اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن رسالة كانط هي الندم على كون المرء إنسانًا، وجذر الديكتاتورية هو الخوف من مسؤولية الحرية. أما الاستقلال الفكري فليس تجاهلًا للتراث الإنساني، بل اختيار الآراء المتناقضة وفق تشخيص المرء ذاته.
![التنوير في فكر كانط وعلاقته بعلم النفس الأخلاقي [ كن قاضياً لنفسك ]](/images/w800/jpg/posts/2016/08/244-min.webp)
سلمان سامنی: مع الأستاذ مصطفى ملكيان جلسنا للحوار حول الأخلاق في فكر كانط. في هذا الحوار طُرح الحديث عن الحرية في فكر كانط أيضاً، ووصف الأستاذ ملكيان خلاصة رسالة إيمانويل كانط للإنسان المعاصر بقوله: «إذا نظرنا إلى العالم من منظور كانط، فإن معظمنا سيصبح نادماً على كونه إنساناً، وهذه هي رسالة كانط البالغة الأهمية للبشرية.» كما تحدث ملكيان في هذا الحوار عن عدم رضا البشر عن كونهم قد وُلدوا أحراراً، وعلل سبب عدم الرضا هذا بعجزهم عن ممارسة الحرية، ذلك أن الإنسان يرتعب من أن يتحمل بنفسه مسؤولياته ومواقفه، كبيرها وصغيرها، دقيقها وجليلها، وهذا الرعب بالذات هو ما يجر الإنسان، وفقاً للأستاذ ملكيان، إلى طريق البحث عن شخصٍ ما ليلقي بمسؤوليته على كاهله. وهكذا تتهيأ الأجواء لقبول الديكتاتورية في المجتمعات الإنسانية. فيما يلي تقرأون نص الحوار مع مصطفى ملكيان حول علم النفس الأخلاقي عند كانط.
في ظني أن كلام كانط، من جهتین، لا يمكن أن يكون ناظراً إلى فراغ التفكير وعدم الالتفات إلى ما فكر فيه الآخرون. الجهة الأولى هي أن التفكير يجري دوماً على سلسلة من المواد الخام. أي أنك لا تستطيع أن تصنع كرسياً وطاولة دون أن يكون لديك خشب وأدوات، إذن لا تستطيع أن تفكر دون أن تكون لديك مواد خام، لكنها مواد خام ذهنية، لا مواد خام عينية خارجية. بمعنى أن ما يؤديه الخشب للنجار، تؤديه المواد الخام للذهن، ولا يستطيع المفكر أن يفكر بدون مواد خام. المواد الخام تنتج دوماً مما نسمعه أو نقرؤه من الآخرين. ينبغي أن أسمع أقوالكم وأقرأ كتاباتكم ثم أتأمل فيها. في الواقع، تصبح أقوالكم وكتاباتكم مواد خام ينبغي أن أفكر فيها.
هذا دليل على أنك لا تستطيع أن تفكر وتتأمل في فراغ وانقطاع تام لا حضور للآخر فيه، لكن هناك جهة ثانية لا تستطيع التفكير بدونها أيضاً. وكما أن كون المرء مستقلاً في تفكيره أو مفكراً بذاته هو فضيلة، وإذا كانت فضيلة فكرية، فإن انعدام الاستقلال والتقليد الأعمى للآخرين هو رذيلة فكرية، لكن في الوقت نفسه، إذا لم أعر آراء الآخرين أي اهتمام مطلقاً، فهذا هو العُجب الفكري. إنها النرجسية والانبهار الفكري بالذات. إذن، في أحد طرفي هذا الطيف الفكري تقع القابلية للتقليد، والقابلية للتسليم الأعمى، والقابلية للتلفيق، والتبعية للآراء العامة، والتبعية للموضات الفكرية السائدة. كل هذه تقع في طرف الرذائل الفكرية.
