الترجمة السلسة ليست بالضرورة ترجمة دقيقة. في هذه المقالة يقابل حميد رضا سعادت نياكي النص الإنجليزي لكتاب «رجال في أزمنة مظلمة» لحنة أرندت بترجمة مهدي خلجي الفارسية، ويعرض نماذج من أخطاء قلبت معنى كلام أرندت أحيانًا، ونسبت حكمها إلى شخص آخر أحيانًا، وأسقطت أجزاء من النص أحيانًا أخرى. يطرح هذا النقد الموثّق سؤالًا جوهريًا: كيف يستطيع القارئ الذي لا سبيل له إلى النص الأصلي أن يتبيّن أن ما يقرؤه هو فعلًا كلام المؤلفة؟

عندما شرعتُ في تصفّح رجال في أزمنة مظلمة بترجمة مهدي خلجي، لم أكن أنوي كتابة نقد لهذه الترجمة. كانت سنوات قد مضت على نشر الكتاب عن أكاديمية توانا عام ۲۰۱۶، ولم يكن نثره الفارسي يثير الريبة. بدأ الشك من عبارات خُيّل إليّ أنني فهمتها على نحو آخر عندما قرأت النص الإنجليزي للكتاب. قابلتُ بضعة مواضع مصادفةً، ثم أدركت شيئًا فشيئًا أن نطاق الأخطاء أوسع كثيرًا من ظنّي الأول. وأكتفي هنا بدراسة نماذج منها. ومعيار انتقاء الشواهد هو إمكان إثبات الخطأ بالرجوع إلى النص الأصلي وسياق الكلام، وأثره الجدير بالاعتبار في فهم القارئ.
ليس موضوع هذا النقد الاختلاف في الذوق عند اختيار المقابلات، ولا تفضيل أسلوب في التعبير على آخر، ولا الخيارات التي يمكن الدفاع عنها استنادًا إلى مقاربة مشروعة في الترجمة. وكذلك، حيثما احتمل النص الأصلي أكثر من قراءة معقولة، لم أعدّ الاختلاف في الفهم مع المترجم مسوّغًا لتخطئة ترجمته. كما استُبعدت من نطاق هذا النقد الأخطاء الجزئية التي لا تؤثر، على الرغم من عدم صحتها، تأثيرًا ذا شأن في فهم النص أو في صحة معلوماته.
النص الإنجليزي الذي يقوم عليه هذا الجَسْر النقدي هو النص نفسه الذي ترجمه خلجي:
Arendt, Hannah. Men in Dark Times. A Harvest Book. New York: Harcourt, Brace & World, Inc., 1968.
والنسخة الإلكترونية من ترجمة خلجي متاحة على موقع أكاديمية توانا على العنوان الآتي:
https://tavaana.org/wp-content/uploads/2022/12/Hannah-Arendt-Men-in-Dark-Times.pdf
جاء في مقالة «روزا لوكسمبورغ»:
“These were her real mistakes, and there was none she did not finally recognize and bitterly regret” (p. 47).
أي: «كانت هذه أخطاءها الحقيقية، وما من خطأ منها إلا عرفته في النهاية وندمت عليه ندمًا مريرًا». أما في ترجمة خلجي فنقرأ: «كانت هذه أخطاءها الحقيقية. وهي لم تعترف بهذه الأخطاء قط، ولم تتحسّر عليها» (ص. 96).
وتكتب أرندت في مقالة «والتر بنيامين»:
“greatly attracted not by religion but by theology” (p. 156).
أي «كان مفتونًا بالإلهيات لا بالدين». لكن خلجي يترجم: «كان مفتونًا بالدين لا بالإلهيات» (ص. 204).
كان بنيامين يحتاج إلى راتب شهري لتأمين نفقات معيشته. وتقول أرندت إنه كان مستعدًّا، أو ظنّ أنه مستعد، لأن يقبل مقابل ذلك الراتب رغبات ممولّيه، أي أن يتقاضى راتبًا من الصهيونيين ويتعلم العبرية، أو أن ينال دعمًا ماليًا من الماركسيين ويفكر على الطريقة الجدلية التي يريدونها.
تكتب أرندت:
“The fact that despite being down and out he later did neither is worthy of admiration” (p. 180).
والترجمة الدقيقة لهذه العبارة هي: «إن كونه لم يفعل لاحقًا أيًّا من الأمرين على الرغم من ضيق ذات يده جدير بالإعجاب». وقد ترجم خلجي: «كونه فعل هذا الأمر لاحقًا على الرغم من إفلاسه ليس جديرًا بالإعجاب» (ص. 229).
