اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
قبول الفكر ينطوي بطبيعته على تقبّل التنوع ولا يمكن تحديد نتائجه مسبقاً؛ يرى سروش محلاتي، في تفسيره لآيات من سورة الزمر، أن المشمولين بالهداية هم الذين يجرؤون على الاستماع إلى جميع الأقوال ثم يتبعون أحسنها.

يرى البعض أننا نريد الفكر، ولكن الفكر هو ما نقوله نحن، وأما الأفكار الأخرى فليست فكرًا/ إن قبول التفكير ينطوي في جوهره على نوع من قبول التنوع والتعدد/ عندما يفكر المرء لا يستطيع أن يحدد نتائج فكره وتأمله مسبقًا. فإذا كانت النتيجة معلومة سلفًا، فلم يعد ذلك تفكيرًا/ إن بيان القرآن ومنطقه يظهران أن الله لا يعبأ كثيرًا بالنتيجة، وأن الدخول في هذا المسار هو جزء من النتيجة ذاتها/ إن الذين يسلكون طريق الفكر والتفكر لاتباع الأحسن، تشملهم الهداية الإلهية/ أما الذين قبلوا فكرًا وعقيدة واحدة ويقولون لا يوجد غير هذا، ويكون تعاملهم مع كلام الآخرين كمن يجعلون أصابعهم في آذانهم لكيلا يسمعوا كلامًا آخر، فهؤلاء لا تشملهم بشارة الله. ينبغي امتلاك الجرأة على الاستماع/ الذين لا يقيمون البرهان ليسوا صادقين من منظور القرآن/ نحن لا نأخذ الحياة الفكرية على محمل الجد أبدًا. نحن قلقون من التفكير. نحن قلقون من تفكيرنا، والحكومة قلقة من تفكيرنا/ يخشى البعض أن الناس إذا فكروا، قد يتضرر إيمانهم وتُطرح عليهم أسئلة أو يصيبهم الشك. لذا فمن الأفضل أن يفكروا أقل/ لماذا يحظى أحد بامتياز سماع كل الأقوال ولا يحظى به الآخرون؟
آية الله سروش محلاتي، في لقاء تشاوري مع جمع من الصحفيين والناشطين الإعلاميين، طرح سؤال «هل يولي القرآن قيمة للفكر والتفكر؟»، وقال: ربما يبدو الجواب على هذا السؤال في الوهلة الأولى جليًا وواضحًا، لكن ينبغي أن نعلم أن قبول مكانة الفكر والتفكر يستلزم لوازم تكون أحيانًا ثقيلة ومكلفة على البعض.
وأوضح: يرى البعض أننا نريد الفكر، ولكن الفكر هو ما نقوله نحن، وأما الأفكار الأخرى فليست فكرًا؛ في حين أننا إذا قبلنا قيمة الفكر، فإن الفكر لا يقبل التحديد ولا نستطيع أن نقول إن هذا فكر وذاك ليس بفكر.
سروش محلاتي، وفي معرض قوله إن «قبول التفكير ينطوي في جوهره على نوع من قبول التنوع والتعدد»، أوضح قائلًا: عندما يفكر المرء لا يستطيع أن يحدد نتائج فكره وتأمله مسبقًا. فإذا كانت النتيجة معلومة سلفًا، فلم يعد ذلك تفكيرًا. الفكر هو عملية وجهد لا يمكن معرفة نتيجتهما مسبقًا.
وأكد، قائلًا إن «التفكير، خلافًا لما يقوله البعض، عمل محفوف بالمخاطر»، مشددًا على أن الدعوة إلى التفكير هي قبول لمخاطره.
سروش محلاتي، وفي معرض حديثه، أشار إلى الآيتين 18 و19 من سورة الزمر حيث يقول تعالى «فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِکَ الَّذِینَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِکَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ»، وقال: تحمل هذه الآية بشارة إلهية، والنبي هو مبلّغها. يبشّر الله في هذه الآية أفرادًا بشروط خاصة.
وفي شرحه لخصائص وشرائط المشمولين بهذه البشارة الإلهية، قال: هذه البشارة هي في المقام الأول لعباد الله. إن تعبير «عباد» من منظور القرآن هو تعبير خاص ينم عن تلطف. فحينما يريد الله أن يكرم أحدًا وينسبه إلى نفسه، يستخدم له هذا التعبير؛ مثل نسبة العبد إلى الخضر عليه السلام، ونسبة العبد إلى الرسول الأكرم في سورة الإسراء، وكذلك نسبة العبد لأصحاب النفس المطمئنة في سورة الفجر.
