اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدافع آرش نراقي في محاضرته «الحق في أن تكون مخطئا» عن حقٍّ مؤداه أن اعتبار اعتقاد الآخر أو سلوكه خاطئا لا يمنح بالضرورة مبررا للتدخل فيه أو إكراهه. ومن خلال تطوير هذه الفكرة، يقترح «الدين المدني» نموذجا للجمع بين الحياة الإيمانية وحرية الضمير والمساواة في المواطنة والتسامح في مجتمع تعددي.

الحق في أن تكون مخطئا؛ حجر الأساس للدين المدني والليبرالي
تقرير عن محاضرة آرش نراقي في مدرسة القانون والأخلاق
تاريخ الانعقاد: ۱۵ أغسطس ۲۰۲۶
سعى آرش نراقي في محاضرته «الحق في أن تكون مخطئا: حجر الأساس للدين المدني والليبرالي» إلى الدفاع عن إحدى أكثر أفكار الفلسفة السياسية الحديثة أساسية: فالناس لا يملكون حق العيش وفقا للحقيقة والفضيلة فحسب، بل يملكون أيضا، ضمن حدود معينة، حق اختيار اعتقاد أو سلوك يراه الآخرون ــ بل ويرونه هم أنفسهم أحيانا ــ خاطئا وغير صائب. وبحسب تعبيره، فإن الاعتراف بهذا الحق لا يعني اعتبار الخطأ صوابا، بل يعني الإقرار بمجال الاختيار الإنساني المحمي وتقييد حق الآخرين في التدخل.
عرض نراقي بحثه في قسمين. ففي القسم الأول قدّم تحليلا فلسفيا لمفهوم «الحق في أن تكون مخطئا»، وبيّن أن هذا التعبير لا يغدو منسجما وذا معنى إلا في ضوء تصور معين للحق. وفي القسم الثاني تناول الآثار الاجتماعية والسياسية لهذا المفهوم، ولا سيما في مجتمع ديني وتعددي. وكان السؤال المحوري في هذا القسم: هل يمكن تقديم قراءة للإسلام تعترف بالحق في أن تكون مخطئا، وتحافظ في الوقت نفسه على الحضور الاجتماعي للدين من دون فرض القيم الدينية الداخلية على جميع المواطنين؟ وكان جواب نراقي بالإيجاب؛ إذ دافع عن نموذج سماه «الدين المدني» أو «الإسلام المدني».
لإيضاح المسألة، ميّز نراقي أولا بين تصورين لـ«الحق». وفقا للتصور الأول، يتكون الحق من عنصرين: «إباحة» صاحب الحق أن يفعل أمرا أو يمتنع عنه، و«تكليف» الآخرين بالامتناع عن التدخل في قراره.
ولشرح هذا التصور استخدم مثال ملكية سيارة. فعندما يكون شخص مالكا لسيارة، يكون من جهة مخيرا في استخدامها أو تركها في المرآب أو إعارتها لغيره أو هبتها له؛ ومن جهة أخرى يكون الآخرون مكلفين بألا يمنعوه من استخدامها أو من عدم استخدامها. فإذا عمد جار أو شرطي أو جماعة أخرى في كل مرة إلى منعه من التصرف في ملكه، غدا حقه عمليا بلا معنى. ومن ثم فإن الحق، في هذا التصور الأول، يشمل إباحة الفعل لصاحبه كما يشمل تكليف الآخرين بعدم التدخل.
أما في التصور الثاني، فالحق يعني أساسا «حق المطالبة» أو claim-right. ففي هذا التصور، عندما نقول إن لشخص حقا في أمر ما، فالمقصود أساسا أن الآخرين مكلفون بعدم التدخل في ذلك المجال. وهذا التعريف لا يحكم، في حد ذاته، على الفعل من حيث جوازه أو عدم جوازه الأخلاقي. فقد يكون الفعل خاطئا أخلاقيا، ومع ذلك يظل الآخرون ملزمين بألا يمنعوا صاحبه من الإقدام عليه.