أما الطرف الآخر من الطيف ففيه أيضاً سلسلة من الرذائل الفكرية كالنرجسية والعُجب الفكري. إذا كان كانط ينبه على هذا الطرف من الطيف بأنه لا ينبغي أن تكونوا قابلين للتلقين والتسليم الأعمى، أو أن تتبعوا الآراء العامة أو موضات العصر... وكل ذلك صحيح، فمن الجهة الأخرى فإن كانط بالتأكيد لا يدعونا إلى أن تكون لدينا نرجسية فكرية وأن نعتبر أنفسنا قطب دائرة الإمكان في عالم التفكير. إذا كان الأمر كذلك، وكانت هذه النرجسية بنفس قبح التسليم الأعمى والتقليد، فإن لازم كوني غير نرجسي هو أن يكون هناك احتمال أن لدى الآخرين علماً أكثر مني، أو تجارب أكثر مني، أو قدرة على الفهم أكبر مني. فقط النرجسي المحض هو الذي قد يظن أنه لا يوجد علم إلا ولديّ مثله. ولا يوجد فهم لدى الآخرين إلا ولديّ مثله.
إذا كان يُفترض بي ألا أكون نرجسياً، فيجب أن أرجح بقوة أن لدى الآخرين علماً لا أملكه، وتجربة ذهنية لا أملكها. إذن، بهذا المعنى الثاني أيضاً لا يمكن التفكير بمعزل وانقطاع كاملين عن الآخرين، لأننا لو فعلنا ذلك لوقعنا في شرك النرجسية الفكرية. وكأنني أعتبر نفسي صاحب علم، أو قدرة على التفكير، أو تجربة ذهنية لا يقدر عليها أحد. وهذا أيضاً، في ظني، ليس ما يريد كانط قوله بالتأكيد. ما يقوله كانط في الواقع هو أنه كما لا ينبغي أن تكون قابلاً للتلقين أو التسليم الأعمى والتقليد، فمن الجهة الأخرى لا ينبغي أن تتصرف وكأنك لا تعرف علماً آخر غير علم نفسك. لا يوجد فهم آخر، أو قدرة على التفكير، أو تجربة ذهنية في مكان آخر. فما هو الجمع بين هذين إذن؟
أعرض عليكم. وحاصل الجمع بين هذين الأمرين هو أنني ينبغي أن أكون على اطلاع بكل ما قاله أو كتبه الآخرون حول الموضوع أو المسألة التي أفكر فيها، ففي نهاية المطاف، ليست كل التجارب الذهنية والقدرات الفكرية والأفهام حاضرة عندي، فالكل يعلمون كل شيء، لذا يجب أن أكون مطلعاً على كل هذا، لكن بيت القصيد هو أنني حين أطلع على كل هذا أراه غير متسق، فكل مفكري العالم الذين تأملوا في موضوع واحد لم يبلغوا فهماً واحداً، بل توصلوا إلى نتائج متناقضة ومتضاربة فيما بينها، وإلى نتائج لا تتوافق مع بعضها البعض على أي نحو من الأنحاء.
والآن، وقد توصل الآخرون، بكل ما لديهم من قوة فهم وتجارب ذهنية غزيرة، إلى نتائج غير متسقة حول المسألة التي تهمني، فأي هذه النتائج المتناقضة أقبل؟ قال أحدهم: الألف هو باء، وقال آخر: ليس ثمة ألف هو باء، وقال ثالث: بعض الألفات ليست باء، وقال رابع: كل ألف هو باء، حسناً، هذه نتائج متناقضة وغير متسقة مع بعضها البعض. وهنا، في رأيي، يطلب منا كانط أن نختار، من بين كل هذه الآراء غير المتسقة، خياراً واحداً بناءً على فهمنا وتشخيصنا نحن فحسب، وبناءً على فهمنا وتشخيصنا نحن فقط. وبالتالي، فمعنى هذا ليس أنني أصير غير مكترث البتة بكل التراث الثقافي للبشر، ولا أعير اهتماماً لكل ما بلغته البشرية من حيث قوة التفكر والتجربة، كلا، بل يجب أن أعير كل هذا اهتماماً وإلا كنت نرجسياً ومتغطرساً ومتكبراً.
