يناقش روبرت ساغدن، في نقده لكتاب «طغيان الجدارة» لمايكل ساندل، الادعاء بأن الجدارة ثمرة لقيم السوق وأن الأسواق تقوّض كرامة العمل. ومن خلال تحليل العلاقة بين السوق والجدارة والعدالة التشاركية، يجادل بأن البديل الذي يقترحه ساندل ــ مواءمة المكافآت مع «الجدارة الحقيقية» للأفراد ــ يواجه صعوبات جدية.

يعيد ساندل، في كتاب «طغيان الجدارة»، قراءة السخط الذي تعبّر عنه الشعبوية بوصفه رفضا لأخلاق السوق ورغبة غير معلنة في استعادة الفضيلة المدنية. ويجادل بأن «مشروع العولمة المتمحور حول السوق» قد عزز أفكارا جداراتية تحط من شأن ضحايا ذلك المشروع وتقوض كرامة العمل. وأنا أضع موضع التساؤل دعوى ساندل أن الجدارة قيمة سوقية، في حين أن كرامة العمل ليست كذلك. وأجادل بأن تصوره لبديل أخلاقي لمؤسسات السوق العادية ــ اقتصاد تتواءم فيه مكافآت الأفراد، على نحو ما، مع جدارتهم الحقيقية ــ ينطوي على تناقض عميق ويفتقر إلى المعنى.[1]
في يونيو ۲۰۱۶، اختارت أغلبية الناخبين البريطانيين أن تغادر بلادهم الاتحاد الأوروبي. وفي نوفمبر من العام نفسه، فاز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية على أساس برنامج شعبوي. وكان من النتائج الجانبية لهذين الحدثين ظهور نوع جديد من الأدبيات: أدبيات القلق من بريكست/ترامب. ومؤلفو هذه الأعمال صحفيون وعلماء سياسة واقتصاديون وفلاسفة ذوو توجه ليبرالي أو يساري. وينطلقون جميعا من افتراض مشترك مفاده أن مؤيدي بريكست وترامب صوتوا لبرامج تتعارض مع مصالحهم هم أنفسهم، وكذلك مع المصالح الأوسع لمجتمعاتهم وأوطانهم ــ وكان ينبغي لهم أن يدركوا هذا التعارض.
وثمة سمتان في هذه الأصوات تثيران انزعاج مؤلفي هذه الكتب بوجه خاص. أولا، حظي بريكست وترامب بتأييد غير متناسب من الناخبين الأقل دخلا وتعليما، أي أولئك الذين يُفترض أن تكون الحركات السياسية المنتمية إلى يسار الوسط مدافعة عن مصالحهم. وثانيا، يبدو أن هؤلاء الناخبين تعمدوا رفض مواقف اقتصادية وسياسية وأخلاقية كانت تحظى بقبول يكاد لا يواجه أي تحد داخل الأوساط المهنية والفكرية التي ينتمي إليها هؤلاء المؤلفون. والواقع أن أحد الموضوعات المضمرة جزئيا في حملتي بريكست وترامب كان الاستياء من ادعاءات الخبرة والاستقامة الأخلاقية لدى تلك الأوساط، أي «النخبة الحضرية»، بل وازدراء تلك الادعاءات.
وتتمثل الاستجابة المعتادة للمؤلف في تقديم تفسير لهذه الظواهر يرى في أصوات بريكست وترامب تعبيرات مضللة الاتجاه عن سخط مفهوم ومبرر، جزئيا على الأقل. ويحاول بعضهم إيجاد سبيل للتوفيق بين الإجماع اليساري الليبرالي وذلك السخط من دون التخلي عن مبادئه الأساسية. وفي حالات أخرى، تكون الحجة أن الناخبين عبّروا عن مواقف تؤيد، إذا فُهمت على الوجه الصحيح، مواقف سبق للمؤلف أن دافع عنها ولا تحتاج إلى مراجعة جوهرية. ويسهم مايكل ساندل، في كتابه الجديد «طغيان الجدارة»، في هذا الفرع من هذا النوع الأدبي.[2]
سبق لساندل أن ألّف كتابين قدم فيهما انتقادات أخلاقية للأسواق ولأنماط التفكير التي يرى أنها تنشأ من الإفراط في استخدام آليات السوق ومن النظريات الاقتصادية التي تدعي تبرير تلك الآليات. ففي «العدالة: ما الصواب فعله؟» يقول إن العدالة تقتضي «إعطاء الناس ما يستحقونه». وهذا يستلزم الحكم على «أي الفضائل تستحق التكريم والمكافأة، وأي أنماط الحياة ينبغي للمجتمع الجيد أن يعززها». ومن الموضوعات الأساسية في ذلك الكتاب أن السوق يولد دخولا لا تتواءم على نحو سليم مع فضائل من يتلقونها. وفي «ما لا يمكن للمال شراؤه: الحدود الأخلاقية للأسواق»، يجادل ساندل بأن الأسواق يمكن أن تقوض الأخلاق من خلال تنمية «قيم السوق»؛ وهي قيم تضعف الفضائل المدنية المتمثلة في التضامن و«المشاركة في حياة مشتركة» و«الاهتمام بالصالح العام».[3]
سبق أن قدم لويجينو بروني وأنا انتقادات لمناقشات ساندل في عامي ۲۰۰۹ و۲۰۱۲ حول قيم السوق. وفي هذه المقالة أركز على موضوعين جديدين يبرزان في «طغيان الجدارة»: أولهما فكرة الجدارة التي يعدها ساندل قيمة سوقية تدعم غطرسة الناجحين اقتصاديا وتحط من شأن الخاسرين؛ وثانيهما كرامة العمل التي يراها قيمة مدنية يمكن لقوى السوق أن تضعفها. فقد حرمت العولمة، بجعل كثير من الصناعات التحويلية التقليدية غير مربحة، أبناء الطبقة العاملة من فرص العمل ذي المعنى. وبتعبير ساندل، فإن مشاعر السخط التي غذت السياسة الشعبوية «ليست اقتصادية فحسب، بل أخلاقية وثقافية أيضا؛ فهي لا تتعلق بالأجور والوظائف وحدها، بل تتعلق كذلك بالتقدير الاجتماعي».[4]
الشاغل الأول لساندل هو مشاعر السخط الأخلاقية والثقافية هذه. ومن الواضح أن أي تفسير شامل لنمو الشعبوية ينبغي أن يأخذ في الحسبان أيضا التحولات العميقة التي طرأت على الاقتصادين البريطاني والأمريكي؛ وهي تحولات غيرت آفاق العاملين بمعزل عن التحول في القيم الاجتماعية. ومن بينها: الأهمية المتزايدة للخدمات قياسا إلى التصنيع، والتقدم في التكنولوجيا الرقمية الذي يزيح أشكالا كثيرة من العمل الماهر ــ بصورة مباشرة أو من خلال إتاحة إسناده إلى بلدان منخفضة الأجور ــ، وأثر النمو الاقتصادي في شرق آسيا على أنماط التجارة الدولية، وكذلك، إلى حد ما كنتيجة لهذه التطورات، تزايد عدم المساواة في الدخل.
ولا شك في أن هذه الآثار تنتقل عبر الأسواق، لكن القول إن الأسواق هي سببها، أو إن من الممكن عزوها إلى هيمنة قيم السوق على الخطاب السياسي، أمر أقل بداهة بكثير. ويبدو أحيانا أن ساندل يخلط بين هذه الأفكار الثلاثة؛ وأوضح مثال على ذلك إشاراته المتكررة إلى «مشروع العولمة المتمحور حول السوق» من دون أن يعرّفه. وهذا مثال على نزعة أعم في نظرته إلى الاقتصاد سأعود إليها لاحقا: نزعة إلى التعامل مع أقوال الاقتصاديين عن حقائق الحياة الاقتصادية كما لو كانت أحكاما بالموافقة الأخلاقية ــ بل بالموافقة على نحو محدد جدا. ويكفي في الوقت الراهن أن أقول إن مقالتي تفسير لتحليل ساندل الأخلاقي والثقافي لقيم السوق، وليست مناقشة للأسباب الاقتصادية الكامنة وراء مشاعر السخط التي تغذي الشعبوية. وأنا أضع موضع التساؤل دعواه أن الجدارة قيمة سوقية، في حين أن كرامة العمل ليست كذلك؛ وأجادل بأن تصوره لبديل أخلاقي لمؤسسات السوق العادية ــ اقتصاد يصفه بإيجاز وتتواءم فيه المكافآت الاقتصادية للأفراد مع جدارتهم الحقيقية ــ يفتقر إلى الاتساق على نحو عميق.[5]
يولي ساندل اهتماما كبيرا للغة النقاش العام، ولا سيما خطابات رؤساء الولايات المتحدة والمرشحين للرئاسة في الآونة الأخيرة ــ مع الاستثناء اللافت لدونالد ترامب. وهو يرصد موضوعا متكررا: «خطاب الصعود» الذي يعبّر عن «الحساسية الجداراتية».[6]
وفيما يلي بعض أمثلته:[7]
رونالد ريغان في ۱۹۸۴، مخاطبا الأعضاء السود في إدارته: «من حق جميع الأمريكيين أن يُحكم عليهم على أساس جدارتهم الفردية وحدها، وأن يبلغوا من التقدم المدى الذي تحملهم إليه أحلامهم واجتهادهم.»
