اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدرس شبستري التمييز بين اسم الله وذكره؛ فالتصور الأنثروبومورفي للإله يؤدي إلى الاغتراب وتحوّل الدين إلى أداة. أما إصلاح الحمولة الدلالية لاسم الله فيجعل الصلة به محبةً وتحريرًا.

نص محاضرة المجتهد شبستري في ليلة الثالث والعشرين من رمضان 1387 في حسينية الإرشاد
حديثي الليلة هو استمرار للحديث الذي قلته في ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك. أستطيع القول إن ما قلته في تلك الليلة كان تعريفاً وشرحاً موجزاً لاسم الله، وما سأقوله الليلة يتعلق بذكر الله. قلت في الجلسة السابقة إن الإصرار على تصور غير مقبول لاسم الله له نتيجتان وخيمتان. النتيجة الوخيمة الأولى هي اغتراب الإنسان عن نفسه بل وتحوله إلى حالة مرضية، وهو هذا الشعور بأن كائناً اسمه الله يزاحم الإنسان ويعيق ازدهاره ويعيق قراراته ويجعله يغترب عن نفسه. نرى الكثير من الأشخاص هكذا. أرى الكثير من الشباب حين يسمعون اسم الله وكأن اسم مزاحم قد ورد، مزاحم تقول الأسرة والمجتمع والحكومة باستمرار إنه يجب الإيمان به. النتيجة الوخيمة الأخرى هي أن هذا التصور غير المقبول يمكن أن يصبح أداة في أيدي البشر والحكومات لاستخدامه استخداماً أداتياً في اتجاه مصالح جماعية وسياسية غير مشروعة، وفي هذه الحالة تزول سلامة السياسة وتنشأ مشكلات أكثر تعقيداً للمجتمعات. إذن، تحريف اسم الله له عاقبتان وخيمتان، فردية واجتماعية. كانت هذه مقدمة قلتها في الجلسة الماضية، وقلت بناءً على هذا يجب أن نسعى لنفهم بدقة، حين نقول الله، أي مفهوم نعنيه به.
قلت إن اسم الله غامض ومبهم جداً. فكثيراً ما يتصور الإنسان أن لهذا الاسم معنى واضحاً جداً، لكن حين يُسأل: ماذا تفهم بالضبط تحت اسم الله؟ يستغرق في التأمل ويشعر أنه لا يستطيع أن يعنيه بشكل صحيح. قد يقول: الله يعني خالق العالم، لكن إذا سألته ثانية: ماذا يعني خالق العالم؟ يعجز عن الشرح الكافي، أو إذا شرح يقدم شرحاً أنثروبومورفياً، يعرّف لك إلهاً على صورة الإنسان، فيقول مثلاً: كما أن لكل ساعة صانعاً ولكل بناءٍ بانياً، فهذا العالم أيضاً له صانع وبانٍ، هذا تصور أنثروبومورفي عن الله. في بدايات الحياة، لا ينتبه الإنسان إلى العواقب التي قد تترتب على مثل هذا التصور عن الله، لكن حين ينمو فكره قليلاً، ويقرأ بعض الكتب، ويدرس المذاهب الفلسفية دراسة مختصرة، أو يشارك في مسار السياسة ويصبح واعياً بتعقيدات السياسة ومشكلاتها، ويصطدم بمسألة حقوق الإنسان والحرية والكرامة الإنسانية وما شابه ذلك، ويقوم بإعادة تقييم لتلك العقائد البدائية والعامية لديه، يرى أنها لم تعد مقبولة لديه، لم يعد الله بوصفه صانع العالم كصانع البناء، وسائر الأحكام الدينية المبنية على ذلك، مقبولاً لديه. لكل اسم حملة دلالية ومفهومية تتكون عبر التاريخ وتؤثر في مسار الحياة الاجتماعية والفردية للبشر. كلما ورد ذلك الاسم، فإن تلك الحملة الدلالية والمفهومية، وتلك التجارب المرة أو الحلوة، وتلك المشاعر بالازدهار أو الاختناق التي صاحبت ذلك الاسم، كل هذا يمتطي كتف الإنسان ويثقل عليه. تصحيح الحملة الدلالية والمفهومية لأي اسم هو في الواقع تصحيح للتصور عن صاحب ذلك الاسم. إذا قيل "الله" وخطرت على الأذهان من هذا الاسم المحبة والعشق، والغفران، والازدهار والإزهار، فهذا الله والارتباط به محرر ومانح للمعنى للحياة الإنسانية. أما إذا تذكر الناس من اسم الله الإكراه والإسكات وعدم السؤال والتقليد الأعمى وتجربة الظلم وأمثال ذلك، فهذا الله والارتباط به مزاحم للإنسان، ويتخذ الإنسان منه موقفاً سلبياً.
