اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
رأى الإمام موسى الصدر والمهندس بازركان أن الدين خادم للإنسان لا سيد عليه؛ نظرة تجعل من بناء المؤسسات والتكافل الاجتماعي ضرورة للتحرر من الطواغيت وخدمة المستضعفين، وتسعى إلى نبذ الخضوع للهيمنة وتحقيق التوحيد الاجتماعي.

في المقالة السابقة قُدِّم نموذج للاهوت التحرير التعاوني، وذُكر أن هذا اللاهوت يمتلك رؤية كونية وسلوكًا روحيًا (توحيدًا وعرفانًا) إنسانيًا. لكن هذا التوجه الإنساني لا يتحقق إلا إذا نظرنا إلى الدين نظرة إنسانية واعتبرناه خادمًا للإنسان لا مخدومًا. سنتناول في هذه المقالة تعاليم الإمام موسى الصدر والمهندس بازركان في هذا المجال، وكذلك حول التآزر والتعاون الاجتماعي وأهمية المؤسساتية في رؤيتهم ومنهجهم وسلوكهم.
١
يقول السيد جواد ميري عن النهج الإنساني للإمام موسى الصدر تجاه الدين:
«.. يطرح الإمام موسى الصدر نهجين كليين في النظر إلى الدين، أحدهما الدين في خدمة الإنسان والآخر الإنسان في خدمة الدين. وهذا يعود بشكل ما إلى تلك النظرة التي يُشار إليها في علم الاجتماع أيضًا، النظرة التسلطية إلى الدين أو النظرة المتمركزة حول الإنسان إلى الدين ..».
النظرة المتمركزة حول الإنسان ترى الدين أداةً للإنسان كي يستخدمها في سبيل تعاليه، والنظرة التسلطية ترى الدين غايةً وتعتبر البشر مخدومين للدين. كان الإمام موسى الصدر والمهندس بازركان يعتبران الدين خادمًا للإنسان. يقول الإمام موسى الصدر في خطابه في كنيسة الكبوشيين عن كون الدين خادمًا:
«.. لقد اجتمعنا من أجل الإنسان، الإنسان الذي جاءت الأديان من أجله.. كانت الأديان واحدة، لأنها كانت في خدمة هدف واحد: الدعوة إلى الله وخدمة الإنسان. وهذان مظهران لحقيقة واحدة. وحين سعت الأديان لخدمة ذاتها، نشب بينها الخلاف. لقد بلغ اهتمام كل دين بذاته حدًا كاد معه أن ينسى الهدف الأصلي. فاشتدت الخلافات وازدادت آلام الإنسان... كانت الأديان واحدة، لأن نقطة انطلاقها جميعًا، أي الله، واحدة؛ وهدفها، أي الإنسان، واحد؛ ووعاء تحولاتها، أي عالم الوجود، واحد؛ ولما نسينا الهدف وابتعدنا عن خدمة الإنسان، ترَكَنا الله أيضًا لحالنا وابتعد عنا، فسرنا في طرق شتى وتحولنا إلى أجزاء متفرقة، وقسمنا العالم الواحد، وسعينا لخدمة مصالحنا الخاصة، واخترنا معبودات أخرى من دون الله، وسقنا الإنسان إلى الهلاك.. فلنعد الآن إلى الطريق الصحيح وإلى الإنسان المتألم، حتى يعود الله إلينا وننجو من العذاب الإلهي. لنجتمع من أجل خدمة الإنسان المستضعف الممزق المتجه نحو الهلاك، حتى نكون واحدًا في كل شيء وفي شأن الله، وحتى تبقى الأديان واحدة كما كانت..».
كما كان المهندس بازركان في بداية الثورة يعتبر أحد خلافاته في الرأي مع آية الله الخميني يدور حول كون الدين خادمًا أم مخدومًا:
«أنا والإمام نؤمن كلانا بإيران والإسلام، لكن الإمام الخميني يريد إيران من أجل الإسلام، بينما أنا أريد الإسلام من أجل إيران».
٢
كان الإمام الصدر، شأنه شأن سائر المفكرين الجدد قبل الثورة، يؤكد في رؤيته التوحيدية على التوحيد الاجتماعي-السياسي:
«.. كانت الأديان واحدة، تسعى إلى هدف مشترك: محاربة الآلهة الأرضية والطواغيت، ونصرة المستضعفين والمتألمين. وهذان أيضاً تجليات لحقيقة واحدة. ولما انتصرت الأديان، وانتصر معها المستضعفون، غيّر الطواغيت وجوههم، وتسابقوا إلى الغنائم، وسعوا إلى الحكم باسم الأديان، وحملوا سلاح الدين، وهكذا تضاعف ألم المحرومين ومحنتهم، وأصيبت الأديان بالمصيبة والاختلاف. ما من نزاع إلا وهو لأجل منافع المنتفعين.. إن قوالب سلب الحرية وتدمير القدرات قد تغيرت عبر الزمن: تارة في صورة الاستبداد، وتارة في صورة الاستعمار، وتارة في صورة النظام الإقطاعي، وتارة في صورة الإرهاب الفكري وادعاء الوصاية على الناس واعتبار قوتهم الفكرية قاصرة، وتارة في صورة الاستعمار الجديد، وتارة في صورة فرض المواقف على الأفراد أو الأمم عبر الضغوط الاقتصادية والثقافية والفكرية. إن سياسة الإهمال وحرمان بعض الناس من الفرص، وإبقاء الناس في الجهل والأمية، وحرمان الناس من الصحة وفرص الحراك والتنمية، كلها، هي من الأشكال المختلفة لسلب الحرية وسحق قدرة الإنسان..».
كان يرى فساد المجتمع ناشئاً من "ألوهية الذات" في البشر:
«.. الحروب والتمييز العنصري واحتقار الآخرين والنزاع الشديد في نوى المجتمع المختلفة، من الأسرة إلى المجتمع الدولي، كلها نزاعات علة واحدة وماهياتها مختلفة. هذه النزاعات التي اعتُبرت جزءاً أساسياً من الخلقة، هي نتيجة تحول الأنانية إلى عبادة الذات. الأنانية وحب الذات لدى الفرد في الجماعة لهما التأثير السلبي نفسه. الجماعات والمجتمعات تشكلت لخدمة الإنسان. طبع الإنسان مدني واجتماعي. الإنسان كائن ذو بعدين شخصي واجتماعي. عندما تسري عبادة الذات إلى المجتمع، تبرز مشكلة الإنسان في صور مختلفة: من الأنانية الفردية إلى الأنانية الأسرية والأنانية القبلية إلى الأنانية الطائفية والمذهبية، التي تحول القيم السماوية إلى خصائص أرضية وتفرغ الدين والمذهب من محتواه، وتقضي على السمو والتسامح، تلك النزعة الطائفية التي تجعل من القيم العليا وسيلة للمتاجرة، وتصل، أخيراً، إلى القومية الأنانية..».