بيل كلينتون في ۱۹۹۳: «الحلم الأمريكي الذي نشأنا جميعا عليه حلم بسيط لكنه قوي: إذا عملت بجد والتزمت بالقواعد، فينبغي أن تتاح لك الفرصة لأن تبلغ من التقدم المدى الذي تأخذك إليه قدراتك التي وهبك الله إياها.»
توني بلير في ۱۹۹۶، متحدثا عن برنامج «حزب العمال الجديد»: «نحن نؤمن بأنه ينبغي للناس أن يتمكنوا من التقدم بفضل مواهبهم، لا بفضل مولدهم أو مزايا الامتياز.»
باراك أوباما في حملة إعادة انتخابه عام ۲۰۱۲: «ما يجعل أمريكا استثنائية على هذا النحو، وما يجعلنا مميزين هكذا، هو هذا العهد الأساسي وهذه الفكرة الجوهرية: في هذا البلد، لا يهم كيف تبدو، ولا من أين أتيت، ولا ما اسم عائلتك، ولا ما الإخفاقات التي مررت بها؛ فإذا اجتهدت وتحملت المسؤولية، استطعت أن تنجح؛ استطعت أن تتقدم.»
هيلاري كلينتون في حملة ۲۰۱۶: «تقوم حملتنا على هذا الاعتقاد الأساسي: في أمريكا، ينبغي لكل شخص ــ بصرف النظر عن مظهره أو هويته أو من يحب ــ أن تتاح له الفرصة لأن يبلغ من التقدم المدى الذي يحمله إليه اجتهاده وأحلامه.»
تيريزا ماي في ۲۰۱۶، بعد أن أصبحت رئيسة للوزراء، وهي تتحدث عما ستفعله حكومتها من أجل «الناس العاديين والطبقة العاملة»: «أريد أن تكون بريطانيا بلدا تتاح فيه للجميع فرصة عادلة لأن يبلغوا من التقدم المدى الذي تسمح به مواهبهم واجتهادهم ... أريد أن تكون بريطانيا مكانا تقوم فيه الأفضلية على الجدارة لا على الامتياز؛ مكانا تكون فيه موهبتك واجتهادك هما المهمين، لا مكان مولدك، ولا والداك، ولا لهجتك.»
قد يكشف التشابه في صياغة هذه الأقوال شيئا عن إعادة كتّاب الخطابات السياسية تدوير مواد بعضهم بعضا، لكن من الإنصاف أن نفترض أن هؤلاء المتحدثين الستة يعبّرون عن معتقداتهم السياسية الحقيقية بلغة يراد لها أن تلقى صدى لدى جمهورهم. وثمة موضوعات مشتركة واضحة. فالمتحدثون الأمريكيون ــ بخلاف البريطانيين ــ يحتكمون إلى مبدأ لتكافؤ الفرص يبدو أنه جزء من الهوية الوطنية لجمهورهم. وهم يقرون ضمنا بأن بعض الأشخاص في الواقع ــ ممن يُعرّفون بطرق مختلفة بحسب اللون وبلد المنشأ والتوجه الجنسي والطبقة الاجتماعية ــ محرومون حاليا من التكافؤ الكامل في الفرص؛ لكن هذا الوضع يُصوّر بوصفه ظلما يلتزم المتحدث بإزالته.
وتُستكمل عبارة «إلى المدى الذي ... يحملك إليه» بتوليفات مختلفة من «الجدارة» و«القدرة» و«الموهبة» و«الأحلام» ــ التي يمكن ربما فهمها بمعنى الطموح أو التطلع ــ ودائما ما تقترن بـ«الاجتهاد». وليس واضحا على وجه الدقة ما الذي يعد به الالتزام بتكافؤ الفرص؛ وسأعود لاحقا إلى بعض هذه الالتباسات. أما ما يعنيني مباشرة، كما يعني ساندل، فهو الخطاب نفسه: لمن يُرجح أن يكون هذا الكلام جذابا؟
من السهل تصور جاذبيته لشخص موهوب يحاول أن يشق طريقه في مهنة تنافسية تمنح الناجحين مكافآت جيدة، لكن سعيه إلى النجاح تعوقه ممارسة تمييزية جائرة. تخيل رياضيا أو فنانا أو محاميا أو أكاديميا طموحا يجد الطريق مسدودا أمامه بسبب لون بشرته أو جنسه أو طبقته الاجتماعية أو اسم الجامعة التي تلقى فيها تعليمه. ويمكن أيضا تصور جاذبيته لمهاجر حديث الوصول ينحدر من خلفية فقيرة ويبدأ حياة جديدة في بلد توجد فيه عوائق ينبغي التغلب عليها وفرص يمكن اغتنامها.
وإذا وضعنا مسألة التمييز جانبا، فقد يكون خطاب الصعود جذابا لكل شاب مفعم بالطاقة يأمل دخول مهنة تقوم على مهارات قابلة للتعلم ــ من المحاسبة وتصفيف الشعر إلى الطب وقيادة الشاحنات ــ وتتيح تلك المهنة إمكانية التقدم. لكن، كما يقول ساندل بحق، فإن هذه الكلمات الجميلة ليست ملهمة كثيرا لشخص من الطبقة العاملة يعيش في منطقة صناعية آخذة في التدهور وتفشل محاولاته للعثور على عمل مرة بعد أخرى. فمشكلته لن تُحل بمزيد من الاجتهاد؛ ولا يمكن عزوها إلى تمييز جائر ضد سمة يستطيع أن يؤكدها بوصفها جزءا من هويته. المشكلة هي حال السوق: المهارات التي يعرضها لم تعد مطلوبة.
يستشهد ساندل بالبحث السوسيولوجي المتعمق الذي أجرته آرلي راسل هوكشيلد حول المواقف السياسية للعاملين في منطقة ريفية في لويزيانا. وفي تلخيصها لـ«آمال ومخاوف وفخر وخجل واستياء وقلق» من تحدثت إليهم، تصف إحساسهم بـ«الكفاح من أجل أن يكونوا مرئيين ومحترمين»: «لكي تكون محترما، ينبغي أن تشعر ــ وأن تشعر بأن الآخرين يرونك ــ بأنك تمضي إلى الأمام. لكنك، من دون ذنب منك وبطرائق خفية، تنزلق إلى الوراء.» وبالنسبة إلى شخص في مثل هذا الوضع، يكون خطاب الصعود إهانة مضاعفة. ويقول ساندل إن هذا الخطاب غذى الآلام ومشاعر السخط التي يستطيع السياسيون الشعبويون تحويلها إلى أصوات انتخابية. وأعتقد أن هذا صحيح.[8]
ولكن ما الذي يجعل الجدارة قيمة سوقية؟ بالنظر إلى أطروحة ساندل عن قيم السوق، من الغريب أنه يخصص فصلين للتنافس على الالتحاق بجامعات النخبة الأمريكية مثل جامعته هارفارد. وهو محق في اعتبار هذا التنافس حالة مرضية للجدارة، لكن بأي معنى يكون حالة مرضية للأسواق؟ فمن منظور اقتصادي، ليست هارفارد مؤسسة ربحية تنتج لسوق تنافسية؛ بل هي مؤسسة غير ربحية تخلق ندرة منتجها وتستفيد منها في آن واحد. وباستخدام أساليب فائقة الانتقائية لاختيار نسبة ضئيلة من العملاء المتلهفين الذين تتعامل معهم فعليا، تنتج هارفارد أوراق اعتماد يمكن تحويلها إلى مكافآت مادية وتقدير اجتماعي: فهي، أكثر من كونها بائعة للتعليم، «آلة فرز».[9]
لا يقول ساندل، في مناقشته للقبول في جامعات النخبة، شيئا تقريبا يربط دراسة الحالة هذه للجدارة بالقيم الأخلاقية للسوق. فهو يقول إن تزايد عدم المساواة في الدخل قد رفع القيمة المالية لعملية الفرز بالنسبة إلى المقبولين، لكن هذه ليست سوى حقيقة اقتصادية. كما يصف المقبولين بأنهم «الفائزون في عملية قبول فائقة التنافسية على خلفية مجتمع سوقي فائق التنافسية». ويبدو أن المقصود هو أن القيم الجداراتية الظاهرة في عملية القبول ناشئة عن القيم الأخلاقية التي تثيرها السوق، أو أنها على الأقل تشبهها؛ لكن هذا الرابط لا يُشرح.
