لم تعد الأزمة اليوم حدثًا استثنائيًا؛ بل أصبحت جزءًا من التجربة اليومية للإنسان المعاصر. يستكشف كوستيكَا براداتان وكاميل أونغوريانو في هذا المقال علاقة الإنسان بالأزمة، موضحين أن الأزمة ليست مجرد علامة على الانهيار، بل يمكن أن تكون أيضًا لحظة للحكم وإعادة التفكير وفهم الوضع الإنساني من جديد.

تُرى الأزمات اليوم في كل مكان: في قلب النظام الرأسمالي وفي السياسة، وفي العلاقات الدولية وصلاتنا بالعالم الطبيعي، وفي العلوم والعلوم الإنسانية. ويبدو في كل واحد من هذه المجالات أن أزمات عدة متشابكة. ففي الساحة السياسية، على سبيل المثال، نواجه استقطاباً متزايداً، وتصاعداً في عدم التسامح مع آراء الآخرين وقيمهم، وتطرّفاً أيديولوجياً، وظهور أشكال متنوعة من الشعبوية السلطوية؛ هذا من دون أن نذكر الأنظمة الشمولية الصريحة التي تحكم أجزاء واسعة من عالم اليوم. ووفقاً لأكبر تقرير عالمي عن حال الديمقراطية، فإن «مستوى الديمقراطية الذي يتمتع به الفرد العادي في عام ۲۰۲۳ يعادل الآن مستوى الديمقراطية في عام ۱۹۸۵» (V-Dem). والأسوأ من ذلك أن اللامساواة تواصل التزايد حتى في البلدان التي عُرفت تقليدياً بأنها ديمقراطية؛ وهو وضع أضعف الثقة العامة في المؤسسات والعمليات الديمقراطية وأسهم في نمو حركات اليمين المتطرف. وكأن ذلك لا يكفي: فما زال شبح حرب شاملة ونووية خطراً حقيقياً وحاضراً، فيما تمثل حالة الطوارئ المناخية تهديداً وجودياً للبشرية. و«الأنثروبوسين» ليس مصطلحاً وصفياً بقدر ما هو اسم لحالة أوجدناها نحن. ويقول تقرير نُشر حديثاً في مجلة Science إن «ستة من الحدود الكوكبية التسعة» قد جرى تجاوزها؛ بما يدل على أن الأرض «تقع الآن إلى حد بعيد خارج الحيز التشغيلي الآمن للبشرية» (ريتشاردسون وزملاؤه).
من المجال الخاص إلى السياسة ووضع كوكبنا، لا يكاد يوجد شيء لا يكون اليوم في «حالة أزمة». كأننا لا نستطيع العيش من دون أزمة. وإشباعاً لتعطشنا إلى أزمات أكثر فأكثر وأشد درامية، تحولت الأزمات إلى سلعة في الثقافة الشعبية. فالمنصات العالمية مثل نتفليكس وهولو وأمازون برايم تعبئ باستمرار سيناريوهات نهاية العالم وتبيعها بوصفها ترفيهاً للاستهلاك الجماهيري؛ ترفيهاً يتغذى من متعة خفية في دمار الذات والآخرين، ومن شعور بالذنب يطفو أحياناً. بل إن الانتشار المتزايد لـ«القلق البيئي»—الخوف من الانهيار الوشيك للنظام البيئي—قد صار، في رأي بعضهم، «موضة جديدة».
في عالم يتحدد بأزمات متعددة أو «تعدد الأزمات» (polycrisis)—حيث تتقاطع أزمات عدة وتزيد كل منها حدة الأخرى (انظر، مثلاً، إدغار موران أو ويل لاهده)—اكتسب الخطاب العام تدريجياً نبرة «نهاية العالم». حين نشر جاك دريدا عام ۱۹۸۴ مقالته المؤثرة، «عن النبرة الرؤيوية التي اعتُمدت حديثاً في الفلسفة»، كانت هذه العبارة لا تزال تشير إلى شيء جديد واستثنائي. أما الآن، وسط كل هذه الأزمات القائمة والأزمات الأخرى الآتية، فكأن نهاية العالم قد غدت أسلوباً في الحياة.