ولإظهار الانفصال المنطقي بين الإباحة وواجب عدم التدخل، طرح نراقي مثال القلم: فقد يضع صاحب القلم قلمه في متناول شخص آخر ويقول له إنه لا يأذن له باستعماله، لكنه يلتزم في الوقت نفسه بألا يمنعه إن استعمله. في هذه الحال لا يكون المستخدم مأذونا له أخلاقيا أو تعاقديا باستعمال القلم، غير أن صاحبه لا يعد لنفسه أيضا حقا في التدخل. وعلى الرغم من أن هذا الوضع يبدو غير مألوف في الحياة العادية، فإنه يبيّن من حيث المفهوم أن «جواز الفعل» و«تكليف الآخرين بعدم التدخل» لا يستلزم أحدهما الآخر بالضرورة.
إذا قبلنا التصور الأول للحق، بدا تعبير «الحق في أن تكون مخطئا» متناقضا. فأن يكون للشخص حق في الفعل «أ» يعني أنه مأذون له في فعله؛ لكن كون الفعل نفسه خاطئا يعني أن القيام به غير جائز أخلاقيا. وبهذا يبدو كأننا نقول إن الشخص «يجوز له أن يفعل ما لا يجوز».
وبرأي نراقي، يزيل التصور الثاني هذا التناقض. فبناء على حق المطالبة، عندما نقول إن لشخص الحق في أن يفعل أمرا خاطئا، لا نعني أن ذلك الفعل حسن أو صحيح أو جائز أخلاقيا؛ بل نعني أن هذا القرار يقع ضمن مجال محمي لاختياره، وأن الآخرين لا يحق لهم منعه بالقوة لمجرد أنهم يرونه خاطئا. فالحق هنا يوفّر مجالا آمنا لممارسة الاختيار؛ مجالا يستطيع الإنسان فيه أن يتخذ القرار الصحيح، أو يخطئ، أو يجرّب ويصحح، أو حتى يفعل عن وعي ما يعد مستهجنا أخلاقيا.
ولشرح هذا المعنى ضرب نراقي مثال التدخين. فقد يرى شخص أن إلحاق الضرر المتعمد بصحته فعل غير أخلاقي، ومن ثم يعد التدخين غير جائز؛ لكن لا يمكن الاستنتاج من خطأ هذا الفعل أن له الحق في إجبار المدخن بالقوة على الإقلاع عنه. يمكنه أن يجادل ويحذر ويشجع الآخر على الإقلاع، لكن هذه الأمور ليست هي التدخل القسري.
وكان مثاله الآخر ثروة مفاجئة حصل عليها شخص من تذكرة يانصيب. فقد يقال إن على صاحب هذه الثروة واجبا أخلاقيا بأن يخصص جزءا منها للمحتاجين أو للأعمال الخيرية. فإذا احتفظ بالمال كله لنفسه، أمكن وصف قراره بأنه أناني وخاطئ أخلاقيا؛ لكن الآخرين لا يملكون، استنادا إلى هذا الحكم الأخلاقي وحده، أن يجبروه على التبرع بجزء من ماله. ومثال الغيبة يوضح المعنى نفسه: فحتى لو رأى الجميع أن الغيبة مذمومة، فإن تجريمها قد يترتب عليه كلفة كبيرة، وانتهاك للخصوصية، وتدخلات غير مبررة.
وكانت الخلاصة الأساسية لهذا القسم أن كون اعتقاد أو سلوك ما «خاطئا» لا يستلزم منطقيا أن يكون للآخرين «حق أو واجب التدخل». فالحكم بأن الفعل خاطئ أخلاقيا، والحكم بجواز الإكراه لمنعه، حكمان مستقلان، والانتقال من الأول إلى الثاني يحتاج إلى مبرر منفصل.
ثم شدد نراقي على تمييز لغوي وفلسفي حاسم لفهم مجمل النقاش: الفرق بين «امتلاك الحق» و«كون الشيء حقا». فامتلاك الحق صفة للشخص؛ فالإنسان الذي يحمل اعتقادا أو يقوم بفعل ما له حقوق، وهذه الحقوق تنشئ تكاليف على الآخرين. أما كون الشيء حقا فهو صفة للاعتقاد أو الفعل: فالاعتقاد قد يكون صادقا أو كاذبا، والسلوك قد يكون جائزا أو غير جائز أخلاقيا.