لكن المسألة هي أنني حين أفكر في موضوع ما، وحين أنظر إلى التراث الذي خلفته البشرية، أرى أن هذا التراث يعج بما لا يحصى من حالات عدم الاتساق. وسواء كان عدم الاتساق هذا من نوع التناقض أو من نوع التضاد، فهو على كل حال عدم اتساق. فأي موقف أتخذه إزاء المسألة الآن؟ هنا أعمل بناءً على فهمي وتشخيصي أنا فقط. أقول: في مقابل الحلول الثمانية التي قُدمت لحل هذه المسألة والمشكلة، والمواقف الثمانية التي اتُخذت إزاء هذا الموضوع، أختار الطريق الذي تراه مجموعة قوى تفكيري أكثر صواباً وأقرب إلى الحق وأكثر إصابة. لو قلنا إن كانط قال: لا ينبغي أن نعير اهتماماً لتراث الآخرين مطلقاً، لكان لازم هذا القول، كما يقول الإفرنج، أن نعيد اختراع العجلة من جديد.
بتفسير واحد، هذا صحيح لأن...
الأمر هكذا تماماً. إنه الهروب من الحرية عينه الذي يعبر عنه إريك فروم في الشؤون الاجتماعية عموماً والسياسية خصوصاً، إذ يقول إننا نعاني من هروب من الحرية، ونرغب في أن نلقي بكل مسؤوليتنا على عاتق شخص ما، ونصير نحن مأمورين لديه، ثم نستطيع أن نقول: «المأمور معذور». فنحن مأمورون ومعذورون. ولهذا السبب نفسه، في نظر فروم، تنشأ الاستبدادات والدكتاتوريات. أريد أن أقول إن عين هذا الكلام يمكن تكراره في موضوع نقاشنا.
بحث إريك فروم في كتاب «الهروب من الحرية» هو أن السبب الرئيسي لظهور الديكتاتوريات والاستبدادات، مثلاً في المجال السياسي، أو ظهور السلطات، هو أن الإنسان، وإن كان كما يقول روسو قد وُلد حراً، إلا أنه لا يروقه كثيراً أنه وُلد حراً. وهي العبارة نفسها التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي هو في الواقع متأثر بروسو. صحيح أننا وُلدنا أحراراً، أي إذا أردنا وصفياً، أن نصف البشر، فينبغي أن نقول إن البشر وُلدوا أحراراً، لكن إذا أردنا أن ننظر معيارياً، فليس الأمر أننا جميعاً راضون عن كوننا وُلدنا أحراراً، فأغلبيتنا الساحقة غير راضية عن كوننا وُلدنا أحراراً. لماذا نحن غير راضين؟ لأننا نجد حدساً أنه إذا كان عليّ أن أرحب بحريتي ترحيباً كاملاً، والترحيب بالحرية يعني أيضاً استعمال الحرية، إذا أردت أن أرحب بحريتي ترحيباً كاملاً، أتعلمون ماذا ستكون النتيجة؟ النتيجة هي أن كل ما يصدر عني، دقيقه وجليله، كبيره وصغيره، جسيمه ويسيره، تقع مسؤوليته على عاتقي أنا.
نعم، هذا أمر مرعب. أنا أشعر بالرعب من أن أحمل على كتفي مسؤولية كل سلوكياتي ومواقفي، دقيقها وجليلها، جسيمها ويسيرها، كبيرها وصغيرها، وهذا مرعب، ولأنه يشعر بالرعب، فإنه يبحث عن طريق يلقي به، قدر الإمكان، بعبء مسؤوليته عن كتفه ويلقيه على كتف غيره. وهنا يجد الإنسان شخصاً ما، فيتنازل عن حريته وكأنه يمنحه إياها ويقول له: هذا السهم أو القسيمة من الحرية التي أُعطيت لي، أعطيها لك أنت أيضاً. لكنه في المقابل يلقي بالمسؤولية على كتفه أيضاً. يقول إريك فروم في تحليله في علم النفس الاجتماعي: «لولا هذا الهروب من الحرية الكامن فينا لما ظهر الديكتاتوريون.» ففي النهاية، لولا هذا، فكيف كانت لتظهر الديكتاتوريات؟ هل يستطيع أي كان في هذا العالم أن يأتي ويمتطي ظهورنا أنا وأنت؟ كلا، لا يستطيع، إلا إذا كانت لدينا نحن أيضاً استعداد لأن نكون مطية له، وفي علم النفس الاجتماعي عند إريك فروم، هذا الاستعداد موجود فينا حقاً.