في المقال الثاني من مجموعة كتابات التوحيد الاجتماعي-السياسي، تم شرح نفي الخضوع السياسي والديني في منظور بازركان. كان يعتقد أنه في البيئة الاستبدادية تحت سيطرة الآلهة الكاذبة، لا يُعبد الله. وهو يرى في المجلد الخامس والعشرين من مجموع آثاره أن شرط دخول الله إلى الحياة الفردية والاجتماع هو التحرر من القيود الذهنية والاجتماعية للآلهة الكاذبة:
«.. في الكلمة الطيبة "لا إله إلا الله"، النفي أولاً، ثم الإثبات. لذلك، ما لم يزل الانقياد والاعتقاد والعبودية والأسر للآلهة الكاذبة وللرغبات غير الصحيحة التي صنعها واختلقها البشر الجاهل، أو ما لم يُنكر ما يفرضه البشر الظالمون المستكبرون والطغاة على المستضعفين، وما لم يخلُ ذهن البشر وعقلهم وعملهم وحياتهم من حب الطواغيت وطاعتهم، فلن يدخل الله ولن يحكم الفرد والمجتمع. كلمة طاغوت التي وردت كثيراً في القرآن والتي كانوا يعتبرونها سابقاً اسماً لصنم مصنوع خاص، لها مفهوم عام يشمل كل موجود أو معبود أو روحيه تلازم التمرد على حاكمية الله في عالم الوجود وعلى آمرية القانون في الطبيعة، بحيث يعتبر الشخص نفسه أو غيره أو شيئاً مالك الرقاب في الأرض، مختاراً في الحركات والأعمال، ومسلطاً وفوق الآخرين، أو يتجاوز الحدود والأصول الجارية في الطبيعة. كان المرحوم طالقاني غالباً ما يعتبر الطاغوت مرادفاً ومقارناً للمستبد والاستبداد والديكتاتورية..».
كان المهندس بازركان يرى أن عدم معرفة المرء لقيمته يؤدي إلى استقالته من ذاته وهويته، واللجوء إلى عبادة الشخص وعبادة الأجنبي، وهو يكتب عن عبادة الشخص:
«.. سرآغاز و سرچشمهی استبداد که سر از شخصپرستی و شرک به خدا در میآورد، نشناختن قدر و ارزش یا حقوق و آزادی خود و همنوعان میباشد، و نتیجهی آن نیاز بردن به پیش بزرگان میشود و به جای بندگی خدا و به کار انداختن خود، به بندگی کردن دیگران دچار میگردد. ملتها با پنداشتن و پذیرفتن اینکه شخصاً فاقد لیاقت و کفایت بوده، صلاحیت و حق و امکان ادارهٔ خود را ندارند و باید کسان ویژهای نگاهدار و عهدهدار و زمامدار آنها باشند و رهبر افکار و اعمالشان بشوند، به دست خود طوق اسارت شاهان و بزرگان را به گردن میبندند و به این ترتیب شخصیت انسانی و سرمایههای خدادادی و سرنوشت متعالی را از دست داده، پیوسته زبون و زیردست میمانند. یگانه کارشان تمیکن و تملق و تعظیم طاغوتها (یا کاریسماها) و نوکری کردن آنها میگردد. در چنین جوامع چون اتکاء به نفس یا خودکفایی و خودگردانی از بین میرود، شکوفائی و زایندگی بروز و رشد نکرده امکان سازندگی و بازسازی در حد نیازهای فردی و خصوصی خفیف خواهد بود .. بالعکس، با خداشناسی و بندگی کردن خدا که همراه با آورنده و آزاد شناختن انسان و خدمت به خلق بوده از شرک یا احتیاج و عبادت طاغوتها خودداری به عمل آید آرمانها و استعدادها شکوفا میگردد و افراد متکی به خود و متشکل شده برای خودکفایی و خودگردانی و سیر تکاملی گردش به خلاقیت و اصلاح پیدا مینمایند..».
او چهره دیگر استعفای از خود را بیگانه پرستی میدانست:
«.. چهرهی دیگر استعفای از خود و استبدادزدگی بیگانهپرستی است که جنبهی مثبت آن مزدوری و دریوزگی بیگانگان بوده، خیانت به مُلک و ملت محسوب میشود و جنبهی منفی آن (که در هر پرستش و بندگی وجود دارد)، بیگانهپرستی بوده که به صورت مقصر شناختن دیگران و دشمن شدن با آنان جلوه مینماید. جوامع استبدادزده و بیشخصیت شده مصداق کاملاً مخالف کلام علی (ع) هستند که فرموده است: «دَائِکَ مِنْکَ وَ دَوَائِکَ فِیک» (درد تو از خودت و درمانت [نیز] در خودت میباشد.) مردم بیشخصیت ولی مغرور و راحتطلب چون نمیخواهند خود را مقصر و مسئول بدبختیها بدانند، با اعتقاد یا احساس ناتوانی و عجز خود در رفع بدیها، ناچار به جستجوی علل و عواملی میروند که تقصیر را به گردن آنها بیندازند و بگویند تا آنها هستند هیچ کاری فایده ندارد. استعفای از شخصیت و مسئولیت وقتی از استبدادزدگی و بیگانهپرستی خارج یا خلاص شد تازه به رهبرپرستی و رهبرزدگی (کاریسماتیک) پناه میبرد و تقلید و تبعیت از آنان را راه نجات و درمان دردها مینماید و چشم به درِ خانه بزرگان دوخته انتظار دارد بزرگی یا زرنگی جلو بیفتد و گلهٔ مردم را به چراگاه یا به کشتارگاه هدایت نماید..».
