من كان عالما كان مقتدرا؛ وبالعلم يعود قلب الشيخ شابا.
أبو القاسم الفردوسي، شاعر إيران الكبير وناظم «الشاهنامة»، من أبرز مؤسسي اللغة والثقافة الفارسيتين. وقد صاغ المرويات القومية والأسطورية الإيرانية شعرا، فأنشأ عملا يمثل أثرا أدبيا ولغويا، ويعد في الوقت نفسه أحد أهم مصادر الهوية التاريخية والثقافية للإيرانيين.
ولد أبو القاسم الفردوسي، المعروف بالفردوسي، في طوس في القرن الرابع الهجري. والمعلومات التاريخية عن حياته محدودة وممزوجة أحيانا بالروايات الأسطورية، غير أن الثابت أنه كرس قسما كبيرا من عمره لنظم «الشاهنامة»، وهو عمل ضخم يروي تاريخ إيران الأسطوري والبطولي والملكي منذ بدء الخليقة حتى سقوط الدولة الساسانية.
تشكلت «شاهنامة» الفردوسي بالاستناد إلى التقاليد الإيرانية القديمة والمرويات الشفوية ونصوص مثل «شاهنامة أبي منصور». ولا تقتصر أهمية هذا العمل على قيمته الأدبية، إذ أدى دورا استثنائيا في تثبيت اللغة الفارسية وتوسيع حضورها بعد الإسلام، وحفظ في ذاكرة الناطقين بها كثيرا من أسماء إيران القديمة ورواياتها وفضائلها ونماذجها الثقافية.
يرتكز فكر الفردوسي في «الشاهنامة» على مفاهيم الحكمة والعدل والصدق وحسن الذكر وحب الوطن وزوال السلطة والصراع الدائم بين الخير والشر. وعالم «الشاهنامة» عالم أخلاقي تؤول فيه السلطة الجائرة إلى الخراب، وتغدو الحكمة والعدالة المعيارين الأساسيين لعظمة الإنسان وشرعية الحكم.
يحتل الفردوسي مكانة فريدة في الأدب الفارسي، لأنه جمع اللغة الشعرية والسرد الملحمي والذاكرة التاريخية للإيرانيين في عمل واحد. ولم تعد «الشاهنامة» بعده مجرد نص أدبي، بل غدت منبعا للفن والتأريخ والهوية الثقافية والفكر السياسي في إيران.