والأهم من ذلك: ما الصلة الخاصة بين الأسواق وخطاب الصعود؟ إن القدرة على بلوغ المدى الذي تحملك إليه أحلامك وقدراتك واجتهادك أمل مرغوب فيه في أي منافسة يُكافأ فيها النجاح؛ سواء أكانت المكافأة مادية أم تقديرا، وسواء أكانت آلية توزيع المكافآت سوقية، أم سياسية ــ كالفوز في الانتخابات ــ، أم إدارية ــ كالترقية في الجيش أو الخدمة المدنية ــ، أم رياضية ــ كميدالية أولمبية ــ، أم قائمة على إقرار الأقران ــ كجائزة أدبية أو نشر مقال في دورية مرموقة. بل إن هذا الأمل ممكن حتى في مهنة لا يتنافس فيها العاملون بعضهم مع بعض. تخيل شابة تريد أن تصبح سائقة شاحنة؛ قد تأمل فتاة واثقة بهذا الطموح أن يحصل السائقون الذين أثبتوا اجتهادهم وتحملهم للمسؤولية وحسن تدبيرهم على أجور أعلى من المتوسط وأن تُسند إليهم المهام الأصعب. وهي تأمل بالتأكيد ألا تتقاضى السائقات أجورا أقل من الرجال المماثلين لهن في الكفاءة. ولا تستلزم هذه الآمال أن يتنافس سائقو الشاحنات بعضهم مع بعض كما يفعل الرياضيون في السباقات، أو أن يتصارع موظفو المبيعات على لقب «بائع الشهر».
يبدأ ساندل مناقشته لخطاب الصعود بدعوى أن هذا الخطاب نشأ من «انتصار السوق في ثمانينيات القرن العشرين»، وأن نصه المضمر هو تبرير جداراتي للسوق. ويصوغ ذلك التبرير على النحو الآتي: «إذا عملت الأسواق داخل نظام عادل من تكافؤ الفرص، فإنها تمنح الناس ما يستحقونه. وما دام الجميع يتمتعون بفرصة متساوية للتنافس، فإن نتائج السوق تكافئ الجدارة.» لكن لاحظ أن أيا من الاقتباسات الستة لا يذكر السوق في الواقع؛ كما أن أيا منها لا يدعي أن المكافآت اللاحقة تتواءم مع الجدارة إذا كانت فرصة التنافس متساوية.[10]
يتحدث كل من كلينتونين وماي عن الفرصة، أو الفرصة العادلة، للنجاح. أما صيغة بلير ــ «القدرة على التقدم بفضل الموهبة» ــ فهي ملتبسة، لكن من المعقول أن تُقرأ «القدرة» بمعنى «امتلاك فرصة عادلة». ولا يقول أي من هؤلاء المتحدثين الأربعة إن المنافسات العادلة تنتهي دائما بفوز المشاركين الأكثر جدارة. كما أن قصد ريغان من حق الأمريكي في تحقيق أحلامه لا ينبغي بالتأكيد أن يُفهم حرفيا؛ إذ لا يستطيع أي شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي أن يقدم مثل هذا الوعد.
وفي رأيي، يعد «العهد الأمريكي» لدى أوباما بأن من يعملون بجد ويتحملون المسؤولية سيحظون بمستوى معيشي لائق وسيكون لهم نصيب في النمو الاقتصادي المتوقع للبلاد. ولأنه لا يستطيع أن يعد بأن كل مجتهد سيتقدم على جميع الآخرين، فلا بد أن يكون مراده من «التقدم» هو شق طريق في الحياة. وقد قال أوباما في الحملة الانتخابية نفسها: «إذا كنت قد نجحت، فلم تصل إلى هناك بمفردك»؛ فقد تظن أنك نجحت لأنك ذكي ومجتهد، لكن ثمة «كثيرا من الأذكياء» و«كثيرا من المجتهدين» ممن كانوا أقل نجاحا منك. ومن ثم، فإن العهد الأمريكي لا يعد بأن تتواءم المكافآت مع الموهبة والجهد.[11]
كان يمكن أن نتوقع من ساندل أن يختار من الفلاسفة المدافعين عن السوق أولئك الذين قالوا بالفعل إن نتائج السوق تكافئ الجدارة، وأن يناقشهم. لكنه يناقش فريدريش هايك، الذي يصفه بحق بأنه صاحب «ربما أكثر دفاع مؤثر عن ليبرالية السوق الحرة». ومع ذلك، وكما يقر ساندل نفسه، ينكر هايك صراحة أن الأسواق تكافئ الجدارة أو الاستحقاق الأخلاقي. ويقول ساندل إن هذا الإنكار هو «طريقة هايك في صد مطالب إعادة التوزيع» التي يقدمها من يرون أن مديري صناديق التحوط لا يستحقون دخلا أعلى من المعلمين. وهذا الحكم غير منصف: فهايك، أصاب أم أخطأ، يجادل بأن الأسواق لا تستطيع مكافأة الجدارة، لكن الجميع يستطيعون على المدى الطويل الانتفاع من الثروة التي تخلقها الأسواق.[12]
يميز هايك بوضوح بين القيمة السوقية ــ بالمعنى الاقتصادي المعتاد ــ والجدارة الأخلاقية. فالقيمة السوقية لسلعة أو خدمة هي السعر الذي تحققه في السوق. وفي ظروف المنافسة، تكون القيمة السوقية لعمل الفرد هي ما يكون الآخرون مستعدين، عند الهامش، لدفعه مقابل ناتج ذلك العمل. وحين يتحدث هايك عن الجدارة والاستحقاق، فإنه يشير إلى جهود الفرد وتضحياته، لا إلى نتاجها. ولا سبب يدعونا إلى توقع أن تتواءم القيمة السوقية مع هذا النوع من الجدارة، ولا يتظاهر هايك بخلاف ذلك. ومن النقاط الأساسية في تبريره للسوق أن كل نظام للتنظيم الاقتصادي يواجه مشكلة توزيع المعرفة: فإذا كان لا بد من خلق الثروة من خلال الفعل المنسق، فلا بد من وجود نظام لامركزي يدمج أجزاء المعرفة المتفرقة بين الفاعلين الاقتصاديين. وتحل السوق هذه المشكلة بمكافأة الأفراد على اكتشاف سبل للتبادل مع الآخرين تكون نافعة لهؤلاء الآخرين. والنتيجة أن كل فرد يُكافأ على أساس المنافع الفعلية التي يحققها فعله للآخرين؛ أما احتمال أن تعامل هذه الآلية الأفراد على نحو غير عادل فهو الثمن الذي لا بد من دفعه لقاء قدرة السوق على خلق الثروة، وهو ثمن يشبه، من الناحية الأخلاقية، ظلم الطبيعة.
