأفراد الحاصلون على شهادة دون الليسانس، ويُسمح لهم بعدم الالتزام بهذا القانون. في الواقع، رغم أن ظاهر هذا الحكم هو تخفيف وتسهيل للموظفين دون الليسانس، إلا أنه بالنظر إلى أن أغلب الأفراد في هذه الوزارة من ذوي التحصيل العلمي العالي يترددون بالبدلة وربطة العنق، فبعد سن هذا القانون، إذا تردد موظف بدون بدلة وربطة عنق، فسيُعتبر في نظر الناس من حملة الشهادات دون الليسانس، حتى لو كان حاصلًا على الدكتوراه؛ ولأن الكثيرين لا يريدون أن يُعرفوا بهذا اللقب، فإنهم يلتزمون بذلك القانون بجدية أكبر؛ خصوصًا أن المشرّع على علم بأنه وفقًا لبرامج تلك المؤسسة، لن يكون هناك أي موظف دون ليسانس خلال سنوات قليلة؛ وسيشمل هذا القانون الجميع تلقائيًا.
كذلك الإسلام، من خلال قانون الحجاب، يطلب احترامًا خاصًا للمرأة المسلمة، وباستثناء من يُعتبرون في نظر الناس من الطبقات الدنيا في المجتمع ويتمتعون باحترام أقل،[۲۲] لعلّه أراد أن يضع ضمانًا تنفيذيًا لهذا الواجب. والشاهد على هذا التحليل هو أن الإسلام لم يمنع الإماء من ارتداء الحجاب؛ في حين أنه لو كان المفهوم الهوياتي للحجاب بمعنى عامل تمييز للتعرف على الإماء والحرائر، لكان ينبغي أن يكون الحجاب، بالإضافة إلى كونه واجبًا على الحرائر، محرّمًا على الإماء؛ ونحن نعلم أنه على مر التاريخ، كانت الكثير من الإماء محجبات أيضًا، وكنّ يحاولن رفع مكانتهن الاجتماعية بارتداء الحجاب.
في الواقع، إن تحليل الذين يقدمون الحجاب على أنه مجرد وسيلة للتمييز بين المرأة الحرة والأمة، يستند إلى نظرة لا تنسجم قطعًا مع سائر تعاليم الإسلام، ولم يُقدم عليها أي دليل تاريخي موجه. أولئك الذين يطرحون الحجاب من باب التمييز المذكور فحسب، يستندون إلى فهم غير صحيح للآية «ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ» (سورة الأحزاب، الآية ٥٩: ذلك [=الحجاب] خير لهن أن يُعرفن فلا يتعرضن للأذى)، وكأن المقصود من الآية هو أن النساء الحرائر، بارتدائهن الحجاب ومعرفتهن كنساء حرائر، لا يتعرضن لأذى ومضايقات أهل الشهوة. يكتب المؤلف المحترم، تبعًا للجابري وعشماوي وأبو زيد:
«كما رأينا، كانت الصبغة الهوياتية (لا الأخلاقية) لصدور الأحكام المتعلقة بالحجاب بارزة، بمعنى أن المراد كان التمييز بين المرأة الحرة والأمة من خلال ارتداء الأولى للحجاب وعدم ارتداء الثانية له؛ بحيث لا يتم الخلط بين النساء الحرائر والإماء فلا يؤذيهن أحد.»
هذا الكلام يعني وكأنه إذا تعرضت أمة للأذى والمضايقة من قبل أهل الشهوة فلا إشكال في ذلك، وأن الإسلام أراد فقط حفظ النساء الحرائر من هذه المضايقات؟! يجب القول إن تعبير «ذلک ادنی ان یعرفن فلایوذین» لا علاقة له بمعرفتهن «بصفتهن نساء حرائر» أو «بصفتهن إماء»، ولا توجد في القرآن الكريم أصلاً آية تستثني الإماء بشكل عام من حكم الحجاب، وما هو موجود هو بعض الروايات التي لا علاقة لها بهذه الآية أصلاً، وإذا كانت الروايات لا تُعتبر حجة لفهم ضوابط وشروط الأمر الإلهي، فإن جواز عدم حجاب الإماء يكون أيضاً بلا اعتبار؛ وإذا كانت تُعتبر حجة، فإن دلالتها على وجوب الحجاب الشرعي الاصطلاحي للنساء الحرائر في جميع الأزمنة لا يمكن إنكارها. وخلاصة القول إن المقصود من الآية الشريفة هو أن الحجاب يؤدي إلى أن تُعرف النساء المسلمات بصفتهن «نساء عفيفات» حتى لا يتعرضن للأذى.
۶) مما سبق اتضح أنه حتى بناءً على المنظومة الأخلاقية عند روس، فإن الحجاب الإسلامي الكامل يُعد واجباً أخلاقياً على المسلم، ومخالفته كمخالفة أي واجب أخلاقي. لكن لازم هذا الكلام ليس أن «المرأة المسلمة التي لا تراعي الحجاب الإسلامي الكامل هي إنسانة لا أخلاقية بالكامل؛ أو أن كل من تراعي الحجاب الكامل هي بالضرورة إنسانة متخلقة بالكامل.» بل وفقاً للتوضيحات السابقة، للحكم بكون الحجاب أخلاقياً، لا حاجة إلى تلازم شامل بين «الأخلاق» (وحتى «العفة») و«الحجاب»، فقد يكون شخص محجباً حجاباً كاملاً لكنه يُظهر بعض السلوكيات المضادة للأخلاق (وحتى غير العفيفة)، أو قد لا يكون محجباً حجاباً كاملاً لكنه يتصرف في بعض سلوكياته وأقواله بشكل أخلاقي (وربما عفيف). في الواقع يجب الانتباه إلى أن كون الإنسان أخلاقياً أو لا أخلاقياً (وكذلك كونه عفيفاً أو غير عفيف) ليس من سنخ الأمور القائمة على مبدأ الكل أو لا شيء، حتى يمكن بمخالفة واحدة الحكم على الشخص بأنه لا أخلاقي (أو غير عفيف)، وبعمل أخلاقي واحد الحكم عليه بأنه متخلق (أو عفيف).
هذا الكلام ينطبق على كل سلوك من سلوكيات الإنسان: الحكم على سلوك معين بأنه أخلاقي أو مضاد للأخلاق، لا يعني أن الشخص المرتكب له متخلق بالكامل أو لا أخلاقي بالكامل. تأملوا هذا المثال من مجال الأخلاق العامة: «نقض العهد» رذيلة أخلاقية، و«تقديم الخير للآخرين» فضيلة أخلاقية. قد يكون هناك شخص يواجه المحتاجين بـ«تقديم الخير للآخرين»؛ لكنه في الوقت نفسه، عند الوعد، يكون «ناكثاً للعهد». هل هو إنسان متخلق؟ أم لا أخلاقي؟ من الواضح أنه ليس هذا ولا ذاك؛ إنه متخلق من جهة ولا أخلاقي من جهة أخرى؛ للحكم عليه، يجب النظر في مجموع أعماله وملاحظة محصلتها الكلية. إذا أردنا التحدث بلغة برنارد ويليامز، التي يفضلها الدكتور سروش دباغ، يجب القول إن ارتكاب أو عدم ارتكاب أحد «المفاهيم الأخلاقية الغليظة» (مثل الوفاء، إلحاق الضرر بالآخرين، اللطف) لا يؤدي بالضرورة إلى أن يصبح الشخص مشمولاً بأحد المفاهيم الأخلاقية الرفيعة (مثل: جيد، سيئ). هذه القاعدة تنطبق أيضاً على «الحجاب»، الذي يُعتبر وفقاً للمباحث السابقة «مفهوماً أخلاقياً غليظاً» (في أدبيات ويليامز) وبالطبع من «الواجبات المشتقة في النظر الأول» (في أدبيات روس).
مطلب آخر طُرح ربما بشكل استطرادي (وبالطبع في كلا المقالتين)، وهو النقاش حول إجبارية الحجاب. لقد اعتبر الدكتور دباغ من المسلمات أن الحجاب الإجباري غير أخلاقي، ويصرح في المقالة الأولى:
«تجدر الإشارة إلى أنني أعني هنا الحجاب الاختياري لا الحجاب الإجباري؛ ذلك أن لا أخلاقية الحجاب الإجباري واضحة ولا تحتاج إلى كثير من الاستدلال والتبيين. لقد قال عموم علماء الأخلاق إن الاختيار والإرادة من مقومات الفعل الأخلاقي؛ ومقتضى هذا القول أن الفعل القسري وغير الاختياري لا قيمة أخلاقية له؛ بل هو فعل لا أخلاقي من حيث إنه يتضمن تجاهل حق الاختيار والكرامة الإنسانية. إذا كانت الإرادة والاختيار من مقومات الإيمان الأصيل، وكان المؤمن هو من يعيش "التجربة الإيمانية" بشغف وعن رضا ورغبة؛ فمقتضى هذا القول أن الإيمان الإجباري تعبير متناقض ولا وزن له في ميزان الأخلاق. ومن ثم فإن الحكومات التي تسعى إلى فرض الإيمان الإجباري في المجتمع ترتكب خطأ أخلاقياً ولا توفق في الممارسة العملية أيضاً. ينبغي للحكام أن يفكروا فقط في سياسات تلبي الاحتياجات الأولية للناس كالأمن والعمل والصحة والملبس... وأن يتركوا الاحتياجات الثانوية للإنسان كالفن والعشق والدين... للناس والمجتمع المدني والحيز العام، وألا يتدخلوا في هذه المجالات أو يمارسوا فيها السلطة. وعليه، فإن فرض الحجاب الإجباري في المجتمع لا أخلاقي، ولذا ينبغي نبذه.»
ويؤكد في المقال الثاني:
«الحجاب الإجباري أمر لا أخلاقي ومذموم ولا يوصل إلى نتيجة، وقد قال عموم علماء الأخلاق إن الفعل القسري وغير الإرادي لا وزن له في ميزان الأخلاق. صون المبادئ الأخلاقية الأساسية هو واجب الحكومات وليس أكثر.»
هنا عدة مسائل يمكن طرحها:
۱) حتى لو قبلنا أن الحجاب الإجباري ليس أمراً أخلاقياً، فهل لذلك علاقة بأن الفرد الذي أُجبر على الحجاب يستحق الذم؟ وإن كان المقصود ذم المُجبرين، فما علاقته بموضوع البحث (الحكم الأخلاقي على الحجاب نفسه)؟
۲) هل "الاختيار والإرادة" اللذان هما من مقومات الفعل الاختياري، هما بمعناهما التكويني أم بمفهومهما القانوني؟ إن كان المقصود الاختيار التكويني، ففي ساحته لا معنى للسلب أو الإكراه؛ وإن كان الإكراه يدخل فيه وكان اختياراً قانونياً، فهل يمكن القول حينئذ إنه إذا أصبح الفعل إجبارياً صار بالضرورة لا أخلاقياً بل ومذموماً؟
۳) عندما يُحلل من منظور اجتماعي، هل يظل الإكراه دوماً مخالفاً للأخلاق؟
٤) هل يرى عموم علماء الأخلاق فعلاً أن الإكراه ينفي أخلاقية الفعل؟
٥) هل محل البحث هو الأخلاق الإجبارية أم الإيمان الإجباري؟ وهل هما متماثلان تماماً؟
٦) ما هو نطاق واجبات الحكومات؟ هل تقتصر على الاحتياجات الأولية فقط (وبقائمة مبنية على اعتبار حقيقة الإنسان مادية) أم تدخل في الاحتياجات الثانوية أيضاً؟ وإن دخلت، فهل "صون المبادئ الأخلاقية الأساسية" هو واجبها فحسب؟ وهل هذا الصون أمر انتزاعي، أم يتطلب الدخول في مصاديق الفعل الأخلاقي (وليس فقط البقاء عند المبادئ الأساسية)؟
۷) ألا يُعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في مجتمع إسلامي، فعلاً أخلاقياً؟ وأسمى من ذلك، أليست مناهضة الظلم (التي هي نوع من الإكراه للظالم لمنع ظلمه) فضيلة أخلاقية لدى البديهات الأخلاقية لجميع البشر؟
۱) كما أشير في الفصل الثاني، فإن إحدى مشكلات النص الحالي هي وجود الغموض ووقوع مغالطة الاشتراك اللفظي في استخدام عبارة «غير أخلاقي». فقد حدث هناك خلط بين معنى «لا علاقة له بالأخلاق» و«جائز من الناحية الأخلاقية»؛ وهنا بين «لا علاقة له بالأخلاق» (أو بتعبير آخر، خارج عن نطاق الحكم الأخلاقي) و«مذموم من الناحية الأخلاقية». وبتعبير آخر، حتى لو غضضنا الطرف عن المناقشات اللاحقة، فإن السؤال هو: ما هو مضمون عبارة «الحجاب الإجباري ليس أمراً أخلاقياً»؟ فإذا ما دققنا في الجمل المنقولة عنه، نجده قد اعتبر «عدم أخلاقية» الحجاب الإجباري بمعنى «كونه مذموماً». فهل إذا أُلزم شخص قسراً بفعل أخلاقي (كأن يجبره آخرون على الوفاء بعهده) يكون مستحقاً للذم؟ من الواضح أنه في مثل هذه الحالات، إذا قلنا إن فعله هذا غير أخلاقي، فهذا يعني على أقصى تقدير أنه لا يحمل قيمة أخلاقية إيجابية؛ لا أنه مستوجب للذم.
ولعله يجيب قائلاً: «إن مقصدي من كون الحجاب الإجباري مذموماً هو ذم من يجبرون عليه»؛ وهو ما يمكن استنباطه، بالإضافة إلى المعنى السابق، من بعض الغموض الموجود في نصه. ولكن يرد عليه حينئذٍ إشكال أهم، وهو: ما علاقة هذا الأمر بموضوع البحث (الحكم الأخلاقي على الحجاب نفسه) الذي يؤكد عليه بهذا القدر عند تحديد مراده؟ لنفترض أنني أريد الحديث عن أخلاقية موضوع مثل «الوفاء بالعهد» أو عدم أخلاقيته، فهل لتناول ذم من يجبرون الآخرين على «الوفاء بالعهد» في بداية البحث وتحت ذريعة تحديد المراد، علاقة بكون موضوع «الوفاء بالعهد» نفسه حسناً أو قبيحاً؟ ألا يوحي هذا الإجراء مني للمخاطب بأن لدي موقفاً سلبياً مسبقاً من هذا الفعل الأخلاقي، وبالتالي حتى لو قبلت حسنه، فإني أخطّئ أولئك الذين يسعون لترويجه مسبقاً بحجة أن الإجبار فعل سيئ؟ إن مسألة جواز إجبار الناس على الموضوعات الأخلاقية من الناحية الأخلاقية، ووجوب تدخل الحكومة فيه من عدمه، هي مسألة لا علاقة لها البتة بأخلاقية ذلك الموضوع نفسه أو عدم أخلاقيته، حتى يُقسّم ذلك الموضوع إلى حالتين: اختيارية وإجبارية، ثم تُعلن الحالة الإجبارية باطلة بداهةً مسبقاً.
۲) في حكمه، بالإضافة إلى الغموض السابق، يوجد غموض آخر، وهو الخلط بين المفهوم التكويني والمفهوم الحقوقي للاختيار والإرادة. لقد استنتج من أن «الاختيار والإرادة من مقومات الفعل الأخلاقي» ما يلي:
«الفعل الجبري وغير الاختياري لا قيمة أخلاقية له؛ بل هو فعل غير أخلاقي من حيث إنه يتضمن تجاهل حق الاختيار والكرامة الإنسانية»
في حين أن ما يُعد من مقومات الفعل الأخلاقي هو المفهوم التكويني للاختيار؛ أي أن الكائن الذي يمكنه القيام بفعل أخلاقي هو الكائن المختار أساساً؛ والأفعال التي تخرج عن نطاق إرادتنا التكوينية (مثل جريان الدم في عروق أجسادنا) لا تخضع للأحكام الأخلاقية. وكونها غير أخلاقية هو أيضاً بهذا المعنى لعدم شمول الحكم الأخلاقي لها، لا بمعنى كونها مذمومة، كما استخدمها هو. هذا الإجبار التكويني هو إجبار لا معنى فيه للسلب أو الإكراه، وبالتالي لا معنى للحسن أو القبح؛ وهو خارج تماماً عن مباحث الأخلاق. ولكن عندما يُتحدث عن فعل جبري وغير اختياري يتضمن تجاهل حق الاختيار والكرامة الإنسانية، فإن المقصود هو الإجبار الحقوقي، لا الإجبار التكويني؛ حيث يمكن أولاً مناقشة اعتبار الإجبار الحقوقي غير أخلاقي (ناهيك عن كونه مذموماً)، وثانياً فإن حرمان شخص من حق الاختيار لا يستلزم بالضرورة تجاهل كرامته الإنسانية؛ وهذه المسألة قابلة للنقاش من زاوية المُجبَر ومن زاوية المُجبِر على حد سواء.