از نظر بازرگان انسان موحد باید به خودآگاهی برسد، ارزش خود را دانسته و با بندگی خداوند از طاغوتپرستی (شخصپرستی و بیگانهپرستی) اجتناب کند.
۳
از دید صدر و بازرگان کمک به خلق بخشی جداییناپذیر از عبادت به خدا میباشد. در مرامنامه نهضت آزادی از جانب مهندس بازرگان آمده است:
«..مسلمانیم نه به این معنی که یگانه وظیفه خود را روزه و نماز بدانیم. بلکه ورود ما به سیاست و فعالیت اجتماعی منباب وظیفه ملی و فریضه دینی بوده دین را از سیاست جدا نمیدانیم و خدمت به خلق و اداره امور ملت را عبادت میشماریم. آزادی را به عنوان موهبت اولیه الهی و کسب و حفظ آن را از سنن اسلامی و امتیازات تشیع میشناسیم. مسلمانیم باین معنی که به اصول عدالت و مساوات و صمیمیت و سایر وظایف اجتماعی و انسانی قبل از آنکه انقلاب کبیر فرانسه و منشور ملل متحد اعلام نماید معتقد بودهایم..».
امام صدر نیز درباره عبادت اجتماعی میگوید:
«..خدا هر کوششی را برای بهپا داشتن حق و هر فعالیتی را برای یاری ستمدیده، تلاشی در راه خود و چونان نماز در محراب عبادتش دانسته است. او خود عهدهدار یاری و نصرت است...خداوند از کسی که بتواند گرسنگی همسایگان؛ درد ورنج دوستان؛ درماندگی فقیران و نیاز زحمت کشان را نادیده بگیرد و در خانه خود با فرزندانش شاد و خوشحال باشد؛ خشنود نیست..».
او در کتاب حدیث سحرگاهان و در تفسیر سوره ماعون، عبادت خدا و کمک به دیگران را جدایی ناپذیر میداند:
«..في بداية السورة تأكيد على الترابط الوثيق بين الإيمان بالله والاهتمام بشؤون الإنسان، وفي نهايتها أيضًا ترابط بين الصلاة، التي هي عبادة لله، وخدمة الناس. فلا يمكن الفصل بين حب الله والإيمان به، وحب الإنسان واحترامه، لا سيما المعذبين منهم. كما لا يمكن الفصل بين عبادة الله وخدمة الإنسان المحتاج على الأرض. وهكذا تقدم هذه السورة المباركة صورة كاملة للإيمان والسلوك والعمل، نسأل الله أن يوفقنا لاتباعها..».
٤
إن النزعة الإنسانية المتمحورة حول الله والبراكسيس في فكر الإمام موسى الصدر وممارسته، وكذلك أهمية الإنسان في فكره، تشبه ما عند الدكتور شريعتي، فهو يرى رسالة النبي قائمة على الإنسان ويعتبر الفعل الإنساني هو ما يدفع التاريخ إلى الأمام:
«.. ثورة محمد صلى الله عليه وسلم قائمة في الدرجة الأولى على الإنسان.. الإنسان، ذلك المخلوق الذي خُلق على صورة خالقه في الصفات، خليفة الله على الأرض، غاية الوجود، بداية المجتمع وهدفه، ومحرك التاريخ... ليس للإنسان إلا سعيه، والأعمال خالدة، وقيمة الإنسان تكمن في إشعاعاته وأضواءه في مختلف المجالات والآفاق.. إن عمل الإنسان وحده هو الذي يصنع التاريخ، ويغيره، ويحركه، ويدفعه إلى الأمام. العوامل الخارجية لا تؤثر في مسار بناء المجتمعات البشرية، بل الإنسان وحده، بعمله النابع من المعرفة والإدراك، أو الناشئ عن الجهل والغباء، أو الناتج عن الإهمال وعدم الاكتراث، تتاح له الفرصة ليختار طريقًا ويفضل خطوة على أخرى. والحقائق الاجتماعية ستكون كما اختارها هو. التغير والتحول التاريخي، أو ما يسمى بالجبر التاريخي، ليس سوى فعل وانفعال بين الإنسان والعالم..».
ويقول المهندس محمد توسلي أيضًا عن البراكسيس في رؤية المهندس بازركان:
«.."إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم"، كان هذا الكلام الإلهي، منذ شهريور ۱۳۲۰، محور تفكير المهندس بازركان، حيث كان دائمًا يضع الأنشطة الثقافية والاجتماعية في أولوية برامجه، وينظر إليها باعتبارها حجر الأساس والبنية التحتية للبرامج المكونة للإنسان في المجتمع».
لطالما اشتكى المهندس بازركان من نفور الإيرانيين من العمل وكذلك من العمل الجماعي. يكتب عن أهمية العمل والبراكسيس وشكواه من تقاعس الإيرانيين:
«..بمقارنة أنفسنا بالأمم الحاكمة في العالم، فإن أحد أبرز مواطن الاختلاف البارز هو أن لديهم عادةً خصلة أو تربية على الشعور بالواجب وذوق للنشاط والعمل، وهذه الحالة من خصائصهم الممتدة لقرون ومن أسرار تفوقهم وتقدمهم وعمرانهم. وعلى العكس من ذلك، فإننا، حتى المسؤولين والمكلفين، غالبًا ما نكون أهل كلام ونرغب في تسيير الأمور عن طريق الدعاية وتحريض الناس. ضغط الثقافة الوطنية، بدلًا من أن يكون على الفكر والعمل، اتجه نحو الكلام، ولا نشعر بالانزعاج من قضاء ساعات في أحاديث عقيمة وتفننات أدبية أو سياسية، ومن تمضية أيام وشهور بلا عمل وبلا طائل!.. ليس من المستبعد أن تكون هذه السمة التقليدية أيضًا من رواسب ثقافة الاستبداد. إذا كان المستبدون والمستكبرون، وهم طفيليو المجتمعات المتحضرة، لا يمارسون استضعاف واستغلال أبناء جنسهم، فذلك فرارًا من العمل والمشقة. يريدون ألا يعملوا ولكن يأخذوا أجرًا ويصبحوا أصحاب كنوز. ولأنه بناءً على الحديث النبوي الشريف «اَلْنَاسُ عَلَی دِینِ مُلُوکِهِمْ» فإن هؤلاء اللئام الطفيليين هم أنفسهم قدوة الأمم المستضعفة المبتلاة بالاستبداد وملهمو ثقافة المجتمعات الواقعة تحت الأمر. في مثل هذه المجتمعات، لا يفقد العمل واعتبار النفس مكلفة بالخدمة ومسؤولة أمام الله والخلق قيمته واحترامه فحسب، بل يُعتبر علامة ضعف وهوان، ويُعد شأن العبيد والخدم، فيأنفون منه.. من البديهي أن رضا الله والخلاص في الآخرة يتحققان بالإيمان والعمل الصالح والتقوى، وفي مجتمع إيماني حيث لا يطيع الناس غير الله ويكونون ملتزمين ومتدينين، فإن أعمال الأشخاص وجهودهم تجري في اتجاه الصلاح والخدمة والخير، وتسود الطهارة والاستقامة والتقوى. العمل من أجل تأمين الحياة وخدمة الآخرين يُعتبر عبادة وثوابًا، ويصبح الوفاء بالعهد والأمانات واجبًا شرعيًا على الجميع..».