في تركيب «الحق في أن تكون مخطئا»، يشير الجزء الأول إلى امتلاك الشخص للحق، بينما يشير الجزء الثاني إلى كون الاعتقاد أو الفعل حقا أو باطلا. ولا توجد بين الأمرين ملازمة ضرورية. فلا ينبغي تعليق الحقوق المدنية للأفراد على صدق معتقداتهم أو على فضيلة أنماط حياتهم. ولكي نقرر أن شخصا صاحب حق، لا ينبغي أن نفتش أولا في معتقداته وسلوكه وطريقة عيشه، ثم نمنحه حقوقا بحسب مقدار قربه من الحقيقة أو الفضيلة.
وبالطبع، ليس الحكم على الشيء بأنه خاطئ أمرا يسيرا دائما. فقد تعني «الخطأ» أحيانا سلوكا نراه مستهجنا من منظور منظومتنا القيمية، أو اعتقادا يبدو لنا كاذبا في ضوء القرائن المتاحة. وحتى إذا آمن المرء بقيم موضوعية مستقلة عن وجهات نظر الأشخاص، فإن قدرة الإنسان على معرفة تلك القيم محدودة. ومن هنا شدد نراقي على التحفظ المعرفي في الحكم ببطلان معتقدات الآخرين أو بعدم مشروعية سلوكهم. وهذا التحفظ لا يمنع الحكم الأخلاقي، لكنه يحول دون تحويل حكمنا على عجل إلى ترخيص بالتدخل.
إذا خلص شخص بالحجة إلى أن الخيانة في العلاقات الزوجية خاطئة أخلاقيا، ترتب على ذلك نتيجتان طبيعيتان: الأولى أن يلتزم هو بالوفاء؛ والثانية أن يشارك الآخرين أسبابه ويحثهم هم أيضا على الوفاء. لكن لا يلزم من هذه المقدمات أن تكون له مهمة أو رخصة في اقتحام حياة الآخرين وإجبارهم على الوفاء.
وعرّف نراقي التسامح عند هذه النقطة بالضبط: فالتسامح هو الاعتراف بالحق في أن تكون مخطئا، ومعرفة المرء بحدوده. يستطيع الشخص أن يرى سلوك الآخر خاطئا، وأن ينتقده وينبه إليه ويقدم الحجج لتغييره، لكنه ما دام لا يملك سببا مستقلا للتدخل، فهو ملزم باحترام مجال اختيار الآخر. ومن ثم، فالتسامح ليس لامبالاة أخلاقية، ولا اعتقادا بصحة جميع المعتقدات وأساليب الحياة؛ بل هو الامتناع عن فرض حكم المرء على الآخر بالإكراه.
أوضح نراقي أن كل ما هو خاطئ ليس جديرا بالتسامح. فإذا كان شخص على وشك قتل إنسان بريء، وكان بوسع شخص آخر منع وقوع القتل، فلا يصح الاستناد إلى الحق في أن تكون مخطئا والوقوف متفرجا. ففي هذه الحال لا يكون التدخل جائزا فحسب، بل قد يكون واجبا أخلاقيا.
والمعيار الذي اقترحه للفصل بين هاتين الفئتين هو «مبدأ الضرر». فقد يخرج اعتقاد أو سلوك خاطئ من دائرة التسامح حين يسبب ضررا غير مبرر، جسيما، وشيكا، وموجها إلى شخص أو جماعة محددة. لذلك لا ينبغي أن تترتب القيود على حقوق الأفراد مباشرة على صدق معتقداتهم أو كذبها، ولا على المكانة الأخلاقية لسلوكهم؛ بل أساس التقييد هو ما يسببه ذلك السلوك من ضرر. وقد تكون أفعال كثيرة خاطئة أخلاقيا، لكنها لا تلحق بالآخر ضررا فوريا وجسيما ومحددا؛ ومثل هذه الأفعال تقع، وفقا لهذا المعيار، ضمن دائرة ما ينبغي التسامح معه.