في الليلة الماضية قلتُ إن التصورات البشرية عن الله ليست صحيحة، وإننا لا نستطيع وصف الله ولا الإحاطة به، وقلتُ لكن يمكن تجربة الله وروايته، يمكن مناجاته، يمكن الأنس به، يمكن سؤاله، يمكن الشكوى إليه، يمكن الرضا بقضائه، يمكن التوكل عليه، يمكن تفويض الأمور كلها إلى الله، يمكن الاستعانة به وطلب الهداية منه وهكذا. كما قلتُ إن الإنسان يمكنه أن يعبّر للآخرين عن التجارب التي يخوضها مع الله، وكان عمل الأنبياء هو هذا بالضبط، أنهم شاركوا الآخرين التجاربَ التي عاشوها مع الله، وأطلعوهم عليها، ودعوهم إلى الارتباط بالله. كان تعبيرهم هو: ماذا فعل الله بي وماذا يفعل، وماذا يفعل بالعالم، وماذا يفعل بالأقوام؛ إن أفعال الله وأسماء الله التي هي رموز لتلك الأفعال هي ما يهمهم. قلتُ إن مجرد قراءة التعاليم الدينية وأصول العقائد وحفظها كالصيغ الرياضية لا يجدي نفعاً، وقد يصل الإنسان لاحقاً إلى هذه التجربة المرة بأن هذه الأشياء التي قرأها لا تقدم جواباً.
والآن ينبغي أن أوضح ما هو منشأ هذه الارتباطات بالله وأشكال ذكر الله المتنوعة هذه لدى البشر. نحن نعلم ما الذي يدفعنا لأن نذهب وندرس الكيمياء أو الفيزياء مثلاً، نحن ندرسها لتلبية احتياجات نمتلكها كبشر ويمكن تلبيتها عبر هذه العلوم. ندرس الطب لأننا إن لم ندرسه لا نستطيع علاج أمراضنا، ندرس علوم التغذية لأننا نحتاج إلى معرفة الأغذية... إلخ. منشأ التوجه نحو هذه العلوم والفنون لدى البشر معلوم، وهو احتياجات الإنسان. والآن يمكن أن نسأل: ما هو منشأ طلب العلاقة مع الله لدى البشر؟ ماذا يحدث، وما هي العلل التي تنشأ، وأي الخلفيات تتضافر وتتنشط حتى يُطرح اسم الله بين البشر بأشكال مختلفة. (إن تاريخ الإيمان بالله شديد التعقيد والطول والتنوع. أنصح بقراءة كتاب مفيد تُرجم في السنوات الأخيرة، عنوانه «تاريخ الإيمان بالله»، ترجمه السيد خرمشاهي والسيد سالكي، وصدر عن منشورات مركز الأبحاث الثقافية والعلمية).
علم نفس الدين هو فرع علمي جديد لا يتجاوز عمره قرنين من الزمان على الأرجح. وقد عمل فيه علماء متعددون. يدرس علم نفس الدين مسألةَ ما الذي يجري في نفوس ودواخل البشر المؤمنين بالله، وما هي حالاتهم، وما علاقة هذه الحالات النفسية بالحالات الأخرى لهؤلاء البشر، وفي أي ظروف يشتد الإيمان بالله في داخل الإنسان، وفي أي ظروف يضعف، وما شابه ذلك. هذه المطالب هي سلسلة من المباحث النفسية، لا الفلسفية ولا الكلامية. المهم أن علم نفس الدين لا يريد أن يحل محل فلسفة الدين أو علم الكلام والإلهيات ويقول إن مسألة الله والإيمان بالله هي فقط هذه الأشياء التي نراها في نفوس البشر ولا أصالة لها. سأعرض هنا باختصار شديد بضعاً من نظرياتهم، ثم أطرح رأياً قال به عرفاؤنا أو فلاسفتنا ذوو المسلك العرفاني خصوصاً بصدد هذا المطلب نفسه، وجذور كلامهم موجودة في القرآن الكريم نفسه. طريقتي في هذا النوع من المباحث هي أن أضع المعلومات والتوضيحات في متناول المستمعين ليقرروا بأنفسهم. أنا لا ألقّن أحداً عقيدةً. بل إني أعتبر هذه المحاضرات والجلسات من قبيل الصفوف الدراسية، لا جلسات «التبليغ».