في مقالة «في الإنسانية في أزمنة مظلمة: تأملات في ليسينغ» تتحدث أرندت عن أولئك الذين يبذلون، بحسب تعبير ليسينغ، جهدًا في صنع الغيوم أكبر من جهدهم في تبديدها:
“human society was in no way harmed by those “who take more trouble to make clouds than to scatter them” (p. 26).
أي: «لا يلحق المجتمعَ الإنساني أيُّ ضرر من أولئك الذين يبذلون جهدًا أكبر في صنع الغيوم منه في تبديدها».
أما خلجي فكتب في ترجمته أن المجتمع «يتضرر ممن يخوضون كل غمرة لصنع الغيوم؛ ضررًا أكبر بكثير مما يلحقه به من يبدّدون تلك الغيوم» (ص. 74).
في مقالة «أنجيلو جوزيبي رونكالي: مسيحي على كرسي القديس بطرس، من ۱۹۵۸ إلى ۱۹۶۳» تكتب أرندت عن قبول دعوة المسيح:
“But the Church, being an institution and, especially since the Counter Reformation, more concerned with maintaining dogmatic beliefs than with the simplicity of faith, did not open the ecclesiastical career to men who had taken literally the invitation, ‘Follow me’” (p. 58).
وترجمته القريبة من الدقة هي: «لكن الكنيسة، وهي مؤسسة، وبخاصة منذ حركة الإصلاح المضاد، كانت تُعنى بالمحافظة على المعتقدات العقائدية أكثر من عنايتها ببساطة الإيمان، فلم تكن تفتح طريق التدرج في المراتب الكنسية أمام الذين أخذوا دعوة ‹اتبعني› بمعناها الحرفي».
وقد نقلها المترجم على هذا النحو: «لكن الكنيسة بوصفها مؤسسة، وبخاصة منذ عهد الإصلاح المضاد، كانت أكثر انشغالًا بحراسة معتقداتها العقائدية وبساطة الإيمان، ولم تكن تفتح المناصب الكنسية أمام الذين لم يأخذوا رسالة الدعوة ‹اتبعني› بمعنى الكلمة اللغوي» (ص. 106).
في الأصل كانت الكنيسة تسدّ طريق التدرج على الذين أخذوا دعوة المسيح بمعناها الحرفي، أما خلجي فيحوّل هذه الفئة في ترجمته إلى الذين لم يأخذوا الدعوة بمعناها الحرفي.
وفي شرح قاعدة رونكالي في مواجهة المستقبل تكتب أرندت:
“he now set down the “basic rule of conduct” for his new state—to “have no concern for the future,” to make no “human provision for it,” and to take care “not to speak of it confidently and casually to anyone” (pp. 65-66).
الترجمة القريبة من الدقة: «ووضع الآن ‹القاعدة الأساسية للسلوك› لحاله الجديدة على هذا النحو: ألّا ‹يهتم بالمستقبل›، وألّا يرى ‹أي استعداد بشري له›، وأن يحرص على ‹ألّا يتحدث عنه بثقة وعلى نحو عابر مع أحد›».
وقد ترجم المترجم هذه الفقرة هكذا: «وضع رونكالي ‹القانون الأساسي للسلوك› لموقعه الجديد ـ ‹ألّا يكون لديه أي قلق من المستقبل›، و‹أن يرى التوقعات والاستعدادات البشرية اللازمة له›، و‹أن يراعي الجميع لا بالكلام بل بالفعل›» (ص. 113).
لقد حوّل خلجي الأمر بعدم الاستعداد للمستقبل إلى أمر بالاستعداد له.
وفي ما يلي من النص:
“not even Rerum Novarum, the Encyclical of Leo XIII, “the great Pope of the working people,” had prevented the Vatican from paying starvation wages to its employees.” (pp. 65-66).
الترجمة القريبة من الدقة: «حتى ‹ريروم نوفاروم›، منشور ليو الثالث عشر، ‹بابا الكادحين العظيم›، لم يكن قد منع الفاتيكان من دفع أجور الكفاف لموظفيه».
وقد ترجمها المترجم هكذا: «حتى المنشور الصادر عن ليو الثالث عشر، ‹البابا الكبير للطبقة العاملة›، المعروف باسم ‹حقوق وواجبات رأس المال والعمل›، كان قد منع الفاتيكان من دفع ثمن الطعام لموظفيه» (ص. 114).
