عرفان بادکوبه: تناول الدكتور وحيد دستجردي في العدد ٣٤ من مجلة مهرنامه، في مقالة بعنوان
«الدين: من الحقيقة إلى التطبيق، ثم العودة إلى الحقيقة»، منهجية ثلاثة من المفكرين الدينيين البارزين في العالم الإسلامي والملمّين بالذهنية الإيرانية. وهو يدرس في هذه المقالة منهجية إقبال وشريعتي وسروش، ويوصي بأن ينضم تيار التنوير الديني في إيران إلى تيار الفكر الديني في العالم الغربي، وأن يتخذ من أمثال تيلور وبلنتينغا قدوة فكرية له في الشأن الديني، مع الحفاظ بالطبع على صلته بماضيه، وكما أن الأكويني، على سبيل المثال، لا يزال حاضراً في المباحث المتعلقة بالفكر الديني في الغرب، فإن ابن سينا ينبغي أن يظل موضع اهتمام بيننا.
لستُ في هذه المذكرة بصدد نقد الدعاوى الرئيسية لمقالته، وسأقتصر على دراسة ونقد النقد الذي وجهه لنقد سروش لشريعتي، وسأبيّن أن النظرية البديلة التي صاغها بشأن «معضلة شريعتي» (وهو تعبيره هو) هي ذاتها رأي سروش، وأن ما يقوله وحيد هو في أحسن الأحوال صورة أوضح لكلام سروش، وعدم إدراك هذه النقطة من مفكر دقيق مثل وحيد أمر يثير الدهشة.
وقبل الشروع في دراستي، ينبغي أن أقول إن مجرد دخول وحيد في هذا النقاش كان باعثاً على البهجة بالنسبة لي. ولا سيما أن مقالته هذه المرة تتسم بقدر أكبر من الإنصاف والدقة، مما يمكن أن يمحو من الأذهان الذكرى السيئة للتلميحات غير الصادقة في مقالته «الإنسانية الإسلامية: من الصعود إلى الهبوط». إن تناول مفكري هذه الديار لآراء بعضهم البعض بجدية سيؤدي بالتأكيد إلى نتائج ميمونة، وأقلها أن قصتنا لن تصير كقصة «الأصم والمريض» في المثنوي. إن اكتساب فهم متبادل لبعضنا البعض وتحويل الآخر إلى أنتَ هو أحد أنبل أهداف العلوم الإنسانية والفلسفة.
يرى وحيد في مقالته أن شريعتي مفكر ناجح، ويعتبر معيار نجاح المفكر هو أن: «...تتحول أقواله، في أثناء حياته، إلى معايير للصدق والكذب.» ولكن بما أن أقوال شريعتي فقدت مكانتها كمعيار بعد فترة وجيزة من الثورة، دون أن تفقد جاذبيتها بالطبع في نظره، يجد وحيد نفسه أمام معضلة يسميها «معضلة شريعتي»، وهي عدم الانسجام بين مكانة شريعتي قبل الثورة وبعدها. يقدم وحيد في هذه المقالة إجابة لحل هذه المعضلة، تنبع من تفريق، وهو التفريق بين «إسلام الحقيقة» و«إسلام التطبيق» أو بتعبير آخر له هو «إسلام الأداة». من وجهة نظره، ينبع عدم الانسجام هذا من أصل منهجي في عمل شريعتي، وهو أن شريعتي كان مهتماً، أكثر من بحثه في صدق الدعاوى وكذبها من منظور فلسفي وكلامي وتاريخي، بالتفكير في الفائدة التي يمكن أن تجنيها هذه الدعاوى عملياً وعلى مسرح السياسة والمجتمع. ومن هنا فإن: «شريعتي لم يكن شديد القلق من مطابقة توصيفاته التاريخية للوقائع التاريخية، وهذا الأمر يتطابق تماماً مع أصله المنهجي». وبهذا يتحول الإسلام من منظور شريعتي إلى مصدر كامن لبلوغ المُثُل و«ما ينبغي أن يكون وليس بكائن». ومثل هذا المثل الأعلى، وإن كان جميلاً ومرغوباً فيه من وجهة نظر وحيد، إلا أنه غير قابل للسكنى.