يقول بعض علماء النفس إن أبحاثنا تُظهر وجود غريزة لدى البشر يمكن تسميتها بـ«غريزة الإيمان بالله»، وهذا بالطبع رأي له مؤيدون ومعارضون. يقول هؤلاء إنه عندما ينمو الطفل، تظهر لديه غريزة تطرح عليه فكرة الله تلقائيًا. وهناك رأي آخر مفاده أن الإيمان بالله يتعلق بضمير الإنسان، وأن الإيمان بالله هو، كما يُقال، صوت الضمير الإنساني، ذلك المركز الذي نعتبره مركز الإدراكات الأخلاقية. عندما نظلم أحدًا نقول إن ضميري يؤنبني، أو إن ضميري لا يسمح لي بفعل كذا. وكأن هناك موضعًا في كيان الإنسان هو قاعدة الأخلاق والقيم. لقد دارت نقاشات كثيرة في علم النفس حول ما يمكن أن يكون عليه معنى الضمير، وهذه الفئة من علماء النفس تقول إن الإيمان بالله هو صوت الضمير الإنساني. حين يسمع الإنسان صوت ضميره، فإنه يختبر سماع صوت الله، فالله ينبثق من ضمير الإنسان، وهذا رأي أيضًا. ويقول آخرون إن طرح مسألة الله على الإنسان هو ضرورة جبرية عقلية ومعرفية، بمعنى أن الإنسان يصل في مسار نموه العقلي إلى مرحلة يختبر فيها أنه مضطر عقليًا لأن يسأل عن وجود الله ويفكر فيه، فهو ينظر إلى العالم مثلًا أو يتأمل في ذاته فيخطر بباله أن يتساءل: ما هو الأصل وعلة العلل؟ ما هو المبدأ ومنبع الموجودات؟ أو يسأل كيف ينبغي أن ينكشف سر العالم، وكما قال حافظ: «ما هذه القبة العالية البسيطة كثيرة النقوش - ليس في العالم من عليم يعي هذا اللغز». يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها العالم لغزًا. هذه هي الجبرية العقلية والمعرفية. وكان شلايرماخر، الفيلسوف والمتكلم البروتستانتي الشهير، يقول إن كل إنسان يختبر في داخله «شعورًا بالاتكال المطلق على الله». وقد صار هذا الرأي أيضًا منطلقًا لكثير من النقاشات. وسأذكر رأيًا آخر يعود لعالم نفس مهم وشهير اسمه «كارل غوستاف يونغ»، فهو يقول: القصة هي أن الإنسان، بالإضافة إلى لاوعي فردي، لديه أيضًا لاوعي جمعي، ومسألة الله تنبع من ذلك اللاوعي الجمعي لدى البشر. في ذلك اللاوعي الجمعي توجد صور، وتوجد أفكار، وتوجد ذكريات أزلية. ما نقلته هنا عن علماء نفس الدين هو نماذج من آراء أولئك العلماء الذين كانت لهم علاقة متعاطفة مع الدين.
لكن عرفاءنا الكبار طرحوا مسألة أخرى بشأن منشأ الإيمان بالله عند الإنسان، سأعرضها عليكم وأشرحها. يقول هؤلاء العرفاء إن كل إنسان هو على خُبرٍ بوجود الله من خلال وجوده هو. مسألتهم هي مسألة «الخُبر». لا توجد كلمة أفضل من «الخُبر» في هذا المقام. كل واحد منا لديه خُبر بوجوده، هو واعٍ بوجوده. يقول العرفاء إن الإنسان، من خلال وعيه بوجوده، هو واعٍ أيضًا بـ«الوجود المطلق» (الله). حين يكون لديه خُبر بوجوده، يكون لديه خُبر بالله أيضًا. إن خُبرنا بأنفسنا يُطلعنا على الوجود المطلق الذي نحن حصة منه وقطرة منه. دعوني أضرب لكم مثلًا، ربما سبح كثير منكم في البحر وهو أمر ممتع للغاية. حين يسبح الإنسان في البحر، فإن ما هو في حيز تصرفه ويشكل مجال سباحته هو مثلًا 400 أو 500 متر مكعب من الماء التي يسبح فيها، ولكن من خلال هذا بالضبط، يكون هذا الإنسان في وحدة اتصالية مع البحر كله ومتصلاً به. وعلى سبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، فإن علاقة الإنسان بالله تبدو هكذا، فالإنسان من خلال وجوده هو على ارتباط حقيقي بالوجود المطلق. إن الله ليس غائبًا عن الإنسان أصلًا وهو مع الإنسان دائمًا. لا أن على الإنسان أن يبحث ليجد الله. طبعًا ليس بالمفهوم التشبيهي، كما يكون الإنسان إلى جانب إنسان، ولا كما يكون كائن آخر إلى جانبنا.