٥
كان المهندس بازركان ينتقد تجاهل الفقهاء وعلماء الدين لـ"عبادة الله من خلال الخلق" ويؤكد على أهميتها:
«.. لإعادة بناء البلاد وإحياء الأمة، ثمة حاجة إلى ذلك الأدب والعلوم والفلسفة والفنون التي لا تكون خطابية ونظرية، بل مقترنة بالعمل والتقوى، والتي تمنح الإيراني شخصية إنسانية وتوحيدية، وتجعلهم مبصرين وعالمين من أهل البحث والتقصي، وذوي تشخيص وقرار بنّاء إيجابي ومؤثر، لا مقلدين ومريدين أو من أهل الكلام والادعاء... في فهمنا للإسلام والقرآن وفي التعليم والتربية الدينية التقليدية، وكما أشار الشهيد آية الله الصدر بصراحة وشجاعة خاصتين، فإن اهتمام الفقهاء ينصب عادة على الأحكام الفردية. فلا الضرورات والجوانب الاجتماعية للشريعة تؤخذ في الاعتبار كثيراً، ولا الأحكام تُدرس من منظور الاحتياجات والعلاقات الفردية. كما أن معلمي الدين ومبلغيه ينظرون إلى الإيمان بالله وأصول الدين وأحكامه غالباً بمنظور خطي هو "الله والخلق"، ساعين إلى صنع أفراد مؤمنين يكونون، في أقصى الحدود، عباداً صالحين لله. ومفسرو القرآن أيضاً تابعوا هدف الآيات الاعتقادية والأخلاقية في اتجاه التوحيد في العبادة والوصول إلى أفراد متقين عاملين بالفرائض الفردية. فلم تكن القضايا الاجتماعية والوطنية مطروحة كثيراً لدى العلماء والفقهاء، ولا بحث المفسرون وأهل الكلام عن نيل رضا الله وطاعته في كيفية علاقات المؤمنين وسلوكهم مع بعضهم البعض ومع أهل الدنيا. في النظرة القرآنية للإنسان، حيث يُطرح البُعد الإيماني ونزعة الإيمان لدى الناس أو صنع المؤمنين، نلاحظ إجمالاً وجهين أو برنامجين مختلفين. ما هو وافر وصريح في السور والآيات العامة هو في الغالب تربية وتقوية أفراد يجب أن تصفو حساباتهم مع خالقهم وتنقى وتصبح بناءة. بعبارة أخرى، تتجه العناية الأساسية نحو عناصر المجتمعات وموادها الأولية، أي الأفراد أو الأشخاص. منذ العامين العاشر والحادي عشر للبعثة، نصادف آيات وتعبيرات، ونرى توصيات وتعليمات تجعل الفرد المؤمن، في مسيره نحو الله الخالق، متوجهاً وملتزماً تجاه الآخرين أو غير ذاته. هؤلاء الآخرون أو غير الذات يبدأون من الولد والوالدين، ويتسعون تدريجياً ليشملوا الأقربين والمحتاجين والقائمين على الأمور، ثم يمتد نطاقهم إلى مجتمع المؤمنين أو الأمة، وأخيراً إلى العالم بأسره. يريد الله بوضوح وصراحة أن تتم عبادته وتنفيذ تعاليمه بشكل اجتماعي، وبصورة جماعية، مع التنظيم والتوحيد. منذ السنوات الأولى للهجرة فصاعداً، المسلم المؤمن المرضي عند الله ليس من يرى نفسه فقط ويريد ربه فحسب. الإيمان وعبادة الله أو الإسلام، كما يقول سعدي، يتلازم مع خدمة الخلق. في السور وفي مجموعات الآيات من أواخر سنوات المدينة، مثل الشورى والحجرات والمجادلة والنساء والمائدة، وردت سلسلة من التأكيدات والتعاليم التي هي غالباً من مقولة العلاقات والحقوق الاجتماعية، وتُعد من الفرائض والضروريات كالصلاة والصوم والحج. الأخوة والمساواة والعفو واحترام كرامة الأشخاص وحقوقهم، وكذلك الإحسان والإنفاق وحسن الخلق والوفاء بالعهد والميثاق، وحتى الحماية والإيثار، لا تأخذ صفة الاستحباب والتوصية، بل تُعرف كمتطلبات للإسلام وعبودية الله. توجيهات وتبصيرات وشروط وفرائض إذا لم توجد في سلوك الناس وعلاقاتهم، فلا الأسرة تجد القوام والدوام والصلاح، ولا التعايش والتعاون المثمر يتحقق في الحياة العملية، ولا يصبح الفلاح والتقدم ممكناً. سوء الظن وسوء النية، بل وحتى الأنانية وحب الذات، لا تتوافق مع عبادة الله. الخلاصة أن المسلم الحقيقي الذي يوصي به القرآن ويقبله هو من يكون شخصياً وفردياً مخلصاً وعابداً نقياً لله، ويكون إيمانه وأخلاقه وعبادته وأعماله في انسجام وتعاون وخدمة لسائر العباد..».