لكن وحيداً، قبل أن يقدم إجابته، يتناول بنقد إجابة سروش على مسألة «معضلة شريعتي». ومن الضروري أن أذكر هنا أن سروش لم يطرح ما أورده وحيد في مقالته كإجابة له على سؤاله، في مقام الإجابة على السؤال الذي يقصده وحيد. فسروش في كتابه «القبض والبسط في الشريعة» لا يسعى إلى تفسير عدم الانسجام في مكانة شريعتي قبل الثورة وبعدها. في الحقيقة، يجيب سروش على سؤال آخر، وهو في ظني علاقة الدين بالدنيا، ويُخضع شريعتي للنقاش في إطار تقييم هذه العلاقة. لكنني سأصرف النظر عن هذه المسألة هنا، وسأفترض أنه يمكن اعتبار نقد سروش للدين الأيديولوجي ولشريعتي إجابة على سؤال وحيد.
يسرد وحيد في نقده لإجابة سروش أربع صفات من صفات الأيديولوجيا من منظور سروش، ويتناول اثنتين منها بالنقد.
أما تلك الأوصاف الأربعة للأيديولوجيا التي يسردها وحيد في مقاله بالإحالة إلى مقالة «أسمن من الأيديولوجيا» فهي: ١و[١]- الاتكاء على التعبئة (بدلاً من البحث عن الحقيقة)، ٢و- المطالبة بالوضوح والدقة (بدلاً من إثارة الدهشة والإلغاز)، ٣و- التناسب مع عصر التأسيس (بدلاً من التناسب مع عصر الاستقرار) و٤و- ادعاء التفسير القطعي (بدلاً من قبول الظنية وعدم اكتمال التفسيرات)
هو ينقد البندين الثاني والرابع ويترك البندين الآخرين دون نقد. من وجهة نظره، طلب الوضوح ليس خصيصة للأيديولوجيات فحسب، بل هو خصيصة للعقل أيضاً، ومن حيث إن سروش يعتقد أن الأيديولوجيات عدو للعقل، فهناك تعارض في رأي سروش. بعبارة أخرى، كان ينبغي لسروش أن يقر بأن الأيديولوجيا والعقل يشتركان على الأقل في هذا الجانب المهم، وأن إزالة الدهشة ليست مذمومة في حد ذاتها، وهو ما لم يفعله. وفيما يتعلق بالادعاء الرابع، يعتقد وحيد أيضاً أن ادعاء القطعية ليس مذموماً في حد ذاته، والمذموم هو الإصرار على تفسير خاطئ وفرضه على الآخرين. في نهاية المطاف، من وجهة نظر وحيد، الأيديولوجيا بتقرير سروش ليست سوى «دوغمائية» وتُختزل إلى «قبول دعوى دون امتلاك دليل كافٍ»، و«هذا التعبير عن الأيديولوجيا (أي هذا النوع من الدوغمائية الفجة) أهزل بكثير من أن تكون له قدرة تفسيرية.»
لكن وحيد تصرف على عجل شديد في نقده لرد سروش. فسروش يسرد في كتاب «أسمن من الأيديولوجيا» سبعة أوصاف للأيديولوجيات ويدعي صراحة أن ثلاثة منها هي الأوصاف الرئيسية والأربعة الأخرى تنتج عن هذه الأوصاف. أما تلك الأوصاف الرئيسية الثلاثة للأيديولوجيا من وجهة نظر سروش فهي[٢]: ١- تعمل بمنزلة سلاح للفعل. ٢- تنشد الوضوح والدقة والصرامة. ٣- تنتمي إلى عصر التأسيس. بقية أوصاف الأيديولوجيات من منظور سروش هي: ٤- تعمل بشكل انتقائي (ناتجة عن الوصف الثاني)، ٥- تُصاغ بما يتناسب مع نوع العدو ونوع النضال (ناتجة عن الوصف الأول) ٦- التعبئة فيها هي الأصل وليس البحث عن الحقيقة (ناتجة عن الوصفين الأول والثالث) ٧- تحتاج إلى مفسرين رسميين (ناتجة عن الوصفين الثاني والثالث).
من بين الأوصاف التي يسردها وحيد للأيديولوجيات من منظور سروش، هناك وصفان من الأوصاف الرئيسية برواية سروش («٢و» و«٣و») يُترك أحدهما («٣و») دون نقد. المثير للاهتمام أن سروش يعد صفة «٤و» لا من أوصاف الأيديولوجيات، بل من أوصاف المجتمع الأيديولوجي، ولهذا السبب يقع ما يقوله وحيد في نقده في خطأ جوهري.