كل إنسان يختبر وجوده المحدود، ويختبر الوجود المطلق أيضًا، ولا يمكن أبدًا اختبار الوجود المحدود بمفرده. قد تقولون إن كان الأمر كذلك، فينبغي أن تكون مسألة الله واضحة تمامًا، وأن نكون دائمًا على ذكر الله ونجده إلى جانبنا، وأن تكون لدينا دائمًا هذه الخبرة بأن وجودي قطرة من ذلك الوجود، وأنني حين أختبر وجودي فإنني أختبر ذلك الوجود المطلق، في حين أن حالنا ليست كذلك عادةً. لقد أجاب العارفون الكبار عن هذا السؤال. فهم يقولون إننا لا نكون عادةً على وعي حتى بوجودنا نحن، أي إننا عادةً ننسى أنفسنا. خصوصًا في الأوقات التي نكون فيها منهمكين بشدة في عمل ما، نغفل عن أنفسنا كليًا. لكننا إذا أفَقنا إلى أنفسنا وتفرغنا، ننتبه إلى أننا نملك أنفسنا، وأننا حاضرون لدى أنفسنا، أي نُصبح واعين بأنفسنا. نحن دائمًا نملك أنفسنا لدينا، لكننا لا نكون دائمًا واعين بهذه الحقيقة ونغفل عنها، لأن حواسنا تذهب وراء ألف مسألة أخرى. يقول العارفون إن قصة الإنسان والله هي كذلك تمامًا. آفة الإنسان هي الغفلة عن الله، ولهذا السبب يقولون إن عمل الإنسان ينبغي أن يكون "ذكر" الله، وهذا هو "الذكر" الذي أكد عليه القرآن المجيد كثيرًا. على الإنسان أن يسعى إلى أن يُحضر في داخله، عبر التذكر، ما يغفل عنه عادةً، وأن يستعيد حضوره من جديد، بالتعبير الأصح. على الإنسان في مقام التكامل المعنوي أن يذكر الله باستمرار. الاستدلال لإثبات الله هو الفلسفة وعلم الكلام والعلم، أما قراءة براهين إثبات الصانع وأمثال هذه الأمور فلا تفتح الطريق إلى الله. الله يُذكر ولا يُستدل عليه.
في مجرى حياتنا، يحدث أحيانًا أن نكون قد رأينا إنسانًا في مكان ما وعرفناه، وصادقناه وألفناه، وصارت لنا معه سوابق، ولكننا لم نره بعد ذلك لسنوات مثلاً، وحدث فاصل زمني طويل بيننا وبينه، حتى صرنا غافلين عنه. فإذا تذكرنا ذلك الشخص لأي سبب، فإن هذا التذكر يكون مسبوقًا بتماس ومعرفة حسية تجريبية خارجية حدثت قبل سنوات، وأنا الآن أتذكره. على شواهد قبور بعض الأشخاص تُكتب أشعار بهذا المضمون: أيها الأحياء! اذكرونا، فقد كنا معكم سنين. يمكن الآن أن نسأل: أليس ذكر الله من هذا القبيل؟ فالإنسان لم يتعرف على الله بمعرفة حسية تجريبية خارجية، وبالرؤية والسماع والمخالطة، حتى يكون تذكره كتذكر إنسان منسي. تذكر الله يصبح ممكنًا من الطريق نفسه الذي صارت به معرفة الله ممكنة، أي من طريق وجودنا نحن، وأنفسنا، ومن طريق كينونتنا. تذكر الله يجب أن يحدث في داخلنا نحن. إنه لا يُستحضر من الخارج، لأنه دائمًا في داخلنا.