لقد حذف خلجي أداة النفي، فحوّل عدم منع المنشور من دفع الأجور الزهيدة إلى منعه من دفعها.
وجاء في مقالة «هرمان بروخ»:
“Within his horizon, however, Broch drew the most sweeping and radical conclusion from the experience of death. Not, to be sure, in the early value theory […]” (p.127).
أي: «ومع ذلك، استخلص بروخ ضمن أفقه أشمل النتائج وأكثرها جذرية من تجربة الموت. بيد أن هذه النتيجة لم تتحصّل في نظريته الأولى في القيمة […]».
وقد ترجمها المترجم على هذا النحو: «ومع ذلك، ضمن هذا الأفق يستخلص بروخ من تجربة الموت أشمل النتائج وأكثرها جذرية. بلا ريب، في بدايات نظرية القيمة […]» (ص. 177).
والواقع أن أرندت تفرّق بين مرحلتين في فكر بروخ: فالنتيجة موضوع البحث لم تتحصّل في نظريته الأولى في القيمة، لكنها ظهرت في نظريته في المعرفة. وقد حذف خلجي ‘Not’ في الترجمة.
يخطئ خلجي أحيانًا في تحديد وظيفة أجزاء الجملة أو مرجع الضمير، فينسب وصف أرندت أو حكمها إلى شخص أو موضوع آخر؛ ففي مقالة «كارل ياسبرز: خطبة في الثناء عليه» مثلًا تتحدث أرندت عن موقف ياسبرز في عهد هيمنة النازية:
“It was self-evident that he would remain firm in the midst of catastrophe. But that the whole thing could never become even a temptation for him—this, which is less self-evident, was his inviolability, and to those who knew of him it meant far more than resistance and heroism” (p. 76).
أي «كان من البديهي أن يبقى ثابتًا في خضم الكارثة. أما أن يكون ذلك كله عاجزًا حتى عن أن يصير إغراءً له ــ وهذا الأمر الأقل بداهة ــ فكان حصانته، وكان في نظر من عرفوه يعني ما هو أبعد بكثير من المقاومة والبطولة». وفي ترجمة خلجي: «كان من البديهي أن يبقى ياسبرز ثابتًا في خضم الكارثة، لكن ما كان أقل بداهة بكثير في الظاهر هو أن عدم انتهاكه في مثل تلك الظروف لم يتحول قط حتى إلى إغراء مضلّ له. وبالنسبة إلى من عرفوه كان هذا الأمر أبعد بكثير من المقاومة والبطولة» (ص. 124).
في النص الأصلي تؤدي ‘the whole thing’ دور فاعل الفعل ‘could … become a temptation’: فكل ما كانت عليه النازية لم يكن قادرًا حتى على إغراء ياسبرز. ثم تشير ‘this’ إلى عدم قابليته للإغراء هذه، وتسميها أرندت «حصانته». وقد أحلّ خلجي «عدم انتهاك ياسبرز» محل ’the whole thing‘. ونتيجة ذلك أن عدم انتهاكه نفسه قُدِّم في الترجمة الفارسية على أنه شيء لم يكن مغريًا.
في مقالة «أنجيلو جوزيبي رونكالي: مسيحي على كرسي القديس بطرس، من ۱۹۵۸ إلى ۱۹۶۳» تدرس أرندت، بعد روايتها حكايات عن سلوك البابا يوحنا الثالث والعشرين، الفرق بين تجلّي إيمانه في حياته وفي كتاباته. وتكتب:
“The single-mindedness of this faith, never troubled by doubt, never shaken by experience, never distorted by fanaticism—“which, even if innocent, is always harmful”—is splendid in deed and living word, but becomes monotonous and lame, a dead letter on the printed page” (p. 66).
أي: «إن صفاء هذا الإيمان ووحدة وجهته، وهو إيمان لم يزعزعه شك قط، ولم تهزّه تجربة قط، ولم يشوّهه تعصب قط ــ تعصب ‹حتى لو كان بريئًا فهو ضارّ دائمًا› ــ رائع في الفعل والكلمة الحية، لكنه يغدو على الصفحة المطبوعة رتيبًا عاجزًا، حرفًا ميتًا».
وقد ترجم خلجي هذه الفقرة هكذا: «هذا الإيمان الراسخ لم يضطرب قط بالشك، ولم يرتجف بالتجربة، ولم يُصَب بالتعصب بأي خدش. هذا الإيمان ‹الذي كان ضارًّا دائمًا حتى في صورته البريئة› كان يبدو في العمل والكلام الحي مهيبًا فخمًا، لكنه يبدو على الورق المطبوع رتيبًا مشلولًا ورسالة ميتة» (ص. 115).