«الاستعداد موجود» لا يعني أننا كنا غير راضين عن الحرية نفسها للوهلة الأولى، كلا، نحن راضون، لكنها تجلب في أعقابها مسؤولية تامة وكاملة، ولأننا لا نحب هذه المسؤولية، نقول إننا لا نحب الأم التي تلد هذا الطفل. نحن في الواقع لا نحب هذه المسؤولية التامة والكاملة ونسأل: من هي أم هذه المسؤولية التامة والكاملة؟ الحرية. إذن لا نرضى عن الحرية أيضاً. نمنح الحرية لغيرنا لكي نلقي بالمسؤولية على كتف غيرنا. وهنا تحديداً يكون لدي الاستعداد النفسي لأخلق ديكتاتوراً. أي أنني ألقيت بالحرية على كتف غيري وقلت له: في المقابل، تحمل أنت المسؤولية أيضاً.
أصبح أنا مأموراً عندك، لكي أستطيع أن أقول لنفسي ولغيري: المأمور معذور. لقد تلقيت الأوامر من جهة أخرى. ماذا أفعل، المأمور معذور. يعبّر إريك فروم عن هذه النقطة في الشؤون الاجتماعية عموماً والسياسية خصوصاً. لكنني أقول إن هذا موجود بالضبط في الشؤون الفكرية أيضاً. أي أننا نحب أن تكون لنا سلطة فكرية. فسلطة أحدنا الفكرية هي رجل دين. وسلطة آخر الفكرية هي أستاذ جامعة. وسلطة ثالث الفكرية هي عارف، وسلطة رابع الفكرية هي فيلسوف، وسلطة خامس الفكرية هي عالم في العلوم التجريبية.
تماماً، أعني أنني أريد القول إن الأمر ليس كذلك في ساحتنا الإرادية فحسب، بل حتى في ساحتنا المعرفية وساحة عقيدتنا أيضاً. هناك أيضاً نحب أن يكون هناك من هو جهاز إنتاج العقيدة لنا. والآن "أيها العشاق، انظروا من هو معشوقكم؟" يرى أحدهم تجلي هذا الجهاز في رجل دين، ويريد أن يتجلى ويتجسد فيه، وآخر في فيلسوف، وآخر في عارف، وآخر في عالم من علوم تجريبية، وآخر في فنان وأديب. أي أنهم يختلفون من حيث المصداق، لكنهم لا يختلفون من حيث الطبيعة والماهية. طبيعته وماهيته هي أننا نحب أن يفكر آخر بدلاً عنا. والآن يريد كانط أن ينتزع هذا منا. لا يريد أن يقول إنك لست بحاجة إلى الآخرين إطلاقاً. كل النقاش يدور حول أن تدع الآخرين يقولون كلمتهم، لكن دع الحَكَم على كلام الآخرين هو أنت. لا يعني أنني لست بحاجة إلى الآخرين، وبالطبع فإن حياة كانط نفسه تؤيد هذا. كانط نفسه لا يريد أن يقول إنني كنت في فراغ أو لم أكن تحت تأثير أي فيلسوف.