مهما بلغت كمالات الإنسان، فإنه لا يستطيع أن يعرف الله ويذكره إلا بقدر تلك الكمالات، لا أكثر. فإذا كان الإنسان متحلياً بالعلم، وهو كمال، أدرك الكمال العلمي لله، وإذا كان محباً أدرك محبة الله، وإذا كان غفوراً رحيماً أدرك غفران الله ورحمته، وإذا كان خلاقاً مبدعاً أدرك خلّاقية الله وإبداعه، وهكذا. وفي المقابل، فإن الإنسان الجاهل، أو الحاقد الحسود، أو الأناني المتسلط، يصنع لنفسه إلهاً يحمل هذه الصفات غير اللائقة. فهو إذ يجهل صفات الكمال في ذاته، لا يمكنه أن يحيط حقاً بالكمال المطلق، أي الله. هذا إدراك ووعي، لا مجرد قراءة للكتب. فمهما قرأ الإنسان كتباً عن العشق والمحبة، فلن يفهم ما هما إلا إذا أذاقه إياهما أحد وتذوقهما، أو إذا ما فاض العشق والمحبة من أعماقه لسبب ما، أي أن يصبح هو نفسه عاشقاً. بهذه الأمور يدرك الإنسان معنى العشق والمحبة. ثمة مقولة بليغة في علم نفس الطفل تقول: الأطفال الذين لا يتذوقون المحبة من الأب والأم، لا يستطيعون بعد أن يكبروا أن يحبوا الآخرين. فمن ذاق المحبة هو وحده القادر على نقلها إلى غيره. هذه مسائل باطنية، تُذاق وتُمارس ويُدرك بها، إنها تنبع من الداخل وتُختبر. هكذا هي العلاقة بين الإنسان والله. نحن البشر ندرك الله وكمالاته بقدر سعتنا الوجودية. والغرض من الاستدلال الفلسفي هو الإجابة عن الشبهات والتساؤلات إن وُجدت في البنية العقلية للإنسان. يوصينا العارفون الكبار بأن نذكر الله حتى ينبع من أعماقنا. ولهذا السبب حظي التهجد والعبادة في آخر الليل بكل هذا التأكيد. على الإنسان أن يهيئ مقدمات هذا النبعان حتى يقع هذا الحدث، ومن أهم هذه المقدمات الفراغ. ينبغي أن يكون لدى الإنسان فراغ ليعي ذاته، ومن خلال وعيه لذاته يعي الله. ونحن عادة لا نملك هذا الفراغ. يجب أن نخصص وقتاً، وأن نصنع فرصة، وأن نحفر في ذواتنا، وهذا الحفر يحتاج إلى وقت. نحن لا نخصص وقتاً لتربية أبنائنا، ثم نرى أنهم لم ينموا ويكتملوا كما ينبغي، وعندها نتساءل: لماذا صاروا على هذا النحو؟! لينتبه الشباب المتأملون إلى هذه المسألة، وهي أن على الإنسان أن يخصص وقتاً لتربية نفسه أيضاً. أن يتصور المرء أنه يستطيع أن يعيش بأي شكل، وأن يساير الجماعة في كل الظروف، وأن يغرق في كل الأوقات في مشاغله اليومية، ومع ذلك يتوقع أن تنحل له مسألة الله بمجرد قراءة كتاب أو مقال، فهذا تصور خاطئ. لقد قال نبي الإسلام، الذي كانت مهمته الأساسية الدعوة إلى التوحيد ونشره: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، لأنه ما لم تتغير الأخلاق، لا يعي الإنسان ذاته، وبالتالي لا يعي الله.