يكتب مهدي معتمدي مهر عن الأسس القرآنية لدى بازركان في اهتمامه بالمجتمع المدني والتعاون الاجتماعي:
«..يستمد بازركان أساسه العقائدي من القرآن. حتى أسس فهم التاريخ والثقافة يبحث عنها بازركان في القرآن. في معرفة طبائع الدكتاتوريين، لا بد أن بازركان قد انتبه إلى الشخصية التي يقدمها القرآن عن فرعون... فرعون في القرآن شخصية متعالية ومتكبرة، وسلطة هذا الفرد لا تستمد معناها واستمراريتها من المشروعية وكسب الرأي العام، بل من إبقاء الناس ضعفاء ومنع طرح مطالبهم وانسجامها. لذلك كان من البديهي أن يرغب في وجود أتباع لا يفكرون أبداً في حريتهم وكرامتهم الإنسانية، وبما أن وحدة الناس كانت تفضي إلى إثارة العقل الجمعي وتوجيه قوتهم وحركتهم نحو حقوقهم وهويتهم الإنسانية، فقد كان فرعون محقاً في تفكيره بأن أكبر تهديد لاستمرار حكمه الاستبدادي سيكون الوحدة العملية والانسجام الفكري لسكان أرض مصر، ومن ثم، وبهدف إبقائهم ضعفاء، كان يمنع وحدة وتنظيم طموحات وحركة الناس. (فرعون علا فی الارض و جعل اهلها شيعا – قصص، آيهی ۴).. في المقابل، يدرك موسى وأخوه، بصفتهما قائدين دينيين واجتماعيين ثوريين في زمانهما، أن سر هزيمة الحاكم المستبد في زمن القمع ليس إلا الوحدة والانسجام بين ذوي الفكر الواحد والألم المشترك. من هنا، أوحي إلى موسى وأخيه أن يبنيا لقومهما، دون سؤال عن إيمانهم وفقط بهدف حمايتهم من ظلم عام، بيوتاً متجاورة ذات نوافذ متقابلة ( و اوحينا الی موسی و اخيه انت تبوء لقومکا بمصر بيوتاً و اجعلوا بيوتکم قبله - يونس، آيهی ۸۷ ). كي يستمد المستضعفون القوة، ويسمع المظلومون وطالبو التحرر من عبودية فرعون وفرعونية أنصاره الثلاثة أصوات بعضهم البعض، ويتحدوا ويشهدوا على أحوال بعضهم، ويطلعوا على آلام بعضهم ويكونوا دواءً لبعضهم... وربما بناءً على هذه الخلفية العقائدية / المعرفية عن الاستبداد وسبيل التحرر، يطرح المهندس بازركان مراراً وفي مناسبات مختلفة موضوع الصبر والترابط والجهد والتعاون الجماعي والتأسي بمعنى الآية ۲۰۰ من سورة آل عمران. ( يا ايها الذين ءامنوا اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلکم تفلحون – أيها المؤمنون اثبتوا فرادى [بناء الذات] وجماعات ورابطوا بينكم واتقوا الله لعلكم تفلحون. ) ..».
كما تحدث المهندس بازركان عن تعاون الله والإنسان. هدي صابر، الذي نوقشت آراؤه حول مشاركة وتعاون الله والبشر في المقال الثامن، كان يعتبر مقال «تعاون الله والإنسان» للمهندس بازركان «عملاً أكثر بحثية، وأكثر بنيوية، ذا قوام راسخ وأثر بالغ... برأي صابر، فإن هذا الأثر المهم (تعاون الله والإنسان) قد أغفله رفاق فكر بازركان ورفاق دربه، ولم يحظ بالتأمل وإعادة النشر كما يستحق. وقد قسم عصارة المكتوب الحي إلى قسمين: «الدعوة (الأولية)، والاستجابة والتعاون التلقائي والمحترم بين الله والإنسان الذي يؤدي إلى النمو» و«التنبيه وتصحيح التلقي». كانت «الدعوة» موضوعاً آخر في هذا الأثر استرعى انتباهه. لقد رأى أن الدعوة تنطوي على آلية تعاون سريع، بلا وسيط، وسهل المعاملة-التعاون. الخطوة الأولى التي عددها صابر كانت استثمار الإنسان (الإيمان، التوسل-التوكل والتقوى)، والخطوة الثانية وُصفت بأنها الاستجابة (الاستجابة-حل المشكلات، الاعتناء-الإجابة)..».
الإمام موسى الصدر أيضاً، مثل المهندس بازركان، كان يؤكد على الأبعاد الاجتماعية للعبادة. يقول عن "عبادة الله عبر الخلق":
«..الإيمان بالله والتدين له بُعدان: بُعدٌ نحو السماء بمعنى الإيمان والتعهد والتسليم لله، وبُعدٌ نحو الأرض يتلخص في الاهتمام بالإنسان وخدمته... الأصل الإسلامي يؤكد أن من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس. في الحقيقة، ينبغي أن يكون هدف سعي الإنسان وحركته هو رضا الله، حتى لو كان الإنسان منهمكاً في خدمة الناس وتلبية حاجاتهم ورغباتهم. فالله يُعبد من خلال خدمة الخلق. وهذا بالطبع لا يعني أن نجعل هدفنا هو الناس ورضاهم، ففي هذه الحالة سينمو في نفس الإنسان شعور إرضاء الناس، ويصبح الناس صنماً لعبادة الإنسان. وهذا يؤدي إلى السعي لاسترضائهم، حتى لو كان ذلك على خلاف مصلحتهم، فضلاً عن أن بلوغ هذا الهدف أمر عسير. ينبغي للإنسان أن يسير مع الإله الواحد، وأن تكون نيته في حركته وسعيه رضا الله. وبهذه الطريقة سينال محبوبية الناس واحترامهم أيضاً، دون أن يكون ذلك هدفه... وجود العدالة في الإسلام يساوي وجود الإيمان، والإيمان بدون كفاح الإنسان في سبيل تحقيق العدالة لا أصالة له..».
ويكتب عن المقاربة التشاركية في التعاليم الدينية للإنفاق أيضاً:
«..الإنفاق هو إحياء للأسر الفقيرة والجماعات الكادحة التي لا تملك الأدوات الكافية لحياة شريفة، ونتيجة للإنفاق، تؤمّن هذه الأسر الحياة والصحة والتغذية والتعليم والتربية لأبنائها. بهذا الإنفاق نكون قد شاركنا نحن في بناء مجتمعنا والارتقاء بمستواه، وأشركنا أفراداً جدداً.. ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (سورة البقرة، الآية ١٩٥). لأن الإنسان المقتدر إذا امتنع عن الإنفاق، فهذا يعني أنه قد غفل عن الجماعات والمواطنين، وتركهم يتخبطون في فقرهم ومرضهم وجهلهم ولا يشاركون في بناء مجتمعهم... هذا الوضع يعرضهم لآفات لا تقتصر على أبناء الفقراء، بل تسري إلى جميع المواطنين، كما يعرضهم لانحراف أخلاقي وسلوكي هو نتيجة الفقر..».
