اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الإنسان المعاصر توّاق إلى الحرية، لكنه أشدّ قلقًا؛ فالسعي وراء الثبات في العقائد والأحكام يسلب الطمأنينة. وسبيل الخلاص هو أن يكون طالبًا للحقيقة بدلًا من الدفاع عن المقدسات، ومتسامحًا مع أنماط الحياة المختلفة.

البشرية التي تقف اليوم، هنا والآن، على قمة التاريخ، لديها هاجس الحرية أكثر من أي وقت مضى، حتى وإن لم تقترن إرادتها بإجراءات عملية متناسبة! إنها تتوق إلى حرية التعبير، حتى لو لم يكن لديها الكثير لتقوله، وتتوق إلى الحريات الاجتماعية، رغم أن أسلوب حياتها قد يكون سابقًا للعرف المقبول في مجتمعها. لم يعد خافيًا على أحد اليوم أن الحرية قيمة في حد ذاتها، لكن إنسان اليوم أشد قلقًا من أي وقت مضى:
1- الاستقرار النظري: لا بد أنك مررت بموقف حين شكك أحدهم في معتقداتك، فقمت برفض أدلته، رغم إدراكك أنه لا حجة لديك للرد عليها، أو بعبارة أخرى، بدا كلامه لك صادقًا ووجيهًا في نظرك؛ أو بتعبير أدق، لجأت إلى اختلاق الأعذار والتبريرات (reason-making) بدلًا من الاستدلال والتعليل (Reasoning)! لماذا؟ لأن امتلاك رأي يعني امتلاك هوية في الذات، وامتلاك ثروة تمنحنا وهم المعرفة والتحضر، والاستقرار.
2- الاستقرار العملي: لا أستبعد أن تكون قد سِرتَ يومًا في الشارع فاستفزتك هيئة شاب أو فتاة؛ أو تطفلت على علاقات الآخرين الخاصة، أو على الأقل شجعت صديقك المقرب على إفشاء سر غيره! هذا يعني أن بعض البشر يسعون أحيانًا في حياتهم العملية أيضًا إلى الاستقرار. هذا الاستقرار، في الحياة العملية، يعني تضاؤل أو تلاشي الفجوة بين رغباتنا والتجلي العملي لمعتقداتنا، وبين واقع العالم من حولنا.
لكن، إذا سعينا إلى أي من هذين القسمين من الاستقرار، فهل سنشعر في حياتنا بالطمأنينة الناتجة عن هذا الاستقرار؟ يعتقد الكاتب اعتقادًا راسخًا أن الجواب: كلا! إن العالم من حولنا، اليوم أكثر من أي عصر آخر في التاريخ، يواجه صدام الحضارات والثقافات والأفكار المختلفة. في هذا العالم الذي هو بحق أشبه بقرية، يكفي أن ترغب في إلقاء نظرة من نافذة بيتك الآمن، لتشهد انعدام الأمن الناجم عن معرفة سكان هذه القرية بأسرارك وخفاياك. وكأن كلام الرجل الحكيم العارف الذي قاله قبل سنين من منطلق الشفقة: ((لو شاكة دخلت في رجل أحد من بلخ إلى بخارى، لأحسست بألمها في نفسي.))، قد تحقق في عالم اليوم؛ هذا العالم عالم قلق، كيان مضطرب، يقف أمام البشر الساعين إلى الاستقرار! إن طلب الاستقرار هذا في هذا العالم، يزيدنا اضطرابًا ويعرض صحتنا النفسية للخطر! إننا ننشد وضعًا طبيعيًا ينزلق فيه كل شيء على تروس الوجود المنتظمة ويدفع الزمن إلى الأمام؛ وهذه هي المأساة التي تواجه الإنسان المعاصر:
الإنسان يسعى إلى الاستقرار، والحرية منبع القلق.
لذا، يمكن تفهم الأمر إلى حد ما إذا كان الاستقرار النظري والاستقرار العملي لإنسان اليوم لا يتحققان إلا بنفي حرياته أو اللامبالاة تجاهها.