في النص الأصلي يعود الاسم الموصول ‘which’ إلى ‘fanaticism’ أي «التعصب». ويُقدَّم إيمان رونكالي بدوره على أنه إيمان لم يشوّهه التعصب. أما المترجم فبافتتاحه الجملة الثانية على هذا النحو: «هذا الإيمان ‹الذي… كان ضارًّا دائمًا›» ربط العبارة الموصولة بـ«الإيمان». ونتيجة ذلك أن الحكم الذي كان في الأصل عن كون التعصب ضارًّا صار في الترجمة حكمًا بأن الإيمان نفسه ضارّ.
وفي مطلع مقالة «في الإنسانية في أزمنة مظلمة: تأملات في ليسينغ»، وعند حديثها عن معنى قبول جائزة ليسينغ، تكتب أرندت:
“we can do so only by ignoring ourselves and acting entirely within the framework of our attitude toward the world, toward a world and public to which we owe the space into which we speak and in which we are heard.” (p. 3)
وترجمتها القريبة من الدقة هي: «لا نستطيع ذلك إلا بالتغاضي عن أنفسنا والعمل كليًّا ضمن إطار موقفنا من العالم، أي من عالم وجمهور ندين لهما بالفضاء الذي نتكلم فيه ونُسمَع».
وفي ترجمة خلجي نقرأ: «نحن لا نقبل الجائزة ونشكر إلا بتجاهل أنفسنا والعمل ضمن إطار منظورنا إلى العالم وعامة الناس. وقبول الجائزة يعني الاعتراف بالفضاء الذي نتكلم فيه والمكان الذي نُسمَع فيه، والذي ندين له بالجائزة» (ص. 49).
والبنية الأساسية في العبارة الإنجليزية هي في الواقع:
we owe the space to a world and public
ففي النص الإنجليزي ما ندين به هو «فضاء الكلام والاستماع»، وندين بهذه الإمكانية للعالم والجمهور. ويعود الاسم الموصول ‘which’ في ‘to which’ إلى ‘a world and public’. أما في ترجمة خلجي فقد صار ما ندين به هو «الجائزة»، وحلّ «الفضاء» محل العالم والجمهور. وبذلك تحوّلت العلاقة بين العالم المشترك وإمكان الكلام فيه إلى علاقة بين الجائزة والفضاء.
وتتناول أرندت في المقالة نفسها، عند بحثها في رأي ليسينغ في الفن، مكانة المتفرج، فتكتب:
“the effect upon the spectator, who as it were represents the world” (p. 7).
أي «التأثير في المتفرج الذي يمثل العالم، كما لو كان كذلك». وقد ترجم خلجي: «كان يعنى بالتأثير الذي يتركه العمل الفني في المتفرج. والعمل الفني ممثل العالم» (ص. ۵۳). في النص الإنجليزي يعود الاسم الموصول ‘who’ إلى ‘spectator’ أي «المتفرج». وترى أرندت أن المتفرج ممثل العالم، أي الفضاء المشترك الذي ينشأ بين الفنان وسائر الناس. أما خلجي ففصل العبارة الموصولة عن مرجعها فنسب وصف تمثيل العالم إلى العمل الفني. وهذا الانزياح مهم لفهم بحث أرندت، لأنه ينقل المكانة التي تعطيها للمتفرج في العلاقة بين العمل الفني والعالم إلى العمل الفني نفسه.
ومثال آخر من مقالة «إيزاك دينيسن». جاء في النص الإنجليزي:
“show yourself worthy of whatever it may be by recollecting and pondering over it” (p. 97).
أي «أظهِر نفسك جديرًا بما وهبتك إياه الحياة بتذكّره والتأمل فيه». وقد ترجم خلجي: «أظهر لنفسك قيمة كل ما هو موجود» (ص. ۱۴۴). فبتغيير وظيفة «النفس» في الجملة حوّل خلجي هذا القول إلى نصيحة بإظهار قيمة الأشياء للنفس.
وفي مقالة «هرمان بروخ» تكتب أرندت:
“since he was in fact one” (p. 113).
أي «لأنه كان فعلًا شاعرًا وروائيًا». وقد ترجمها خلجي «لأنه كان شخصًا واحدًا» (ص. ۱۶۳). فالكلمة ‘one’ في النص الإنجليزي تنوب عن تعبير «شاعر وروائي» في الجملة السابقة. وبأخذ المترجم هذه الكلمة بمعنى العدد «واحد» حوّل الإشارة إلى هوية بروخ المهنية إلى قضية لا صلة لها بالسياق عن كونه شخصًا واحدًا.