تاريخياً، يشير مصطلح «أبوكاليبس» (ἀποκάλυψις) إلى كشف الحجاب، أو الوحي، أو انكشاف الحقائق المستترة في نهاية الزمن. غير أن هذه «النبرة الرؤيوية» في الخطاب العام تعكس اليوم، في المقام الأول، إحساساً بالدمار: دمار إما وشيك الوقوع أو بدأ بالفعل (هنتشل). إن الحالة الراهنة لا تكشف عن أزمة بعينها، بل عن التاريخ ذاته؛ تاريخ عُرّف بوصفه حالة أزمة تتجه إلى نهايتها.
هنا نواجه مفارقة كبرى، بل سخرية أكبر منها. فقد حلت القفزات المهمة في تطور الإنسان بعض المشكلات، وأنتجت في الوقت نفسه مشكلات جديدة يمكن أن تكون مميتة. حلّت الثورة الزراعية مشكلة نقص الغذاء، لكنها أدت كذلك إلى الاستغلال وسوء التغذية والعنف واسع النطاق. وخففت الثورات العلمية والصناعية قيود التنقل، وأحدثت تقدماً تكنولوجياً هائلاً في الطب وسائر المجالات، لكنها مهدت، في الوقت نفسه، لإبادات جماعية قائمة على التكنولوجيا، وحالة الطوارئ المناخية، وخطر الحرب النووية. وفتحت الثورات الرقمية والذكاء الاصطناعي إمكانات هائلة للتقدم، لكنها جلبت معها أيضاً مجموعة من التحديات الجديدة: أزمات الصحة النفسية، وإمكان التلاعب والسيطرة السياسية على نطاق غير مسبوق، وإضعاف الديمقراطية، والتحول الجذري للحرب عبر آلات ذاتية الاستقلال مزودة بالذكاء الاصطناعي (شاكيه). وفي هذا السياق، فإن «النزعة الحلولية» التقنية المتفائلة في وادي السيليكون—التي تحدث عنها يفغيني موروزوف وتختزل المعاناة والشيخوخة والموت إلى مشكلات تقنية محضة (غراي)—تنتج، على نحو مفارق، حشداً من المشكلات الجديدة.
لذلك يسير تاريخ الإنسان تحت ثلاث علامات: الأزمة والمفارقة والسخرية. فالتقدم نفسه الذي كان محرك ارتقاء البشر يهدد بقاءنا أيضاً، ويقرّب الإمكان الحقيقي للتدمير الذاتي عبر حرب نووية، أو آلات حربية مزودة بالذكاء الاصطناعي، أو انهيار مناخي.
على الرغم من الحضور الواسع للأزمة في المخيال العام واللغة الأكاديمية والخطاب السياسي، لا يوجد اتفاق بين المفكرين على طبيعة الأزمات ودورها ومعناها النهائي في المخطط العام للشؤون الإنسانية. بل إن بعضهم، مثل جاك دريدا، شكك في جدوى المصطلح نفسه. فهو يتأمل في المقال المذكور عن «النبرة الرؤيوية» أن فكرة «النهاية»—سواء أكانت نهاية حقبة أو نظام أو العالم نفسه—تعمل في كثير من الأحيان بوصفها ضرباً من البلاغة السياسية التي تنطوي على أزمة نهائية وحاسمة. ويرى دريدا أن الفكر الرؤيوي، ومن ثم التفكير في الأزمة، قد يكون خطيراً؛ لأنه يفترض أن النهاية إما ممكنة وإما مرغوبة. وهذا المنظور، في قوله، يبسط التاريخ أكثر مما ينبغي، ويختزل تعقيده إلى ثنائية «قبل» و«بعد»، والأزمة والحل؛ وغالباً ما يضع الأزمات داخل سردية للنمو والتقدم الخطي. ويمكن أن نسمي ذلك أسلوباً بلا أزمة في فهم الأزمات.
ويرى تصور آخر أن الأزمات تعطل عادة مجرى الحياة المعتاد، وتقلب العادات الراسخة، وتسبب معاناة كبيرة. وينبغي أن نفعل كل ما في وسعنا لتجنبها. وإذا لم نستطع اجتنابها، فعلينا أن نواجهها قدر الإمكان ونتجاوزها في أسرع وقت. هذا الأسلوب المتجنب للأزمة يعرف الأزمات كما هي، لكنه لا يوصي بها بأي حال. ولهذا النهج صور عملية شتى: من الأساليب الإبداعية والروحية التي نجدها في الطاوية والكونفوشيوسية، إلى صوره المرضية الواضحة في السياسات الرجعية.