يسأل هايك: «ألسنا جميعا نتألم باستمرار حين نرى مدى ظلم الحياة في معاملتها لمختلف الناس، وكيف يعاني الجديرون وينجح غير الجديرين؟ ... وألا نشعر بالرضا عن التناسب حين نجد المكافأة متناسبة مع الجهد أو التضحية؟ ... لكننا نحمل المشاعر نفسها تجاه الفروق في مصائر البشر التي من الواضح أنه لا يتحمل مسؤوليتها أي فاعل بشري، ومن ثم يكون من غير المعقول بوضوح وصفها بأنها ظلم. ومع ذلك، حين تنهال سلسلة من المصائب على أسرة فيما تستمر أسرة أخرى في الازدهار، أو حين يفشل جهد جدير بسبب حادثة لا يمكن التنبؤ بها، نصرخ من الظلم ... حتى إن لم نعرف شخصا نلومه أو سبيلا لمنع تلك الخيبات.»[13]
يمكن الحد من ظلم مكافآت السوق عن طريق الضرائب المعيدة للتوزيع وبرامج التأمين الاجتماعي، لكن لا يمكن القضاء عليه من دون تعطيل الآليات التي تعمل السوق من خلالها.[14]
ويرد ساندل بأن تنحية هايك للجدارة والاستحقاق «ليست كاملة بالقدر الذي تبدو عليه للوهلة الأولى»، لأنه «إذا كانت القيمة الاقتصادية، كما يقول هايك، أساسا مشروعا لعدم المساواة، فليس واضحا أن المواقف الازدرائية تجاه النجاح ستزول». ففي تصور هايك، تتواءم مكافأة كل فرد في اقتصاد السوق مع القيمة السوقية لمساهمته الهامشية في المجتمع. ويقول ساندل إن الشخص الناجح يظل قادرا على الشعور بالفخر إزاء القيمة العالية لمساهمته، وإن الشخص غير الناجح قد يشعر بالإهانة حين يُذكّر بانخفاض قيمة مساهمته. ويخلص إلى أن التمييز بين الجدارة والقيمة «رقيق وضبابي للغاية»، وأن هايك يقبل بلا تحفظ الافتراض القائل إن «القيمة السوقية للشخص مقياس جيد لمساهمته في المجتمع».[15]
لكن ساندل يخلط هنا بين الحقائق الاقتصادية والقيم الأخلاقية. فالقول إن أجر الفرد مقياس للقيمة السوقية للناتج الهامشي لعمله ــ محسوبة بالأسعار التي يدفعها المشترون مقابل ذلك الناتج ــ هو قضية تجريبية؛ إذ تصف هذه القضية نزعة واسعة الانتشار في أسواق العمل التنافسية. وليس هايك مسؤولا عن هذه الحقيقة، وقد بذل قصارى جهده ليوضح أن القيمة السوقية ليست جدارة أخلاقية. فما الذي يمكن أن يطلبه ساندل منه أكثر من ذلك؟ قد يكون من حقائق علم النفس البشري أن الناجحين في الحياة يعدون نجاحهم مكافأة مستحقة لجدارتهم؛ ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن تصدق هذه الحقيقة على جميع أشكال النجاح، لا على النجاح في السوق وحده. وعلى أي حال، فهايك ليس مسؤولا عن علم النفس البشري.
على المستوى الأكثر جوهرية، لا يدافع هايك ولا ريغان ولا بيل كلينتون ولا بلير ولا أوباما ولا هيلاري كلينتون ولا ماي عن الجدارة؛ إنما ساندل هو المدافع عن الجدارة. فهو الذي يقول إن على المجتمع أن يكافئ الناس على أساس جدارتهم الأخلاقية. وانتقاده للسوق هو أن السوق لا يكافئ ما يعدّه هو جدارة أخلاقية. ولكي يكتمل استدلاله، عليه أن يبيّن أن ناخبي الطبقة العاملة الذين أيدوا بريكست وترامب كانوا يعبّرون عن نقد من هذا القبيل. وهنا تدخل كرامة العمل في الصورة.
يتبع ساندل آن كيس وأنغس ديتون في النظر إلى التدهور الاقتصادي لمجتمعات الطبقة العاملة الأمريكية بوصفه فقدانا لنمط من أنماط الحياة. فقد أدت البطالة وانعدام الأمن الاقتصادي إلى انخفاض متوسط العمر المتوقع؛ وهو انخفاض يُعزى جزء كبير منه إلى الانتحار والإفراط في تعاطي المخدرات وإدمان الكحول. وأبناء الطبقة العاملة «ينسحبون من العمل»، بل «من الحياة نفسها». ويعزو ساندل قدرا كبيرا من هذا اليأس إلى «ضرر خبيث» ألحقه التفكير الجداراتي والنيوليبرالي: تآكل كرامة العمل.[16]
ولتوضيح تصوره لكرامة العمل، يرجع ساندل إلى الفكر الاجتماعي الكاثوليكي، ولا سيما مفهوم العدالة التشاركية، الذي صيغ في الرسالة الرعوية لمؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة عام ۱۹۸۶ على النحو الآتي:[17]
«تقتضي العدالة الاجتماعية أن يكون الأشخاص ملزمين بأن يكونوا مشاركين فاعلين ومنتجين في حياة المجتمع، وأن يكون المجتمع بدوره ملزما بتمكينهم من هذه المشاركة. ويمكن تسمية هذا الشكل من العدالة أيضا “تشاركيا”، لأنه يؤكد واجب جميع القادرين على الإسهام في إنتاج السلع والخدمات وغيرها من القيم غير المادية أو الروحية اللازمة لرفاه المجتمع بأسره ... كما يشمل معنى العدالة الاجتماعية واجب تنظيم المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية على نحو يمكّن الناس من المشاركة في المجتمع بطرائق تحترم حريتهم وكرامة عملهم ... والعمل بأجر كاف لكل من يسعى إليه هو السبيل الأساسي لتحقيق العدالة الأساسية في مجتمعنا.»
وكما يلخص ساندل، يقوم هذا المفهوم للعدالة على فكرة أن «من الحاجات الإنسانية الأساسية أن يشعر المرء بأن الآخرين الذين يشاركهم حياة مشتركة يحتاجون إليه. وتتمثل كرامة العمل في استخدام قدراتنا للاستجابة لمثل هذه الحاجات.» ويكون العمل ذا معنى حين يمكن النظر إليه بوصفه إسهام الفرد في الصالح العام للمجتمع، وإلى أجره بوصفه عائدا على ذلك الإسهام. وللتعبير عن هذه الفكرة، يقتبس ساندل من خطابين سياسيين أُلقيَا عام ۱۹۶۸: تحدث روبرت كينيدي عن «عمل لائق بأجر لائق»، عمل يمكّن المرء من أن يقول للمجتمع ولأسرته ولبلده، والأهم من ذلك لنفسه: «لقد ساعدت في بناء هذا البلد؛ وأسهمت في مشروعاته العامة الكبرى.» وقال مارتن لوثر كينغ مخاطبا عمال الخدمات البلدية المضربين في ممفيس: «إذا كان لمجتمعنا أن يبقى، فلا بد أن يأتي يوم يحترم فيه عمال الخدمات البلدية؛ لأن من يجمع قمامتنا لا يقل في نهاية المطاف أهمية عن الطبيب: فإذا لم يؤد عمله انتشر المرض. لكل عمل كرامة.»[18]
الفكرة المركزية في هذه الأقوال هي أن كرامة العمل شكل من أشكال الاحترام المتبادل، قائم على اعتراف كل منا بالآخر بوصفه مساهما في عمل مشترك؛ وأن التمتع بكرامة العمل صورة مهمة من صور احترام الذات. ويبدو هذا صحيحا. فهو يساعد على فهم إحباط العاطلين الباحثين عن عمل، ومن أصبحت مهاراتهم التي كانت قابلة للتسويق في السابق متقادمة، كما يساعد على فهم الأثر المهين لخطاب الصعود. لكن حين يشرح ساندل ماهية العمل المشترك الذي يضفي الكرامة على العمل، يضل استدلاله طريقه.