نعم، أنا أسمح للآخرين بأن يتكلموا، لكنني لا أسمح للآخرين بأن يكونوا حَكَماً على كلامهم. أجعل نفسي حَكَماً على كلام الآخرين. لذا يجب علينا أن نتجنب الإفراط في هذا الجانب والإفراط في ذاك الجانب. الإفراط في هذا الجانب هو أن نقول إننا قد "تصمّمنا"، والتصميم في اللغة العربية يعني جعل النفس صمّاء. الأصمّ في العربية هو الأطرش. التصميم هو أن تجعل نفسك أصمّ. نحن نُصِمُّ أنفسنا ولا نسمح لأي كلام من آخر أن يطرق طبلة أذننا. معنى هذا أنك تريد أن تخترع كل العربات من جديد. هذا ليس صحيحاً. خذ عربة الآخرين، ثم بقدر طاقتك أزل ما بها من عيب ونقص. ثم سلّم هذه العربة إلى الجيل التالي. والأجيال التالية تفعل الشيء نفسه حتى تصبح هذه العربة أقل عيباً ونقصاً. كانط نفسه فعل هذا الأمر. أي أنه أخذ ما قاله الآخرون. لكن الإفراط في الجانب الآخر هو أن يتكلم الآخرون ويحددوا هم بأنفسهم اعتبار كلامهم، فإن حدث هذا، فكل أحد يرى كلامه معتبراً وصادقاً. الطريق الوسط هو أن أسمع كلام الآخرين لكني آخذ معيار اعتباره من نفسي. هذا هو معنى قول كانط. وحينئذٍ معناه أنني أريد الحكم على آراء الآخرين من نفسي. أنا أعتقد أن هذه هي رسالة كانط.
كلامكم هو أن لهذا العمل جانباً إيجابياً وجانباً سلبياً. أي وجهاً إيجابياً ووجهاً سلبياً. لكن إذا أردت أن أنظر من زاوية كانط، فليس له جانب إيجابي على الإطلاق. لأن كانط يعتقد أن إنسانيتنا تكمن في شيئين؛ عقلانيتنا وحريتنا. بقدر ما أخفض من فتيل عقلانيتي وحريتي، أكون قد خفضت من فتيل إنسانيتي، وكلما رفعت من فتيل عقلانيتي وحريتي، أكون قد أججت إنسانيتي اشتعالاً. إذن من وجهة نظر كانط، إذا قام شخص بهذا العمل، فقد أخذ عقلانيتك وأخذ حريتك. إذن ليس لهذا أي جانب إيجابي. لكن...
كان ينبغي أن يكون سؤالك على هذا النحو: إذا كانت إنسانيتي تكمن في عقلانيتي وحريتي، فلماذا نرضى بأن نسلمهما مجاناً إلى يد آخر؟ الجواب هو هذا. كما أشرت، في النظرة الأولى، صحيح أن هذه العقلانية والحرية هما أثمن ما يمكن أن نمتلكه، لكن في النظرة المتأملة، هما في الوقت نفسه أكثر ما يمكن أن نمتلكه إثارة للرعب. هناك أفراد نادرون يقولون إنني أقبلهما لشدة شرفهما، حتى لو كان لهما آثار مرعبة ومخيفة بالنسبة لي. لأنني إذا امتلكت العقلانية، فعليّ حينئذٍ أن أفكر بنفسي، وإذا امتلكت الحرية، فعليّ أن أتحمل مسؤولية كل أمر. التفكير الذاتي وتحمل المسؤولية كلاهما ثمرتان فاسدتان من وجهة نظر الكثير من الناس. وحينئذٍ، لأن النتيجة فاسدة، فإنهم يتخلون عن العقلانية والحرية.
في اعتقادي أن أعظم كلمة ينبغي أن تُفهم على أنها رسالة كانط، وأشرف رسالة يحملها كانط إلينا، هي ألا نفرّط في هذين الأمرين، أي العقلانية والحرية، بأي ثمن كان، وعلينا بالطبع أن نتقبل آثارهما. وأرى أن هذه رسالة بالغة الأهمية، لكننا لأننا نخشى عواقبها وآثارها، فإننا نفقد ذينك الجوهرين أيضاً. لأن الحفاظ على هذين الجوهرين له كلفة، ونحن لا نريد أن ندفع تلك الكلف. وبتعبير آخر، أريد أن أقول إنه قد توجد كائنات في العالم ليست بشراً وتقول: يا ليتنا كنا بشراً. وقد توجد كائنات في العالم تغبط البشر على بشريتهم. أما نحن البشر فكلنا بشر، وأكثريتنا نادمون ونقول: يا ليتنا لم نكن بشراً. وهناك أقلية نادرة كانطية ليست نادمة على بشريتها، رغم ما لها من كلف.