لتوضيح المسألة بشكل أفضل، لا بد من شرح موجز للفرق بين الإكراه التكويني والإكراه القانوني. الإكراه التكويني هو حيث يخرج الفعل أساساً من دائرة إرادة الإنسان، كما لو دُفع شخص من على سطح منزل، فإنه لا يملك أي اختيار أو إرادة للسقوط أو عدمه؛ أما الإكراه القانوني، فهو حيث يكون الموضوع في دائرة إرادة الإنسان، لكن عاملاً خارجياً يتصرف بطريقة لا تترك للشخص المختار حق اختيار في الخارج. وطريقة تصرف العامل الخارجي في مجال الإكراه القانوني نوعان: أحياناً يوضع الفاعل المختار في وضعية، وإن كان مسار اختياره التكويني مفتوحاً، إلا أنه في العالم الخارجي لا تبقى له إمكانية الفعل الذي يرغبه؛ كسجن سارق؛ حيث إنه بسبب وجوده في السجن، لا يملك إمكانية السرقة؛ وأحياناً يوضع في وضعية، وإن كانت إمكانية الفعل الذي يرغبه باقية في العالم الخارجي، إلا أن عقله نفسه لم يعد يأذن له بذلك الفعل في ظل هذه الوضعية الجديدة؛ كأن يُشهر السلاح في وجه شخص ويقال له: إما أن تعطينا ما معك من مال أو نقتلك؛ أو مثلاً يُعلن لشخص أنه إذا لم يدفع الضريبة فسنمنع نشاطك الاقتصادي؛ في هذه الحالات، الوضعية تكون بحيث توجد إمكانية تكوينية لعدم دفع المال أو عدم دفع الضريبة، لكن عقله لا يأذن له بذلك، ويُعبّر عنه قانونياً بأنه أُجبر على القيام بذلك الفعل. كما أن وضعيات القسم الأخير تتعقد أحياناً إلى درجة أنه وإن استُخدم تعبير الإجبار قانونياً، إلا أن العقل لا يملك حكماً قطعياً، ورغم اعتباره مُجبراً من الناحية القانونية، يُحكم عليه بأنه مجرم؛ وإن كان يُعتبر مستحقاً لتخفيف العقوبة؛ كما لو وُضع شخص في مأزق: «إذا لم تقتل فلاناً (البريء)، فسنقتلك». قتل البريء، حتى في مثل هذه الظروف، جريمة، لكن بسبب كونه مُجبراً من الناحية القانونية، تُخفف عقوبته.
والآن، لنفحص وضعية الإكراه القانوني في الأمثلة المذكورة، من الناحية الأخلاقية، من جانب المُكرِه ومن جانب المُكرَه. في حالة السارق المسجون، إن عدم سرقته في السجن لا يُعتبر فعلاً أخلاقياً له بالطبع؛ لكن كون عدم سرقته «غير أخلاقي» يعني فقط أنه لا علاقة له بالأخلاق، لا أنه مذموم. وفي حالة دافع الضريبة المذكور أيضاً، ربما يمكن قول شيء مماثل. لكن في حالة من أُجبر على دفع المال، فرغم أن فعل المُكرِهين مذموم، إلا أن فعله ليس مذموماً فحسب، بل هو ممدوح أخلاقياً، أي أن الأخلاق تحكم بأن يفدي الإنسان ماله بنفسه في مثل هذه الظروف (مع الانتباه إلى أن فرض المسألة هو حيث لا توجد له إمكانية للدفاع) وإذا تصرف بخلاف ذلك، فإنه يُذم بأوصاف أخلاقية كالبخيل والخسيس، ويُقال: كان بخيلاً لدرجة أنه فدى ماله بنفسه. أما في المثال الذي يُرغم فيه الشخص على قتل آخر، فالمسألة بالعكس، أي أنه إذا فدى بنفسه، يُمدح أخلاقياً، وإذا قتل الآخر، فمع أنه كان مُجبراً من الناحية القانونية، إلا أنه يبقى مستحقاً للذم.
أما من جانب المُكرِهين، فليس فعلهم مذموماً دائماً. إن أخذ أموال الآخرين بغير حق، أو إجبار إنسان على قتل إنسان بريء، هو فعل لا أخلاقي ومذموم بالطبع، لكن هل سجن مجرم، أو إجبار الفاعلين الاقتصاديين على دفع الضرائب مذموم أخلاقياً؟ إذا نظرنا إلى البديهات الأخلاقية أو حتى إلى العرف الدولي، فإن هذين الفعلين لا يُعتبران مذمومين فحسب، بل يمكن اعتبارهما من بعض الجهات مصداقاً للأفعال الأخلاقية، وسيأتي شرح هذه النقطة في الفقرة التالية.
الخلاصة أن التدقيق في هذه الأمثلة يُظهر أنه ليس الأمر بحيث إذا أصبح الفعل إجبارياً كان بالضرورة غير أخلاقي، فما بالك أن يكون مذموماً بالضرورة، سواء من جانب المُكرِه أو من جانب المُكرَه.
۳) يبدو أن جذر هذا الحكم القائل بأن الإجبار منافٍ للأخلاق قطعاً، هو هيمنة نوع من التحليل أحادي البعد للأخلاق، الذي لا ينظر إلى الأخلاق إلا من المنظور الفردي، ويتجاهل الأبعاد الاجتماعية للواجب الأخلاقي. أليس الإجبار منافياً للأخلاق دائماً إذا ما تم تحليله من منظور اجتماعي؟ لا جدال في أن الوضع المثالي هو حيث يصدر الفعل عن إرادة الشخص واختياره، ولكن إذا لم ننظر إلى الفعل الأخلاقي نظرة كل أو لا شيء، بل نظرنا إلى أداء الأخلاقيات نظرة طيفية، فسندرك، خاصة من المنظور الاجتماعي، أن بعض الإجبارات تجاه بعض الأفراد ضرورية للنمو الأخلاقي للمجتمع ككل. وحتى لو غضضنا الطرف عن الأمثلة البسيطة التي نوقشت سابقاً (مثل السجن وقانون الضرائب)، يمكننا أن نضرب أمثلة كثيرة من الإلزامات التي شاعت اليوم في العالم الغربي وأدت تدريجياً إلى تشكل أخلاقيات معينة في الثقافة العامة للمجتمع. فعلى سبيل المثال، أليس من المرغوب فيه أخلاقياً أن نعمل على رفع التكلفة الاجتماعية للكذب في المجتمع (وهو نوع من الدفع بهذه المسألة الأخلاقية نحو الإجبار)؟ وبتعبير آخر، يمكن القول إن كل نشاط يخلق، من منظور اجتماعي، إلزامات وإجبارات تمهد، دون تجاهل الكرامة الإنسانية، لانتشار الأخلاقيات، هو نشاط ذو مرغوبية أخلاقية. وفي الواقع، كما أشير، فإن تلازم «إجبارية الفعل» و«تجاهل الكرامة الإنسانية» لا يتحقق إلا في حالة النظر إلى المسألة من منظور فردي فحسب؛ وإلا فمن المنظور الاجتماعي يمكن تصور حالات عديدة لا يستلزم فيها الإجبار تجاهل الكرامة الإنسانية، بل يكون من أجل الحفاظ عليها. ولعل من الأمثلة البسيطة على ذلك الإلزامات التربوية للوالدين من أجل النمو الأخلاقي لولدهما، وهي التي تكون تحديداً من أجل حفظ وتعزيز كرامة الولد الإنسانية، لا تجاهلها. وكمثال أوسع، ألا تنظر حدوسنا الأخلاقية إلى جعل تعليم القراءة والكتابة إجبارياً، أو جعل مراعاة الصحة إجبارياً، بوصفه عملاً حسناً؟
ويمكن النظر إلى المسألة من منظور آخر أيضاً. ففي الواقع، إذا انتبهنا أولاً إلى أن «التمهيد لانتشار الأخلاقيات في المجتمع» هو بنفسه مصداق لفعل أخلاقي، وثانياً إلى المفهوم القانوني للإجبار (في مقابل مفهومه التكويني)، يتضح أن حالة من الإجبار القانوني (وهي أن توضع الحالة بحيث يكون التخلف ممكناً من الناحية التكوينية، ولكن عقل الشخص لا يسمح له بذلك)، هي أساساً لازمة لأغلب عمليات التمهيد الأخلاقي؛ وإذا ما اعتُبر الإجبار القانوني مذموماً في بعض الحالات، فإما أنه من النوع الذي يسد إمكانية التخلف من الناحية التكوينية، وإما أن ما وقع عليه الإجبار هو بنفسه مصداق لفعل منافٍ للأخلاق (كقتل البريء أو اغتصاب الأموال).
۴) ما يمكن إضافته كمتمم للفقرة السابقة هو أنهم في إسنادهم إلى علماء الأخلاق، لا يحسبون العلماء القدماء على ما يبدو من علماء الأخلاق أصلاً؛ وذلك لأننا لو انتبهنا فقط إلى اختلاف وجهة نظر العلماء القدماء عن العلماء الغربيين بشأن دور العادة في النمو الأخلاقي للإنسان، لوجدنا أنه ليس الأمر أن عموم علماء الأخلاق يرون الإجبار نافياً لأخلاقية العمل. فهناك في الواقع خلاف بين العلماء القدماء والمعاصرين حول ما إذا كان «تعويد» الأفراد على الأعمال الصالحة عملاً أخلاقياً أم لا؟ لقد اعتبره كثير من المعاصرين الغربيين غير جائز، مستندين إلى أن التعويد يجعل الفعل يصدر عن الإنسان بصورة غير اختيارية؛ أما القدماء، فمع تفريقهم بين العادات الفعلية والعادات الانفعالية، كانوا يعتقدون أن العادات الفعلية أمر لازم للنمو الأخلاقي للإنسان، لأن كثيراً من الأفعال الأخلاقية، إذا لم تتشكل مقدماتها في وجود الإنسان، لا يمكن عملياً القيام بها؛ ولذلك كانوا يعتبرون التربية أساساً فن تشكيل العادات (=الملكات الأخلاقية).[۲۳]
۵) ثمة نقطة أخرى جديرة بالانتباه في بحثه، وهي الخلط بين مصطلحي الإيمان والأخلاق، واستخدام أحدهما مكان الآخر. فهو يقول:
«إذا كانت الإرادة والاختيار من مقومات الإيمان الأصيل، وكان المؤمن هو من يعيش «التجربة الإيمانية» بشغف وعن رضى ورغبة؛ فلازم هذا الكلام أن الإيمان المجبور عليه هو تعبير متناقض ولا وزن له في ميزان الأخلاق.»
السؤال هو: هل موضوع النقاش هو إجبارية الأخلاق أم الإيمان؟ وهل هما متطابقان؟ وأصلًا ما علاقة الإيمان الإجباري بموضوع البحث (الحجاب الإجباري)؟ الإيمان هو اعتقاد قلبي، وبحسب تعبيره، شورمندانه، لكن الحجاب فعل وسلوك خارجي، وليس اعتقادًا قلبيًا. أولئك الذين يُجبرون الآخرين على الحجاب، هل يطلبون منهم الاعتقاد بالحجاب أم ستر أعضاء الجسد؟ أليس هذا التعبير أكثر من مجرد ربط للمطالب بعبارات عاطفية، وهل يجوز مثل هذا العمل في مقال يريد أن يمارس حكمًا أخلاقيًا قائمًا على تحليلات عقلية؟
٦) من التحليلات المذكورة أعلاه يتضح أن للأخلاق أبعادًا اجتماعية، وبالتالي ينبغي للحكومات أن تدخل فيها أيضًا. ونضيف الآن أنه إذا كان ترويج الأخلاق وتوسيعها هو بذاته مصداق لعمل أخلاقي، فإن دخول الحكومات في هذه المسألة، من خلال التشريعات وحتى استخدام أدوات العقاب والتشجيع، جائز تمامًا؛ وما دامت لم تُخلّ في هذا المسار بالكرامة العامة[٢٤] للبشر، فلا أحد يعتبرها مستحقة للذم الأخلاقي؛ وأبسط مصداق لذلك هو القوانين الجزائية واستخدام السجن، وهو أمر مقبول في عرف الثقافات البشرية، كما تقبل حدوساتنا الأخلاقية الحُسن الأخلاقي لهذا الإجراء من قبل الحكومات.
يُعلن الكاتب المحترم في هذا السياق في مقاله الأول أن:
«ينبغي للحكام أن يكونوا فقط بصدد سياسة تأمين الحاجات الأولية للناس، من قبيل الأمن، والعمل، والصحة، والملبس... وأن يتركوا الحاجات الثانوية للبشر، من قبيل الفن، والعشق، والدين... للناس والمجتمع المدني والحيز العام»
ويؤكد في مقاله الثاني أن:
«صون المبادئ الأساسية للأخلاق هو وظيفة الحكومات، وليس أكثر من ذلك.»
في هذه العبارات عدة إشكالات:
أ) يوجد تعارض بين هذين التعبيرين حول وظيفة الحكومات. ففي النهاية، من وجهة نظره، هل ينبغي للحكومة أن تتناول الحاجات الأولية فقط أم أن تدخل في الحاجات الثانوية أيضًا؟ بتعبير آخر، وفقًا لقائمته، هل «صون المبادئ الأساسية للأخلاق» هو جزء من الحاجات الأولية وفي صف الصحة والعمل والملبس، أم جزء من الحاجات الثانوية وفي صف الدين والفن والعشق؟
ب) فيما يتعلق باستخدام تعبيري «أولية» و«ثانوية» بشأن الحاجات المذكورة، يبدو أننا وقعنا مرة أخرى في مأزق مغالطة الاشتراك اللفظي. إذا كان المقصود من الحاجات الأولية مقابل الحاجات الثانوية هو التقدم والتأخر الزمني في تشكل الحاجات، بمعنى أن الحاجات الأولية هي الحاجات التي يبدأ منها تشكل المجتمع ونشأته، والحاجات الثانوية تظهر في المرتبة التالية، فهذا التعبير مقبول، ولكن ما هي الملازمة بينه وبين أنه لا ينبغي للحكومة أن تتناول الحاجات الثانوية؟ وإذا كان المقصود هو أهمية وأولوية الحاجات الأولية بالنسبة للثانوية، فأي دليل أُقيم على أن أمورًا مثل الصحة والملبس تتفوق على أمور مثل العشق والدين؛ وأليس مثل هذه الأولوية قائمة على اعتبار حقيقة الإنسان مادية، مما يُعرِّف حاجاته المادية بأنها أولية وذات أولوية، وحاجاته المعنوية بأنها ثانوية وفي أولوية لاحقة؟
ج) إذا أرادت الحكومة أن تدخل في حدود «صون المبادئ الأساسية للأخلاق»، فهل مثل هذا الصون هو مجرد أمر انتزاعي أم أنه بحاجة إلى الدخول في المصاديق والتفاصيل الأخلاقية؟ أليس هذا التحسين الذي يكنّه الكثير من أفراد مجتمعنا تجاه مراعاة الأخلاقيات في المجتمع الغربي، سببه أن الحكومة دخلت في ساحة مصاديق الأخلاق وفعلت شيئًا جعل أخلاقيات مثل النظام، والصدق، وضمير العمل... تنتشر بين الناس، ومن خلال السياسات والآليات التي تتبعها تدفع الناس نحو هذه المكونات؟ في النهاية، هل هذا جيد أم سيئ؟ وخلاصة القول، هل صون المبادئ الأساسية ممكن دون الدخول في التفاصيل؟
۷) من المنظور الديني، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيلة أخلاقية؛ وطبقاً للبيان الذي قُدِّم في الفصل السابق، فإن العمل بأي توصية دينية، في مجتمع يؤمن بذلك الدين، هو مصداق لفعل أخلاقي. علاوة على ذلك، إذا صرفنا النظر عن إفراط وتفريط بعض المدعين لهذه الوظيفة الدينية (وهو أمر مفترض في كل عنوان أخلاقي، من حيث سوء التطبيق والإفراط والتفريط)، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُعد فعلاً أخلاقياً من زاوية الحدوس الأخلاقية أيضاً؛ ذلك أن ترويج ما هو أخلاقي وخيِّر، وما يؤدي إلى الارتقاء الأخلاقي للمجتمع، هو أمر حسن أخلاقياً؛ وأن يتعاون عامة الناس ويمنعوا ارتكاب الرذائل من قبل الأفراد المخالفين للأعراف واللاأخلاقيين، هو أمر مرغوب في الحدس الأخلاقي لكل إنسان، وبالتالي فهو فعل أخلاقي. من الواضح أن إدراك حُسن وأخلاقية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتوقف تماماً على تجاوز النظرة الفردية المحضة وتبني نظرة اجتماعية للفعل الأخلاقي.