وثمة طريقة أخرى في التفكير تقول إن الأزمات لحظات تحول كبير؛ وفرص لتقدم النوع الإنساني. ويمكن تسمية هذا النهج بأسلوب المتقبل للأزمة. ووفقاً لهذا المنظور، لا ينبغي تجنب الأزمات، لأن التفكير والإبداع الجديدين، والحدس والبصيرة، والمثابرة والقدرة على الصمود، وقابلية التكيف والمرونة، تنشأ معها. فالأزمات لا تعني فقط الانسداد أو فقدان الاتجاه؛ بل تهيئ أيضاً شروط معرفة الذات واكتشافها. إن الوقوع في أزمة والبحث عن مخرج منها يعني النظر إلى الذات في المرآة وإعادة تقييم الحياة كلها. ولهذا الأسلوب أيضاً صوره المرضية؛ كصناعة المساعدة الذاتية الواسعة وأعمال التدريب الضخمة التي تؤدلج الأزمات وتحوّلها إلى سلعة، ثم تسوقها بوصفها فرصاً ممتازة للنمو الشخصي.
المسافة بين قبول الأزمة وإثارتها ليست بعيدة؛ وهي خطوة لم يتردد بعضهم في اتخاذها. وهذا أسلوب آخر لفهم الأزمة يمكن تسميته المتمحور حول الأزمة. فقد امتدح دريدا المتأخر، صدىً لأحد اتجاهات الفكر الوجودي، المفارقات، وعدّ كل قرار أخلاقي وسياسي قائماً على تضحية لا نهائية (هبة الموت؛ انظر أيضاً أونغوريانو). كما أن جان بول سارتر، وبنبرة مختلفة واستذكاراً لفكر ماركس وإنغلز بشأن دور العنف الثوري، وصف العنف، في مناقشة الأزمة الثورية، بأنه أمر «ضروري» للغاية. وكما قال على نحو مشهور: «العنف قابلة التاريخ.»
يمكن لهذا الأسلوب المتمحور حول الأزمة، في ظروف معينة، أن يقترن على نحو مفارق بأسلوب تجنب الأزمة. فلنتأمل كيف صوّرت الماركسية الأرثوذكسية حالة إنسانية وما بعد تاريخية خالية من الأزمات. وقد يعتمد الشعبويون السلطويون كذلك نهجاً مختلطاً: فالكارثية—أي أن العالم فاسد وساقط على نحو لا يمكن تداركه، وأنه بالفعل مستنقع—والخلاصية، كلتاهما جزء من منطق مزدوج يستند إلى الأزمة ويهرب منها في آن واحد.
أمام هذا الخلاف المربك، قد نضطر إلى الاحتماء بطريق أكثر تقليدية وأماناً: الاشتقاق اللغوي. فالمصطلح الحديث crisis مشتق من الكلمة اليونانية krisis، التي تشير إلى لحظة الحكم والقرار، أو نقطة التحول. وتنطوي Krisis على التمييز، ووزن البدائل، واتخاذ القرار. وهذه الكلمة من الجذر نفسه لكلمات «النقد» و«الناقد» و«ينقد» (krinein). ووفق هذا الفهم، ليست الأزمات معطلة فحسب، بل هي منتجة بالقوة: فهي تفسح المجال لأحكام واختيارات وإمكانات جديدة. وإضافة إلى ذلك، يبدو أن الأزمات كامنة في الوضع الإنساني. فهي، بدلاً من أن تكون مجرد عوائق ينبغي التغلب عليها، تحدد من نكون وما الذي يمكن أن نصير إليه. أن تكون إنساناً يعني، بمعنى ما، أن تكون في حالة أزمة: في صراع دائم مع أوجه عدم التلاؤم، سواء أكانت وجودية أم روحية أم ثقافية أم سياسية.