في بعض المواضع غيّر خلجي في صيغته الفارسية العلاقات المنطقية بين أجزاء الجملة أو قضاياها. فالاستثناء والشرط والعلة والمقارنة، لكل منها دور في تحديد معنى الكلام، وتغييرها قد ينقل إلى القارئ حكمًا مختلفًا عمّا قالته أرندت.
يظهر النموذج الأول في مقدمة الكتاب نفسها. تكتب أرندت عن الأشخاص الذين خُصّصت لهم نصوص هذه المجموعة:
“with one exception, they hardly knew of each other” (p. vii).
أي «باستثناء واحد، لم يكونوا يكادون يعلمون بوجود بعضهم بعضًا». وقد ترجم خلجي: «إن وُجد قاسم مشترك فهو أنهم كانوا بالكاد يعرفون بعضهم بعضًا» (ص. ۳۹). فعبارة ‘with one exception’ تحصر حكم جهل هؤلاء الأشخاص بعضهم ببعض في استثناء واحد. أما في الترجمة الفارسية فقد حُذف هذا الاستثناء وحلّ محله شرط يتعلق بوجود قاسم مشترك بين الأشخاص.
وفي مقالة رونكالي كذلك تغيّرت العلاقة بين إدراك الضرورة والإقدام على إقامة المساواة. فأرندت، في وصف سلوك رونكالي، البابا يوحنا الثالث والعشرين، تبيّن أنه كان يعامل الناس معاملة المتساوين، بغض النظر عن مقامهم ومواقعهم. ثم تكتب:
“And he went to considerable lengths where he felt that this equality needed to be established” (p. 65).
أي «وكان يبذل جهدًا كبيرًا في كل موضع يشعر فيه بأن هذه المساواة ينبغي أن تُقام». وقد ترجم خلجي: «مضى في هذا الأمر إلى حدّ أنه شعر بأن هذا النوع من المساواة ينبغي أن يُقام» (ص. ۱۱۴). ففي نص أرندت يكون إدراك ضرورة إقامة المساواة أساس إقدام رونكالي في مواقف محددة، أما بنية «مضى إلى حدّ أنه» في الترجمة الفارسية فتجعل هذا الإدراك نتيجة لإقدامه.
وفي مقالة «برتولت بريشت» تصف أرندت مسرحية «صعود مدينة ماهاغوني وسقوطها» بقولها:
“Brecht’s only strictly nihilistic play” (p. 234).
أي «المسرحية الوحيدة لبريشت التي هي عدمية بالمعنى الدقيق للكلمة». وقد ترجمها خلجي «أكثر مسرحيات بريشت عدمية» (ص. ۲۹۳). ففي عبارة أرندت تدل ‘only’ على أن المصداق وحيد، وتحدد ‘strictly’ المعنى الدقيق للعدمية. أما «أكثر… عدمية» فتحوّل حصر المصداق إلى مقارنة في الدرجة بين مسرحيات بريشت.
وتكتب أرندت في النص نفسه، عند بحثها في مضمون قصيدة عن شهرة هتلر:
“even if he made the earth unfit for habitation by conquering it” (p. 209).
أي «حتى لو جعل الأرض غير صالحة للسكنى بغزوها». وقد ترجم خلجي: «مع أنه بفتوحاته جعل الأرض غير ملائمة للسكنى» (ص. ۲۶۲). فعبارة ‘even if’ تطرح حالة افتراضية، أما «مع أنّ» فتفترض وقوعها. ونتيجة ذلك أن صيرورة الأرض غير صالحة للسكنى بفعل فتوحات هتلر، وهي ما طرحته أرندت في صيغة افتراض، تُعرض في الترجمة الفارسية بوصفها حدثًا وقع.
وفي مقالة هرمان بروخ توضح أرندت أنه صار شاعرًا على غير رغبته، ثم تكتب:
“by his reluctance gave personally valid and adequate expression” (p. 112).
أي «بهذا العزوف نفسه أعطى تعبيرًا صحيحًا وملائمًا على المستوى الشخصي». وقد ترجم خلجي عبارة ‘by his reluctance’ أي «بهذا العزوف نفسه» إلى «على الرغم من عزوفه» (ص. ۱۶۲). ففي نص أرندت يكون العزوف الوسيلة التي يعبّر بها بروخ عن السمة الأساسية لطبعه وعن التعارض الرئيس في حياته. أما «على الرغم» فتحوّل هذه النسبة إلى علاقة تقابل، وتوحي بأن التعبير عن التعارض قد تحقق رغم عزوف بروخ.