حتى لو اعتُبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعلاً خاصاً بالمجتمع الديني، فإن نشر العدالة ومناهضة الظلم هما قطعاً من أسمى مصاديق الفعل الأخلاقي. أليست مناهضة الظلم من مقولة إجبار الآخرين، وأليس الإجبار الكامن في هذا الإجراء شاهداً كافياً على أن مجرد وجود الإجبار لا يمكن أن يكون دليلاً كافياً لاعتبار فعل ما غير أخلاقي ومذموماً؟
في المباحث السابقة، تم فحص أدلته الأخلاقية حول جواز عدم تغطية العنق وشعر الرأس. لكنه، بغية إظهار عدم ضرورة هذه التغطية في الإسلام، ولحمل المتدينين على مرافقته في مقصده، ذهب إلى مجال خارج تخصصه (أي مجال الفقه) وذكر أقوالاً لبعض المعاصرين[۲۵] محاولاً تقديم شواهد على وجود اختلاف في الرأي حول ضرورة حجاب الرأس والعنق، ليقول:
«بقبول أن قلة من الفقهاء وبعض علماء الإسلام المعاصرين يعتقدون أن آيات القرآن لا تدل دلالة قطعية (نص) على ضرورة تغطية العنق وشعر الرأس [...] يمكن الاستنتاج أن عدم تغطية العنق وشعر الرأس في العصر الحالي لا يتضمن انتهاكاً لأمر الله ومراده وتجاهلاً لنص القرآن.»
بالطبع، أكد هو أنه:
«لم أكن في مقام إصدار حكم فقهي حول مسألة الحجاب، فالفتوى ليست مجال عملي وتخصصي؛ بل كنت بصدد تحليل مسألة تغطية العنق وشعر الرأس من منظور أخلاقي وتقصي علاقتها ونسبتها بالحكم الفقهي لتغطية العنق وشعر الرأس.»
لكنه يتوقع من المتدينين المعيشيين والمعرفيين أن:
«مع الأخذ بنظر الاعتبار نظرية الأمر الإلهي الحد الأدنى والنظر بعين العناية إلى تنوع آراء الفقهاء والباحثين القرآنيين وعلماء الإسلام حول الحكم الفقهي للحجاب، يستنتجوا أن أمر الله القاضي بضرورة تغطية العنق وشعر الرأس لا دلالة قطعية له في النص المقدس.»
في كلامه واستناداته عدة نقاط قابلة للبحث:
۱) هل معيار التعرف على أمر الله هو القرآن الكريم فقط، بحيث إذا لم نجد دلالة قطعية على مطلب ما في القرآن، لا نستطيع اعتبار مخالفته مخالفة لأمر الله؟
۲) إلى أي حد يمكن الاعتناء بكلام من استند إليهم للاستناد إلى حكم فقهي، حتى نستنتج من تنوع أقوالهم عدم الدلالة القطعية لهذا المطلب في الإسلام؟ وهل روعيت أخلاقيات البحث في كيفية الاستناد إلى المطالب؟
۳) بصرف النظر عن قائلي تلك الأقوال، هل الاستدلالات التي طرحها أولئك الأشخاص حول عدم وجوب تغطية الشعر والعنق في الإسلام مقبولة؟
۱) یکی از مواردی که نویسنده محترم در لفافه[۲۶] بدان استناد کرده این است که «آیات قرآن، دلالت قطعی (نص) بر ضرورت پوشاندن گردن و موی سر ندارند»؛ و لذا «نپوشاندن گردن و موی سر در روزگار کنونی متضمنِ نقض فرمان و مراد خداوند ونادیده گرفتنِ نص قرآن نیست.» دلیل ایشان در این ادعا، نقل قول از برخی از افراد است.
اینکه اصل ادعا درست است یا نه، و واژههای قرآنی جلباب و خمار بر چه چیزی دلالت میکند، در فصل بعد مورد بررسی قرار خواهد گرفت، اما فرض کنیم از آیات قرآن لزوما نتوان به صورت «نص» (دلالت قطعی) دلالتی بر وجوب پوشاندن گردن و موی سر پیدا کرد؛ آیا نتیجه میشود که فرمان خدا در این زمینه قطعی نیست؟ دلالت اغلب مفاهیم دینی در حد «ظاهر» است، نه «نص»[۲۷]؛ و این به هیچ وجه موجب نمیشود که در استناد آنها به اسلام تردید شود. آیا از وجوب نماز مطلبی یقینیتر در اسلام سراغ داریم؟ آیا تعبیر «الصلوه» که در آیات قرآن آمده، «نص» در معنای نماز اصطلاحی است؟ میدانیم که نیست، بلکه «ظاهر» است؛ در عین حال با توجه به قرائن و شواهد متعدد دیگر تاریخی و روایی تردیدی نداریم که «نماز» در معنای اصطلاحی در اسلام واجب شده است و کسی که نماز نخواند فرمان الهی را نادیده گرفته است. در مورد حجاب هم همین طور. این مطلب جدیدی نیست که بگوییم واژههای جلباب و خمار در قرآن «نص» بر حجاب در معنای امروزی نیستند (چرا که اتفاقا برخی از مفسران، معنای آنها را بیش از روسری متعارف امروز، و در حدی که صورت را هم بپوشاند، دانستهاند!)، اما این مستلزم آن نیست که نتوان وجوب حجاب متعارف را اثبات کرد و نشان داد که کسی که آن را ترک کند، یکی از فرمانهای الهی را نادیده گرفته است. شاهد سادهاش هم این است که تا پیش از قرن اخیر کسی تردیدی در این وجوب نکرده است؛ و چنانکه خواهیم دید، ادله افراد مذکور هم ادله موجهی نیست؛ و اغلب به جای استظهار از آیه، به سراغ برداشتهای شخصی تحت تاثیر فرهنگ پیرامونی خود رفتهاند که روش موجهی در فهم دلالت متون تاریخی نیست.
علاوه بر این، آیا تنها منبع ما برای شناسایی اوامر خداوند، قرآن کریم است؟ مگر خود قرآن دستور نمیدهد که «یا أَیهَا الَّذِینَ آمَنُواْ أَطِیعُواْ اللّهَ وَأَطِیعُواْ الرَّسُولَ» (نساء/۵۹؛ای کسانی که ایمان آوردهاید از خدا و از رسول اطاعت کنید[۲۸])؟ مگر نمیفرماید: «وَمَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا» (حشر/۸؛ و آنچه رسول به شما [دستور] داد بپذیرید و در مورد چیزی که نهی کرد، نهیاش را قبول کنید)؟ هیچ مسلمان (و شیعهای) تردید ندارد که روایات پیامبر صلی الله علیه و آله و سلم (و ائمه اطهار علیهمالسلام) هم همانند آیات قرآن لازمالاجراست و اگر پیامبر اکرم (ص) مطلبی را به عنوان دستور خدا فرموده باشد، آن مطلب حتی در قرآن هم نیامده باشد دستور خداست. و این مطلب شواهد تاریخی فراوانی هم دارد؛ یعنی میتوان موارد متعددی از دستورات قطعی اسلام را نشان داد که در قرآن کریم نیامده اما هیچ مسلمانی در آن تردید ندارد. نمونه ساده آن تعداد رکعات نمازهای یومیه است که در هیچ جای قرآن مطرح نشده، اما هیچ مسلمانی تردید ندارد که نماز صبح دو رکعت و نماز ظهر چهار رکعت است.
۲) در مقدمه مقاله حاضر اشاره شد که یکی از شروط اخلاقی مباحث علمی آن است که اگر بحث به عرصهای از عرصههای علم و تحقیق کشید که نویسنده در آن عرصه صاحبنظر نیست و میخواهد بر اساس نقل قول از دیگران بحث خود را پیش ببرد، باید به سخنان کسی استناد کند که اهالی آن عرصه علمی، سخنان او را به عنوان سخن متخصص قبول داشته باشند. البته در بحثهای غیرتخصصی، بسیار پیش میآید که با استناد به اطلاعات مخاطب، سخنی را به وی القا میکنند که خلاف واقعیت است که شاید نمونه ساده آن، همان حکایت مار باشد.[۲۹]
نظرًا لتخصص المعارف وازدياد المعلومات العامة لدى الأفراد، انتشرت للأسف مغالطة «الأفعى» بتعقيدات أكبر؛ أي أن البعض، بالاستناد إلى المعلومات العامة لدى غير المتخصصين، يقدمون كلامًا بوصفه معلومات تخصصية للجمهور؛ بحيث لو كان متخصص حاضرًا لأدرك الخطأ جيدًا، لكن أحيانًا، لأن الفهم الصحيح للمسألة يتطلب معلومات تخصصية غزيرة يفتقر إليها المخاطب، لا يمكن إقناعه بسهولة. مثلًا، الأشخاص الذين يجهلون نشأة وتطور الهندسات اللاإقليدية، يظنون أن قانون «مجموع زوايا المثلث يساوي ١٨٠ درجة» هو قانون قطعي لا يمكن حتى افتراض خلافه؛ ويمكنهم بسهولة أن يُلقنوا طالبًا في المرحلة الثانوية أن «من يقول إنه رسم مثلثًا مجموع زواياه ١٦٠ درجة، فإن هندسته ضعيفة». في حين أنه أساسًا في الهندسات اللاإقليدية (التي، وفقًا لنظرية أينشتاين، تنتمي هندسة عالمنا إلى هذا النوع) لا يكون مجموع زوايا المثلث ١٨٠ درجة، بل إما أكثر أو أقل! أو شخص عندما رأى أن أحدهم توصل في حل معادلة رياضية إلى العدد ٧/٥-١٠ (عشرة أس سالب خمسة فاصلة سبعة من عشرة) قال بجزم: «أنت لا تفقه الرياضيات؛ لأن الأس السالب أولًا لا معنى له، وثانيًا الأس العشري لا معنى له!» وكان يسوق دليلًا: «الأس يعني كم مرة يُضرب العدد في نفسه، وتكرار الضرب لا معنى له في الحالة السالبة أو العشرية!» اليوم، باستخدام آلة حاسبة علمية، يمكن بسهولة إظهار أن هذه القيمة ليست فقط غير ذات معنى، بل قابلة للحساب تمامًا وقيمتها تساوي تقريبًا ٥٠١١٧٨؛ ولكن في غياب هذا النوع من الآلات الحاسبة، كيف سيكون إفهام معنى ذلك العدد (أي كيف يكون لدينا أس سالب أو عشري) لشخص تعلم الأسس البسيطة فقط؟
في بداية المقال الحالي، قُدم مثال عن إبداء الرأي في مجال علم الأحياء، ولكن أُضيف هذان المثالان الآن لكي يتضح أن مجرد امتلاك الشخص لبعض المعلومات في مجال ما (في المثال الحالي: الهندسة والحساب) - وهي معلومات صحيحة في حدودها - لا يعني أنه يستطيع ببساطة أن يشكك في كلام المتخصصين في ذلك المجال (في المثال الحالي: علماء الرياضيات)؛ ولا يمكن اعتبار عدم رد هؤلاء المتخصصين دليلًا على صحة الإشكال؛ لأن الواقع أحيانًا يكون مثل حكاية «الأفعى» التي إذا دخل المرء في التخصص ذي الصلة (محو الأمية في مثال الأفعى، أو الحساب والهندسة التخصصيان في الأمثلة الأخيرة) انحلت له المسألة تلقائيًا، وإذا لم تنحل، فلا يمكن إفهامه المطلب بسهولة.
للأسف، يُلاحظ خطأ مشابه في المقالين قيد النقاش. فالمؤلف المحترم، لإثبات وجود مخالف فقهي في مسألة حجاب الشعر والعنق، استند إلى أشخاص إما أن المجتمع العلمي في التخصص ذي الصلة لا يعتبرهم من أصحاب الرأي في هذا المجال، وإما أن رأيهم كان خارجًا عن ضوابط منهجية علم الفقه؛ ومن ثم فإن تقديم مثل هذا المطلب بوصفه «رأيًا مخالفًا لبعض الفقهاء» وجعله مستندًا لبحثه، يتعارض مع أخلاقيات البحث.
من الضروري التذكير أنه حتى بناءً على نظرية تعدد القراءات، فإن ما ينبغي قبوله ليس أي قراءة، بل القراءة المنهجية؛ وعندما يخرج شخص عن المبادئ الأولية لمنهج البحث في مجال الفقه مثلًا، فهل يمكن قبول كلامه كقراءة قابلة للاستناد في مجال الحكم الفقهي؟ الإجماع الفتوائي[٣٠] لجميع المتخصصين في علم الفقه (أي فقهاء الشيعة والسنة) على مدى أكثر من ألف عام بخصوص مقدار تغطية رأس المرأة وعنقها أمام الأجنبي، كان على أن تغطية كل ذلك ما عدا الوجه أمر لازم وواجب، وإذا كان بينهم نقاش، فقد كان النقاش حول ما إذا كانت تغطية وجه المرأة واجبة أيضًا أم لا؛ وهذا إجماع صرح به الدكتور كديور (وهو أحد الأشخاص الذين استند إليهم المؤلف المحترم).[٣١] في مثل هذا السياق، ما معنى الاستناد إلى كلام بضعة أشخاص، لا يقبل أحد (ولا حتى هم أنفسهم) فقاهتهم، أو أن ضعف أدلتهم الفقهية في هذا الموضوع واضح للمتخصصين (= الفقهاء) لدرجة أنهم لا يكلفون أنفسهم عناء الرد عليهم؟ هل يكفي اهتمام الإنسان الشخصي بأن يتقبل المخاطب مطلبًا ما، لكي يقدم كلامه بأي طريقة كانت على أنه كلام علمي للجمهور؟
من المحتمل أن يجيب المؤلف المحترم: أنا أُقر بأن أمثال الجابري وعشماوي وأبو زيد وعبد العلي بازركان وتركاشوند ليسوا فقهاء، وهم أنفسهم لا يدّعون الفقاهة، ولكن ماذا عن الدكتور كديور والمرحوم قابل؟ هما حاصلان على إجازة اجتهاد من آية الله منتظري.[٣٢]
أما بشأن ما إذا كان هذان الشخصان يمتلكان هكذا إذن بالاجتهاد أم لا؛ فبما أن هذا الادعاء طُرح على موقعهما الإلكتروني، فإننا نحمله على الصحة[٣٣] (رغم أن الشخص نفسه الذي منحهما إذن الاجتهاد كان مخالفاً لهما في هذه المسألة)؛ لكن ما يشكل المعيار للحكم على رأي شخص ما بكونه اجتهادياً أم لا، هو ـ أكثر من هكذا أذونات ـ استدلالاته هو؛ والعارفون بساحة الفقاهة بشكل تخصصي يعلمون بوضوح أن المطالب المنقولة عن هذين الشخصين في هذا الشأن، لا يمكن أن تتجاوز في حدها الأقصى مستوى طرح احتمال. فالمرحوم قابل اعتبر أدلته صراحة في حدود إثارة احتمال يمكن الاعتناء به، والدكتور كديور أيضاً، أولاً، قيد رأيه في مطلبه بقيود (مثل: «في المناطق التي يكون فيها تغطية الرأس والشعر والعنق للنساء متعارفاً، ويكون عدم تغطية هذه المواضع ذا مفسدة، تُلزم النساء بتغطية هذه المواضع»)، وثانياً، استند في هذا الرأي إلى آية، يأتي في تتمتها ما يرفض رأيه صراحة؛ رأي لا يمكن، بناءً على منهجية الفقه الرائجة والمتعارفة لدى الشيعة، اعتباره استدلالاً فقهياً معتبراً؛ فأين هذه الآراء من وجود حكم فقهي منافس؟
***
والآن يحين دور دراسة الاستدلالات التي طرحها الكاتب المحترم نقلاً عن الأشخاص المذكورين بشأن عدم وجوب تغطية الشعر والعنق في الإسلام.
يبدأ الكاتب المحترم استناداته بمطالب السيد تركاشوند، قائلاً:
«توصل أمير تركاشوند، بمتابعاته الفقهية والتاريخية الطويلة، وخلافاً للرأي المشهور، إلى عدم وجوب تغطية العنق وشعر الرأس. وطبقاً لرأيه، كان للحجاب الشرعي في عصر النبي حدود وثغور أخرى، وكان بعيداً جداً عما هو سارٍ بيننا اليوم.»