كان الإمام الصدر يعتبر مساعدة المحرومين أعظم مُثُله:
«ليتني كنت أستطيع إنقاذ جميع المحرومين».
«ليس لنا هدف سوى خدمة الإنسان المتألم في جميع أنحاء العالم».
وهو أيضاً، مثل استراتيجية اليراعة لدى صابر والشمعية لدى تشمران، يتحدث عن "الحياة التي يرضاها علي":
«..لا أقول إن كل واحد منا يستطيع أن يغير العالم كله. مثل هذا الادعاء هو خيال ومثالية بعيدة المنال. ينبغي أن نكون واقعيين. بقدر محيطنا الصغير، بقدر روحنا وجسدنا، بقدر من هم حولنا، وبقدر أصدقائنا وأقاربنا نستطيع أن نكون مؤثرين. نستطيع أن نكون مربين. نستطيع أن نكون صانعي حركة. نستطيع أن نتحول إلى كائن حي ذي حياة. هذه هي الحياة التي يريدها الإمام علي بن أبي طالب (ع)... أكتفي بهذا القدر، وفي الختام ندعو الله تعالى ونسأله أن ينبهنا إلى الحقائق التي نعيش فيها، ويمنحنا ذرة من همة للعمل والخروج من دائرة الكلام... كم تحدثنا ولم نعمل، كم تقلدنا من مسؤوليات ولم نؤدها، كم قبلنا من تعهدات ولم نلتزم بها، حتى صرنا نلهث وراء كل صوت، وتميل بنا كل ريح ذات اليمين وذات الشمال. علي بن أبي طالب (ع) لا يريد إنساناً كهذا..».
٦
يكتب المهندس بازركان عن أهمية التعاون والتآزر، والفردية، وسوء الظن، والحرمان من العمل الجماعي:
«..من الآثار المشؤومة للاستبداد وسيطرة الأجانب على الأمم، خلق روح التشاؤم والنزوع إلى العزلة مما يؤدي إلى الفردية والامتناع عن الأعمال الجماعية وأي عمل اجتماعي والتعاون مع الآخرين. ونحن نعلم أنه في عالم اليوم لا تنجح إلا الأنشطة التي تتم بصورة المشاركة والعمل الجماعي القائم على تجميع رؤوس الأموال والأفكار والأيدي... في الداخل.. ما لم نكف عن الاحتكارات الجماعية والفردية والنزعات الفردية ونتجه نحو التجمع والتشكيلات الموضوعية والوطنية، فلن نستطيع القيام بأي عمل... ومن ناحية أخرى، فإن نشوء الاستبداد وترسخه وضرورته وسلطته يلازم عيش الناس المنعزلين وانعدام التواصل والاستعداد لدى الأفراد والمجتمعات للتعايش والتعاون وللأعمال الجماعية. وبالعكس، فإن التحرر من الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية المقترن بضمان ونجاح الحكومات الشعبية الشورية، لا يمكن تحققه ولا تصوره دون توفر الشروط واللوازم المذكورة أعلاه... العمل في المرحلة الأولى يتم بالتوجه والتذكير والتعليم، وهو يتعلق أكثر بالكتّاب والناشرين أو الباحثين والمتنورين الذين هم معلمو المجتمع ومبلغو المواثيق الوطنية، على أن يقترن ذلك بإقبال عام على قراءة وتعلم تلك المطالب والمعاني... وفي المرحلة الثانية وهي أهم من الأولى، العمل والتمرين والانصياع عن عقيدة ورغبة. ينبغي أن يكون قرار وبرنامج كل فرد أن يقوم بالأعمال الفردية والاختصاصية السابقة بالاتفاق وفي المجتمع وبالمشاركة مع الآخرين، وأن يكف عن العيش المنعزل والفردية والتمحل. لا مناص من أن ننصاع، رغم المتاعب وبطء التقدم، للتعاون والانضباطات الجماعية... العمل الجماعي والمشاركات تحتاج، بالإضافة إلى النظام والأصول، إلى الثقة والاطمئنان. والثقة والاطمئنان لن يتحققا بدون الإيمان والأخلاق والتقوى أو قرار العودة إلى الحق. فلنسعَ أن نتحلى بالصدق والمراقبة على الأقل في العلاقات والسلوكيات، وفي الأقوال والمواعيد، وفي العهود والأمانات..».
ويشير الإمام الصدر أيضاً في مقابلته مع جريدة الحياة إلى أهمية العمل والنشاط الاجتماعي:
«..إن الإسلام، بناءً على الآية الكريمة "فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ"، يعلمنا أن نتنافس مع سائر الأقوام والمذاهب في بناء البلاد ورفع مستوى معيشة الناس، وذلك في جميع أبعادها الأخلاقية والاجتماعية، دون الالتفات إلى التعصبات والأساليب التخريبية والآثار السلبية والآلام الكثيرة التي عانيناها حتى الآن، "إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ". وبعون الله سأنتهج هذا الأسلوب وسأدعو أتباع جميع المذاهب إلى توظيف طاقاتهم في البناء والأنشطة الإيجابية..».
ويقول في تفسير سورة الماعون:
«..المؤمن بالله يضطلع بمسؤولياته الاجتماعية وإيمانه يستلزم الاهتمام بالمجتمع. كثيرون هم الذين يحاولون الربط بين هذه المفاهيم وإبعادها عن الإنسان. هؤلاء يقولون إن الدين علاقة قلبية بالله ولا شأن له بحياتنا العادية. ليس الأمر كذلك أبداً، بل إن إيماننا مرتبط ارتباطاً كاملاً بحياتنا العادية. أنشطتنا الاجتماعية تنبع من الإيمان بالله. هذا هو الإيمان الصحيح، الإيمان الحي، الإيمان النابض، وما سواه إيمان ميت، إيمان فاسد، إيمان نائم، وهذه ليست إيماناً أصلاً..».