ينظر ساندل إلى «الإنتاج» و«الاستهلاك» بوصفهما مجالين أخلاقيين منفصلين. فيُصوَّر الإنتاج مجالا للفضيلة المدنية، والاستهلاك مجالا لقيم السوق. ويركز مشروع العولمة غير المحدد على «تعظيم الناتج المحلي الإجمالي»، و«يدعونا إلى أن نرى أنفسنا مستهلكين أكثر منا منتجين». وحين نفكر بوصفنا مستهلكين، نفكر بطريقة خالية أخلاقيا: «نريد الحصول على أكبر قدر ممكن مقابل أموالنا؛ وشراء السلع والخدمات بأرخص ما يمكن، سواء أكان منتجوها عمالا منخفضي الأجور في الخارج أم عمالا أمريكيين مرتفعي الأجور.» لكن من المنظور المدني، ليس أهم أدوارنا في الاقتصاد دور المستهلك، بل دور المنتج؛ لأننا، بصفتنا منتجين، نستخدم قدراتنا لتوفير السلع والخدمات التي تلبي حاجات مواطنينا وتكسبنا التقدير الاجتماعي. فالعمل يجمع المواطنين «في منظومة من الإسهام والاعتراف المتبادل». ومن هذا المنظور يرفض ساندل قول آدم سميث إن الاستهلاك هو الغاية والمقصد الوحيدان لكل إنتاج.[19]
لا يرى ساندل التكامل الأساسي بين الإنتاج والاستهلاك. وهو محق في أن معنى الإنتاج ــ السمة التي تميزه من اللعب ــ يكمن في أنه يخلق أشياء تلبي حاجات الناس بصورة مستقلة عن عملية الإنتاج نفسها. ومن ثم، فإن أحد أوجه كرامة العمل هو الاعتراف بأن عمل العامل ضروري للآخرين. لكن السبيل إلى تلبية حاجات هؤلاء الآخرين هو استهلاك ناتج ذلك العمل نفسه. وفي اقتصاد السوق، مهما تعددت الوسائط، فإن العمل المأجور هو في نهاية المطاف علاقة تبادل بين الناس في دور العمال والناس في دور المستهلكين. وأساس الاحترام المتبادل هو أن كلا الطرفين ينتفع من مشاركة الآخر. فالعامل، بوصفه منتجا، يستمد الكرامة من معرفته بأنه يصنع شيئا يجده الآخرون ذا قيمة للاستهلاك. ويمكن لعامل الصلب أن يفخر بالجسور التي يريد الآخرون عبورها؛ ويمكن لعامل الخدمات البلدية أن يفخر بالنظافة التي تحمي الآخرين من المرض. وفي اقتصاد السوق، يكون أجر العامل إقرارا بأنه صنع شيئا ذا قيمة لشخص آخر.
ويدخل الاستهلاك في كرامة العمل من طريق آخر أيضا، وربما كان هذا الطريق أهم لاحترام الذات. فأجر العامل هو الوسيلة التي تمكّنه من استهلاك ناتج عمل الآخرين. وهو، بوصفه مستهلكا، يستمد احترامه لذاته من معرفته بأنه قادر على دفع ثمن استهلاكه، وأن المال الذي يدفعه كسبه من عمله. وحين يتسوق في متجر كبير، يستطيع أن يواجه أصحابه على أساس المساواة: فهو يريد بضاعتهم، وهم يريدون زبونيته. وكون علاقات السوق النافعة للطرفين تدعم هذا النوع من احترام الذات هو جزء مهم من تفسير آدم سميث الشهير لكيفية حصولنا على عشائنا من دون أن نلجأ إلى إحسان أحد. وفي المقابل، تأمل شخصا يضطر، بسبب البطالة أو عدم كفاية دخله، إلى الاستعانة ببنك طعام خيري. فمهما حسنت نية المؤسسة الخيرية، يظل الاعتماد عليها مهينا. وفي مجتمعات الطبقة العاملة التقليدية، كان أن يكون الرجل «معيلا جيدا» ــ أي رجلا يوفر لأسرته بصورة موثوقة مستوى معيشيا لائقا ــ من الفضائل الأساسية للزوج والأب. ولا يولي ساندل هذا البعد من كرامة العمل إلا قدرا ضئيلا على نحو لافت؛ ولعل السبب أنه أقرب إلى الاستهلاك مما يلائم ذائقته.[20]
تقوم نظرة ساندل المنتقصة أخلاقيا من الاستهلاك على تصوره «المدني» للصالح العام. فهو يربط التمييز بين الإنتاج والاستهلاك بالتمييز بين فهمين للصالح العام. فالفهم «الاستهلاكي» يعرّف الصالح العام بأنه «مجموع تفضيلات الجميع ومصالحهم»؛ أما الفهم المدني، فيقتضي في المقابل تأملا نقديا في التفضيلات، وفي الحالة المثلى، الارتقاء بها وتحسينها حتى نتمكن من أن نحيا حياة ذات قيمة ومزدهرة. ويقتضي هذا الفهم أن نتحاور مع مواطنينا بشأن كيفية إنشاء مجتمع عادل وجيد؛ مجتمع ينمي الفضيلة المدنية ويمكّننا من أن نتباحث معا في الغايات الجديرة بجماعتنا السياسية.
ومن ثم، فإن ما لا يقبله ساندل في الفهم الاستهلاكي للصالح العام هو أنه يحلل الصالح العام إلى خيرات منفصلة لكل فرد على حدة، ويسمح لكل شخص بأن يحكم على خيره الخاص من دون أن يضطر إلى مناقشة جدارة ذلك الحكم مع غيره. وفي الرؤية الاستهلاكية، يكون الصالح العام للأفراد المتفاعلين هو ما تشترك فيه تصوراتهم المنفصلة للخير الشخصي. ولأن هذه الطريقة في التفكير في الصالح العام لا ترتبط بالاستهلاك ارتباطا خاصا، فإن «الاستهلاكي» تسمية غير مناسبة؛ وربما كان «الليبرالي» لفظا أفضل.[21]
ليس الشاغل الأساسي لساندل قيمة الصالح العام في ذاته، بل تقدير قيمة الإسهامات الفردية فيه. والفكرة الكامنة هي أن جدارة الفرد بوصفه منتجا تنبع من قيمة إسهامه في الصالح العام، وأن العمل يستمد كرامته من الاعتراف الاجتماعي بهذه الجدارة. ويبحث ساندل عن أحكام جماعية تقارن «القيمة الحقيقية» للإسهامات المختلفة، فتحدد بذلك درجات الجدارة. واعتراضه على «الاستهلاكية» هو أنها، في رأيه، تفضي إلى أحكام غير مقبولة من هذا القبيل: «إذا لم يكن الصالح العام سوى إشباع تفضيلات المستهلكين، فإن أجور السوق تكون مقياسا جيدا لمن أسهم بماذا. ومن يكسبون أكبر قدر من المال يكونون، على الأرجح، قد قدموا أكثر الإسهامات قيمة في الصالح العام، بإنتاج السلع والخدمات التي يريدها المستهلكون.» ويرد قائلا: «لا يمكن قياس القيمة الحقيقية لإسهامنا بأجورنا ... بل تعتمد على الأهمية الأخلاقية والمدنية للغايات التي تخدمها جهودنا.» أما ما يُعد «إسهاما ذا قيمة حقا»، فهو موضوع للحوار الديمقراطي داخل جماعة سياسية.[22]
ولكن فيمَ ينبغي للمواطنين أن يتحاوروا تحديدا، ولأي غرض؟ لا يأخذ ساندل على محمل الجد أنواع الحجج التي يمكن أن تطرح في مثل هذا الحوار، ولا النتائج المحتملة له. وهو يعتمد على دعاوى ساذجة بشأن القيمة الحقيقية، كما لو كان يتوقع من قرائه أن يجدوها بديهية إلى حد لا يدعوهم إلى طرح أسئلة صعبة حول معناها الفعلي. فهو يكتب مثلا، بنبرة تنطوي على التأييد: «يقول بعضهم إن مديري صناديق التحوط لا يستحقون أن يكسبوا أكثر بكثير من المعلمين؛ فإدارة الأموال أقل إثارة للإعجاب وأهمية بكثير من تعليم الشباب وإلهامهم.» ويضيف أن المدافع عن السوق الحرة قد يرى أهمية في عمل مديري هذه الصناديق المتمثل في استثمار «معاشات التقاعد التي كسبها المعلمون ورجال الإطفاء بشق الأنفس، وربما، بصورة أقل إقناعا، أوقاف الجامعات»، لكنه يلمح إلى أن هذا الاعتبار لا يبرر دخولهم الهائلة. أو حين يقارن مالك كازينو يكسب «آلاف أضعاف ما تكسبه ممرضة أو طبيب»، يقول: «العناية بصحة الناس أهم أخلاقيا من تلبية رغبتهم في اللعب على ماكينات القمار.»[23]
والأكثر إثارة للدهشة أن ساندل لا يقول إلى أين يُفترض أن يقود هذا الحوار. وبالنظر إلى طابعه الديمقراطي، فمن الطبيعي أن نستنتج أن المقصود هو التوصل إلى قرارات جماعية، لا مجرد التعبير عن أحكام مختلفة ومناقشتها. ولكن قرارات جماعية بشأن ماذا؟ مع أن ساندل لا يقول ذلك صراحة قط، فلا بد أن تصوره هو أن تكون القرارات بشأن توزيع المكافآت، وأن يكون الهدف جعل مكافآت الأفراد أكثر اتساقا مع إسهامهم في الصالح العام، بحيث يُمنح العمل المنتج حقا مزيدا من الكرامة. وفي مناقشته لكرامة العمل، يشير ساندل بما يبدو أنه تأييد إلى حجة إميل دوركايم القائلة إن «تقسيم العمل يمكن أن يكون مصدرا للتضامن الاجتماعي، شريطة أن يُعوَّض إسهام كل شخص وفقا لقيمته الحقيقية بالنسبة إلى المجتمع». وفي مناقشته القصيرة جدا للسياسات الملموسة الرامية إلى صون كرامة العمل، يستحسن أيضا تغييرات ضريبية يُفترض أن تعبّر عن حكم المجتمع بشأن «ما يُعد إسهاما ذا قيمة في الصالح العام» و«الأنشطة الجديرة بالتكريم والاعتراف».[24]
لكن فكرة قياس «القيمة الحقيقية» لإسهام الفرد في صالح عام معرّف أخلاقيا ومدنيا تنطوي على مشكلات عميقة؛ وليس واضحا على الإطلاق أن محاولة مواءمة الأجور مع الإسهامات في القيمة الحقيقية من شأنها أن تعزز كرامة العمل. فلنتأمل بعض الصعوبات.