لقد نُشرت المتابعات المذكورة في كتاب بعنوان «الحجاب الشرعي في عصر النبي» في الفضاء الافتراضي؛ لكن هذا الكتاب، ليس فقط غير موثوق به من حيث منهج التتبع التاريخي، بل إنه حرف أحياناً كلام الأشخاص، بل وارتكب في مواضع متعددة أخطاء فادحة حتى في ترجمات العبارات وتبيان المراد من الألفاظ؛ وهو يعبر عن ذهنيات مؤلفه المحترم أكثر مما يعبر عن الوقائع التاريخية؛ وبما أن الحقير قد بيّن الضعف العلمي الشديد لهذا الأثر في موضع آخر، يُكتفى بذلك.[٣٤]
الدكتور كديور، في كلام منقول عنه في المقالات المذكورة، شكك في دلالة الجلباب والخمار على تغطية الرأس، وفي أغلب تصريحاته على موقعه، تمسك بعبارة «إلا ما ظهر منها» في الآية ٣١ من سورة النور لعدم تغطية الرأس والعنق. وبالطبع، للدكتور كديور في تتمة نفس المطلب الذي استند إليه الدكتور سروش دباغ، مطلب مهم لم يُشر إليه إطلاقاً. يقول الدكتور كديور صراحة:
«النساء المؤمنات في المجتمعات والظروف التي يكون فيها تغطية الرأس والعنق والشعر، وبشكل عام تمام البدن ما عدا الوجه والكفين والقدمين، متعارفاً، بحيث يترتب على عدم تغطيتها مفسدة، يُلزمن بحكم ثانوي بتغطية هذه المواضع أيضاً.» (تاريخ المطلب في موقع الدكتور كديور: ٣٠ دي ١٣٩١)
وفي تصريح أحدث، أكد:
«في المناطق التي يكون فيها تغطية الرأس والشعر والعنق للنساء متعارفاً، ويكون عدم تغطية هذه المواضع ذا مفسدة، تُلزم النساء بتغطية هذه المواضع. [...] لا ينبغي للنساء المؤمنات أن يكنّ دون متوسط التغطية في منطقتهن» (تاريخ المطلب في موقع الدكتور كديور: ١٢ بهمن ١٣٩١)
سيتم بيان نقاط حول معنى الجلباب والخمار في الفصل التالي، وفيما يتعلق بدليلهما الرئيسي (عبارة الآية ٣١ من سورة النور)، فقد بيّن الحقير في مقال آخر بالتفصيل أنه بالإضافة إلى عدم صواب استنباطهما بناءً على ضوابط علم اللغة، فإن مضمون تتمة الآية يرفض رأيهما صراحة أيضاً، وأن استظهارهما مخالف لنص الآية نفسها، ولم يقدما حتى الآن دليلاً وجيهاً لهذا الاستظهار المخالف للآية.[٣٥]
وفيما يخص المهندس عبد العلي بازركان، فإن كل ما نُقل عنه هو مجرد رأي غير مدعوم بدليل[٣٦]، والمناقشة التي ستُقدم في نهاية المقال حول الآية (وكذلك الرجوع إلى الانتقادات التي وُجهت لآراء الدكتور كديور والسيد تركاشوند والتي تم التعريف بها) كافية لإدراك عدم صحة استنتاجه.
الاستدلال الذي نقله الكاتب المحترم عن بعض المثقفين العرب هو أن وجوب حجاب الشعر والعنق كان بغرض تمييز النساء الحرائر عن الإماء. وهو ينقل عن محمد عابد الجابري قوله:
«في الماضي، كانت بعض الأزقة مسقوفة، وكان الرجال يجلسون على جانبي الزقاق ويتحادثون... وعندما كانت النساء الحرائر يخرجن من المنزل برفقة الجواري لقضاء الحاجة، كان هناك رجال يجلسون على جانب الزقاق... ويقومون بمضايقتهن وإيذائهن بإشارات خاصة... وسبب حكم الحجاب هو أن يميز الشباب والرجال النساء الحرائر عن الإماء، فلا يتعرضون لهن بالأذى ولا يرمقونهن بنظرات ملوثة.»
ثم يستنتج نفي وجوب الحجاب نقلاً عن نصر حامد أبو زيد بأنه نظراً لانتفاء الحاجة إلى التمييز بين الإماء والحرائر اليوم، لم يعد الحجاب المذكور ضرورياً:
«لذا فإن الحجاب ليس واجباً في العصر الحديث، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، يأتي بوجودها ويزول بزوالها.»
وفيما يتعلق بـ عشماوي، فتُذكر فقط موافقته لأبي زيد والجابري.[٣٧]
كما أوضحنا في الفصل الثالث، لا يوجد أي دليل معقول على أن فلسفة وجوب الحجاب هي «تمييز المرأة الحرة عن الأمة» فحسب؛ بل إن فضاء النصوص الإسلامية يخالف ذلك. في الواقع، المسألة هي:
١) هل وردت هذه المسألة بالصورة المذكورة أعلاه في القرآن الكريم؛ أو على الأقل، هل قُدمت وثيقة تاريخية يعتد بها بخصوص شأن نزول آية بهذا المضمون؟
٢) هل تنسجم هذه الفلسفة مع سائر تعاليم الإسلام، وهل يمكن أصلاً، بالنظر إلى مجموع تعاليم الإسلام، نسبة هكذا أمر إلى الإسلام؟
٣) هذه الواقعة، حتى لو كانت صحيحة، فهي على أقصى تقدير في حدود شأن النزول للآية؛ فهل يمكن استخلاص فلسفة الحكم من شأن النزول؟
١) هذه المسألة بالصورة المذكورة أعلاه لم ترد مطلقاً في القرآن الكريم، بل وردت في بعض التفاسير حول شأن نزول الآية، وذلك أيضاً دون تقديم أي سند تاريخي معتبر. وبالبحث في تفاسير الشيعة والسنة (وهو أمر يسهل القيام به اليوم بفضل البرمجيات المتاحة)، لا يجد المرء أي سند تاريخي متصل لهذا الادعاء (أي شخص كان معاصراً للنبي أو سمع الأمر من الأئمة الأطهار ونقل الواقعة). الحالة الوحيدة التي توجد كسند تاريخي في تفسير هذه الآية هي رواية عن علي بن إبراهيم القمي، وهي بالمناسبة لا تنسجم مع التحليل المذكور أعلاه. جاء في هذه الرواية:
«سبب نزول الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ هو أن النساء كن يأتين إلى المسجد ويصلين خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي الليل عندما كن يأتين لصلوات المغرب والعشاء والصبح، كان بعض الشباب يجلسون في طريقهن ويؤذونهن ويتعرضون لهن. فأنزل الله هذه الآية إلى أن يقول: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (أي: هذا أقرب إلى أن يُعرفن فلا يُؤذَين).»[٣٨]
كما يُلاحظ، لا يوجد في هذه الرواية أي إشارة إلى المرأة الأَمَة والحرّة؛ وقد نبّه بعض مفسري صدر الإسلام إلى أن المقصود من «يُعرفن» هو «أن يُعرفن بأنهن من أهل الستر والعفاف [في مقابل الزواني] حتى لا يتعرّض لهن الفاسق، لأن المرأة إذا عُرفت بالستر والعفاف لم يتعرّض لها أحد.»[٣٩] وبتعبير آخر، المقصود من عبارة «يُعرفن» هو تمييز النساء العفيفات عن النساء الفاجرات، كي لا يجرؤ الفسّاق على إهانتهن؛ لا تمييز الحرائر عن الإماء، ليعرف الفسّاق الحرائر فلا يتعرّضوا لهن فقط! وبالطبع، على مرّ التاريخ، ونظراً لأن فتوى بعض الفقهاء كانت تجيز عدم استخدام الجلباب (وبالتالي جواز عدم تغطية شعر الرأس) للإماء، فقد ربط البعض هذا الحكم الفقهي (دون أي سند تاريخي) بالآية أعلاه، وكرّر ذلك من جاء بعدهم.
٢) إن أصل هذا الادعاء يتعارض تماماً مع سائر تعاليم الإسلام؛ لأن لازم هذا الحكم هو أن إيذاء العبيد والإماء والتحرّش بهم جنسياً والنظر إليهم بشهوة أمر جائز للأشخاص المتهتكين؛ وأن الإسلام أوجب الحجاب على الحرائر فقط لكي لا يخطئ هؤلاء في تحرّشهم فيتعرّضوا للحرائر! وبطلان هذا القول واضح تماماً.[٤٠]
٣) في الاستدلال أعلاه إشكال آخر أيضاً. فحتى لو كانت الواقعة المذكورة صحيحة، فإنها كانت سبب نزول هذه الآية؛ وسبب نزول الحكم شيء، وفلسفة ذلك الحكم وعلّته شيء آخر. سبب النزول يعني في أي ظروف وبمناسبة أي حادثة نزلت الآية؛ وحتى لو كان كلام المفسرين المذكورين غير المسند صحيحاً، فهو يبيّن -على أقصى تقدير- سبب نزول الحكم، لا فلسفة الحكم؛ أي أنه من الممكن أن تكون لضرورة تشريع حكم ما جذور مختلفة في أبعاد الإنسان النفسية والاجتماعية المتنوعة، مما يحدد في زمن وقوع أية حادثة يُعلن ذلك الحكم، ولكن كثيراً ما تزول تلك الحادثة، ولكن يبقى الحكم لأن تلك الجذور والفلسفات الأساسية للحكم لا تزال قائمة. فمثلاً، سبب نزول الآيات التي أدت إلى تغيير قبلة المسلمين من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، هو بعض الطعون والمشكلات التي كان اليهود يوجهونها للمسلمين؛ ولكن هذا لا يعني أن العلة الحقيقية وفلسفة حكم القبلة الجديدة بأكملها كانت هذا فقط؛ ولذلك، ومع أن المسلمين تفوقوا تدريجياً ولم يعد اليهود يجرؤون على الطعن بهم، بقيت القبلة على حالها الجديد. وخلاصة القول: أولاً، إن أصل القصة غير صحيح؛ وثانياً، حتى لو كان أصل القصة صحيحاً، فهو يبيّن -على أقصى تقدير- سبب نزول الآية، لا علة الحكم.
تنبيه: إن استثناء الإماء هو أيضاً حكم لم يرد في القرآن الكريم، بل مستنده الأساسي هو فتوى الفقهاء المشهورة وبعض الروايات. وكان التنبيه على هذه النقطة ضرورياً لتأكيد ما مرّ في الفقرة السابقة؛ أي أن أولئك الذين يظنون أنه لا بد أن يرد الشيء صراحة في القرآن حتى يُعتبر حكماً شرعياً؛ فكيف إذن يجعلون استثناء الإماء هذا (وهو أهم ذريعة لمنكري وجوب حجاب الشعر والعنق اليوم) قرينةً لما ورد حكمه صراحة في القرآن؟ وبتعبير آخر، لماذا حين يريدون الاستثناء من الحكم الشرعي، ومن خلال هذا الاستثناء يستنبطون فلسفة الحكم، تكون الروايات والفتوى الرائجة بين الفقهاء مقبولة كطريق لتحديد الأمر الإلهي، ولكن حين يتعلق الأمر بفهم حدود الحكم، يجب أن يكون هناك فقط وفقط آية قرآنية، وتصبح حتى الروايات المعتبرة وإجماع الفقهاء بلا قيمة؟
ما يتبادر إلى الذهن من قراءة مقالة المرحوم قابل هو أنه كان فقط بصدد طرح إجمالي لـ«احتمال جدير بالاعتبار»، لا بيان «حكم فقهي منافس» تكون لديه «أدلة كافية» لإثبات مدّعاه[٤١]؛ ولو أن شخصاً مطلعاً على الساحة الفقهية درس نصّه، لأدرك أن أدلته ليست على الإطلاق في مستوى تقديم استدلال فقهي معتبر لإثبات حكم فقهي جديد؛ ولو أراد النظر إليها بهذا العنوان، لكانت عرضة لمناقشات كثيرة. وهنا، على سبيل المثال فقط، نشير إلى ذلك القدر من أدلته الذي ورد في مقالة الدكتور سروش دباغ.[٤٢]
إن الدليل الذي نقله عن المرحوم لنفي وجوب حجاب الشعر والعنق يعود إلى مسألة الفرق بين المرأة المسلمة والأَمَة؛ غير أنه يبدو أنه استخدم هذه المسألة بطريقة مختلفة عن أولئك المثقفين، أي أنه التفت إلى أصل الحكم، لا إلى شأن نزوله. وهو يستفيد من هذا الفرق على النحو التالي:
«عدم وجوب ستر رأس وعنق الإماء المسلمات يدل على هذا الأمر البالغ الأهمية وهو: أن "كون رأس وعنق أي امرأة مسلمة منظوراً إليهما ليس حراماً"؛ وبعبارة أخرى: لا "كونها امرأة ولا كونها مسلمة" هو علة وجوب ستر الرأس والعنق. ذلك أن "الإماء المسلمات" كنَّ "نساءً" و"مسلمات" ولم يجب عليهن ستر الرأس والعنق.»
ثم مع التأكيد على أنه:
«أي فرق في الإثارة يوجد بين النساء المسلمات الإماء والحرائر حتى لا يجب على الإماء ستر الرأس والعنق ويجب على الحرائر؟»
يستنتج أن منع الإثارة لا يمكن أن يكون فلسفة الحجاب أيضاً؛ خصوصاً:
«مع الالتفات إلى أن أساس الجمال في نطاق الرأس والعنق يعود إلى جمال العين والحاجب والفم والشفة والأسنان والذقن وتركيبها، والإسلام لم يوجب سترها، فأي خصوصية جذابة في شعر وعنق المرأة حتى صار لزوم ستره موضع تأكيد المسلمين هذا التأكيد؟»
إذا دققنا في متن استدلاله يتضح أن تحليل المرحوم قابل هو تحليل أحادي العامل، وكأن العامل الوحيد الذي يمكن أن ينتج وجوب الحجاب الدائم هو منع إثارة الرجال؛ ثم بنفي ذلك، ينفي دوام حكم الحجاب، وتُعتبر فلسفته مجرد تفريق بين المرأة الحرة والأَمَة، وهو أمر مؤقت في نظره ولا ضرورة له اليوم. ويمكن طرح عدة أسئلة حول هذا الاستدلال:
۱) هل يمكن استخدام مثل هذه التحليلات الأحادية العامل لاستخراج فلسفة حكم شرعي؟
۲) هل هذا التحليل الأحادي العامل نفسه قادر على إثبات مدعاه (عدم العلاقة بين الإثارة والحجاب)؟
۳) ألا يعود مبناه إلى نفس شأن النزول الذي يدعيه المثقفون العرب (والذي سبق بيان إشكالاته)؟
٤) هل روعيت في استدلاله ضوابط الاستدلال الفقهي المعتبر؟
۱) كما أشير، فإن «جواز عدم ستر رأس وعنق الإماء المسلمات» حكم فقهي، وهذا الاستثناء بالطبع لم يرد في القرآن الكريم (وخلافاً لما ادعاه المرحوم قابل في مقالته، ليس فقط أنه ليس «مقتضى أدلة نقلية معتبرة واتجاه إجماعي»، بل ليست لدينا روايات كثيرة عليه، ولم يكن موضع إجماع نظراً لوجود فقهاء مخالفين)؛ وإن كانت فتوى الفقهاء المشهورة قد تعلقت به.[٤٣] ولكن ما يستحق التأمل هنا هو النموذج التحليلي للمرحوم قابل، وهو تفسير هذه الوظيفة الاجتماعية الشرعية تفسيراً أحادي العامل. وبتعبير آخر، لقد ظُن في الاستدلال أعلاه أن العامل الوحيد الذي يمكن طرحه كفلسفة للحجاب هو منع إثارة الرجال، ثم قيل: «إذا كان هذا هو مناط وجوب ستر الشعر والعنق، فكان ينبغي ألا تُستثنى الإماء (وكذلك وجوه النساء)»، واستنتج أنه: «الآن وقد استثنيت الإماء (وكذلك "وجه" النساء)، فذلك المناط غير صحيح؛ وبالتالي لا لزوم لستر الشعر والعنق».