لهذا المبدأ أهمية في العلاقات بين الأفراد، لكن أهميته الكاملة، في رأي نراقي، تتجلى في المجال العام والسياسة. فالمجتمعات الحديثة تعددية: يحمل المواطنون تصورات مختلفة، وأحيانا متعارضة، للخير والشر، والواجب الأخلاقي، والسعادة، والحياة الكريمة. وتسمي الفلسفة السياسية هذه المنظومات «التصورات الشاملة للخير». ولا يمكن اختزال جميع هذه التصورات في منظومة قيمية واحدة تحظى برضا الجميع.
إذا اختارت الدولة إحدى هذه المنظومات القيمية وفرضتها على الجميع، فإنها في الواقع تحكّم قيم جماعة معينة في سائر المواطنين وتنتهك شرط العدالة. وتدبير المجتمع التعددي بعدل يقتضي أساسا يكون مفهوما لأصحاب الرؤى المختلفة ومقبولا لديهم قدر الإمكان. وفي هذا السياق شبّه نراقي المجال العام بـ«الملكية المشاعة» لجميع المواطنين: فإذا كان الجميع شركاء في ملكية هذا المجال، فلا يجوز لأي جماعة أن تعده ملكا حصريا لها وأن تديره وفقا لمعتقداتها الخاصة.
كما أشار إلى فكرة «حجاب الجهل» في الفلسفة السياسية لجون رولز. وينبغي للمواطنين أن يختاروا قواعد المجال العام كما لو أنهم لا يعلمون ما إذا كانوا، بعد وضع تلك القواعد، سيجدون أنفسهم ضمن الأغلبية أم الأقلية. والسؤال المرشد هو: لو كنا نحن أنفسنا من الأقلية، فهل كنا سنظل نعد هذا القانون وهذه السياسة عادلين؟ مثل هذا الاختبار يجبر الأغلبية على الابتعاد عن موقعها المتفوق الراهن والنظر إلى حقوق من لا يشاركونها معتقداتها الدينية أو الأخلاقية أو الأيديولوجية.
والسؤال الأصعب هو ما إذا كان المجتمع الديني يستطيع أن يعترف بصدق بالحق في أن تكون مخطئا للمواطنين غير المتدينين، أو أتباع الديانات الأخرى، أو أصحاب الأيديولوجيات المنافسة. وللإجابة، ميّز نراقي بين ثلاثة نماذج لحضور الدين في السياسة والمجتمع: الإسلام السياسي في قراءته التقليدية، والإسلام السياسي في قراءته التنويرية، والإسلام المدني.
في القراءة التقليدية للإسلام السياسي، التي عد نراقي نظرية ولاية الفقيه المطلقة أبرز مثال لها، يكون المعيار الأساسي للتمييز بين الحق والباطل هو «الحكم الإلهي». فما يتعارض مع الحكم الإلهي والتعاليم الدينية يعد باطلا، وعلى المؤمنين واجب منع ظهوره واستمراره في المجتمع. وفي هذا التصور تكون الحكومة أداة لتوسيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المستوى الفردي إلى المستوى الاجتماعي، ويجوز للدولة أن تفرض أحكام الشريعة على المجال العام من أعلى.
وفي مثل هذا النموذج لا يبقى مجال أصيل للحق في أن تكون مخطئا. فالغاية هي إزالة ما يخالف الحكم الإلهي من الحياة الاجتماعية؛ وإذا تعذر التخلص منه فورا، تستعمل أولا الوسائل اللينة مثل الدعوة، ثم تُستخدم عند الضرورة الوسائل الصلبة والعقوبات القانونية.
وبحسب عرض نراقي، يصبح «امتلاك الحقوق» في هذا النظام تابعا لـ«كون المعتقدات حقا». ومسألة الردة مثال واضح: فحين يترك الفرد الاعتقاد الديني، لا يُعد مخطئا من الناحية العقدية فحسب، بل قد يفقد أيضا حقوقا أساسية، حتى حق الحياة. ويقسم المواطنون إلى مراتب مختلفة بحسب علاقتهم بالقراءة الدينية الحاكمة، وكلما ابتعدوا عن الأيديولوجيا السائدة قل نصيبهم من الحقوق.