۷
يكتب معتمدي مهر عن النهج الجمعي الديمقراطي في خلق وأسلوب المهندس بازركان:
«..بازركان لا يسلك الطريق وحيداً في أي من مجالات نشاطه الديني والسياسي... فهو يؤمن، حتى في الأمور التعليمية والتبليغية وحتى النشاط الاقتصادي، بالعمل الجماعي في إطار المؤسسات والمنظمات المدنية ذات الإدارة الجماعية والديمقراطية. إن تأسيس وإطلاق المدرسة الفنية للتدريب المهني، ومؤسسة الحسينية الإرشاد، وياد، وصافياد... هي من بين التجليات العينية للاهتمام بهذه الخاصية. ففي أي من هذه المؤسسات لا تُتخذ القرارات بشكل شخصي، بل تُدار جميعها بهيئة مجلس إدارة، وهذه الحوامل هي التي تتيح للمهندس بازركان مصاحبة أنصار مقتدرين ومفكرين والتعاون مع أكثر المدراء والخبراء تخصصاً والتزاماً في البلاد..».
يقول محمد بستهنكار عن أهمية تشكل المؤسسات المدنية والتعاونات الاجتماعية في خلق وأسلوب المهندس بازركان:
«.. تحدث بازركان في خطاب له عام 45، بعنوان «احتياجات اليوم»، بالتفصيل حول هذا الموضوع. كان يعتقد أنه من أجل تغيير الحكم الاستبدادي في تلك الفترة، يجب أن تتشكل المؤسسات المدنية من القاعدة. حتى أنه كان يقول إن النزهة وتناول الطعام ينبغي أن تكون جماعية. وقد كان هو نفسه من مؤسسي العديد من المؤسسات المدنية، مثل نقابة المهندسين والأطباء والمعلمين ومؤسسات مثل شركة انتشار للنشر الرائدة. ومن جهة أخرى، قام في أحد كتاباته بعنوان «الطريق المسلوك» بشرح آرائه حول المجتمع المدني بكل سهولة وبلغة بسيطة..».
كان بازركان طوال حياته مؤسسًا للعديد من المؤسسات المدنية والهندسية الفنية والتعليمية والسياسية. يكتب محمد قوجاني عن محورية المؤسسات والشخصية المؤسِّسة للمهندس بازركان:
«.. كانت أول وظيفة له في إيران هي التدريس في كلية الهندسة بجامعة طهران.. في عام 1315 أسس مع أصدقائه: «شركة ذات سبعة أشخاص متعددة المواهب باسم إما (اتحاد مهندسي إيران) برأس مال سبعة آلاف تومان.» كانت هذه الشركة، وفقًا لرواية بازركان نفسه، أول شركة استشارات هندسية في إيران... وبعد فترة، عُيِّن بازركان رئيسًا لدائرة التأسيسات والحسابات الفنية في البنك الوطني، ثم أصبح وكيلًا لوزارة الثقافة في حكومة الدكتور محمد مصدق. أهم منصب حكومي له في إيران كان رئاسة مجلس إدارة شركة النفط الإيرانية بعد تأميمها، كما ترأس لبعض الوقت مؤسسة أنابيب مياه طهران.. بعد انقلاب 28 مرداد، عاد بازركان إلى الجامعة لكنه لم يغفل عن النشاط في القطاع الخاص. عندما طُرد من الجامعة احتجاجًا على اتفاقية الكونسورتيوم (التراجع عن نهضة النفط الإيرانية في عهد البهلوي الثاني)، أسس مع 10 من أساتذة الجامعة شركة ياد (أحد عشر أستاذ جامعة)... بعد السجن، أدرك بازركان أن «القطاع الخاص» بدون «المجتمع المدني» لا يمكنه مقاومة مؤسسة الدولة. إن إنشاء كونفدرالية من المؤسسات المدنية هو نتاج هذه الفترة واستمرار لذلك التقليد الأبوي لبازركان الذي كان رئيسًا لغرفة تجارة طهران. كان اسم هذه الكونفدرالية المدنية «جمعية متاع» وهي اختصار لعبارة «مكتب تربيتي، اجتماعي وعملي»... بشكل عام، كانت المؤسسات التالية تشكل هيكلها: 1- الجمعية الإسلامية للمهندسين 2- هنرستان كارآموز (المدرسة الفنية للتدريب المهني) 3- الجمعية الإسلامية للأطباء 4- شركة انتشار المساهمة 5- الجمعية الإسلامية للسيدات 6- الجمعية الإسلامية للمعلمين 7- مؤسسة نارمك الإسلامية ومنها مسجد نارمك الجامع الذي بنته هذه المؤسسة وثانوية كمال نارمك التي درّس فيها أشخاص مثل محمد علي رجائي 8- شركة ومصنع إيرفو المخصص للإنتاج الصناعي.. وفي عام 1347، كان مهدي بازركان قد أنشأ مركز صاف ياد للإنتاج الصناعي والذي تم إحياؤه وتفعيله بعد الثورة الإسلامية. كانت هذه الشركة تنتج أجهزة التدفئة والتهوية، وظل مهدي بازركان مديرًا عامًا لمصنعها حتى انتصار الثورة الإسلامية.. إلى جانب هذا القطاع الخاص والمجتمع المدني المستقل والحقيقي، كان مهدي بازركان في الساحة السياسية أيضًا مؤسسًا لمؤسسات تُصنف، بغض النظر عن محتواها، ضمن الأحزاب السياسية العريقة في إيران. مشاركته في إحياء الجبهة الوطنية، وإنشاء حركة المقاومة الوطنية، وتأسيس حركة حرية إيران والجمعية الإيرانية للدفاع عن حقوق الإنسان، تُظهر أن بازركان سياسي محترف وإصلاحي غير حكومي..».