أما كيف تم إثبات أن المعيار الوحيد الذي يمكن طرحه في مسألة غطاء النساء هو فقط وفقط منع الإثارة؟ لقد تم شرح ضعف هذا التحليل الأحادي العامل في فلسفة الحجاب في الفقرتين 4 و5 من الفصل الثالث، ولا ضرورة لتكراره. فقط من أجل فهم أفضل لهذه النقطة وهي أنه «في الظواهر الاجتماعية، كثيراً ما تكون هناك معايير متعددة مؤثرة في تكوين تلك الظاهرة»، قد يكون التذكير بمثال من مجال اللباس نفسه مفيداً؛ وهو التدقيق في المعايير المتعددة الداخلة في لباس الرجال. في عرف مجتمعنا (وكثير من المجتمعات الأخرى)، يُعد خروج الرجل من المنزل بحد أدنى من الملابس الداخلية فقط فعلاً مستحقاً للذم أخلاقياً؛ لكن هذا الذم الأخلاقي لا يرتبط بالضرورة بالإثارة الجنسية؛ وبتعبير آخر، رغم أن بعض أبعاد لباس الرجال هي لمنع الإثارة الجنسية، إلا أن هناك أبعاداً أخرى لهذا اللباس لها ضرورة أخلاقية حتى لو لم تكن لها علاقة بالإثارة. وفي شأن النساء أيضاً لا شك أن أبعاداً من لباسهن تتعلق بالدرجة الأولى بمسألة الإثارة، ولكن من أين استنبطوا حصريتها واستنتجوا أنه إذا لم توجد إثارة، فلا ضرورة بعد ذلك؟
من ناحية أخرى، وكما تم شرحه في نفس الموضع، فإن جواز عدم ستر الوجه والكفين لعموم النساء، بحسب اعتقاد كثير من المفسرين والفقهاء، لم يكن من باب عدم الإثارة، بل من باب العسر والحرج الذي كان يتحمله المرأة بوجوب سترهما عليها؛ أي أن الإسلام عندما لا يعارض الحضور المعقول والعفيف للمرأة في ساحة الشؤون الاجتماعية، فإنه يأخذ بعين الاعتبار أيضاً أن هذا الحضور لا ينبغي أن يقترن بالعسر والحرج؛ ولأن ستر الوجه والكفين كان يمنع حضورها الاجتماعي، فلربما لهذا السبب لم يكن إلزامياً. وبتعبير آخر، الإثارة عامل واحد في تصميم قانون الحجاب، والحضور العفيف للمرأة في المجتمع عامل آخر، والمشرع عند تقنين قانون الحجاب (الذي تكون بعض أجزائه مستورة وبعضها مكشوفة) يأخذ بعين الاعتبار حصيلة مجموع هذه العوامل، وليس عامل الإثارة فقط.
2) حتى لو أردنا التحليل بعامل واحد، فإن أصل استدلالهم في رفض معيار «منع الإثارة» لا يزال غير مقبول. بالطبع، سبق أن نوقش الفرق بين منع «انتشار الشهوانية في المجتمع» (وهي نظرة اجتماعية ناظرة إلى واجب المرأة في الارتقاء بمجتمعها) ومنع «إثارة الرجال» (القائمة على نظرة ذكورية أبوية)، وتم شرح أن منع «انتشار الشهوانية في المجتمع» هو أيضاً واحد فقط من العوامل المتعددة الداخلة في هذه المسألة، وليس العامل الوحيد؛ ولكن حتى لو اعتبر أحد أن فلسفة وجوب الحجاب هي فقط «منع الإثارة»، فإن إشكال المرحوم لا يزال غير وارد. شرح المطلب هو: أحياناً، بناءً على فلسفة خاصة، يصبح حكم ما واجب التنفيذ بشكل عام، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار مكونات أخرى في المجتمع، يُستثنى ذلك الحكم في بعض المجالات أو لبعض الأفراد؛ فهل يعني هذا الاستثناء أنه لم تكن هناك فلسفة للحكم من الأساس؟ مثلاً، يُعلن أن أساتذة الجامعة مكلفون بتقديم «منهجية» درسهم في بدايته. ثم يُعلن أن الأساتذة الحاصلين على شهادة الماجستير غير مكلفين بهذا القانون. يفهم المخاطب الدقيق النظر أن هذا الاستثناء لا يتنافى مع فلسفة الحكم تلك؛ أي أن تنفيذ تلك التعليمات هو بالفعل لصالح الدرس؛ ولكن من ناحية، لأن قدرة الأساتذة غير الحاصلين على الدكتوراه أقل وليس من المعلوم إن كانوا سينهضون بذلك العمل، ومن ناحية أخرى، فإن النظام التعليمي يسير تدريجياً نحو وضع لن يبقى فيه بعد مدة أي أستاذ بشهادة أقل من الدكتوراه في الجامعات، وبالتالي فإن وقوع ذلك الاستثناء لا يضر بفلسفة الحكم الرئيسي فحسب، بل يمنع تنفيذه غير الناجح.
وفي موضوع بحثنا الحالي أيضاً، افترض أن الفلسفة الرئيسية للحجاب هي فقط «منع شهوانية الرجال» هذه؛ لكننا نعلم جميعاً أن الإسلام كان معارضاً لأصل نظام الرق، وسعى في برنامج طويل الأمد (بأنواع التشجيع على تحرير العبيد، وكذلك العقوبات التي كان جزاؤها تحرير رقبة، مثل كفارة الصوم و...) إلى إزالة الرق من المجتمع. إضافة إلى ذلك، كان هؤلاء العبيد يُعتبرون نوعاً من مواطني الدرجة الثانية، وكان مالكوهم هم المتصرفون في كل ما يخصهم (من أموالهم إلى حق زواجهم)، ولذا لم يكن أحد يرغب فيهم كثيراً؛ والإسلام في مثل هذه الظروف يرفع عنهم إلزام ستر الشعر (بشرط عدم الزينة). فإذا كان الأمر كذلك، فهل يكون استثناؤهم دليلاً على عدم وجوب الحجاب العام؟
۳) المرحوم قابل، وإن لم يصرّح بذلك، إلا أنه عملياً تبنّى الأساس نفسه الذي ذهب إليه المثقفون العرب (أي التمييز بين المرأة الحرّة والأَمَة) بوصفه فلسفة الحجاب؛ ذلك أنه يسلّم بوجود ملاك للأحكام، ويقرّ بضرورة تغطية شعر وعنق النساء المسلمات الحرائر في زمن النبي والأئمة، ثم بالنظر إلى استثناء الإماء، ادّعى أن فلسفة ذلك لا يمكن أن تكون منعاً لشهوة الرجل؛ ومن ثمّ فقد اعتبر الملاك ضمناً هو ذاك التمييز بين النساء الحرائر والإماء. وبهذا يتّضح أن النقد نفسه الموجّه إلى رؤية المثقفين العرب، يرد عليه هو أيضاً: أي أن أصل الدعوى القائلة بأن الحجاب كان للتمييز بين الحرّة والأَمَة، هي دعوى بلا دليل، بل هي مخالفة لكثير من المسلّمات التاريخية؛ وعليه، لا يمكن أن يكون هذا هو فلسفة وجوب الحجاب، في حين أنه يسلّم بوجوب الحجاب على النساء الحرائر في ذلك الزمان؛ لذا فعندما يكون الملاك الذي قدّمه لاعتبار الحجاب مؤقتاً غير صحيح، فإن استنتاجه القائل: إنه ما دام ملاكه قد انقضى، فلم يعد ثمة ضرورة له اليوم، سيكون غير صحيح أيضاً.
۴) نظراً لأن كلام المرحوم قابل يُستند إليه بصفته مجتهداً، فلا بأس من الإشارة إلى كيف أن بعض ضوابط الاستدلال الفقهي قد أُهملت في استدلاله؛ وبالتالي لا يمكن اعتباره رأياً اجتهادياً منهجياً. يبدو أن المرحوم قابل أراد من خلال الولوج إلى ملاك الحكم ومناطه، أن يستخرج نطاق شمول الحكم؛ لكنه في تعيين الملاك، استند إلى أدلة غير موثوقة؛ وفي مسيرته الفكرية، لم ينتبه من جهة إلى كثرة الروايات المحيطة بالحجاب، والتي تشهد على قطعيته، ومن جهة أخرى أغفل مقتضيات المطلق والمقيّد (أو العام والخاص)، كما خلط بين المباح الاقتضائي والمباح اللاقتضائي.[۴۴]
والتوضيح الإجمالي للمطلب هو: أنه في بحث الحجاب، إضافة إلى الروايات التي تتناول حدود تغطية المرأة مباشرة، توجد روايات متعددة أخرى وردت في معرض الإجابة عن أسئلة السائلين، تُظهر أن أصل هذه الحدود كان واضحاً لدى عامة الناس إلى درجة أنهم كانوا يسألون بهذا القدر عن هوامشها واستثناءاتها الأخرى.[۴۵] وبتعبير آخر، إضافة إلى الروايات التي تشير مباشرة إلى حدود الحجاب الواجب، فإن كثرة الأسئلة في مجالات من قبيل: هل يجوز للمرأة المسنّة، أو الأَمَة، أو المريضة ألا تغطي رأسها؟ أو السؤال عن جواز أو عدم جواز النظر إلى رأس وعنق نساء أهل الكتاب، ونساء البادية... إلخ، تُظهر أن أصل الحجاب بالنسبة للمرأة المسلمة كان يُعتبر قطعياً لدى عامة الناس، وكانوا يريدون أن يعرفوا هل هذا الحكم الواجب على المسلمين في الظروف العادية، واجب أيضاً على الفئات الخاصة أو في بعض الظروف الاجتماعية الخاصة أم لا. هذا الكمّ من الروايات لا يبقي لدى الفقيه أي تردد في وجوب تغطية العنق وشعر الرأس لعموم النساء المسلمات. وفي هذا السياق، ينبغي العمل بمقتضيات المطلق والمقيّد (أو العام والخاص). إذا قُيّد حكم مطلق في موضع ما، فهل يعني ذلك أن أصل ذلك الحكم، في حد ذاته، لم يكن ضرورياً، أم أن التعبير بالمطلق ثم تقييده، يُظهر بالعكس أن أصل الحكم كان ضرورياً في حد ذاته، لكنه في ظروف خاصة وبسبب ملاحظات ثانوية، لا يُطبّق هذا الحكم، ويكون مثلاً أمراً كان مقتضاه الأولي الوجوب أو الحرمة، لكنه تحول إلى مباح بسبب ملاحظة كالعسر والحرج في ظروف معينة (= مباح اقتضائي)؟ إن إطلاقات الروايات في بحث الحجاب هي على نحو يجعل هذا القيد الذي يركّز عليه المرحوم قابل (وهو أنه إذا كانت المرأة أَمَة فلا يجب عليها الحجاب) ليس من شأنه البتة أن يُعطي مناط الحجاب حتى يقول: «بالنظر إلى هذا الاستثناء، لا كونها امرأة هو المهم في حكم تغطية الشعر والعنق، ولا كونها مسلمة». وبتعبير آخر، فإن التدقيق في الروايات ذات الصلة يكشف أن أغلب استثناءات باب الحجاب هي من قبيل المباح الاقتضائي (أي أن هذا الاستثناء قد ورد في الشريعة بسبب عامل ثانوي كالعسر والحرج مثلاً). وبهذا التوضيح، فإن الاستناد إلى عدم وجوب حجاب الشعر والعنق للإماء وعدم وجوب حجاب الوجه للمرأة لاستنتاج عدم وجوب حجاب العنق والشعر... إلخ، هو مثل أن يستنتج شخص، بالنظر إلى أن صلاة الظهر الرباعية تُقيّد في السفر، أن أصل صلاة الظهر هو ركعتاها الأوليان فحسب، وأن الباقي يرتبط بحال المخاطب ومزاجه!
بحث تفصیلی درباره اینکه بر اساس آیات قرآن، محدوده حجاب چه اندازه است، خارج از حوصله نوشتار حاضر است؛ اما با توجه به اشکالاتی که در مقاله مذکور مطرح گردیده، لازم است حداقل به این مقدار اشاره شود که بالاخره آیا واقعا استفاده از واژههای جلباب و خمار در قرآن کریم بر پوشش گردن و مو دلالت دارد یا خیر؟
عموم مفسران تا امروز چنین دلالتی را از آیه فهمیدهاند؛ و چنانکه نشان دادیم حتی روشنفکران عرب و مرحوم قابل هم همین را از آیه فهمیدهبودند (فقط میگفتند این مال تفکیک زن برده و آزاد، و حکمی موقتی است، نه حکم ابدی، که پاسخش گذشت). مهمترین کسی که ادعای دلالت نداشتن جلباب و خمار بر پوشاندن گردن و مو را مطرح کرده، آقای ترکاشوند است؛ و سپس دکتر کدیور؛ که غیرمعتبر و غیرمستند بودن ادعای ایشان در مقالاتی که اشاره شد (ر.ک: پاورقیهای ۳۴ و ۳۵) تبیین شده است.
برطبق آنچنان عموم مفسران در طول تاریخ و نیز عموم لغتشناسان توضیح دادهاند: خمار و جلباب، پارچههایی بوده که زنان به صورت آزاد روی سر خود میانداختهاند؛ خمار[۴۶] اندازه کوچکتری داشته (شبیه روسریهای امروزی) که قرآن کریم در مورد آن میفرماید: «وَلْیَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُیُوبِهِنَّ»[۴۷] یعنی با خمارها، «جیوب» (گریبانها)[۴۸] را هم بپوشانید (یعنی اکنون که بالا و پشت سر شما پوشیده شده، جلوی گردن و سینهتان را هم بپوشانید) و جلباب اندازه بزرگتری داشته[۴۹] (ظاهراً اندکی کوچکتر از چادرهای امروزی) که قرآن کریم در مورد آن میفرماید «یَا أَیُّهَا النَّبِیُّ قُل لِّأَزْوَاجِکَ وَبَنَاتِکَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِینَ یُدْنِینَ عَلَیْهِنَّ مِن جَلَابِیبِهِنَّ»؛[۵۰] یعنی در مورد آن تأکید میشود که آن را به صورت رها روی سرتان نیندازید، بلکه آن را به خود نزدیک کنید (به تعبیر امروزی، حجابتان را محکم کنید، نه شل و وارفته که دائما کنار رود).
همچنین در مباحث زبانشناسی (مباحث الفاظ علم اصول فقه) نیز به تفصیل تبیین شده که صیغه «امر» دلالت بر «وجوب» میکند[۵۱]؛ یعنی اگر جملهای به صورت امری بیان شد، ظهور در مفهوم وجوب دارد؛ و میدانیم که در هر دو آیه مورد نظر کلمات جلباب و خمار (احزاب/ ۵۹ ؛ نور/۳۱) با عبارت «آمرانه» بیان شده است؛ یعنی به زنان امر شده که در پوششی که روی سر میگذارند، به انداختن آزاد آن، که فقط بالا و پشت سر را بپوشاند و هنگام حرکت گاه کنار رود بسنده نکنند، بلکه آن را به خود نزدیک کنند و بهویژه، محل گریبان لباس (سینه و گردن) را که نمایان میماند با همین روسری بپوشانند.
مجددا تاکید این نکته شاید لازم باشد که این تعبیر، «ظهور» آیه است؛ و در شناخت دستورات الهی، خود قرآن تاکید میکند که سخن پیامبر و اولیالامر (که مقصود ائمه اطهارعلیهمالسلام هستند)، در ردیف سخن خداست و همچون خود قرآن واجبالاطاعه است؛ یعنی یک مسلمان، اگر ابهامی در مورد حکم خدا داشته باشد، نمیتواند سخن پیامبر و ائمه را نادیده بگیرد و صرفا بر اساس تلقی شخصی خود رفتار کند. در واقع، این بحث قرآنی اخیر فقط از این بابت بود که نشان داده شود از ظاهر قرآن هم آنچه قابل استنباط است، همین حکم معروف حجاب است، نه حکم به جواز بیحجابی؛ نه اینکه برای شناسایی زوایای مختلف احکام خدا، ظاهر قرآن بهتنهایی کفایت میکند.
في ختام الحديث، لعل من المفيد التذكير بهذه الواقعة التاريخية التي وردت ليس فقط في المصادر الشيعية، بل في أهم مصادر أهل السنة أيضاً[٥٢]، وهي أنه قبل وفاة الرسول الأكرم (ص) بيومين أو ثلاثة، طلب وهو على فراش المرض أن يؤتى له بقلم ودواة ليكتب شيئاً حتى لا تضلوا من بعده. فقام عمر بن الخطاب وقال: «حسبنا كتاب الله»، معترضاً على طلب النبي (ص)، وأيده جمع ووقع النزاع، فلم يسمحوا للنبي بكتابة وصيته؛ في حين أن القرآن الكريم قد أمر صراحة بإطاعة أمر الرسول (النساء/٥٩) وأن ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (الحشر/٨). ولو دققنا في تعبير النبي (ص) هذا (أن أكتب شيئاً لا تضلوا بعدي) في سائر كلماته، لوجدنا أنه كان يستخدم هذا التعبير دائماً عند حديثه عن الإمامة من بعده (وأشهره في حديثي الثقلين والغدير)، ومن المرجح أنه كان يعني الأمر نفسه هنا أيضاً. والذين عارضوا هذا الأمر وفتحوا باب الضلال والاختلاف بين المسلمين تمسكوا بـ «حسبنا كتاب الله». فلنحذر من أن ندّعي نحن أيضاً، بحجة «حسبنا كتاب الله»، الاستغناء عن معلمه ومبينه الحقيقي (أي أحاديث النبي والأئمة) في فهم القرآن، فنبتلى بنفس الضلال الذي وعد به النبي (ص).