الماس والماء. واجه الاقتصاديون الأوائل مفارقة الماس ــ الماء: لماذا يرتفع سعر الماس إلى هذا الحد وينخفض سعر الماء إلى هذا الحد، مع أن الماء أهم بكثير للحياة البشرية؟ وإذا ميزنا القيمة أو المنفعة الحدية من القيمة الكلية، زالت المفارقة. ولا شك أن توفير الخدمات الصحية أهم من توفير ماكينات القمار، تماما كما أن الماء أثمن من الماس؛ ولكن هل ناتج يوم واحد من العمل الهامشي في المستشفى أهم من ناتج يوم واحد من العمل الهامشي من النوع نفسه في الكازينو؟ في بريطانيا، تقدم هيئة الخدمات الصحية الوطنية الحكومية معظم الخدمات الصحية مجانا. وتظل حصة الدخل القومي المخصصة للصحة ــ أي تخصيص الموارد بين الرعاية الصحية ذات التمويل الاجتماعي والاستهلاك الخاص ــ موضوعا دائما للنقاش العام، وتحددها العمليات السياسية الديمقراطية لا الأسواق. فهل ساندل واثق حقا من أن جنيها إضافيا للخدمات الصحية الوطنية يحمل قيمة مدنية أكبر من جنيه إضافي يُنفق على أشكال الاستهلاك الخاص التي يختارها الأفراد ــ والتي قد تكون، بالنسبة إلى بعضهم، اللعب على ماكينة قمار؟
عاملتا النظافة. لنفترض أننا نقبل بأن الناتج الهامشي للعمل في قطاع الصحة، من حيث القيمة الحقيقية، أعلى منه في قطاع القمار. لنتأمل روزي، التي تنظف الأماكن العامة في مستشفى، وسالي، التي تنظف الأماكن العامة في فندق كازينو. فإذا كانت الصحة حقا أكثر قيمة وجديرة بالإعجاب بكثير من ماكينة القمار، فلا بد أن يكون إسهام روزي في الصالح العام أيضا أكثر قيمة وجديرا بالإعجاب بكثير من إسهام سالي. ولكن كيف ينبغي لنا أن نتصور اقتصادا تتقاضى فيه وظائف متطابقة أساسا من حيث المهارات وظروف العمل أجورا مختلفة بناء على حكم جماعي بشأن الأهمية المدنية للغايات التي تخدمها؟ وبصرف النظر عن اختلاف الأجور، كيف يمكن أن يؤدي إخبار سالي بأن عملها أقل استحقاقا للإعجاب، مع أنها عاملة نظافة جيدة بقدر روزي، إلى تعزيز كرامة عملها؟
سائق أوبر. لنتأمل أحمد، وهو سائق أوبر. عمله هو نقل الزبائن. وهو يعلم أنهم يرون خدمته ذات قيمة، لأنهم يطلبون منه نقلهم ويدفعون له مقابل ذلك. ويمكنه أن يفخر بكونه سائقا حذرا وملما بالطرق من دون أن يستفسر أكثر عن غايات الرحلات. لكن، وفقا لساندل، تعتمد القيمة الحقيقية لإسهام أحمد في الصالح العام على الأهمية الأخلاقية والمدنية لغايات تلك الرحلات. فإذا أوصل روزي إلى مكان عملها، كانت لعمله كرامة أكبر مما لو أوصل سالي. فهل ينبغي أن يتقاضى أجرا أعلى في الرحلة مع روزي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن أين ينبغي أن يأتي هذا المبلغ الإضافي؟ آمل ألا يكون من روزي. وحتى إذا وضعنا مسألة الدفع جانبا، كيف يعزز كرامة عمل أحمد أن يقال له إن إيصال سالي إلى المكان الذي تريد الذهاب إليه أقل استحقاقا للإعجاب من إيصال روزي؟ وفضلا عن ذلك، حتى في هذا المثال البسيط نواجه مشكلة توزيع المعرفة: ففي اقتصاد معقد، لا يستطيع الأفراد معرفة الغايات النهائية لأنشطتهم الاقتصادية. وفي حالات كثيرة لا يستطيع أحمد أن يعرف الغاية النهائية التي تخدمها رحلة زبونه؛ والدليل الوحيد على أن حاجة ما قد لُبّيت هو استعداد الزبائن للدفع.[25]
ميدلزبره وجسر ميناء سيدني. نشأت في ميدلزبره، المدينة الرئيسية في منطقة صناعية بشمال شرق إنجلترا. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، تحولت ميدلزبره من لا شيء إلى مركز رئيسي لإنتاج الحديد والصلب والهندسة الثقيلة، واتخذت الشعار المهيب «Erimus» ــ «سنكون» ــ. وفي طفولتي، كانت المدينة لا تزال مزدهرة نسبيا، وكنا نفخر بصناعاتنا الثقيلة؛ وفي حصص الرسم في الهواء الطلق كنا نرسم أفران صهر الحديد المتصاعدة منها الأدخنة. وكان من دواعي الفخر المحلي الخاص أن شركة من ميدلزبره هي التي بنت جسر ميناء سيدني. ومنذ ذلك الحين انهارت الصناعات الرئيسية في المدينة، وأصبحت المنطقة اليوم من أكثر مناطق بريطانيا حرمانا. وكما في مجتمعات حزام الصدأ الأمريكي، لا شك أن كرامة العمل التي عبّر عنها روبرت كينيدي بعبارة «لقد ساعدت في بناء هذا البلد» قد فُقدت.
لكن تذكروا أن بناء جسر ميناء سيدني لم يكن جزءا من بناء بلدنا؛ وإنما جاء الفخر من حقيقة أن ميدلزبره اختيرت لبناء أحد أكبر جسور العالم. ولم تكن القيمة الأخلاقية التي خلقها عمال ميدلزبره «مدنية» بالمعنى السياسي الذي يقصده ساندل؛ بل منحها إياهم حكم الأستراليين. ومغزى المثال أن الصالح العام الذي يسهم فيه العمل لا يلزم أن يكون صالح الجماعة السياسية التي ينتمي إليها العامل نفسه. وهذه الحقيقة لم تبدأ مع مشروع العولمة في ثمانينيات القرن العشرين، ولا حتى مع الثورة الصناعية: فالمعاملات الاقتصادية عبر حدود الجماعات السياسية أقدم من التاريخ المكتوب. والعلاقة متبادلة. فإذا كانت كرامة عمل عمال الصلب في ميدلزبره في عشرينيات القرن العشرين تنبع من تلبية حاجة ركاب القطارات الأستراليين، فإن المستهلكين الأمريكيين الذين يشترون السلع المستوردة في عشرينيات القرن الحادي والعشرين يدعمون كرامة عمل العمال في البلدان الأخرى. والحمائية التي يبدو أن ساندل يؤيدها ليست حمائية في اقتصاد السلع فحسب؛ بل هي حمائية في اقتصاد الكرامة أيضا.