لذا، قد توجد كائنات تغبط البشر على بشريتهم، وأكثريتنا نحن نغبطهم ونقول: يا ليتنا لم نكن بشراً. أجل، قد لا نقول ذلك بلسان المقال، لكننا نظهره بلسان حال حياتنا. من يبيع عقلانيته بالتقليد، والتعبد، والانصياع للآراء العامة وموضات الفكر السائدة في العصر، فكأنما هو نادم على عقلانيته. ومن يبيع حريته لسلطة ما ويقول: هذه الحرية لك، وفي مقابل ذلك تحمّل أنت مسؤوليتها، فكأنما هو نادم على حريته. إذن، إذا نظرنا إلى العالم من منظور كانط، فإن أكثرنا يصبح نادماً على بشريته. نادمون على صيرورتنا ذهباً / تكرّموا وردّونا نحاساً. وكأن نحاس وجودنا قد مسته إكسير فصار ذهباً، ونحن الآن نادمون ونقول: أعيدونا إلى ذلك النحاس. أعتقد أن هذه هي رسالة كانط البالغة الأهمية للبشر.
إذا سمحتم، فلنضع تمييزاً اصطلاحياً بين الاعتراف والإقرار. قد يكونان بمعنى واحد من الناحية اللغوية، لكنني أريد أن أضع تمييزاً اصطلاحياً بين الاعتراف والإقرار، لأبين لاحقاً إلى أي حدّ كلامكم واستنباطكم صائب. فلنسمِّ إقراراً ما أرتكبه من خطأ أخلاقي أو حسابي، ويكون آخر قد انتبه إليه ووبخني عليه، فأعترف به رغم أنني لا أميل إلى قبول أنني ارتكبت هذا الخطأ. لنسمِّ هذا إقراراً؛ أي ما يحدث في المحاكم القانونية ودور القضاء. أي أن يرتكب شخص خطأ أخلاقياً أو حسابياً، وينتبه إليه آخر، لا أن يذهب هو ويخبر به، بل ينبهه إليه آخر، فيقبل به رغم أنه لا يريد القبول، لنسمِّ هذا إقراراً.
ثم لنفصل هذا عن شيء اسمه الاعتراف والاعترافات، وليكن الفصل على هذا النحو: في الإقرار يوجد خطأ أخلاقي أو حسابي، أما في الاعتراف فقد لا يوجد خطأ على الإطلاق. ثانياً، في الإقرار ينتبه الآخر، وأنا أقبل رغم أنني لا أريد القبول. أما في الاعتراف، فمن دون أن يعلم أحد، أبادر أنا بدايةً وأخبر عن حالي. أنا أقول إن الاعتراف الذي نشهده في العصر الحديث هو من هذا القسم الثاني. أي أنه أولاً لا ينحصر بالضرورة في الأخطاء الأخلاقية والحسابية، قد يشملها أيضاً، لكننا نعترف بأشياء أخرى لا تُحسب ضمن الأخطاء الأخلاقية والحسابية. ثم ليس من الضروري أن يكون أحد قد أمسك بي متلبساً، بل أبادر أنا بدايةً وأقول إن حالنا هكذا.
أُحلِّلُ نفسي. حسناً، هذا الاعتراف بالمعنى الجديد يستلزم الابتعاد عن الذات. يستلزم أن يبتعد الإنسان عن نفسه كي يتمكن من رؤيتها. أي إذا أردنا أن تكون لنا نظرة موضوعية (objective) تجاه الذات، بدلاً من النظرة الذاتية (subjective) التي لدينا دائماً، فينبغي أن نستطيع الابتعاد عن أنفسنا، وسأوضح الآن ما المقصود بالابتعاد؟ إنه أن نتمكن من إيجاد نظرة موضوعية تجاه الذات، أي أن نحصل على نفس المعرفة عن أنفسنا التي نحصل عليها عن الآخرين. لماذا تكون معرفتنا بالآخرين موضوعية؟ لأنها تتم عن بُعد. عندما نستطيع أن نتخذ نفس المسافة التي بيننا وبين الآخرين تجاه أنفسنا، تصبح معرفتنا موضوعية.