لكتابة مقال علمي شرطان على الأقل: الدقة العلمية ومراعاة الأخلاق العلمية. في المقالات قيد البحث، لم تُراعَ الدقة العلمية كما ينبغي، كما واجهت الأخلاق العلمية تحديات. لم تُراعَ الدقة العلمية لأن كثيراً من الأقوال طُرحت بالغموض والاشتراك اللفظي وبنظرة أحادية البعد؛ أما أخلاقيات البحث فقد واجهت تحدياً، لأنه في المجالات التي لم يكن المؤلف صاحب رأي فيها، بدلاً من الرجوع إلى المتخصصين المعتبرين، استند إلى أقوال من ليس لديهم تخصص في المجال ذي الصلة، أو إن ادُّعي أنهم متخصصون، فهم على الأقل في هذه المسألة لم يستخدموا المنهجيات المرتبطة بهذا التخصص، ولم تكن أدلتهم قابلة للاعتناء بها من قبل المتخصصين في هذا المجال.
على أية حال، في هذه الكتابة تم بحث مطالب الدكتور سروش دباغ في عدة فصول.
في الفصل الأول، حول علاقات الدين والأخلاق، طُرح بحث حول النظرية الدنيا للأمر الإلهي ونطاق شمولها، واتضح أن النظريات القابلة للذكر في هذا المجال ليست محصورة في نظريتي الأمر الإلهي الدنيا والقصوى (وحتى بالتقرير المقدم في المقالات المذكورة) بحيث يؤدي رفض إحداهما إلى إثبات الأخرى؛ كما أن بياناته في رفض نفس تلك النظرية القصوى وإثبات النظرية الدنيا (في مجال الإبستمولوجيا) ليست كافية ووافية بالمقصود؛ والأهم من ذلك أن التبيين الذي طرحه كتفسير أكثر وجاهة لـ «النظرية الدنيا للأمر الإلهي» قد حوّل نظريته الواقعية إلى نظرية «الاستغناء المطلق عن الأمر الإلهي»، أي نظرية تقف في مقابل كلتا النظريتين الدنيا والقصوى، وبالتالي في مقابل أصل التدين؛ ونتيجة لذلك، مع تفسيره لهذه النظرية، حيث يُساق الدين إلى المذبح، لا يبقى تعارض حتى يحتاج إلى موازنة متأملة ورفع التعارض.
في الفصل الثاني، تم التطرق إلى ماهية الأحكام الفقهية ونسبتها مع الأحكام الأخلاقية، واتضح أنه إذا كان من المقرر استخدام الموازنة المتأملة، فيجب أن تكون الموازنة المتأملة ذات اتجاهين، في حين أنه قام بوزن الأحكام في ميزان الأخلاق بشكل أحادي الجانب تماماً. بالإضافة إلى ذلك، هل يوجد حقاً تمييز بين التعاليم الأخلاقية والتعاليم الفقهية أم لا؟ إذا كان هناك تمييز، فلا دليل على ضرورة أو حتى فائدة أن يُوزن الثاني في ميزان الأول، بل إن أدلته هو نفسه في تمييز الفعل الطبيعي عن الفعل الأخلاقي، هي دليل وجيه في رفض مدعاه هو. ثم إنه إذا كان من المقرر أن تُوزن التعاليم الفقهية بالتعاليم الأخلاقية، فلماذا بالأخلاق العلمانية؟ هذا أشبه بأن ننصب في محكمة أحد طرفي النزاع قاضياً. وأخيراً، تبين أن الافتراض المسبق لإمكانية وزن الحكم الفقهي في ميزان الأخلاق - سواء في الأخلاق الكونية، أو في المنظومة الأخلاقية لراس، الذي يرى أن ميزان الأخلاق هو العقل العرفي العلماني - هو إنكار النبوة، وهذا افتراض مسبق لا ينسجم مع أصل التدين؛ ولا يمكن مع إنكار النبوة أن تكون هناك توصية للمتدينين (سواء كانوا معرفة انديش أم معيشة انديش).
في الفصل الثالث، تم بحث العلاقة بين حكم الحجاب والأخلاقيات، وهو ما كان عملياً نقاشاً في فلسفة الحجاب. واتضح أن الحجاب ليس من سنخ الأفعال الطبيعية، بحيث يلزم للحكم الأخلاقي أن يندرج بالضرورة تحت عناوين أخلاقية أخرى. وإذا أردنا أن نجد صلته الأخلاقية بعناوين أخرى، فإن هذه العناوين لا تقتصر على عنوان العفة. وإذا تقرر أن يُبحث الحجاب بالضرورة تحت عنوان العفة، وسلّمنا، مثل الكاتب، بأن للمكونات الثقافية والمناخية والتربوية والنفسية وغيرها مدخلية في حدود وثغور ومقدار الستر، فإن عرف المجتمع الإسلامي هو الذي ينبغي أن يحدد حدود وثغور الستر لمجتمع إسلامي، لا عرف المجتمعات العلمانية. وفي الوقت نفسه، اتضح أن كيفية تبيين «منع الشهوانية» في فلسفة الحجاب، إذا قُدمت بملاحظات اجتماعية، لا مجرد ملاحظات فردية، لن تُفهم منها البتة أنها إكراه غير مشروع ضد النساء. ثم تم بحث علاقة الحجاب، بوصفه مسألة فقهية وهوياتية، بالأخلاق، واتضح كيف أن تقديم صورة صحيحة عن هذه الهوية الفقهية أو الهوياتية يستتبع صلة ونسبة أخلاقية.
أما الفصل الرابع فقد خُصص للحكم على العلاقة بين الأخلاق والإكراه، وهل أن إكراهية فعل ما تؤدي بالضرورة إلى أن يصبح غير أخلاقي أم لا؟ وبعد تنبيه حول وقوع إبهام في التعابير ومغالطة الاشتراك اللفظي بخصوص كلمة «غير أخلاقي»، التي استُخدمت في هذا الجزء من المقالات قيد البحث بمعنيي «خارج عن مجال الأخلاق» و«مذموم» (وفي موضع آخر من نفس المقالات بمعنى «جائز من الناحية الأخلاقية»!)؛ تم التحذير من أن دخول الكاتب في بحث الحجاب الإجباري ليس فقط لا صلة له بموضوع البحث (الحكم الأخلاقي على الحجاب نفسه)، بل إنه لم يُقدم في هذه المقالات أي دليل وجيه على أن الإكراه يؤدي إلى أن يصبح الحجاب (أو أي فعل آخر) غير أخلاقي (سواء بمعنى «مستحق للذم» أو بمعنى «لا علاقة له بالأخلاق»)؛ وما قُدم كدليل إما ناشئ عن خلط بين الإيمان والأخلاق؛ وإما عن اشتراك لفظي وخلط حدث بين المفهوم التكويني والمفهوم الحقوقي للاختيار والإرادة. علاوة على ذلك، فإن اعتبار أي إكراه منافياً للأخلاق ينبع من تحليل أحادي البعد للأخلاق وعدم الالتفات إلى الأبعاد الاجتماعية للواجب الأخلاقي؛ ومن المنظور الاجتماعي، ليس الإكراه بالضرورة خلاف الأخلاق؛ وإذا كان الكاتب يرى أن «صون المبادئ الأخلاقية الأساسية» هو واجب الحكومات؛ فإن مثل هذا الصون يستلزم الدخول في المصاديق والتفاصيل الأخلاقية. وفي نهاية هذا الفصل، قُدم شاهدان بسيطان لإثبات جواز، بل ضرورة، الإكراه في مجال الأخلاق: الشاهد الديني الداخلي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمع إسلامي؛ والشاهد الكوني هو مطلوبية مناهضة الظلم لدى البديهيات الأخلاقية لجميع البشر.
أما الفصل الخامس فقد خُصص لبحث الأقوال التي استند إليها الكاتب حول جواز عدم تغطية الرأس والعنق، ليتضح ما إذا كان يمكن نسبة وجهة نظر غير الحجاب المتعارف إلى الإسلام؟ وبعد بيان أن معيار معرفة أمر الله ليس فقط الدلالة القطعية للقرآن الكريم؛ بل إن كلاً من الدلالة الظاهرة والروايات المعتبرة يمكنها أن تُعلمنا على نحو يبعث على الاطمئنان بوجود الأمر الإلهي؛ تم التطرق إلى أن كلام من استند إليهم الكاتب المحترم لا يمكن الاعتداد به من الناحية المنهجية للاستناد إلى الإسلام، كي يُستنتج من مخالفتهم عدم إلزامية هذا الأمر في الإسلام. ذلك أن الكثير من قائلي تلك الأقوال لا يعتبرهم المجتمع العلمي المختص (الفقهاء) متخصصين أصلاً ليكون لرأيهم اعتبار من الناحية الفقهية، وهم أنفسهم لا يدّعون ذلك؛ ومن ناحية أخرى، فإن الاستدلالات التي طرحوها حول عدم وجوب تغطية الشعر والعنق في الإسلام غير مقبولة من الناحية المنهجية لهذا المجال التخصصي.
وأخيراً، في الفصل الأخير، تم التطرق إلى أن آيات القرآن في مجال الحجاب على أي مدى تدل فعلاً، وكيف أن آيتين من آيات القرآن على الأقل (باستخدام تعبيري الجلباب والخمار) تعتبران تغطية رأس المرأة وعنقها أمراً لازماً.
وخلاصة كل هذه البحوث هي: أولاً، أن حدود الحجاب الواجب على المرأة، كما طرحه جميع فقهاء الشيعة والسنة على مدى أكثر من ألف عام، تشمل منطقة العنق وشعر الرأس؛ وثانياً، أن عدم مراعاته، على الأقل بالنسبة للمرأة المسلمة، لا يُعتبر مجرد مخالفة فقهية، بل خطيئة أخلاقية أيضاً؛ وليس الأمر بحيث أن إكراهيته تتنافى بالضرورة مع أخلاقيته.
والسلام علیکم و علی من اتبع الهدی
حسین سوزنچی
.
.
الهوامش
[۱] . مثلاً، راجع: أصول الفقه. محمد رضا المظفر.
[۲] . راجع: المفاهيم الأخلاقية الدينية في القرآن المجيد. توشيهيكو إيزوتسو.
[۳] . راجع: الله والإنسان في القرآن. توشيهيكو إيزوتسو.
[٤]. قد يقول في معرض الرد إن هذا الكشف لما كان ملائماً للأمر الإلهي، فنحن إذن قد قبلنا مبدأ «الأمر الإلهي». لكن هذا الكلام غير مقبول. سأوضح المسألة بمثال: لو قلتُ لك: «أنا أراعي حداً أدنى من أوامرك»، ثم تصرفت وفق ذوقي الخاص فحسب، وكلما قلت لي: «إذن أي أمر من أوامري تراعيه؟» أجبتك: تلك الأوامر التي تنسجم مع ذوقي، فهل يبقى لإعطائك الأوامر وطاعتي أنا أي معنى؟ ألا تقول: «إن تصرفك هذا استهزاء بي، وليس مراعاة للحد الأدنى من أوامري»؟ في الواقع، لا يكون لهذه المراعاة معنى إلا حين نجد حالة واحدة على الأقل لا يكون لي فيها رأي خاص أو ذوق مختلف، وأقوم بالفعل انطلاقاً من كونك أنت الذي أمرت به. وبتعبير آخر، يلزم عن هذا التقرير أن يكون قبول المسلم لأوامر الله بمقدار قبوله لأوامر كافر منكر لله! ذلك أن الكافر لو أصدر أمراً يقبله عقلي بشكل مستقل، فسأعمل به.
[٥]. يستند التحليل أعلاه إلى تعاليم الإسلام الخاصة في مجال معرفة الله، والتي بموجبها، وعلى خلاف دعوى الدكتور دباغ، لا تلازم بين كون الله متشبهاً بالإنسان ووجود الشريعة في دين ما. لا شك أن الإسلام دين ذو شريعة، ورد فيه الحديث عن الإرادة الإلهية والأوامر الإلهية؛ لكن الله، كما يُعرَّف في هذا الإسلام نفسه، ليس إلهاً متشبهاً بالإنسان (بالمعنى المطروح في مباحث فلسفة الدين). في الواقع، وعلى خلاف تصوره، فإن مجرد نسبة تعابير كالسميع والبصير والحي... إلى الله، لا تعني اتباع النموذج المتشبه بالإنسان في معرفة الله، لأن هذا الإسلام نفسه الذي استخدم هذه التعابير، يؤكد دوماً على تسبيح الله (أي تنزيهه عن التصورات المتشبهة بالإنسان). ويقر القرآن الكريم بأن ذهن أغلب الناس قد ابتُلي بتصور متشبه بالإنسان عن الله، لكنه يسعى إلى تقويمه، ولذا يلزم جميع الناس العاديين بأنهم إذا أرادوا حمد الله (أي وصفه وشكره وفقاً لفهمهم له) فعليهم أن يقرنوا حمدهم بالتسبيح (فسبح بحمد ربك)، وأن ينزهوا الله صراحة عن جميع أوصاف الناس العاديين، إلا الوصف الذي يقدمه عباد الله المخلَصون (أي من تخلّص مما سوى الله، وبلغ -بتعبير العرفاء- مقام الفناء، فلا كلام له من عنده، وإنما كلامه وعمله ليس إلا تجلياً للإرادة الإلهية): «سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ؛ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ» (الصافات/ ١٦٠). وتفصيل هذا البحث يحتاج إلى مجال آخر.
[٦]. محكمة الأخلاق العلمانية هي محكمة تضع جانباً مسبقاً أحقية الدين والتدين، والمتدين قد فضل أساساً الأخلاق الدينية على الأخلاق العلمانية من حيث كونه متديناً؛ فلماذا ينبغي له أن يذهب إلى محكمة يُفترض أن يكون خصمه فيها هو القاضي؟
[٧]. كذلك استُخدم في هذه المقالات تعبير «غير أخلاقي» بمعنى ثالث، وهو معنى «مناهض للأخلاق» أو «مذموم من الناحية الأخلاقية»؛ وهذا المعنى واضح تماماً حين يتحدث عن «لا أخلاقية الحجاب الإجباري»، وسيُشار إليه في الفصل الرابع.
[۸]. لتوضيح الفرق بينهما، تأمل في هذا المثال: عنوان «الكذب لإنقاذ حياة بريء» قابل لإبداء الرأي الأخلاقي والفحص في ميدان الأخلاق، وبعد الفحص يتضح أنه مشمول بهذا الحكم الأخلاقي: «إن هذا الفعل جائز أخلاقياً ولا ينبغي لوم مرتكبه أخلاقياً»؛ أما «المشي» فمن حيث الحكم الأخلاقي مسكوت عنه وغير قابل للفحص الأخلاقي؛ أي أنه أولاً لا يوجد حكم أخلاقي بخصوصه في ذاته؛ وثانياً لا ضرورة لأن يوضع في ميزان الأخلاق وموضوعاً للتحليل الأخلاقي.
[۹]. أضفت هذا القيد لأنه قد يقول قائل إن العقل البشري، في ظل تعاليم الدين، يبلغ من الازدهار ما يمكّنه من فهم جميع تعاليم الدين؛ وهذه مقام نقر به على الأقل في حق الأئمة الأطهار عليهم السلام؛ أي أن عقولهم ازدهرت تحت تربية النبي إلى حد يدركون فيه شخصياً جميع حقائق الدين. هذا المقام وإن كان ممكناً، إلا أنه محتاج إلى الوحي، ولذا فإن الأئمة الأطهار أيضاً بلغوا هذا المقام في ظل وحي النبي الأكرم (ص). ولا حاجة للتذكير بأن معنى العقل هنا لا ينحصر في الأنشطة الذهنية والعلم الحصولي والقضايا، بل هو مطلق القوى الإدراكية والمعرفية للإنسان.
[۱۰]. «وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (البقرة: ٢١٦).