يحاول النموذج الثاني تلطيف الإسلام السياسي، وبدلا من فرض الدين سلطويا من أعلى، يسعى إلى إدخاله في الحكم من أسفل عبر الآليات الديمقراطية. وينطلق هذا النهج من افتراض أن المجتمع الديني يميل بطبيعته إلى الدين؛ ومن ثم تستطيع الأحزاب الدينية، عبر تعبئة الرأي العام، والحصول على أصوات الأغلبية، ودخول البرلمان، أن تحول الأحكام الدينية إلى قواعد عامة ملزمة.
وتقبل هذه القراءة، إلى حد ما، بتعدد الفهوم الدينية وتتخلى عن القراءة الرسمية الوحيدة للدين. فيمكن للفرد أن يحمل فهما دينيا مختلفا، وأن يظل متمتعا ببعض الحقوق والحريات حتى لو اعتُبر تفسيره خاطئا. لكن دائرة الحق في أن تكون مخطئا تظل، في رأي نراقي، محدودة هنا: إذ يقبل حق الاختلاف ما دام الاختلاف داخليا في الدين، كما يمكن أن تحدد حدود ما يستحق التسامح استنادا إلى أسس دينية محضة.
وفي هذا السياق ذكر دفاع عبد الكريم سروش عن وجود مجلس صيانة الدستور بوصفه مثالا؛ وهي مؤسسة يفترض أن تحرس بقاء قوانين المجال العام ذات طابع ديني. وفي هذا النموذج قد تعمد الأغلبية المتدينة، بالاستناد إلى عملية التصويت، إلى تقييد المعتقدات أو أنماط الحياة المخالفة للمعايير الدينية أو إلى إقصائها من المجال العام. وربما يعد المواطنون متساوين في الحقوق الأساسية مثل حق الحياة والتعليم، لكن المساواة في التمتع بالحقوق التي تتجاوز هذا المستوى ليست أمرا مفروغا منه، وقد تحتاج بالنسبة إلى غير المتدينين إلى مبرر أو إذن إضافي.
ومن وجهة نظر نراقي، تواجه روايتا الإسلام السياسي ــ التقليدية والتنويرية ــ في نهاية المطاف مشكلة مع الحق في أن تكون مخطئا. فالرواية الأولى لا تقر بهذا الحق من أساسه، والثانية تعترف به بصورة محدودة وضمن إطار ترسم حدوده الرؤية الدينية. ولهذا السبب قد تظل حتى القراءات الأكثر علمانية في التنوير الديني غير ليبرالية.
في مقابل هاتين الروايتين للإسلام السياسي، دافع نراقي عن إمكان «الإسلام المدني» أو، بتعبير أعم، «الدين المدني». والدين المدني تفسير للدين له ثلاث سمات رئيسية:
۱. يعترف بالحق في أن تكون مخطئا؛
۲. يحدد الحد الفاصل بين الأخطاء الجديرة بالتسامح والأخطاء غير القابلة للتسامح على أسس عقلية وعرفية، لا على حجج دينية داخلية محضة؛
۳. يعد جميع المواطنين متساوين في الحقوق الأساسية وغير الأساسية.
في هذا التصور، يستطيع المتدين، استنادا إلى آية أو حديث أو تعاليم تقليده الديني، أن يختار نمطا خاصا لحياته الشخصية أو لجماعته الطوعية. لكن لتحويل القيمة نفسها إلى قانون عام ملزم، لا يكفي الاستناد إلى مصادر لا تكون حجة إلا على أبناء دينه. بل يجب أن يقوم القانون العام على أسباب يستطيع المواطنون الآخرون أيضا، من دون اعتناق ذلك الدين، أن يفهموها ويقيّموها ويتحاوروا بشأنها.