في بعض المواضع قدّمت ترجمة خلجي وأخّرت في ترتيب الأحداث، أو أزالت العلاقة الزمنية بينها.
في مقالة «برتولت بريشت»، وعند إشارة أرندت إلى الناجين من المدن التي قُصفت في الحرب العالمية الثانية، تذكر قصيدة كان بريشت قد نظمها من قبل:
“Brecht, decades before, had said in a poem” (p. 219).
أي «كان بريشت قد قال في قصيدة قبل عقود». وقد ترجم خلجي: «قال بريشت في قصيدة بعد عقود» (ص. ۲۷۴). فبتحويل «قبل» إلى «بعد» قلب خلجي الترتيب الزمني بين نظم القصيدة وتدمير المدن.
وفي النص نفسه تتحدث أرندت عن الزمن الذي أدرك فيه بريشت، بعد انضمامه إلى الشيوعيين، أن تغيير العالم، بمنطقهم، لا يكفي فيه ألّا يكون المرء طيبًا، بل ينبغي له أن يكون هو نفسه سيئًا. وتكتب أرندت:
“He had scarcely joined the Communists before he found out” (p. 240).
أي «لم يكد ينضم إلى الشيوعيين حتى اكتشف». وقد ترجم خلجي: «من البعيد جدًّا أن يكون قد انضم إلى الشيوعيين وهو على هذا الوعي» (ص. ۲۹۹). فبنية ‘had scarcely … before’ تعبّر عن فاصل زمني قصير بين حدثين. أما في الترجمة الفارسية فقد أُهملت هذه العلاقة الزمنية وحلّ محلها حكم احتمالي في شأن وعي بريشت عند انضمامه.
في بعض المواضع غيّر خلجي نوع الحكم الذي عبّرت عنه أرندت، فيجد القارئ في الترجمة تكليفًا أو إخبارًا لا يحمل في النص الأصلي هذه الصيغة ولا هذه الوظيفة.
من ذلك مثلًا ما جاء في مقالة «هرمان بروخ»، إذ تكتب أرندت، وهي تبحث في رأي بروخ في الزمن وفي إمكان تحويل تعاقب الأحداث إلى تزامن:
“Man is bound to feel akin to this god because of the human ego’s alienation from world and time” (p. 133).
أي «الإنسان مضطر إلى أن يشعر بالقرابة مع هذا الإله بسبب اغتراب الأنا الإنسانية عن العالم والزمن». وقد ترجم خلجي: «الإنسان مكلَّف بأن يشعر بأنه قريب من هذا الإله» (ص. ۱۸۲). ففي هذا السياق تدل “is bound to” على اضطرار ناشئ عن اغتراب الإنسان عن العالم والزمن؛ أما خلجي فقد نقلها إلى «مكلَّف» فحوّل وصف هذا الاضطرار إلى بيان تكليف.
وفي مقالة «برتولت بريشت» تكتب أرندت، بعد إشارتها إلى صعوبة الكلام عن الشعراء:
“poets are there to be quoted, not to be talked about” (p. 210).
أي «الشعراء موجودون ليُستشهد بكلامهم لا ليُتحدَّث عنهم». وقد كتب خلجي: «هناك شعراء يُستشهد بكلامهم ولكن لا يُتحدَّث عنهم» (ص. ۲۶۳). فأرندت تبيّن في هذه العبارة الطريقة اللائقة في التعامل مع الشعراء، وتفضّل الاستشهاد بكلامهم على الحديث عنهم. أما خلجي فحوّل هذا الرأي إلى إخبار عمّا يحدث لبعض الشعراء.
يبدأ الخطأ أحيانًا من معنى مفردة أو مصطلح، ثم يمتد حتى يغيّر موضوع كلام أرندت.