[۱۱]. هذا هو الموقف الذي يدافع عنه الدكتور عبد الكريم سروش عند تبيينه لموقف الدين الأدنى. فهو يبيّن أن منهج العقل في التعرف على المسائل هو منهج التجربة والخطأ؛ لكننا نعلم إجمالاً أن في العالم تجارب قد لا تبقي إن جُرّبت مجالاً للمجرّب؛ (من باب التمثيل: أن نريد معرفة ما إذا كان ماء مشكوك في تسممه سماً أم لا بشربه) وبما أن مثل هذه التجارب المدمرة موجودة في ساحة الحياة الاجتماعية للإنسان، وأن استخدام منهج التجربة والخطأ في هذه الموارد يمكن أن يؤدي إلى ضربات لا تعوّض (مثل تجربة نظرية فرويد التي تستلزم التحرر الكامل للعلاقات الجنسية، والتي باتت ضرباتها الشديدة اليوم مشهودة في الغرب، بل في العالم كله). إذن فعلى الدين أن يبين هذه الأمور للعقل قبل أن يقدم عليها؛ وليبحث العقل عن بقية الموارد بالتجربة والخطأ. (راجع عبد الكريم سروش؛ أسمن من الأيديولوجيا، مقالة الاعتقاد الديني، الحَكَم الديني.)
[۱۲]. يُنتبه إلى أنه وإن بدا أن عبارتي «متدين» و«غير متدين» تحملان شحنة قيمية إيجابية وسلبية، إلا أن شحنتهما القيمية لم تكن مقصودة في هذا التعبير، وقد استُخدمتا لمجرد تصنيف اجتماعي.
[۱۳]. وهنا يجدر التنبيه إلى أنه وإن كان مضمون كلام بعض الأشخاص الذين أشار إليهم في مقالته (مثل المستشار محمد سعيد العشماوي) حول معنى مصطلح «الحجاب» في الآية ٥٣ من سورة الأحزاب كلاماً صحيحاً (يقول الكاتب: «إنه يرى بشأن آية الحجاب أن خطابها موجه إلى نساء النبي، والمقصود بالحجاب ليس لبس الثياب، بل هو الستر الذي يشكل حاجزاً بين نساء النبي ومن يطلب منهن متاعاً، بحيث لا يرى الطرفان بعضهما بعضاً»)؛ إلا أن هذه المطالب لا صلة لها ببحث الحجاب بمعناه المعاصر، ولم يصدر أي فقيه فتوى بوجوب الحجاب استناداً إلى هذه الآية، بل الآيات التي يُستنبط منها وجوب الحجاب (بمعناه المعاصر) هي آيات أخرى (الآيتان ٣١ و ٦١ من سورة النور، والآية ٥٩ من سورة الأحزاب). يقول الشهيد مطهري عن الآية ٥٣ من سورة الأحزاب التي وردت فيها كلمة الحجاب: «وردت كلمة «حجاب» في هذه الآية. إن أمر الحجاب الوارد في هذه الآية يختلف عن أمر «الستر» الذي هو موضوع بحثنا. الأمر المذكور في هذه الآية يتعلق بالسنن الأسرية والسلوكية التي ينبغي للإنسان أن يلتزم بها في بيوت الآخرين. فبموجب هذا الأمر، لا يجوز للرجل أن يدخل مقام النساء [زوجات النبي]، بل إذا أراد شيئاً واحتاج إليه فعليه أن ينادي من وراء الجدار. هذه المسألة لا صلة لها ببحث «الستر» الذي يُسمى في اصطلاح الفقه أيضاً «ستراً»، لا «حجاباً».» (مرتضى مطهري، مسألة الحجاب، ص١٧١). وبتعبير آخر، نشهد هنا أيضاً مغالطة الاشتراك اللفظي؛ فقد استُعملت كلمة الحجاب بمعنيين، وبنفي استعمال أحد المعنيين في أدبيات القرآن، تم إنكار المعنى الثاني أيضاً.
[١٤]. بالطبع، في تعريف الدكتور عبد الكريم سروش (الذي استند إليه الدكتور سروش دباغ) فإن التدين المعرفي لا يعني بالضرورة عدم الاكتراث بالأحكام الفقهية؛ لكن أدبياته في مقابلة هؤلاء بالمتديّنين المعاشيين (وهم الذين تهمهم الأحكام الفقهية) في متن مقالة «أصناف التدين» (بقلم عبد الكريم سروش) ترسم للمتلقي هذا الفضاء تماماً بأن المعرفيين، حتى لو عملوا بالأحكام الفقهية، فإنهم لا يولونها اهتماماً جدياً، ولا يعدّون العمل بها من لوازم التدين الأصيل؛ وبهذه الملاحظة تم نقد هذا التعبير في المتن الحاضر.
[١٥]. من المثير للاهتمام أن بعض الأشخاص الذين استند إليهم، أي الدكتور كديور، والذين شككوا أيضاً في الوجوب الأولي لستر الشعر والعنق، لا يزالون يؤكدون على ضرورة مراعاة عرف المجتمع الذي تعيش فيه المرأة، ويقبلون وجوب ستر الشعر والعنق من باب مراعاة عرف المجتمع الإسلامي.
[١٦]. طُرحت في هذا الكتاب أربع فلسفات للحجاب على التوالي: «السكينة النفسية، وتماسك الرابطة الأسرية، واستقرار المجتمع، وقيمة المرأة واحترامها» (مسألة الحجاب، ص٨٣-٩٥). يمكن اعتبار البندين الأوسطين من باب العفة؛ أما البندان الأول والأخير، وخاصة بالنظر إلى توضيحات الشهيد مطهري، فليسا من مقولة العفة.
[١٧]. كلمة اجتماعي هنا مقصود بها معناها العام الذي يشمل القانون الاقتصادي أيضاً، لا بمعناها المقابل للقانون الاقتصادي.
[١٨]. لو دققنا في هذا المثال لأمكن إدراك كيف أن هذا الإجلال للمرأة يجتمع مع إيجاب الحجاب وإلزامها به، وهو ما ستتم الإشارة إلى تفصيله لاحقاً في سياق البحث (في البند ٥).
[۱۹]. أشار كثير من المفسرين قديماً إلى هذه النقطة؛ فمثلاً يقول الزمخشري: «فإن قلت: لم سومح مطلقا فی الزینه الظاهره؟ قلت: لأن سترها فیه حرج، فإن المرأه لاتجد بُدًّا من مزاوله الأشیاء بیدیها، و من الحاجه إلى کشف وجهها، خصوصا فی الشهاده و المحاکمه و النکاح» (الکشاف عن حقائق غوامض التنزیل، ج۳، ص: ۲۳۱) ويشرح الشهيد مطهري المسألة بين المعاصرين على هذا النحو: «تكتسب مسألة الحجاب فلسفتين مختلفتين تماماً تبعاً لكون ستر الوجه والكفين واجباً أم لا. إذا اعتبرنا ستر الوجه والكفين واجباً، فإننا في الحقيقة نؤيد فلسفة حبس المرأة في البيت ومنعها من أي نوع من العمل إلا في بيئة المنزل الخاصة أو البيئات المخصصة للنساء مئة بالمئة. أما إذا اعتبرنا ستر سائر البدن واجباً، واعتبرنا كل عمل مثير ومهيّج حراماً، وحرّمنا على الرجال أيضاً النظر بشهوة وريبة، ولكن لم نوجب سوى ستر تدوير الوجه واليدين حتى الرسغين، بشرط أن تكون خالية من أي زينة لافتة للنظر ومثيرة ومهيّجة، بل تكون بسيطة وعادية، فعندئذ تأخذ المسألة شكلاً آخر ونكون مؤيدين لفلسفة أخرى، وهي أنه لا لزوم لأن تُدفع المرأة بالضرورة إلى داخل البيت وتكون حبيسة الجدران، بل ينبغي فقط مراعاة فلسفة أن يختص كل نوع من اللذة الجنسية ببيئة الأسرة، ويجب أن يكون كيان المجتمع طاهراً ومنزهاً، وألا يحدث أي نوع من الاستمتاع، سواء كان بصرياً أم لمسياً أم سمعياً، خارج إطار الزوجية. وعليه، يمكن للمرأة أن تتولى أي نوع من الأعمال الاجتماعية... مقصودنا هو أنه إذا كان ستر الوجه واليدين، وخصوصاً الوجه، واجباً، فإن شعاع نشاط المرأة يتحدد تلقائياً بداخل البيت والتجمعات النسائية الخاصة، أما إذا لم يكن ستر تدوير الوجه واجباً، فإن هذا التحديد لا يلزم تلقائياً.» (مرتضى مطهري، مسألة الحجاب، ص۱۸۴-۱۸۵)
[۲۰]. إن تعبير التدين القائم على المعرفة المستخدم هنا، ليس بالمعنى الذي قصده الدكتور سروش في مقابل التدين القائم على المعيشة، بل هو مستعمل بمعناه المطابق لمدلول اللفظ؛ أي التدين الذي يجعل المعرفة أساساً لحركته في قبول الدين، والذي يمكن في مقابله استخدام تعابير مثل التدين الهوياتي، أو تدين الآباء والأجداد.
[۲۱]. تقريباً، جميع الأديان غير الإسلام تكتسب معناها بمفهوم الشخص الأول فيها وضرورة اتباعه: «المسيحية» هي دين من يرى أن السبيل الوحيد للنجاة هو في اتباع المسيح، و«الزرادشتي» هو شخص يتبع زرادشت؛ و«البوذي» يرى بوذا معياراً للحقيقة. أما عنوان دين الإسلام فهو «الإسلام»، لا «المحمدية»؛ أي أنه يطلب من الإنسان أن يكون مسلماً للحقيقة، ونبي هذا الدين أيضاً لا يطلب الاتباع المطلق، بل الاتباع عن بصيرة (قُلْ هَـذِهِ سَبِیلِی أَدْعُو إِلَی اللّهِ عَلَی بَصِیرَهٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِی. أيها النبي! قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني. سورة يوسف، الآية ۱۰۸) والبصيرة، أي إدراك الحقيقة بوعي وبعين مفتوحة ثم اتباعها. وهذا هو ما يقال اصطلاحاً: إن أصول الدين في الإسلام تحقيقية؛ أي أنه يجب على العقل أولاً، عبر البحث والتحقيق، أن يفحص ويثبت حقانية النبي محمد (ص) كنبي من عند الله، وعندما يتيقن من «أنه من عند الله»، يتبعه.
[۲۲] . ينبغي الانتباه إلى أن اعتبار مجموعة ما أفراداً وضيعين في عرف المجتمع يختلف عن اعتبار الإسلام لهم وضيعين. ففي الإسلام، معيار تفاضل البشر هو التقوى، والإنسان الحر ليس له أي أفضلية على العبد عند الله؛ وقد انتهج الإسلام مساراً يقضي تدريجياً على عادة الرق؛ لكن غرض البحث كان أن الإسلام، كأي تخطيط حكيم، قد استفاد من الطاقات الكامنة في العرف الاجتماعي لدفع قوانينه وتنفيذها.
[۲۳]. تفکیک العادة إلى عادات فعلية وعادات انفعالية يعني أن هناك أموراً يجعل تكرارها الإنسانَ تابعاً لها لا شعورياً ويسلبه نوعاً من الاختيار (مثل الإدمان على المخدرات) وهذه هي العادات الانفعالية غير المشروعة؛ أما العادات الفعلية فهي ما لا يقع فيه الإنسان تحت تأثير عامل خارجي، بل يؤدي عملاً ما بشكل أفضل نتيجة التكرار والممارسة. وفيما يخص الكثير من الفضائل الأخلاقية، لا تتجاوب النفس البشرية في البداية، وينبغي بالإلزامات والتمرينات المستمرة وتعويدها على أداء ذلك العمل، تهيئة الأرضية تدريجياً لأدائه في النفس، وكانوا يعتبرون هذه عادات فعلية، وضرورية للنمو الأخلاقي للإنسان. للتفصيل في هذا البحث، راجع: مرتضى مطهري، تعليم وتربية در اسلام، ص ۷۷- ۸۹٫ لسنا الآن بصدد الحكم بين هاتين الوجهتي النظر، بل نحن فقط بصدد بيان أن مثل هذا الإجماع غير موجود لدى علماء الأخلاق.
[۲۴]. استخدمت تعبير "عام" لأن أي عقوبة علنية، بطبيعة الحال، وبما أنها عقوبة، يمكن أن تُعتبر للوهلة الأولى منافية للكرامة الإنسانية للشخص المعاقَب؛ ولكن بالنظر إلى خاصية الردع في العقوبة، وفي حال كان قانون العقوبات عادلاً، فإنها تصب تماماً، بنظرة كلية، في مسار إحياء الكرامة الإنسانية، على المستوى الاجتماعي بالطبع.
[۲۵] . قدم في المقال الأول اقتباسات من أمير حسين ترکاشوند، والمرحوم أحمد قابل، والدكتور کديور، وعبد العلي بازرگان، وأضاف إليهم في المقال الثاني بعض المثقفين العرب (الجابري، وأبو زيد، وعشماوي). وبالطبع، أورد توضيحاً من أحمد صبحي منصور حول بعض العبارات القرآنية، لكنه لم يقدم أي اقتباس عنه بخصوص أن تغطية الرأس والعنق ليست واجبة على المرأة؛ ولذا لن يتم التطرق إلى كلامه في هذا البحث.
[۲۶]. أُتي بتعبير "في طيّ الكلام" لأنه قد يستند بدلاً من العبارات المذكورة أعلاه (التي أوردها في قسم الخاتمة من مقاله الثاني) إلى هذه الجملة من المقال (التي وردت في أوائل المقال الثاني) وهي: "أمر الله وفرمانه بضرورة تغطية العنق وشعر الرأس لا يدل دلالة قطعية في النص المقدس" ويقول إنه بما أن النصوص المقدسة في الإسلام ليست القرآن فقط، بل تشمل الروايات أيضاً، فلم أقصد القول إن وجود المطلب في القرآن فقط هو المعيار. ولكن بالنظر إلى الجملة التي وردت في قسم الخاتمة من مقاله (والرأي النهائي للمؤلف يأتي دائماً في الخاتمة) وكذلك الاستنادات المنقولة عنه في تتمة النص أعلاه، فإن نسبة هذا الادعاء (وهو: "بما أنه ليس في القرآن، فهو ليس بالضرورة جزءاً من الإسلام") إليه لها ما يبررها.
[۲۷] . نظراً لاحتمال حدوث سوء تفاهم لدى القارئ الكريم بسبب الاشتراك اللفظي لكلمة "نص"، أرى من الضروري التفريق بين معنيين. يُقال مرة إنه بخصوص تغطية العنق وشعر الرأس، لم يرد أي "نص" (بمعنى عبارة وجملة) في القرآن الكريم. في هذه الحال، المقصود هو: لا يوجد مطلب في هذا الشأن في القرآن. ومن حيث المبدأ، لا يريد الكاتب المحترم أن يدّعي مثل هذا الادعاء؛ لأنه في القرآن الكريم، وعلى الأقل في آيتين (الأحزاب/۵۹ والنور/۳۱)، وردت مطالب حول حجاب النساء. ولكن يُقال مرة أخرى إن كلاماً ما هو "نص" على معنى ما؛ حيث تُستخدم هنا كلمة "نص" بمعناها التخصصي (بمعنى "الدلالة القطعية" التي لا يحتمل أي احتمال آخر) وذلك في مقابل كلمة "ظاهر" (بمعنى "الدلالة المعتمدة" التي لا يُستبعد فيها احتمال معنى آخر بنسبة مئة بالمئة قطعاً). على ما يبدو، ما ادعاه الكاتب المحترم في مقاله استناداً إلى كلام الآخرين هو هذا المعنى التخصصي: "آيات القرآن لا تدل دلالة قطعية (نص) على ضرورة تغطية العنق وشعر الرأس." وبتعبير آخر، يبدو من كلام الكاتب المحترم أنه يقبل بأن المعنى "الظاهر" للآية قد يكون هو الحجاب المتعارف؛ ولكن بسبب وجهات النظر المنافسة التي طُرحت مؤخراً، فإن ذلك المعنى "الظاهر"، الذي كان محط اهتمام عموم المفسرين حتى العصر الحاضر، ليس معنى "نص" (لا يحتمل أي احتمال مخالف).