إريك فروم (Erich Fromm)، المحلل النفسي والفيلسوف الاجتماعي الأمريكي المعاصر، يتناول في كتابه الشهير، الهروب من الحرية (Escape from Freedom)، أسباب بروز وظهور الفاشية والنازية في أوروبا. إنه يتساءل لماذا، في أوروبا التي تُعتبر رائدة في مجال الحريات والديمقراطية والحقوق الإنسانية العامة، تبرز ظاهرة الأنظمة النازية والفاشية المحرقة للحرية. من وجهة نظره، في العصر الفيكتوري وفترة هيمنة الكنيسة في أوروبا، كان جميع البشر في وضعية "مُحددة سلفاً". بشكل عام، كانت حياتهم في خدمة الملك والكنيسة. كنيسة تمنحهم معنى وروحانية مضمونة في حياتهم، وملك ومؤسسة ملكية تفرض نوعاً من النظام الطبقي والهرمي الصارم على رعاياها. حتى أنه في بعض الحالات، كانت مهنة الفرد تكتسب جانباً هوياتياً وتُورث من الأب إلى الابن. لكن تدريجياً، كانت الثورة الكوبرنيكية في العلم وما ترتب عليها من نتائج في الحياة الفلسفية والعملية لشعوب أوروبا، بحجم جعل كل ما كان مصدراً للاستقرار، في وضعية محددة سلفاً، موضع تساؤل، وأصبح يُنظر إلى كل شيء، وخاصة النظام السياسي والقانوني للدول، بعين الشك والريبة. البشر الذين تذوقوا طعم التنوير، صاروا الآن يطالبون بالحرية في جميع مجالاتهم النفسية، وخاصة حرية القول والفعل. لكن الحرية تعني أن تجرؤ على تحمل مسؤولية حياتك بنفسك، وأن تكون الفاعل المستقل لسعادتك، وألا يُحدد أحد مصيرك مسبقاً! يقول فروم إن هذه النقطة الأخيرة، أي الانتقال من وضعية طبيعية هرمية محددة سلفاً، إلى وضعية غير مُختبرة ومليئة بالغموض للاكتفاء الذاتي، كانت شيئاً يفوق طاقة شعوب أوروبا الحديثة. ومن هذا المنطلق، استولت الفاشية والنازية على ألمانيا وإيطاليا بوعد أن المهم هو أمة مقتدرة وموحدة، تحت حكم واحد لا يتزعزع. وعد بالاستقرار، لشعب لا يعرف الاستقرار.
نعود الآن إلى السؤال الأول. هل يمكن أن يكون للبحث عن الاستقرار في عالم اليوم معنى؟ بناءً على الأسباب المذكورة، لا! إذن ما هو الحل؟ يقول مولانا:
كل هذا القلق الذي تعيشه، هو من طلبك للاستقرار كن طالباً للقلق، حتى يأتيك الاستقرار
يعود جذر الفكرة القائلة بأنه يمكن العيش بشكل جميل بالتدبير والتغيير؛ وأنه يمكن للمرء أن يكون خفيفاً كورقة شجر على نهر الحياة الهادر، إلى بوذا. في الواقع، إذا لم تتعصب لرأيك غير المُختبر، وكنت فقط طالباً للحقيقة، والطريق الذي تتجلى فيه الحقيقة، أي الحوار، فمهما انهالت الانتقادات على آرائك كالمطرقة، فلن تشعر أبداً بالقلق، لأنك فقط طالب دليل وطالب الحقيقة ذاتها، لا الآراء التي تعتبرها مقدسة وأزلية أبدية. كذلك، إذا لم تكن نظرتك إلى أسلوب حياتك والأخلاقيات التي تلتزم بها نظرة مطلقة، ومهما كنت تعتقد بقداسة آرائك وتقديس سلوكياتك، فاعلم أنك، أنت، لست إنساناً مقدساً، وهناك دائماً احتمال وجود نسبة من الجهل والخطأ وسوء النية في ساحة معتقداتك وسلوكياتك. هذه النقطة، أي التسامح مع الآخرين، توصل الإنسان إلى الاستقرار، ولا تجعل نفسه مُقدراً في طريقة عيش الآخرين، وتجعل نقطة ثقل وجود الفرد في داخله هو، لا في الآخرين.
1- كونك طالباً للحقيقة بلا ادعاء، يوصل الإنسان إلى الطمأنينة والاستقرار، والمجتمع المليء بعبارات مثل: "لا أعلم، يبدو لي، من المحتمل أن يكون الأمر هكذا، وليس لدي معرفة في هذا المجال"، هو مجتمع معتدل وهادئ.
2- التسامح مع أنماط حياة الآخرين، يُخرج الإنسان من دائرة المعاناة والقلق، والمجتمع الذي يقول أفراده: "هذا شأنك أنت، وما شأني أنا؟!، كل شخص مسؤول عن أعماله، الإنسان يعيش مرة واحدة فقط، لا تسبب ألماً غير ضروري لأحد"، هو مجتمع سعيد وحر.
==========================
عندما يُمنع نشر رأيٍ ما بالقوة، فإن المعارضين له يتضررون أكثر بكثير من أصحاب ذلك الرأي، لأنه إذا كان الرأي الذي أُسكت بالقوة صحيحاً، فإن أولئك الذين يعارضونه يُحرمون من الفرصة الثمينة لاستبدال الباطل بالحقيقة. أما إذا كان الرأي خاطئاً، فإن كاتميه يخسرون على أي حال، لأنهم لو تركوا حرية تصادم الآراء، لكانت ملامح الحقيقة تظهر أكثر حيويةً ووضوحاً من احتكاك الحق بالباطل.
جون ستيوارت مل، رسالة في الحرية
المعروف اليوم هو منكر الأمس.
............
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.