شدد نراقي على أن قبول الإسلام المدني لا يعني بالضرورة القطيعة مع التراث الإسلامي. ففي رأيه، للشروط الثلاثة اللازمة لهذه القراءة جذور في التراث الفقهي والكلامي والفلسفي للمسلمين، ويمكن إعادة بنائها.
الشرط الأول هو اعتبار المجال العام «ملكا مشاعا لجميع المواطنين»؛ وهي فكرة رأى نراقي أن صياغتها بارزة في آراء مهدي حائري يزدي. فجميع من يعيشون في مجتمع ما، كالمجتمع الإيراني، ــ بصرف النظر عن دينهم أو أيديولوجيتهم أو معتقدهم ــ هم أصحاب ذلك البلد والمجال العام.
أما الشرط الثاني فيعود إلى القاعدة الفقهية «الناس مسلطون على أموالهم»: فللناس حق التصرف في أموالهم. وإذا كان المجال العام ملكا مشاعا لجميع المواطنين، وجب أن يكون لهم جميعا، بصفتهم ملاكا مشتركين، نصيب في تدبيره وإدارته.
والشرط الثالث هو العدالة. فالعدالة تقتضي أن يكون لجميع المواطنين، لمجرد كونهم مواطنين وشركاء في الملك العام، نصيب متساو في إدارته. ورأى نراقي أن هذا المبدأ منسجم مع التصور الرولزي للعدالة، كما يمكن إعادة بنائه في التراث الكلامي الشيعي والمعتزلي.
ويؤدي قبول هذه المقدمات الثلاث إلى نتيجة مفادها أن سياسات المجال العام يجب أن تقوم على أسباب يكون لجميع المواطنين، من حيث المبدأ، إمكان فهمها وتقييمها. فلا يجوز بناء القوانين الملزمة على أسس دينية داخلية محضة لا تكون معتبرة إلا لدى بعض ملاك هذا الملك المشاع. وينبغي سن القوانين على نحو تستطيع معه حتى الأقليات أن تراها عادلة. ومن هذا المنظور، فإن العدالة الدينية نفسها تقتضي ألا ينظم أتباع أي دين المجال العام برمته وفقا لقيمهم الخاصة وألا يدفعوا الآخرين إلى الهامش.
تناول نراقي في الختام سؤالين عمليين. وكان السؤال الأول: هل يحق للمؤمنين بالدين أن يدخلوا قيمهم ومعتقداتهم الدينية في القرارات المتعلقة بالمجال العام وأن يسعوا إلى تحويلها إلى قوانين؟ وكانت إجابته «إيجابية مشروطة».
يستطيع المتدينون الدفاع عن سياسات وقوانين منسجمة مع تعاليم دينهم، وتأسيس الأحزاب، والنشاط السياسي من أجل إقرارها، شريطة أن يقدموا لهذه القوانين أيضا أسبابا عقلية مستقلة وعامة. وضرب مثال الإجهاض. فلا يستطيع المسلم أن يفرض حظر الإجهاض على جميع المواطنين لمجرد الاستناد إلى قول إمام أو رواية دينية؛ لكنه يستطيع أن يبني حجة من مقدمات عامة، مثل حرمة قتل الإنسان البريء والنقاش بشأن الزمن الذي يكتسب فيه الجنين مكانة إنسانية، بحيث تكون مفهومة وقابلة للنقاش لدى غير المسلمين أيضا. وفي هذه الحال قد يكون دافع الفرد دينيا، لكن السبب المقدم في المجال العام يجب أن يكون قابلا للتقييم استقلالا عن قبول ذلك الدين.
وهذا الشرط لا يعني إسكات صوت المتدينين أو إقصاء القيم الدينية من السياسة. فكثير من القيم الدينية يمكن أن تكون لها أيضا مسوغات عقلية وأخلاقية مستقلة. ويستطيع المتدينون الدعوة إلى قيمهم؛ وإنما المسألة هي أنهم، لكي يلزموا قانونيا من لا يشاركونهم إيمانهم، يحتاجون إلى حجة عامة.