ما معنى هذا الابتعاد؟ فالإنسان لا يستطيع أن يبتعد عن نفسه مكانياً. الابتعاد يكون تارةً بمعنى اعتقادي معرفي، وتارةً بمعنى وجداني وعاطفي وانفعالي، وتارةً أخرى بمعنى الابتعاد الإرادي. أحدها أن لدينا معتقدات عن أنفسنا، فلنتخلَّ عنها. أن ننظر إلى أنفسنا بصرف النظر عن المعتقدات التي نحملها عن ذواتنا. ثانياً، لدينا مشاعر وعواطف وانفعالات خاصة تجاه أنفسنا، مثلاً نحب أنفسنا، أو مثلاً نشعر تجاه الماضي بالندم أو الحسرة أو الأسى. حسناً، هذه أيضاً ثلاثة أنواع من العواطف؛ الندم، الحسرة، الأسى، تُعتبر ثلاثة مشاعر وعواطف وانفعالات في علم النفس. أن نستطيع الابتعاد عن هذه المشاعر والعواطف التي نكنها لأنفسنا. قد يكون لدينا أيضاً نرجسية تجاه الذات، فينبغي أن نستطيع اتخاذ مسافة إرادية.
أي أنه كان من الممكن أن يقوم شخص ما بالاعتراف الأول ويقول إننا محدودون من حيث القدرة والعلم، لكن يمكننا إزالة هذا المحدودية عن طريق الاتصال بموجود آخر - أياً كان الاسم الذي نطلقه على ذلك الموجود - يمكننا إزالة هذه المحدودية. كما لو أنني قطرة أوصل نفسي بالبحر فأزول محدوديتي عبر البحر. إذا اعترفنا بأنه في الوقت الذي نعاني فيه من هذه المحدوديات في العلم والقدرة، لا يوجد أيضاً شيء يمكننا عبر الاتصال به أن تتحول هذه المحدودية إلى سعة، فهذا أيضاً اعتراف نقوم به. لكن هناك محدودية أخرى نعترف بها أيضاً، وهي أننا في الوقت الذي يمتلك فيه عقلنا أحكاماً لا نشك فيها، لا نستطيع أن نحيا وفق مقتضيات هذه الأحكام. وهذا اعتراف آخر.
انظروا ماذا كان يقول هيوم؟ كان هيوم يقول: الاستقراء عقلاً لا يمتلك أية حجية، لكن مع ذلك لا يستطيع أحد منا نحن البشر أن يحيا لعشر دقائق دون الاستعانة بالاستقراء. ومن ناحية أخرى كان يقول: العلية بالمعنى الذي قال به الفلاسفة قبلي لا اعتبار لها مطلقاً، وليس لدينا استدلال عقلي على أن العالم عالم علّي ومعلولي. لكننا لا نستطيع أن ندير حياتنا دون العالم العلّي والمعلولي. ومن جهة أخرى، العالم كما كان يقول الفلاسفة القدامى ليس جوهراً وعرضاً، على الأقل ليس لدينا دليل عقلي على أن نظام العالم هو نظام جوهر وعرض، لكننا لا نستطيع أن نسير حياتنا ونديرها دون اعتبار العالم جوهراً وعرضاً.
وهذا أيضاً نوع من الاعتراف ينبغي لنا نحن البشر أن نكون على علم به، وهو أننا في الوقت الذي نملك فيه أحكاماً عقلية، نبدو وكأننا لا نستطيع أن نحيا وفق مقتضيات الأحكام العقلية أيضاً. وهذا أيضاً وجه تراجيدي من أوجه الحياة، فعقلي يقول لي إن الاستقراء غير معتبر لكنني لا أستطيع أن أدير حياتي دون الاستقراء. عقلي يقول إن نظام العالم ليس بالضرورة علياً ومعلولياً أو جوهراً وعرضاً، لكنني لا أستطيع أن أدير حياتي بدونهما. هذه كلها اعترافات. وليست اعترافاً بخطأ أخلاقي أو حسابي. أي أن الإنسان ينظر إلى نفسه ويفهم أي مآزق وجودية لديه، ثم نعبر عن هذه المآزق باللسان.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.