تعلمون أن في معارفنا الدينية تأكيدًا كبيرًا على التهجّد وصلاة الليل، وتحديدًا في الثلث الأخير من الليل. وأهمية هذا السهر الليلي لا تقتصر على الإسلام، ففي بعض الأديان الأخرى لليل حكاياته. وفي العرفان الإسلامي لليل حكاياته. أحد طلابي في مرحلة الماجستير أنجز رسالة تحت إشرافي بعنوان «الليل في نظر العرفاء». جمع وحلل فيها آراء العرفاء وأشعارهم حول الليل. المسألة هي أن الإنسان في الليل لا تكون لديه مشاغل النهار، ويكون منكفئًا على ذاته بعض الشيء ولم يقفز خارجها بعد. نحن في النهار نقفز من ذواتنا وننقذف إلى ألف مكان. لا نكون في ذواتنا. كان أحد أهل هذه التمرينات يشبّه الأمر ويقول: إن ورقة الزهرة داخل كوب مملوء بالماء، تستقر وتهدأ في قعر الكوب عندما يكون ماء الكوب ساكنًا تمامًا. نحن البشر في الليل نسكن ونستقر، نكون في ذواتنا ولم ننقذف بعد إلى الخارج. حينها يمكننا أن نكتشف ذواتنا بأنفسنا، وأن ننقب في أعماقنا لأن المشاغل والعوامل الخارجية لا تجذبنا يمنة ويسرة. إن التوصية بالانشغال بالمناجاة والراز والنياز مع الله والتحدث إليه في الثلث الأخير من الليل، تعود لهذا السبب، وهو أن في تلك الساعة فراغًا يتحقق، وفي ذلك الفراغ يستطيع المرء أن يشعر بأنه يحقق اتساعًا روحانيًا، وأن أفق وجوده يصير أرحب، ومن كل زاوية من وجوده يُسمع صوت وتنفتح نافذة، وما لم يكن يخطر على البال يخطر، فينقص من نطاق «الغيب» ويزاد في نطاق «الشهادة». وخلاصة القول إن الله لا يُذكر في كل الظروف ولا يتفجر من باطن الإنسان. في القرآن المجيد ورد تعبير «الذكر» عشرات المرات، قيل: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا» اذكروا الله كثيرًا، كثيرًا جدًا. يقول القارئ للوهلة الأولى: ما معنى أن نذكر الله كثيرًا جدًا؟ في آية أخرى ورد: «قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ» قل لا يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم. نحن نتصور أن الله حاضر لنا في كل الظروف، وفي كل الظروف ثمة طريق مفتوح منا إلى الله. كلا، ليس الأمر هكذا، فنحن في كثير من الظروف في غفلة، وعلينا أن نزيح ستار الغفلة وندعو الله وندعوه وندعوه حتى تثمر نداءاتنا ويُريَنا الله ذاته من داخلنا وخارجنا. ولكن أن ندعوه من صميم القلب، لا أن ندعوه باللسان فقط. هذا النوع من الدعاء يتيسر لأولئك الذين يمتلكون هم أنفسهم كمالات معنوية، فهم في الواقع حين يدعون يوسعون كمالاتهم الوجودية، وتجربة هذا الاتساع هي عين تجربة الكمالات الإلهية ووجود الله. من يستطيع أن يحيط علمًا بالمراتب العلمية لعالم بارز جدًا هو من يمتلك هو نفسه قسطًا من ذلك العلم، فالجاهل لا يمكنه أن يحيط خبرًا بالعالِم، والغافل الفاقد للكمالات المعنوية لا يمكنه أيضًا أن يحيط خبرًا بالله. في القرآن الكريم قيل إن القرآن نفسه ذكر، أو هو «تذكرة»، القرآن هو ذكر الله، القرآن هو في الدرجة الأولى ذكر النبي ثم يصير مادة لذكرنا. هذا القرآن هو عين ذكر الله على لسان النبي بمدد (وحي) من الله. عن كتب سائر الأنبياء أيضًا قيل في القرآن إنها كانت ذكرًا. في موضع آخر من القرآن ورد: «فَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» ما ينفع المؤمنين هو ذكر الله.
خلاصة كلامي هي أن قصة تَوَصُّل الإنسان إلى الله ليست تَوَصُّلَ الإنسان إلى موجود خارج ذاته ومغاير لها. ليس الأمر أن علينا أن نجد الله في مكان ما، فالله دائمًا مع الإنسان، ولكن ليس ذلك الإله المتأنسن الذي يجب الفرار منه. الوجود المحدود للإنسان قطرة من وجود الله اللامحدود. نحن أبناء الله ودائمًا في حجره وفي أحضانه، لكننا لا نعلم أننا في أحضان الله. لسنا منفصلين عن الله. هنا للعرفاء كلمات سامية جدًا لا يتسع المجال للخوض فيها. إذن، رأي العرفاء هو أن أصل ومنبع ومادة طرح مسألة الله وذكر الله والتحدث مع الله والأمل والثقة بالله وكل ما شابه ذلك، كامن في داخل الإنسان ذاته. ذكر الله ليس أن نملأ كل مكان في المجتمع باسم الله بإثارة الضجيج والصخب والصولة، بينما نسعى وراء منافعنا الدنيوية غير المشروعة.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.