ومن هذا المنظور، نكون على الدوام «في غير موضعنا»؛ فلا ننسجم تماماً مع العالم المحيط، ولا مع الآخرين، ولا حتى مع أنفسنا. ويقدم مفهوم التموضع اللامركزي (exzentrische Positionalität) عند هلموت بليسنر إطاراً مفيداً لفهم وضعنا. فبحسب بليسنر، يختبر البشر العالم من موقع خارج ذواتهم. وعلى خلاف الحيوانات الأخرى، التي يتحدد سلوكها في الغالب بالغريزة وتجد نفسها مندمجة في العالم الطبيعي، يمتلك البشر قدرة التأمل الذاتي، والابتعاد التخيلي عن أنفسهم، والابتعاد عن عالمهم. يمكننا أن نقيم علاقة مع أنفسنا ومع الآخرين والعالم كما لو كنا ننظر إليهم من مسافة؛ وهذا ما يجعلنا «لامركزيين» ويمنحنا القدرة على القرار والنقد: فنحن داخل العالم ومنفصلون عنه في الوقت نفسه.
هذه العلاقة المزدوجة بالعالم تولد حالة من التوتر وعدم التلاؤم الدائمين؛ لكنها حالة تثري، على نحو مفارق، الحياة والفكر الإنسانيين. ويسمي بليسنر البشر «حيوانات ناقصة» ليؤكد انفتاحنا على العالم وقدرتنا على الوعي الذاتي. وهذا التوتر وعدم التلاؤم المستمران—حالة الأزمة هذه—جزء من نسيج الوجود الإنساني. أما تجلياته الدرامية أو الكوميدية، التي تمنح صوتاً للتوترات وأوجه عدم التلاؤم الروحية والدينية والأخلاقية والسياسية في الوضع الإنساني، فهما وجهان لعملة واحدة.
وعليه، فالأزمة سمة جوهرية لأسلوب حياتنا بوصفنا حيوانات غير ملائمة وذاتية التأمل. كان العالم السابق للإنسان حافلاً بالأحداث الكارثية—الكوارث الطبيعية والانقراضات وما شابهها—لكنها لم تكن، بالمعنى الدقيق للكلمة، أزمات. إن الأزمة الإيكولوجية-الاجتماعية الراهنة، أي أزمة «الأنثروبوسين»، نتجت عن الفعل البشري. ومع ذلك، فإن البشر هم أيضاً القادرون على تشخيص الأزمة بوصفها «لحظة حرجة»، وعلى إصدار الأحكام واتخاذ القرارات وتصور الحلول.
في ضوء كل ذلك، سيكون من الحماقة محاولة رسم المجالات الواسعة والمتمردة للأزمة رسماً دقيقاً. ولعل الأجدى هو تقديم نموذج من البحوث الأكاديمية الحديثة؛ بحوث تضعنا في موقع أفضل لفهم بعض أزماتنا الراهنة، وتتيح لنا، إن حالفنا الحظ، رؤية بعض جوانبها الأقل ظهوراً. لذلك لا تقصد مجموعة المقالات الآتية أن «تستنفد» موضوع الأزمة؛ فذلك عبث ومستحيل معاً. بل تحاول هذه المجموعة أن تنظر إلى الأزمة من مناظير ووجهات موضوعية وزوايا تخصصية متنوعة. وإن شئتم، فهذه المقالات رسائل في زجاجات: لا منشأ واحداً لها، ولا مساراً آمناً، ولا مقصد واضحاً؛ لكن كلاً منها يسهم في حوار أكبر بشأن طبيعة الأزمة ودورها وأهميتها بوصفها أمراً أصيلاً في الوضع الإنساني. ولا ينبغي اعتبار هذه النصوص «حلولاً» لـ«تعدد أزماتنا»، بل ينبغي، بتواضع أكبر، عدّها محاولة لإضفاء معنى—ولو كان ناقصاً—على ذلك. وهذه المجموعة، كسائر المجموعات النموذجية، لها وظيفة بسيطة: أن تدفعكم إلى طلب المزيد.