وكان السؤال الثاني: هل يحق للمتدينين أن يسعوا إلى نشر نمط حياتهم وقيمهم وتحقيقها في المجتمع؟ وكانت إجابة نراقي عن هذا السؤال إيجابية صراحة. فالاعتراف بالحق في أن تكون مخطئا لا يعني محو الحياة الدينية من المجتمع؛ بل إن المبدأ نفسه الذي يحمي نمط الحياة غير الديني يضمن أيضا حرية المتدينين في التعبير عن معتقداتهم والعمل بها.
يحق للمتدينين أن يكتبوا المقالات، ويقيموا المحاضرات والندوات، ويتحاوروا مع المؤسسات العلمية والطبية، ويدعوا الناس إلى نمط الحياة الذي يرونه مطلوبا، وينشئوا جماعات دينية طوعية. كما يجوز لهم داخل هذه الجماعات أن يجعلوا الالتزام بقواعد مثل الامتناع عن شرب المشروبات الكحولية شرطا للعضوية. وما لا يجوز هو تحويل منع ديني محض إلى قانون عام وفرضه على من لا يشتركون في أساسه الديني.
وفي هذا السياق أشار نراقي إلى موقف السيد حسن مدرس في البرلمان، إذ صوّت، رغم كونه مجتهدا، ضد مشروع قانون يحظر إنتاج المشروبات الكحولية، ودافع عن إنتاجها في البلاد. ومن وجهة نظر نراقي، لا يستطيع المتدينون أن يجادلوا من أجل حظر عام أو تقييد عام لإنتاج الكحول واستهلاكه إلا إذا أثبتوا بأسباب مستقلة أن ذلك يضر بالصالح العام، وتمكنوا من إقناع أغلبية المجتمع بحجة عامة.
وبعبارة أخرى، يمكن لجماعة طوعية من المسلمين أن تحظر على أعضائها استهلاك الكحول استنادا إلى معتقد ديني، لكن لمنع الآخرين قانونيا من استهلاكه في حياتهم الخاصة أو لمنع متجر من مزاولة نشاطه، لا بد من تقديم سبب عام مستقل عن الحرمة الشرعية. فالدعوة والتبليغ والالتزام داخل الجماعة شيء، والإكراه القانوني شيء آخر.
كان جواب نراقي النهائي عن إمكان تقديم قراءة ليبرالية للإسلام إيجابيا. فقد رأى أنه يمكن، انطلاقا من المصادر والمبادئ الدينية، تقديم فهم لحضور الدين في المجتمع يعترف بالحق في أن تكون مخطئا في المجال العام. وفي هذا النموذج، يعيش المتدينون في جماعاتهم الطوعية وفقا لمعتقداتهم الدينية الداخلية، ويسعون بحرية إلى نشر قيمهم؛ لكنهم لا يعدّون المجال العام ملكا حصريا لهم.
في الدين المدني، المجال العام ملكية مشاعة لجميع المواطنين، وتقتضي العدالة أن تتم إدارته على أساس أسباب عقلية وعامة. والحق في أن تكون مخطئا هو أساس التسامح في المجتمع: فهو حق لا يسمح للإنسان بأن يسمي الخطأ حقيقة، بل يلزمه بالتمييز بين «اعتبار الآخر مخطئا» و«امتلاك حق إكراه الآخر». يستطيع المتدين أن يظل وفيا لما يؤمن به من حقيقة، وأن يقدم الحجج دفاعا عنها، وأن يدعو الآخرين إليها؛ لكنه ينبغي أن يمتنع بصدق عن فرض القيم الدينية الداخلية الخالصة على من لا يشاركونه ذلك الإيمان.
وعلى هذا الأساس، لا يعني الدين المدني إقصاء الدين من المجتمع، ولا تسليم المجال العام إلى الحكومة الدينية. فهذا النموذج يسعى إلى الجمع بين الحياة الإيمانية وحرية الضمير والمساواة في المواطنة وإمكان التعايش في مجتمع تعددي؛ مجتمع لا تكون فيه أي جماعة، حتى الأغلبية، مالكة حصريا للحقيقة السياسية أو لحقوق الآخرين.
الفلسفة
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الدين
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.