في مقالة ليسينغ تتحدث أرندت عن‘Nazi racial doctrine’ ، أي «العقيدة العنصرية النازية»، ثم عن ‘racial theories’، أي «النظريات العنصرية» (p. 29). وقد ترجم خلجي ‘racial’ في الموضعين بـ«راديكالي»: «العقيدة الراديكالية للنازية» و«النظريات الراديكالية» (صص. 76-77). وفي تتمة الفقرة نفسها تفترض أرندت أنه يمكن إثبات دونية عرق ما بالأدلة العلمية، وتسأل: هل يسوّغ ذلك إبادة ذلك العرق؟
وفي مقالة «روزا لوكسمبورغ» تعدّ أرندت إحدى أهم رؤاها السياسية ثمرة لقائها بـ‘the revolutionary workers’ councils (the latter soviets)’ (p. 52)، أي «مجالس العمال الثورية (السوفييتات لاحقًا)». وفي ترجمة خلجي صارت هذه العبارة «مخرج العمال الثوري للمجالس (النقابات لاحقًا)» (ص. 100). وإذا تركنا «مخرج» الذي قد يكون خطأً في الطباعة، فإن نقل ‘soviets’ إلى «النقابات» ألغى الفرق بين المجالس الثورية والنقابات المهنية.
وفي مقالة «ياسبرز: مواطن عالمي؟» تطرح أرندت المسؤولية السياسية للمواطنين بمعزل عن ذنبهم الشخصي:
“regardless of personal ‘guilt’” (p. 83) أي «بصرف النظر عن «الذنب» الشخصي». وقد ترجمها خلجي «من دون «تأنيب ضمير» شخصي» (ص. 131). فـ‘Guilt’ في هذا السياق تتصل بالذنب أو التقصير الشخصي، أما «تأنيب الضمير» فشعور قد يخالج المرء إزاء خطئه. وأرندت تقول إن المواطنين يتحملون مسؤولية سياسية عن أفعال حكومتهم حتى وإن لم يكونوا مذنبين شخصيًّا، لكن ترجمة خلجي جرّت البحث إلى الشعور بالذنب.
وفي مقالة «هرمان بروخ» ترجمت عبارة ‘mystic approaches of the Indian type’ (p. 131)، أي «المقاربات الصوفية من النمط الهندي»، إلى «مقاربات أسطورية على الطريقة الهندية» (ص. 180). فـ‘mystic’ هنا تتصل بالتصوف، وتختلف عن ‘mythic’ أي «الأسطوري». وهذا التمييز مهم في بحث بروخ، لأن أرندت تتحدث في الصفحات نفسها أيضًا عن علاقة الفلسفة بالدين والأسطورة.
وفي المقالة نفسها، وهي تشرح فهم بروخ للعالم، تستخدم أرندت عبارة “the world’s aboriginal ‘irrationality’”(p. 144)، أي «لاعقلانية العالم الأصلية». وقد ترجمها خلجي «لاعقلانية سكان العالم الأصليين»، وتحدث في تتمة الجملة عن «فوضاهم وانعدام القانون عندهم» (ص. 193). فـ‘Aboriginal’ في هذه العبارة وصف لخصلة أصلية في العالم نفسه. أما في الترجمة فقد تحوّل الكلام من صفة للعالم إلى وصف لجماعة من البشر لا حضور لهم أصلًا في النص.
وفي مقالة «والتر بنيامين» جاء مصطلح ‘Through the good offices of a friend’ (p. 159) بمعنى «بمساعدة أحد الأصدقاء ووساطته». وقد ترجمه خلجي «عن طريق مكتب صديق» (ص. 208).
‘Good offices’ مصطلح يدل على التوسط وتقديم العون، ولا يشير إلى مكتب أو مقر عمل. وتوضح أرندت أن بنيامين تمكّن بمساعدة صديق من نشر دراسته عن الصلات الاختيارية لغوته في مجلة هوفمانستال.
وفي المقالة نفسها تُثني أرندت على صبر شولم في السعي إلى تأمين راتب لبنيامين كي يتعلم العبرية:
“and so is the infinite patience with which Scholem […] allowed himself to be put off for years” (p. 180).
أي: «وكذلك الصبر اللامتناهي الذي احتمل به شولم تسويف بنيامين له سنوات، فهو جدير بالإعجاب». وقد كتب خلجي في ترجمته: «وكذلك الصبر اللامتناهي الذي جعل شولم يصرف عن ذهنه فكرة مساعدته لبضع سنوات» (ص. 229). فتعبير ‘be put off’ يعني هنا الانتظار المعطَّل بسبب تسويف الآخر. وفي ترجمة خلجي صار تحمّل هذا التسويف عدولًا من شولم عن مساعدة بنيامين.
وفي بحثها في طريقة عمل بنيامين تشير أرندت إلى ‘Baudelaire’s correspondances’ (p. 163). وتتحدث عن التناظر بين مشهد في الشارع وصفقة في البورصة وقصيدة وفكرة، يمكن أن تكون كلها علامات على حقبة تاريخية. وقد ترجم خلجي ‘correspondances’ بـ«المراسلات»، وتحدث في الجملة التالية عن «كل واحدة من الرسائل» (ص. 212).