في المجموعة الأولى من المقالات، المعنونة «عن الأزمة: بالمعنى الواسع»، تُبحث الأزمة إما من الناحية المفهومية أو في قالب نظريات عامة. وتتمثل مهمة هذه المجموعة، بمعنى ما، في بناء إطار شامل ومرن للنقاشات اللاحقة. ففي المقالة الأولى، «أزمة الإنسانية»، يرسم خوان رامون رسينا صورة طموحة لعالم اليوم؛ عالم «مختل من أساسه». وهو يبحث عن منشأ هذه الأزمة في فعل كبير من الاقتلاع التاريخي أثّر بعمق في العلوم الإنسانية الغربية. ويكتب أن «هجوم القرن الحادي والعشرين على بُنى العالم القديم وظهور مجتمع الشبكات» أديا إلى «تقادم ثقافي غير مسبوق». وفي رأيه، «لا شيء أُقصي من صميم التعليم الحديث بقدر العلوم الإنسانية». وفي ما يشبه نقطة مقابلة جغرافية، يدرس بول ج. دامبروزيو ودانيال ج. سرافيناس، في مقالتهما «إعادة التفكير في سياق الأزمة»، تياراً مهماً من الفكر الشرقي في شأن الأزمة؛ وهو تيار يمكن النظر إليه بوصفه تحدياً للمقاربات الغربية المركزية للأزمة. فقد ولدت الكونفوشيوسية والطاوية كلتاهما من قلب الفوضى السياسية والأزمة الأخلاقية، لكنهما تقيسان التغيرات في ضوء الداو—أو «الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الأشياء»—وتجعلانه مثالاً. وفي المقالة الثالثة من هذه المجموعة، «أنظمة الأزمة»، يجادل ميغيل دي بيستيغي بأنه في شأن الأزمات الناشئة عن التناقض، التي تتحدد بالتعايش غير المستقر للمعايير داخل نظام واحد، يلزم حدوث لحظة «إبداعية» أو «ثورية» لإيجاد نظام معياري جديد.
تتناول مقالات المجموعة الثانية، المعنونة «الفلسفة في/من الأزمة»، نماذج محددة من تاريخ التفكير في الأزمة. ففي مقالته «الفلسفة عند مفترق الطرق»، يدرس أمادور فيغا مواجهة بعض أهم شخصيات فلسفة القرن العشرين للنصوص الكلاسيكية في العرفان الغربي. ويجادل بأن الشهادة الحميمة للأزمة الروحية تخلق أزمة مضاعفة أو حركة مضادة داخل التقليد الفلسفي؛ أزمة ذات نتائج قوية، وربما غير متوقعة، على أساليب الكتابة في ذلك التقليد. وينطلق أنتوني كيرتس أدلر، في مقالته «إساءة استعمال الجوهر»، من «التشابك التاريخي لمفهومي الأزمة والمرض»، ليدرس «النموذج العلاجي للفلسفة» لدى لودفيغ فيتغنشتاين، ويقدم تأملات أكثر فلسفية في الخلفية الفكرية والروحية لمسار الفيلسوف النمساوي. ويخلص أدلر إلى أن «العلاج الفلسفي عند فيتغنشتاين هو علاج ذاتي ينبع من تجربة أزمة معايير النقد؛ أزمة تنشأ بدورها من إخفاق أخلاق الاعتدال ومن فقدان معيار غامض لكنه موضوعي للحياة المشتركة». ويدرس ريتشارد إلدريدج، في مقالته «روح مثقفة ومصيرها»، عرض هيغل لـ«دور الأزمات في التكوين الثقافي للحرية المعاشة»، ويحيل بخاصة إلى ابن أخ رامو لدني ديدرو. ويتحدث إلدريدج عن «ثقافة اغتراب واستياء شاملين» تكون فيها «أزمات التعارض عامة وغير قابلة للحل في آن واحد»، ولا تؤدي دوراً يذكر في «تحقق حرية ذات معنى»؛ لكنه، امتداداً لألسدير ماكنتاير وستانلي كافيل، يتبين سبيلاً للخروج من هذه الحالة.