[۲۸]. لاحظ أنّه لا يمكن الادعاء بأن المقصود من طاعة الرسول هو طاعة أوامر الله في القرآن، لأنه في هذه الحال تكون الجملة الثانية لغواً: ففي الآية بعد أن تأمر بطاعة الله، تأمر مرة أخرى بطاعة الرسول. طاعة الله هي طاعة ما ورد في القرآن، إذن ينبغي أن يكون لمعنى طاعة الرسول معنى جديد حتى يكون الكلام ذا معنى. وكذلك في آية أخرى يقول إن هذا الرسول لا ينطق بشيء من تلقاء نفسه، بل إنما يبلغكم ما يوحى إليه: «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى؛ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» (النجم/۳-۴)
[۲۹]. يُحكى أنه كانت هناك قرية يسكنها أناس بسطاء أميون. استغل رجل محتال سذاجتهم وسيطر عليهم بشكل من الأشكال. صادف أن مرّ معلم بتلك القرية، فلاحظ خدع المحتال ونصحه أن يكف عن تضليل الناس وإلا فضحه. لكن الرجل المحتال لم يقبل. بعد أن أتم المعلم الحجة، تحدث مع أهل القرية عن خدع المحتال وحذرهم من حيله. وبعد جدال طويل بين المعلم والمحتال، اتفقوا على أن يتسابقا في اليوم التالي في ساحة القرية ليتضح من هو المتعلم ومن هو الجاهل. في اليوم الموعود، اجتمع كل أهل القرية في ساحة القرية ليروا ماذا سيحدث في النهاية. قال المحتال للمعلم: اكتب «ثعبان». فكتب المعلم: ثعبان. ولما جاء دور المحتال، رسم شكل ثعبان على التراب وقال للناس: احكموا بأنفسكم، أي هذين هو الثعبان؟ ومن الواضح لمن أعطى الناس الحق، ومن الذي اعتبروه كاذباً ومحتالاً!
[۳۰]. المقصود بتعبير الإجماع الفتوائي هو أنه ربما تكون هناك مناقشات وأخذ ورد في عملية الوصول إلى الفتوى، وهذا أمر طبيعي في أي بحث علمي؛ ولكن عند إصدار الفتوى، أي في الخلاصة النهائية للمطالب، لم يكن لأحد رأي مخالف.
[۳۱] . يصرح في بداية المقال الخامس من سلسلة المقالات التي نشرها تحت عنوان «تأمل مجدد في مسألة الحجاب» على موقعه الشخصي: «الحجاب الشرعي بمعنى تغطية جميع بدن المرأة أمام الرجال الأجانب باستثناء الوجه والكفين وأحياناً القدمين، هو إجماع فقهاء الإسلام.» (راجع: http://kadivar.com/?p=9639) ويذكر لاحقاً أن الفقيه الوحيد الذي اعتبر الحكم الشائع محل إشكال هو المحقق الأردبيلي في تفسير زبدة البيان؛ وقد أوضحت أنا في مقال خصصته لنقد وجهة نظر الدكتور كديور أن فهمه لكلام المحقق الأردبيلي كان غير صحيح. عنوان هذا المقال مذكور في الهامش رقم ۳۵.
[۳۲]. من المثير للدهشة أن الكاتب المحترم، لأهمية الرأي الفقهي للمرحوم قابل، أورد في هامش مقاله الأول نقلاً عن الدكتور عبد الكريم سروش. أنا لا أنكر فضله في بعض مباحث نظرية المعرفة وما شابهها، لكنه قطعاً ليس فقيهاً، ويبدو أنه هو نفسه لا يدعي الفقاهة. ما هو المبرر لتأييد فقاهة رأي شخص من قبل شخص ليس بفقيه؟
[۳۳]. مع أن طريقة طرح هذا الادعاء، على الأقل بخصوص المرحوم قابل، تثير الشك. في موقعه الرسمي، حيث طُرح هذا الادعاء، لم يُذكر أي مستند أو عنوان لهذا الادعاء سوى الإحالة إلى مدخل «أحمد قابل» في موسوعة ويكيبيديا. وعند الرجوع إلى موقع ويكيبيديا، نجد أن المستند الوحيد لإجازة اجتهاده هو مذكرة من صحيفة كيهان التي، في معرض طعنها السياسي به، قدمته على أنه حاصل على إجازة اجتهاد من آية الله منتظري! وبالنظر إلى أدبيات كيهان وطريقة إسنادها، فمن الواضح أنه لا يمكن اعتبار هذا مستنداً على الإطلاق. (ملاحظة: حتى الآن [أي مايو ۲۰۱۳] المستند في موقع أحمد قابل وويكيبيديا هو هكذا. ونظراً للتعديلات التي تُجرى على المواقع، فمن المحتمل بعد نشر هذا المقال أن يُعدّل المستند المذكور.)
[۳۴] . لقد أوضحت الضعف العلمي لهذا الأثر بالتفصيل في مقال بعنوان «الحجاب في الآيات والروايات، نقد لكتاب الحجاب الشرعي في عصر النبي» (راجع: http://www.souzanchi.ir/). وحتى لا يتصور القراء الكرام أن الكلام أعلاه مبالغ فيه، أشير إلى بعض استدلالات هذا الكتاب: فهو يترجم، دون أي دليل وجيه، «ساق» القدم إلى «فخذ» القدم، ثم يستنتج أن النساء العربيات كن يضعن الخلخال لا على أسفل الساق (الكاحل) بل على أعلى الفخذ! ويقدم تعبير «رأس» المرأة في الروايات وفتاوى الفقهاء، الذي أوجبوا ستره، لا على أنه «رأس البدن» بل «رأس الملبس» ويعتبره الجزء الأمامي من الصدر ويستنتج أنه في الروايات وفتاوى الفقهاء القدامى كان الواجب ستر الجزء الأمامي من صدر المرأة فقط لا ما فوقه! ويترجم الآية ٦٠ من سورة النور (وهي حول جواز خلع الخمار للنساء العجائز بشرط عدم التبرج بالزينة) بشكل تكون نتيجته أن القرآن يوصي عموم النساء ما دمن في البيت بأنه لا بأس أن يكن عاريات تماماً حتى أمام الأشخاص الغرباء تماماً! و ... .
[۳۵] . http://www.souzanchi.ir/hejab-in-sureh-noor-critic-of-kadivars-opinion/
[۳٦] . ما نقله الدكتور سروش دباغ عنه هو كالتالي: «يعتقد عبد العلي بازركان، الباحث القرآني المعاصر، أيضاً أن الحجاب في القرآن لا يعني بالضرورة ستر شعر الرأس واستخدام الخمار أو المقنعة؛ بل يتضمن الستر العرفي وستر الأعضاء المثيرة للآخرين بواسطة القماش. ما يشكل محورية للقرآن هو حفظ الحريم في العلاقات والروابط بين الرجل والمرأة وستر الزينة، وهو ما لا يشمل بالضرورة شعر الرأس والعنق.»
[۳۷]. طبعاً نُقل عن العشماوي كلام آخر حول آية الحجاب مبني على مغالطة الاشتراك اللفظي وقد تم توضيحه في الهامش رقم ۱۳.
[۳۸] . البرهان في تفسير القرآن، ج٤، ص ٤٩٦
[۳۹]. هذا رأي «الجبائي» وعباراته الأصلية كالتالي: «ذلك أقرب إلى أن يعرفن بالستر والصلاح فلا يتعرض لهن لأن الفاسق إذا عرف امرأة بالستر والصلاح لم يتعرض لها» نقلاً عن تفسير مجمع البيان ج۸، ص۵۸۰ .
[٤۰]. لمزيد من التوضيح لهذا الخطأ، راجع: الشهيد مطهري، مسألة الحجاب، ص۱۷٦-۱۷۷٫
[٤۱]. يصرح في نهاية المقالين اللذين وضعهما على موقعه لتبيان وجهة نظره: «حسب ظني، فإن مجموع المطالب المقدمة، يوفر رأس المال اللازم للحكم الإجمالي حول “كون ادعاء طالب علم كأحمد قابل جديراً بالاعتناء أو لا”، وإن لم يوفر “رأس المال الكافي للموافقة والاشتراك في الرأي”.»
[٤۲]. طبعاً تم نقد ودراسة ادعائه إلى حد ما في البندين ٤ و۵ من الفصل ۳.
[٤۳] . التذكير بهذه النقطة هو من باب الدقة في أن جذر استدلاله أيضاً لا يعود إلى القرآن بل إلى فتوى فقهية.
[۴۴]. توضیح نسبتاً سادهای از مباح اقتضایی و مباح لااقتضایی توسط شهید مطهری در همین بحث حجاب ارائه شده و ایشان بهخوبی نشان میدهند که استثنائات حجاب، از مقوله مباح لااقتضایی است. خلاصه بیان ایشان این است که: «بعضی از کارها نه دارای مصلحتی است که باعث شود شارع آن را واجب کند و نه دارای مفسدهای است که سبب شود حکم به تحریم آن دهد. این کارها به علت اینکه ملاکی برای وجوب یا حرمت ندارند مباح شمرده میشوند و به همین جهت آنها را مباحهای لااقتضائی مینامند. شاید اکثر مباحات از این نوع باشد. ولی برخی دیگر از کارها علت مباح شدنش وجود حکمتی است که ترخیص آن کار را ایجاب میکرده است، یعنی اگر شارع آن کار را مباح نمیکرد، مفسدهای لازم میآمد. این نوع از مباحات را مباح اقتضائی مینامند. در این نوع از مباح، ممکن است مصلحت یا مفسدهای در فعل یا ترک آن کار وجود داشته باشد، ولی شارع به خاطر رعایت مصلحت مهمتر که رخصت را ایجاب میکرده است، حکم به اباحه کرده و از آن ملاک دیگر چشم پوشیده است. مباحهائی که به خاطر حرج مباح قرار داده شده از این قبیل است. مقنن در نظر گرفته است که اگر بخواهد مردم را از برخی از کارها منع کند، زندگی بر آنها دشوار میشود، لذا از تحریم آن چشم پوشیده است. بهترین مثال، مسأله طلاق است. شک نیست که طلاق از نظر اسلام، عملی ناپسند و مبغوض است تا حدی که آن را زشتترین مباح و «ابغض الحلال» خوانده است. در عین حال شارع مقدس حکم به تحریم طلاق نکرده […] رمز این مسأله در باب طلاق این است که اسلام نمیخواهد بناء ازدواج را بر اجبار و الزام بگذارد […] و صحیح نیست که قانون بخواهد زن را به زور به شوهرش بچسباند. وقتی علاقه بین زن و شوهر وجود نداشته باشد طبعا زیربنای کانون خانوادگی از میان رفته است […] غالب استثناهای باب حجاب از همین قبیل است خواه استثناهائی که در باب محارم است یا استثناهائی که از لحاظ مقدار پوشش است. لهذا در مورد محارم (غیر شوهر) هر قدر زن پوشیدهتر باشد بهتر است. تهییج شهوت در مورد محارم درجه اول از قبیل پدر و فرزند و عمو و برادر تقریبا صفر است ولی جاذبه زن مخصوصا اگر جوان و زیبا باشد در محارم درجات بعدی مخصوصا در محارم سببی از قبیل پدر شوهر و پسر شوهر بیتأثیر نیست. رخصت شارع در این موارد برای ضرورت اختلاط و معاشرتهای زیادی است که بین محارم اجتنابناپذیر است. فکر کنید اگر پوشش زن نسبت به برادر و پدر لازم باشد چقدر زندگی خانوادگی دشوار خواهد شد؟ در مورد پدر و عمو و حتی برادر، طبعا رغبت جنسی وجود ندارد مگر در افراد منحرف و استثنائی، ولی در مورد پسر شوهر عمده ملاک همان عسر و حرج است.»
[۴۵]. این مطلب شبیه است به سوالاتی که مردم در باب شکیات نماز از امامان میپرسیدند. وجود این سوالات نشان میدهد که اصل تعداد رکعات نماز برای همه واضح بوده، و لذا سوالات درباره حواشیای که مربوط به تعداد رکعات است، مطرح میشود.
[۴۶] . برای مشاهده اقوال برخی از معروفترین لغتشناسان و مفسران درباره معنای ارائه شده از کلمه «خمار»، ر.ک: مفردات ألفاظ القرآن، ص۲۹۸؛ لسان العرب، ج۴، ص۲۵۷؛ المصباح المنیر فی غریب الشرح الکبیر للرافعی، ج۲، ص۱۸۱؛ مجمع البحرین، ج۳، ص۲۹۱؛ تاج العروس من جواهر القاموس، ج۶، ص۳۶۶؛ التحقیق فی کلمات القرآن الکریم، ج۳، ص۱۲۹٫
[۴۷] . سوره نور، آیه۳۱: و روسریهای خود را باید بر گریبان خویش زنند.
[۴۸]. درباره اینکه کلمه «جیب»، همواره به معنای «جیب القمیص» (گریبان پیراهن) به کار میرود، ر.ک: معجم مقائیس اللغه، ج۱، ص۴۹۷؛ مفردات ألفاظ القرآن، ص۲۱۰؛ شمس العلوم و دواء کلام العرب من الکلوم، ج۲، ص۱۲۲۹؛ النهایه فی غریب الحدیث و الأثر، ج۱، ص۳۲۳؛ لسان العرب، ج۱، ص۲۸۸؛ المصباح المنیر فی غریب الشرح الکبیر للرافعی، ج۲، ص۱۱۵؛ مجمع البحرین، ج۲، ص۲۸؛ تاج العروس من جواهر القاموس، ج۱، ص۳۹۰؛ التحقیق فی کلمات القرآن الکریم، ج۲، ص۱۴۹؛ قاموس قرآن، ج۲، ص۹۱٫
[٤٩] . هذا هو المعنى الذي قدّمه أغلب أهل اللغة؛ مثل: كتاب العين، ج٢، ص١٣٢؛ النهاية في غريب الحديث والأثر، ج١، ص٢٨٣؛ شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، ج٢، ص١١٣٩؛ لسان العرب، ج١، ص٢٧٢؛ مجمع البحرين، ج٢، ص٢٣؛ الفائق في غريب الحديث، ج١، ص١٩٩؛ لكن يبدو من ظاهر كلمات قلة من أهل اللغة أنهم اعتبروه مثل الخمار وفي نفس مقداره؛ مثل: مفردات ألفاظ القرآن، ص١٩٩؛ تاج العروس من جواهر القاموس، ج، ص٣٧٤.
[٥٠] . الآية ٥٩ من سورة الأحزاب. يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن.
[٥١] . راجع: محمد رضا المظفر، أصول الفقه.
[٥٢]. أصحّ كتب أهل السنة هو صحيح البخاري (المتوفى ٢٥٤) وعنوان الكتاب الكامل هو: «الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسنته وأيامه». هذه الرواية هي الحديث رقم ٥٦٦٩ الوارد في ج٤، ص٢٩ من هذا الكتاب (نشر القاهرة، المكتبة السلفية). صورة هذه الصفحة من الكتاب متوفرة هنا .
ملاحظة: في كتابة هذا النص، تم استخدام برمجيات مؤسسة النور للأبحاث (جامع الأحاديث ٦/٣، مكتبة جامع الفقه ٢، وجامع التفاسير ١/٢) بشكل رئيسي؛ لذا لا تُذكر العناوين الببليوغرافية للكتب المستند إليها بشكل منفصل.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
در سایت سخنرانی ها بحث شما و آقای زمانیان را گوش کردم . شما موارد زیادی حرف آقایان قطبی و زمانیان را قطع میکردید. و این بی اخلاقی را شما به حساب طلبکی میگذارید. واقعا که تعصب بلای جان جهان اسلام شده است . قانون را در فکر یک نفر چون شما که دارای اختلال شخصیت دار د در حد تعصب خودتان می فهمید . شما چون خود را محق میدانید اجازه نمی دادید طرف مقابل اصلا حرف بزند. من خدا را شاهد میگیرم که یک دختر خانمی را که در امریکا در منزل پسرعموی پدرش دیدم که از دانشگاه علم و صنعت قارغ التحصیل شده بود و به امریکا آمده بود چنان لباسی تنگی پوشیده بود در جامعه اینجا از هر ۱۰۰۰ نفر خانم یک نفر هم مثل این خانم لباس نمی پوشد. قانون اساسی ایران را بالای ۷۲ درصد مردم ایران دیگر قبول ندارند. من ۵۰ سال قبل نهایتا مذهبی بودم و قداست برای لباس یک روحانی قائل بودم ولی روحانیت سفصطه گر و واپسگرا میبینم. آخوند به اسلام صدمه زده به کشور صدمه زده و از همه مهمتر اکثر جوانان ما را متنفر از دین و خدا کرده است. شما نمیدانید رفتار شما و اکثر آخوندها تنفر ایجاد میکند. شما کجا و مرحوم علامه طباطبائی که در ۵۰ سال قبل من و همراه ۱۴ نفر از دوستان به منزلش رفته بودیم ایشان چنان آرام و شمرده صحبت کرد که آرامش ایشان را فراموش نمی کنم.
در نهایت بحث در مورد دین با آخوندا چیزی جز محکومیت در پی نداره چون قدرت دست آنهاست.
بالاخره آدم باید حرف حق رو بپذیره