في بعض المواضع حُذفت من ترجمة خلجي جملة أو عبارة من نص أرندت لها دور في فهم كلامها. ففي مقالة ليسينغ تكتب أرندت، وهي تبحث في الفرار من الحيّز العام إلى الحياة الخاصة في زمن الظلمة:
“They must remember that they are constantly on the run, and that the world’s reality is actually expressed by their escape” (p. 22).
أي «عليهم أن يتذكروا أنهم في فرار دائم، وأن واقع العالم يتجلّى في فرارهم نفسه». وقد سقطت هذه الجملة من الترجمة (ص. ۶۹). فأرندت توضح قبل ذلك أن اللجوء إلى الحياة الخاصة يمكن أن يكون مسوّغًا، شريطة ألّا يُنسى الواقع الذي يفرّ منه المرء. والجملة المحذوفة تبيّن أن الفرار من العالم نفسه يشهد على واقع ذلك العالم.
وفي مقالة «هرمان بروخ» تربط أرندت الحرية، في فهمه، برغبته الفوضوية في الانقطاع عن الآخرين. ثم توضح أن هذا الجانب المتمرد الفوضوي في ذاته كان حاضرًا حتى في كتابات بروخ الأولى:
“as one of the sources of radical evil” (p. 135).
أي «بوصفه أحد منابع الشر الجذري». وفي ترجمة خلجي ينتقل الكلام عن هذا الجانب الفوضوي مباشرة إلى كونه قد ظل في الظل في كتابات بروخ الأولى (ص. ۱۸۴). وقد حُذفت الإشارة إلى أن بروخ كان يعدّ هذا الميل أحد منابع الشر الجذري.
وفي مقالة «والتر بنيامين» تبحث أرندت في اختلاف نظرة الجامع إلى التراث. فهي تكتب أن الجامع يضع في مقابل سلطة التراث أصالة الأشياء ومنشأها. وتصوغ أرندت هذه الطريقة في التفكير على النحو الآتي:
“he replaces content with pure originality or authenticity” (p. 199).
أي «إنه يستبدل بالمضمون الأصالةَ المحضة أو الأصلية». وقد ترجم خلجي الجملة التي تسبق هذه العبارة، ثم انتقل مباشرة إلى الوجودية الفرنسية (ص. ۲۴۹). فقد حُذف حكم أرندت في استبدال الأصالة بالمضمون، وانفصل شرحها اللاحق عن الصياغة النظرية التي يستند إليها.
وفي مقالة «برتولت بريشت»، وعند وصف أرندت مصير ثلاثة أجيال من الأوروبيين في الحرب العالمية الثانية، تذكر الجنود واللاجئين والمنفيين وأعضاء حركات المقاومة. وكان بين هؤلاء من عاشوا الحرب:
“as inmates of concentration and extermination camps” (p. 219).
أي «بوصفهم نزلاء معسكرات الاعتقال والإبادة». ولم ترد هذه العبارة في ترجمة خلجي. فالقائمة الفارسية تنتقل من أعضاء حركات المقاومة مباشرة إلى المدنيين الذين كانوا تحت القصف (ص. ۲۷۴). والإشارة إلى المعسكرات النازية موجودة في السطور السابقة من الترجمة، لكن نزلاء هذه المعسكرات حُذفوا من القائمة التي أوردتها أرندت لتبيان المصير المشترك لتلك الأجيال الثلاثة.
في النماذج التي جرت دراستها تغيّر معنى كلام أرندت أحيانًا، ونُسب إليها أحيانًا حكم مخالف لما كتبته، وأحيانًا لم يجد جزء من كلامها طريقه إلى الفارسية أصلًا. وصعوبة هذه الترجمة أن كثيرًا من هذه الأخطاء وقع في نثر سلس لا نتوء فيه. والقارئ الذي لا يملك سوى النص الفارسي لا يجد في الغالب ما يدعوه إلى الشك. فمن أين له أن يعرف أن ما يقرؤه كلام أرندت وليس حاصل سوء فهم المترجم؟ إن سلاسة النثر لا تمنح أي اطمئنان إلى صحة الترجمة. ولذلك فإن الاستناد إلى ترجمة خلجي، ولا سيما في إعادة بناء فكر أرندت ونقده من دون مقابلة بالنص الأصلي، ينطوي على خطر أن تُنسب إليها أقوال لم تقلها قط.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.