تدور مقالات المجموعة الثالثة، المعنونة «فن الأزمة»، حول طرائق مواجهة الأزمة التي تصدر عن الفنانين وكتاب القصص وتميزهم؛ وهي طرائق قد تختلف اختلافاً ملحوظاً عن مواجهة الفلاسفة. ويتتبع روبي ب. إتش. غو، في مقالته «نهاية العالم»، الحضور الواسع للمخيال الرؤيوي في طيف من الأعمال الأدبية والسينمائية المعاصرة: من سلسلة روايات «الناجون» لتيم لاهاي وجيري ب. جنكينز واقتباساتها السينمائية، إلى سلسلة أفلام ماتريكس، وعدد من الأفلام عن أشكال مختلفة من «الاستيقاظ»، مثل البرازيل (۱۹۸۵، من إخراج تيري غيليام)، والطابق الثالث عشر (۱۹۹۹، يوزف روسناك)، وعرض ترومان (۱۹۹۸، بيتر وير)، واستهلال (۲۰۱۰، كريستوفر نولان). وبمعنى أو بآخر، تكمن نهاية العالم خلفها جميعاً. وفي رأي غو، فإن نهاية العالم هي «اللاوعي الثقافي للأزمة الوجودية للنوع البشري». وتحلل كميل أونغوريانو، في مقالته «كريستي بويّو وفلاديمير سولوفيوف»، قراءة كريستي بويّو للوصية الأدبية-الفلسفية لفلاديمير سولوفيوف، أي ثلاثة حوارات، مع حكاية قصيرة عن المسيح الدجال. ويقيم بويّو حواراً بين أصوات تقدمية ومحافظة من دون أن يستحضر ضماناتها المتناظرة؛ أي الاحتكام إلى التقدم التاريخي من جهة والنظام التقليدي من جهة أخرى. وتفسر سونيا أريباس وإيرينه بايي كورباس، في مقالتهما «شيء مجنون تماماً وخارق للعادة»، العمل المركب لشارلوت سالومون، الفنانة الألمانية ذات الأصل اليهودي (۱۹۱۷–۱۹۴۳)، التي قُتلت في أوشفيتز وهي في السادسة والعشرين من عمرها. وتركز مقالتهما على طريقة مواجهة هذه الفنانة للذاكرة والحب وأزمة الانتحار والإبداع الفني في الأزمنة المضطربة.
تبحث مقالات المجموعة الأخيرة، المعنونة «سياسة الأزمة: ثلاث دراسات حالة»، جوانب الأزمة السياسية، على نحو أو آخر؛ وهي جوانب ليست قليلة. وكما في أقسام كثيرة من هذه المجموعة، يذكر تركيب هذه المجموعة القارئ أيضاً بمدى استحالة رسم خريطة للأزمة بوصفها كلاً: لا نستطيع إلا أن ندرس بعض «دراسات الحالة». تحلل ماي النقيب، في مقالتها «حداثة الكويت في أزمة»، «أزمة حداثة الكويت عبر البطاقات البريدية» بالخيال الأدبي. وتأمل أن تتمكن، من خلال الفحص الدقيق لهذه الأشياء مع جوانب أخرى من الحياة الكويتية، من استعادة «السردية الوطنية المتخيلة للكويت التي يجري اليوم تجاهلها» و«ذاكرة مضادة للماضي»؛ ذاكرة مضادة تساعد الكويتيين في النهاية على «فهم إخفاقات الدولة الراهنة على نحو أفضل» وتمكنهم من تصور «بدائل أكثر إنسانية واستدامة». وتستكشف أدريانا ميكا، وغيرترود ج. فريزر، وبشير بلو، وميكولاي باولاك، وباوه كوبيتسكي، في مقالهم المشترك «كبح الجهل؟»، الجهل والأزمة المركبة، انطلاقاً من دراسة أولية لأوجه اللامساواة الناجمة عن الإخفاق خلال جائحة كوفيد-۱۹ في ثمانية بلدان، ولا سيما نيجيريا. وأخيراً، يرى مارك س. تايلور، في مقالة شخصية وواسعة إلى حد بعيد بعنوان «أزمة اللا أزمة»، أن سياسة «أزمة المياه العالمية» حل محتمل لمجموعة من مشكلات اليوم الأكبر. ويكتب: «إن ديناميات الموائع العالمية تعرض أمامنا علاقة جذرية الترابط، يظهر فيها كل شيء في الوقت نفسه ويعتمد بعضه على بعض». إن فهم كيفية عمل الأنظمة المعقدة والتكيفية «يتيح وضع استراتيجيات تسمح لنا بمواجهة المستقبل بالأمل لا باليأس».
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.