وبحسب سروش محلاتي، فإن الله في هذه الآيات من سورة الزمر أيضًا، باستخدامه تعبير عباد لأهل الفكر والتفكر، قد منحهم شرفًا وكرامة خاصة.
وأشار إلى تتمة الآية حيث يقول تعالى «الَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ...»، وتحدث عن الفرق بين السماع والاستماع، وأضاف: الاستماع هو سماع مقرون بالفكر والتأمل، ولكن ينبغي أن نرى، استماع ماذا في هذه الآية؟ يجب أن نسأل لماذا لم يقل الله: فبشّر من يستمع إلى كلامي، أو القرآن، أو كلام النبي، أو حتى كلام الحق؟ لماذا تحدث الله عن القول مطلقًا وبشّر الذين يستمعون إلى القول ويتأملون فيه؟
هذا الباحث الديني أجاب قائلًا: إن فرض القرآن في هذه الآية هو أننا نريد بالاستماع إلى الأقوال أن نصل إلى القول الحق، ولا يمكن لشخص هذا حاله أن يُفترض فيه أن يستمع فقط إلى القول الحق.
أشار سروش محلاتي إلى موضع آخر من هذه الآيات حيث يقول: «... فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ...» وأضاف: إن استخدام تعبير "أحسن" يدل على أن التنوع والتعدد في سماع القول أمر مقبول، ولهذا يوجد اختيار الأحسن، وإلا لو كان الكلام واحداً لما كان لاتباع الأحسن معنى.
كما أشار إلى أن "بيان القرآن ومنطقه يظهران أن الله لا يهتم كثيراً بالنتيجة، بل إن الدخول في هذا المسار هو جزء من النتيجة نفسها"، وقال: وفقاً لهذه الآية، فإن الذين يدخلون مسار التفكر والتدبر لاتباع الأحسن تشملهم الهداية الإلهية.
وتابع سروش محلاتي قائلاً إن "الهداية لها مراتب مختلفة"، وأردف: في هذا التعريف القرآني، بمجرد أن يشرع الفرد في السعي للتفكير والتدبر لاختيار الأفضل، تكون قد شملته مرتبة من الهداية ويكون من أولي الألباب.
من هم المحرومون من بشارة الله؟ وفي معرض إشارته إلى خصائص الذين لا تشملهم بشارة هذه الآية، عدّد هؤلاء الأشخاص على النحو التالي: 1- الذين لا يقبلون على استماع القول. 2- الذين يسمعون ولكن ليست لديهم الاستعداد للابتعاد عن التقليد والجزمية الفكرية. 3- الذين يسمعون وليسوا من أهل التقليد، لكنهم بسبب الاستضعاف الفكري لا يملكون القدرة على التحليل. 4- الذين يصلون إلى الحقيقة ولكنهم ليسوا من أهل الاتباع والالتزام العملي.
وعن المجموعة الأولى، صرح أستاذ البحث الخارج في الفقه بالحوزة العلمية في قم: إن الذين قبلوا فكراً وعقيدة ويقولون لا يوجد غير هذا، ويكون تعاملهم مع كلام الآخرين بأن يجعلوا أصابعهم في آذانهم لكيلا يسمعوا كلاماً آخر، لا تشملهم بشارة الله. يجب أن تكون هناك جرأة على الاستماع.
واعتبر أن أكبر رقابة هي أن يعرض الشخص نفسه للرقابة، وقال: دعوة الأنبياء هي أن يتحلى الإنسان في الخطوة الأولى بالجسارة وأن يعطي لنفسه الحق في سماع كلام الآخرين.
وفي إشارته إلى الذين كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم أمام كلام النبي نوح، قال: في زماننا هذا أيضاً ليسوا بقليلين أولئك الذين يكون تعاملهم مع كلام الآخرين هو "جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ".
وعن المجموعة الثانية المحرومة من هذه البشارة الإلهية، قال سروش محلاتي: عندما يكون الإنسان مستعداً للاستماع، يجب أن يكون لديه الاستعداد للابتعاد عن التقليد، وإلا إذا كان الشخص جزمياً وبقي تابعاً لأجداده أو حزبه أو طبقته، فما الفائدة من الاستماع؟ مثل هذا الشخص يدين الجميع مسبقاً، لذا فالأفضل له ألا يسمع، لأن الاستماع في هذه الآية هو من أجل اختيار الأحسن.