الإشكال الآخر في نقد وحيد هو أنه يتوهم أن أوصاف الأيديولوجيات من وجهة نظر سروش مذمومة في حد ذاتها، في حين أن الأمر ليس كذلك، وما هو مذموم ومستهجن من وجهة نظر سروش هو أَدْلَجة الدين، وتُعتبر تلك الأوصاف مذمومة فقط بالقياس إلى هذا الهدف. على سبيل المثال، طلب الوضوح والدقة ليس مذموماً في حد ذاته من وجهة نظر سروش، وهو يقر، مثل وحيد، بأن أحد أهداف الفلسفة هو «إضفاء الوضوح».[٣] ما هو مذموم من وجهة نظر سروش هو استخدام الدين بوصفه أحد المصادر الثقافية لإنتاج الوضوح والدقة. فضلاً عن ذلك، على الرغم من أن كلاً من الفلسفة والأيديولوجيا تسعيان إلى الوضوح، إلا أنهما تضعان هذه الصفة في خدمة مقاصد مختلفة. الأيديولوجيات، بما أنها تعمل بمنزلة سلاح للفعل وتنشد التعبئة وإحداث حراك بين الشرائح العامة للمجتمع، فهي مضطرة إلى تقديم مذهب مفهوم وخالٍ من التعقيد يصلح عملياً للنضال والثورة، أما في الفلسفة، فالوضوح والدقة إما أن يكونا هدفاً في حد ذاتهما (فتغنشتاين) أو يُعتبران ضروريين لمنع الخطأ الفكري. كان المرحوم شريعتي يرى الإسلام ديناً بسيطاً ويريده كذلك، حتى إنه كان يجد في كون «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في الإسلام جائزاً على يد مراهق بلغ الحلم لتوه دليلاً على دعواه.
آمل أن أكون قد بينت حتى الآن أن نقد وحيد لنظرية «أسمن من الأيديولوجيا» لسروش ليس موفقاً، ويعاني من أخطاء شكلية وأخرى مضمونية على حد سواء. لكن الدعوى الرئيسية لهذه الكتابة هي أن البديل الذي يطرحه وحيد رداً على السؤال الذي يثيره مدين بشدة لنظرية سروش، التي رفضها للأسف.
يبدو أن ما يسميه وحيد بـ«إسلام التطبيق» يمكن التوصل إليه بالالتفات إلى الوصفين الأول والسادس (حسب ترقيمي هذا).من وجهة نظر سروش أيضاً: «بالنسبة للأيديولوجيات، الأصل هو إيجاد وعليه، لا يمكن الادعاء بتقديم منهجيته استنادًا إلى اقتباس ناقص من آراء سروش في التسعينيات. ومن المثير للاهتمام أن وحيد نفسه يقدم لنا ثلاثة سروش، فلماذا لا نفترض أنه مع «المتابعة الجادة» لسروش في السنوات الأخيرة يمكن الحديث عن سروش رابع وخامس!؟ إن اعتبار عدم المتابعة الجادة للأعمال الأخيرة للمفكرين الدينيين ليس نقصًا جسيمًا في دراسة آرائهم هو ادعاء لا أساس له ولا يمكن الدفاع عنه. من الجيد أن يعمل وحيد بنصيحته ويطبق دقة ومسؤولية فكرية (عملية) لأمثال تشارلز تايلور وألفين بلانتينغا في كتابة المقالات. ويشير في بداية المقال: «من الطبيعي أن تفصيل هذه النقاط يتطلب مجالاً أوسع.» نأمل أن يتاح هذا المجال له وللوسط الفكري الإيراني..
.
. [۱] المقصود من حرف «الواو» هو أوصاف الأيديولوجيا من منظور سروش وبرواية وحيد. [۲] الترقيم الذي أوردته هنا لأوصاف الأيديولوجيات من منظور سروش، يختلف عن ترقيمه هو نفسه في مقالته. [۳] راجع مقالة «الإيمان والحيرة» في كتاب أسمن من الأيديولوجيا [۴] عبد الكريم سروش، أسمن من الأيديولوجيا، منشورات صراط، الطبعة السابعة ۱۳۸۱ طهران، ص: ۱۰۸-۱۰۷. [۵] عبد الكريم سروش، قصة أرباب المعرفة، منشورات صراط، الطبعة الخامسة ۱۳۷۹ طهران، ص: ۴۳۳. .
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.