بيل غيتس وبستانيه. يقول ساندل، ردا على هايك، إن الشخص الذي تكون لعمله قيمة سوقية منخفضة قد يشعر بالإهانة حين يقارن أجره بدخل شخص آخر ذي عمل أعلى بكثير في قيمته السوقية. وهو يختار أمثلة يرى فيها أن الفرق في القيمة السوقية لا يقابله فرق في القيمة الحقيقية للإسهامات؛ مثل مالك الكازينو الذي يكسب آلاف أضعاف ما تكسبه الممرضة. لكن إذا أخذنا قياس قيمة الإسهامات الفردية في الصالح العام على محمل الجد، فثمة حالات كثيرة يسهم فيها بعض الناس بالفعل أكثر بكثير من غيرهم وفقا لأي مقياس معقول لـ«القيمة الحقيقية». تخيلوا بيل غيتس وشخصا يدعى جو يعمل في حديقته. لا يضيف عمل جو إلا زيادة ضئيلة جدا إلى استهلاك شخص بالغ الثراء. وحتى إذا وضعنا جانبا القيمة الهائلة لأنشطة غيتس الخيرية، فمن المعقول أن يكون إسهام غيتس في الصالح العام أكبر بآلاف المرات من إسهام بستانيه. فإذا كانت الفروق الكبيرة في القيمة الحقيقية للإسهامات تُشعر أصحاب الإسهامات الصغيرة بالإهانة، فإننا نواجه في الاقتصاد الحديث مشكلة لا حل لها.
ولكن كيف يضعف اختلاف إسهام الرجلين في الصالح العام كرامة عمل جو؟ فهذا الاختلاف لا شأن له بالعلاقة الاقتصادية بين بيل وجو. ومثل صاحب المتجر وزبائنه عند سميث، يستطيع بيل وجو أن يتعاملا على أساس الاحترام المتبادل: فبيل يقدّر حسن تنسيق حديقته، وجو يقدّر الدخل الذي يحصل عليه من عمله. وكلاهما يفهم أن الغرض من تفاعلهما هو إنتاج مجموعة من النتائج ــ حسن تنسيق حديقة بيل والاستهلاك الذي يُموَّل بأجر جو ــ تمثل، قياسا إلى تصوريهما المنفصلين للخير الفردي، خيرا مشتركا.[26]
إذا كان في حججي شيء من الصواب، فإن افتراض إمكان مواءمة المكافآت، في اقتصاد حديث ومعقد، مع تصور معقول للجدارة المدنية ليس إلا ضربا من الخيال. ويتجنب ساندل مواجهة هذه الحقيقة بتخصيص أقل من ثماني صفحات من أصل ۲۲۷ صفحة من كتابه لمقترحات سياسات ملموسة، وبقصر نفسه على ثلاثة مقترحات لا ترتبط بمشروع مكافأة الجدارة المدنية إلا ارتباطا هامشيا.[27]
اقتراحه الأول هو دعم أجور العمال ذوي الدخل المنخفض، حتى «يتمكن العمال ذوو الدخل المنخفض من أن يعيشوا حياة كريمة، حتى إذا كانوا يفتقرون إلى المهارات اللازمة للحصول على أجر سوقي معتبر». ولهذا الاقتراح تبرير واضح على أساس العدالة التشاركية: فلنتذكر أن الأساقفة الكاثوليك الأمريكيين قالوا إن على الدولة واجبا في تنظيم المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية بحيث يتمكن الناس من المشاركة في المجتمع بطرائق تحترم حريتهم وكرامة عملهم. ودعم الأجور وسيلة فعالة لضمان أن يبلغ القادرون على العمل، عن طريق العمل المنتج، حدا أدنى من مستوى المعيشة. لكن إذا كان الهدف الحقيقي هو مواءمة المكافأة مع الجدارة المدنية، فهذه أداة فجة. فإذا كانت أجور السوق لعمال النظافة منخفضة بما يكفي، مثلا، فإن هذه السياسة تمنح سالي الدعم نفسه الذي تمنحه لروزي. وإذا قبلنا بأن تنظيف المستشفى والكازينو كليهما إسهام إيجابي في المجتمع، فقد تحققت العدالة التشاركية؛ لكن الجدارات ــ كما يقيسها ساندل ــ لم تحصل على مكافآتها المناسبة.[28]
وفضلا عن ذلك، فهذا ليس اقتراحا جديدا. فدعم الأجور هو في جوهره نظام الإعفاءات الضريبية المطبق حاليا في الولايات المتحدة وبريطانيا. وقد أُقر الائتمان الضريبي للدخل المكتسب في الولايات المتحدة في عهد الرئيس جيرالد فورد، ووُسع في عهد ريغان ــ الذي كان من أشد مؤيديه ــ ثم وُسع مرة أخرى في عهد بيل كلينتون. أما نظام الائتمان الضريبي البريطاني فقد أنشأته حكومة مارغريت تاتشر ووسعه بلير. كما أقرت حكومة بلير سياسة مكملة ذات هدف مشابه: حد أدنى للأجور ملزم قانونا. وأسماء هؤلاء الرؤساء ورؤساء الوزراء مهمة. ففي تصنيف ساندل الأيديولوجي، يُعد تاتشر وريغان من أبرز منشئي مشروع العولمة، بينما يُعد بلير وكلينتون ــ إلى جانب غيرهارد شرودر ــ من سياسيي يسار الوسط الذين «خففوا الإيمان بالسوق لكنهم رسخوه». ولا يوجد هنا أي دليل على تعارض جوهري بين مشروع العولمة ــ أيا كان معناه ــ والعدالة التشاركية.[29]
أما مقترحات ساندل الأخرى فهي توحيد معدل الضريبة على أرباح رأس المال والدخل المتأتي من العمل، وفرض ضريبة على المعاملات المالية. وتُطرح هذه المقترحات بوصفها إسهامات في «الحوار العام حول ما يُعد إسهاما ذا قيمة في الصالح العام». ويرى ساندل أن انخفاض معدل الضريبة الحالي على أرباح رأس المال وغياب الضريبة عن كثير من المعاملات المالية يعبّران عن حكم مدني يرى المستثمرين أجدر بالتقدير من العمال؛ وهو حكم يهين كرامة العمل وينبغي قلبه. غير أن هذه المقترحات نفسها يمكن تبريرها من دون إصدار أي حكم بشأن العلاقة بين الجدارة والمكافأة. وربما يؤيد معظم الاقتصاديين توحيد معدلات الضرائب على مختلف أنواع الدخل لأسباب تتعلق بالكفاءة والإنصاف والحد من التهرب الضريبي. أما مزايا الضريبة على المعاملات المالية ومساوئها، فالإجماع بشأنها أقل؛ لكن منذ اقتراح توبين الأصلي فرض ضريبة على معاملات العملات، ركز النقاش الاقتصادي على أثر هذه الضرائب في كفاءة الأسواق وتقلبها.[30]
ومن الطبيعي أن نتساءل لماذا يركز ساندل على مثل هذه السياسات غير المباشرة لتحقيق أهدافه المدنية. وقد يكون الجواب المباشر أنه فيلسوف أخلاق لا اقتصادي؛ ومن المعقول أن يفحص المقترحات المطروحة على جدول الأعمال السياسي ليرى أيها أكثر اتساقا مع المبادئ الأخلاقية التي يدافع عنها. لكن حتى في هذه الحال، ينبغي أن نسأل لماذا لم يستطع العثور على مقترحات عملية تتناول مكافأة الجدارة مباشرة، فتستعيد بذلك بعضا من كرامة العمل التي يُفترض أن مشروع العولمة قد أضعفها. ولعل السبب في عدم طرح مقترح عملي هو أن ما يبحث عنه ساندل ليس في الأصل قضية قابلة للتطبيق العملي.