القرآن يرى إقامة البرهان والصدق متلازمين واعتبر سروش محلاتي المجموعة الثالثة هم الذين لا يملكون القدرة على التحليل والتجزيء بسبب الاستضعاف الفكري، وقال: إحدى معضلات البشر هي أن الإنسان يعتمد على الظنون والحدس والتخمينات بدلاً من أن يكون تابعاً للبرهان والدليل. مثل هؤلاء الأشخاص مستعدون للاستماع والتأمل ولكنهم لا يعرفون أسلوب التأمل.
وأضاف في هذا الصدد: إحدى ميزات القرآن هي تأكيده المستمر على إقامة البرهان وتقديم الدليل، ومن وجهة نظر القرآن، فإن تقديم البرهان يتلازم بالضبط مع الصدق. بمعنى أن الذين لا يقيمون البرهان ليسوا صادقين من وجهة نظر القرآن؛ "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ".
وقال سروش محلاتي، مشيراً إلى أن "إحدى آفات وسائل الإعلام في زماننا هذا هي أنها تأخذ الإنسان إلى فضاء التخمينات": إن وسائل الإعلام تقصفنا اليوم بوابل من المعلومات، وبناءً على ذلك، أصبح إنسان العصر الحاضر سطحياً ويصل إلى معتقدات ليس من الواضح ما هو أساسها. يتصور إنسان اليوم أنه يعرف الكثير، لكنه أحياناً يفهم القليل جداً وليست لديه معايير واضحة لصدق وكذب المعلومات التي تصله.
وفي معرض حديثه عن المجموعة الرابعة من المحرومين من البشارة الإلهية، قال: بعد أن يتخلى الإنسان عن روح التقليد أيضاً، تأتي المسألة التالية وهي الاتباع. في كثير من الحالات، يفهم الإنسان الحقيقة ويعرف الأفضل، لكنه يواجه مشكلة في مرحلة الالتزام. العقل قبل الحقيقة ولكن القلب لم يقبلها، أو أنه في العمل ليس مستعداً للامتثال لها. العمل أمر صعب وشاق.
أحياناً يكون العمل بالحقيقة مقروناً بإنكار ماضي المرء وتعريض موقعه الحالي للخطر سروش محلاتي، وصف الجهل بأنه إنكار بعد العلم، وقال: إن الفهم والعلم إذا ما قُبلا وطُبّقا، فقد يعرضان موقع المرء للخطر أحياناً، أو قد يضطر المرء إلى إنكار ماضيه وتغيير حياته. ومن هنا فإن الإنسان لا يكون مستعداً أحياناً للالتزام بما يفهمه. نحن لا نأخذ الحياة الفكرية على محمل الجد
صرح سروش محلاتي في الجزء الأخير من كلمته: إن ما جعله القرآن معياراً يبعد بمسافة شاسعة عما نحن فيه. نحن لا نأخذ الحياة الفكرية على محمل الجد إطلاقاً. نحن قلقون من التفكير. نحن أنفسنا قلقون من التفكير، والحكومة أيضاً قلقة من تفكيرنا.
وأضاف: يقلق البعض من أنه إذا فكر الناس، فقد يتضرر إيمانهم وتُطرح عليهم أسئلة أو يصابون بالشك. لذا فمن الأفضل أن يفكروا أقل.
لماذا يحظى أحد بامتياز سماع جميع الأقوال ولا يحظى به الآخرون؟ سروش محلاتي، بعد أن طرح هذا السؤال: «أولئك الذين يعتقدون ذلك، كيف يواجهون آيات القرآن هذه وكيف يفسرونها؟»، قال: في أحد التفاسير تأكيد على أن موضوع بحث الآية هو الأقوال والكلمات التي يوجد فيها أمل بالهداية، ويقول في هذا الصدد إنه متى ما ثبت بعد الفحص والتدقيق أن كتاباً ما مضلل، فإنه يخرج من موضوع هذه الآية ويجب إبعاده عن متناول هذا وذاك بصفته مادة سامة.
قال هذا الباحث الديني في مواجهة هذه النظرة: السؤال هنا هو: لمن يجب أن يثبت كون هذا الكلام أو ذاك الكتاب مضللاً؟ هل يستطيع أحد أن يعتبر فهم الآخرين تابعاً لفهمه؟ إذا ثبت لأحد أن كتاباً ما مضلل، فما مدى اعتبار فهمه للآخرين؟ ثم، لماذا يحظى أحد بامتياز سماع جميع الأقوال ولا يحظى به الآخرون؟
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.