وخلصتُ من جانبي إلى أن مشروع ساندل لمواءمة المكافآت الاقتصادية مع الجدارة المدنية طريق مسدود. وأعود إلى اقتباسات ريغان وبيل كلينتون وبلير وأوباما وهيلاري كلينتون وتيريزا ماي، التي يعدها ساندل جداراتية، وإلى أقوال روبرت كينيدي ومارتن لوثر كينغ والأساقفة الكاثوليك التي يرى أنها تعبّر عن التضامن المدني. وتحتكم هذه الأقوال، بدرجات متفاوتة، إلى ثلاثة مبادئ أساسية لا تنسجم مع مشروع ساندل: أولا، مبدأ تكافؤ الفرص المنصف؛ فلا ينبغي أن تعتمد الفرص الاقتصادية المتاحة للفرد على خصائص مثل الجنس أو الأصل الإثني أو الطبقة الاجتماعية أو الدين أو التوجه الجنسي، وإن جاز أن تعتمد على القدرة الطبيعية. ثانيا، مبدأ العدالة التشاركية؛ إذ ينبغي أن تتاح لكل شخص قادر على العمل وسيلة تتيح له، من خلال العمل المنتج، تأمين مستوى معيشي لائق. ثالثا، مبدأ التأمين الاجتماعي؛ إذ ينبغي أن تتاح لكل فرد، بصرف النظر عن اختياراته السابقة وحتى إن كان غير قادر على العمل، وسيلة للوصول إلى مستوى معيشي لائق.
ويمكن تأسيس هذا المزيج من المبادئ على أسس أخلاقية مختلفة: مثل مفهوم التعاون النافع للجميع، أو المساواة العلائقية ــ أو الديمقراطية. وإذا فكرنا بهذه الطريقة، أمكننا أن نحترم إسهامات بعضنا بعضا في المنظومة العامة للتعاون الاقتصادي، من دون أن نحاول ترتيبها على مقياس للجدارة.[31]
شكر وتقدير: هذه المقالة نسخة موسعة من المحاضرة الرئيسية التي قُدمت في ورشة HEIRS (السعادة والاقتصاد والعلاقات بين الأشخاص) بعنوان «وهم الجدارة» في جامعة كارديف، أبريل ۲۰۲۱. أشكر المشاركين في تلك الورشة على تعليقاتهم البنّاءة.
التمويل: تلقى هذا المشروع تمويلا من مجلس البحوث الأوروبي في إطار برنامج الاتحاد الأوروبي للبحث والابتكار «أفق ۲۰۲۰»، بموجب اتفاقية المنحة رقم 670103.
تعارض المصالح: يصرح المؤلف بأنه لا يوجد تعارض في المصالح.
Anderson, E. (1993). Value in Ethics and Economics. Harvard University Press.
Anderson, E. (1999). What is the point of equality? Ethics, 109, 287–337.
Bruni, L., & Santori, P. (2021). The illusion of merit and the demons of economic meritocracy: which are the legitimate expectations of the market? Forthcoming in Journal of Business Ethics.
Bruni, L., & Sugden, R. (2013). Reclaiming virtue ethics for economics. Journal of Economic Perspectives, 27, 141–164.
Case, A., & Deaton, A. (2020). Deaths of Despair and the Future of Capitalism. Princeton University Press.
Hayek, F. A. (1976). Law, Legislation and Liberty, Vol. 2: The Mirage of Social Justice. University of Chicago Press.
Hochschild, A. R. (2016). Strangers in Their Own Land: Anger and Mourning on the American Right. The New Press.
Mandeville, B. (1714). The Fable of the Bees: or Private Vices, Publick Benefits, Vol. 1.
Matheson, T. (2011). Taxing financial transactions: issues and evidence. IMF Working Paper 11/54.
Moffitt, R. (2003). The negative income tax and the evolution of U.S. welfare policy. Journal of Economic Perspectives, 17, 119–140.
Sandel, M. (2009). Justice: What’s the Right Thing to Do? Penguin.
Sandel, M. (2012). What Money Can’t Buy: The Moral Limits of Markets. Farrar, Straus and Giroux.
Sandel, M. (2020). The Tyranny of Merit: What’s Become of the Common Good? Penguin, London.
Smith, A. (1976). An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations. Clarendon Press.
Sugden, R. (1993). Normative judgements and spontaneous order: the contractarian element in Hayek’s thought. Constitutional Political Economy, 4, 393–424.
Sugden, R. (2004). Living with unfairness: the limits of equality of opportunity in a market economy. Social Choice and Welfare, 22, 211–236.
Sugden, R. (2018). The Community of Advantage: A Behavioural Economist’s Defence of the Market. Oxford University Press.
Sugden, R., & Wang, M. (2020). Equality of opportunity and the acceptability of outcome inequality. European Economic Review, 130, 103597.
Tobin, J. (1978). A proposal for international monetary reform. Eastern Economic Journal, 4, 153–159.
United States Conference of Catholic Bishops. (1986). Economic Justice for All: Pastoral Letter on Catholic Social Teaching and the US Economy.
[1]Sugden, Robert (2022), “Markets, merit and the dignity of labour”, International Review of Economics, 69: 323–338. https://doi.org/10.1007/s12232-022-00402-7
[2]Sandel, Michael J. (2020), The Tyranny of Merit: What’s Become of the Common Good?, London: Penguin.
[3]Sandel (2009), p. 9؛ Sandel (2012), pp. 128, 203. تقترب كثير من حجج الكتاب الثاني من الحجج السابقة لإليزابيث أندرسون (1993)؛ انظر Sandel (2012), p. 208, note 18.
[4]Bruni and Sugden (2013)؛ Sandel (2020), p. 18.
[5]Sandel (2020), pp. 5, 19, 184, 202, 213, 222.
[6]من هنا فصاعدا، تُحال أرقام الصفحات غير المنسوبة إلى اسم إلى Sandel (2020)، p. 61.
[7]الاقتباسات من Sandel (2020), pp. 67–71. وقد أورد ساندل المراجع الكاملة في حواشيه.
[8]Hochschild (2016), pp. 135, 144.
[9]Sandel (2020), p. 177.
[10]Sandel (2020), p. 62.
[11]Sandel (2020), p. 131.
[12]Sandel (2020), pp. 126, 128.
[13]Hayek, Friedrich A. (1976), Law, Legislation and Liberty, vol. 2: The Mirage of Social Justice, Chicago: University of Chicago Press, pp. 68–69.
[14]للدفاع عن هذه القراءة لهايك، انظر Sugden (1993, 2004). وقد طُوّر مفهوم «الإجراء الهاييكي» ــ وهو إجراء محكوم بقواعد يمكن أن يؤدي فيه تفاعل الأفراد إلى نتائج لم يخترها أي مشارك عن قصد ــ في Sugden and Wang (2020). والأسواق مثال نموذجي لمثل هذه الإجراءات، ولا يمكن توقع أن تتوافق نتائجها مع مبادئ إنصاف محددة سلفا.
[15]Sandel (2020), pp. 134–136.
[16]Case and Deaton (2020)؛ Sandel (2020), pp. 198–202.
[17]United States Conference of Catholic Bishops (1986), Economic Justice for All: Pastoral Letter on Catholic Social Teaching and the US Economy.
[18]Sandel (2020), pp. 210, 212.
[19]Sandel (2020), pp. 207–209.
[20]Smith (1776/1976), p. 45. لمزيد من الشرح لهذه القراءة لسميث، انظر Bruni and Sugden (2013).
[21]Sandel (2020), pp. 208–209.
[22]Sandel (2020), pp. 208–209, 214.
[23]Sandel (2020), pp. 127, 139.
[24]Sandel (2020), pp. 211, 218–219.
[25]كان برنارد ماندفيل (1714، Remark G) قد أشار إلى أن الجدارة الاجتماعية أو عدم الجدارة الاجتماعية لفعل ما تتضاءل كلما امتدت آثاره عبر الاقتصاد. وفي مثاله، يصبح المال الذي سرقه نشال أكثر احتراما كلما انتقل تباعا إلى صاحب الحانة، ووكيل صانع الجعة، ثم صانع الجعة الثري نفسه.
[26]طُورت فكرة أن علاقات السوق يمكن أن تعبّر عن مقاصد نافعة للطرفين في Bruni and Sugden (2013)، Sugden (2018) وBruni and Santori (2021).
[27]Sandel (2020), pp. 214–221.
[28]Sandel (2020), p. 214.
[29]أُنشئ Family Credit في 1986، ثم وُسع إلى Working Families Tax Credit (منذ 1999) وWorking Tax Credit (منذ 2003). وأُقر National Minimum Wage في 1998. وعن أصول الائتمان الضريبي الأمريكي، انظر Moffitt (2003). وانظر أيضا Sandel (2020), pp. 20–21.
[30]Sandel (2020), pp. 219–221؛ Tobin (1978). ولمراجعة الحجج والأدلة ذات الصلة، انظر Matheson (2011).
[31]Sugden (2018)؛ Anderson (1999).
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.