يقول أبو الفضل بازركان عن سبب تأسيس المؤسسات التي أنشأها المهندس بازركان:
«.. لم تنشأ هذه الشركات لتدر ربحًا ماليًا على الجمعية، ولم يكن لها هدف ربحي؛ فمثلاً، شركة «كارآموز» لديها مدرسة فنية تُدرَّس فيها إلى جانب الدروس الفنية، دروس عقائدية للتلاميذ. والشركات التي تشكلت كان لها في الغالب بُعد ثقافي وهندسي؛ فمثلاً، كان للجمعية دور في تأسيس «شركة انتشار» و«شركة انتشارات قلم» اللتين تقومان بأعمال ثقافية بحتة. هذه الشركات ليست مربحة جدًا، بل إن شركة انتشارات قلم تتكبد خسائر. لكن سبب اجتماع المهندسين معًا هو أن المرحوم بازركان كان يعتقد أن مشكلة الإيرانيين هي «التفرق» وأننا لا نجيد العمل الجماعي؛ لذا يجب أن نستغل أي ذريعة لنجتمع معًا. ولهذا الغرض، أنشأ مؤسسات وهيئات متعددة مثل «متاع»... كان تأسيس الجمعية في ذلك الوقت عملاً شجاعًا. كانت قد مرت أربع سنوات على انقلاب 28 مرداد 32 وكانت حكومة الانقلاب لا تزال مسيطرة. كما أن حركة المقاومة الوطنية لم تكن تقوم بنشاط فعال بسبب ضغط الحكومة. ولم يكن نظام الشاه راغبًا في ظهور دين سياسي ومحرك؛ لذلك، كان التأسيس يُعتبر نوعًا من المواجهة..».
۸
كان الإمام الصدر، منذ وجوده في إيران، شخصية مؤسِّسة وذات نزعة مؤسساتية، وقد بلغ هذا الفكر ذروته وأثمر خلال وجوده في لبنان، حيث كانت حركة أمل ومؤسسات الإمام موسى الصدر، إلى جانب المجتمع الشيعي في جنوب لبنان الذي صار عزيزاً ومتمكِّناً، من جملة إنجازاته إلى جانب الدكتور تشمران:
«.. أصدر الإمام الصدر في عام ۱۳۳۷ مع بعض الطلاب أول مجلة حوزوية باسم "دروس من مدرسة الإسلام"، وكتب فيها منذ عددها الأول سلسلة مقالات بعنوان "الاقتصاد في مدرسة الإسلام" – وهو موضوع كان جديداً بالكامل. وفي عام ۱۳۳۸، أسس مدرسة الصدر الوطنية الابتدائية والثانوية في مدينة قم بهدف تربية وتنشئة كادر شبابي ملتزم ومتخصص للمستقبل، وقد اعتُبرت من أفضل مدارس قم من الناحية العلمية والتربوية. وإلى جانب هذه الأنشطة، وضع بالتعاون والتشاور مع جمع من فضلاء الحوزة العلمية في قم الشباب، ومنهم آية الله بهشتي، مخططاً أولياً لإصلاح شؤون الحوزة باء بالفشل بسبب غياب الظروف المناسبة في الحوزة... وبعد حضوره إلى لبنان في شتاء ۱۳۳۹، وبعد إعادة تنظيم جمعية "البر والإحسان" الخيرية، قضى على ظاهرة التسول بشكل كامل من مدينة صور وضواحيها من خلال وضع برنامج عاجل لتأمين الاحتياجات المالية للعائلات المعوزة... وفي الفترة ما بين عامي ۱۳۴۰ و ۱۳۴۸، وفي إطار برنامج متوسط المدى، وبقطع مسافة مئة ألف كيلومتر سنوياً بين مدن وقرى لبنان كافة، أنشأ عشرات الجمعيات الخيرية والمؤسسات الثقافية ومراكز التدريب المهني، وكانت حصيلة ذلك حصول آلاف الأسر المعوزة على فرص عمل واكتفاء ذاتي اقتصادي، وانخفاض نسبة الأمية، ونمو الثقافة العامة، وتنفيذ مئات المشاريع العمرانية الصغيرة والكبيرة في المناطق المحرومة من ذلك البلد. ومن المؤسسات الأخرى "بيت الفتاة" حيث كانت تُعلَّم الفتيات اليتيمات والمعوزات الخياطة والفنون اليدوية. وكانت النساء والفتيات، إضافة إلى نشاطهن في قسم السيدات في جمعية البر والإحسان، يعملن ويكددن في مؤسسة بيت الفتاة. كما أنشأ مركزاً آخر للنساء هو معهد التمريض. وكانت تُقبل في هذا المعهد الفتيات الحاصلات على شهادة الدبلوم، ويتلقين تدريب التمريض تحت إشراف أساتذة ذوي خبرة، وبعد تخرجهن يُرسلن إلى المراكز الصحية والعلاجية والمستشفيات، وفي الوقت الذي كنّ فيه مصدر أمل وحياة لأنفسهن ولأسرهن، كنّ يخدمن المحرومين والبائسين في تلك المراكز. وقد اشتهر هذا المركز باسم "مدينة الطب" وكان يقدم الخدمات العلاجية والصحية للعديد من القرى المحرومة في جنوب لبنان. وكان معهد نسج السجاد يُعتبر من المراكز المصيرية للنساء وسائر المحرومين، ولهذه الأهمية كان يُدار تحت إشراف الشهيد الكبير الدكتور مصطفى تشمران، وكانت أكثر من ۳۰۰ فتاة من منطقة جبل عامل يتعلمن نسج السجاد في هذا المركز التدريبي. ومن المبادرات المهمة والخالدة الأخرى للسيد موسى الصدر إنشاء مركز نشط آخر باسم "معهد الدراسات الإسلامية". كان "معهد الدراسات الإسلامية" مؤسسة ثقافية تُعنى بتربية طلاب العلوم الدينية من لبنان والدول الإفريقية وإندونيسيا والصين وتايلاند واليابان، وقد تخرج من هذا المعهد طلاب فضلاء. وفي أواخر العقد الرابع من القرن الرابع عشر الهجري الشمسي، أسس "مدرسة جبل عامل الصناعية" لتعليم وتدريب الفتيان والشباب الشيعة اللبنانيين الأيتام والمحرومين. وكانت هذه المدرسة الداخلية تعمل في سبعة تخصصات فنية مهمة كالنجارة والحدادة واللحام والكهرباء والإلكترونيات والآلات الزراعية وغيرها، وكان الطلاب يتخرجون بعد أربع سنوات ويلجون المجتمع وسوق العمل. وقد تولى رئاسة هذه المدرسة لمدة ثماني سنوات الشهيد الدكتور مصطفى تشمران الذي كان هو نفسه خريجاً فنياً من الجامعات الأمريكية... وبالطبع لا يمكن حصر المؤسسات والمراكز المختلفة التي بنيت بهمة وقيادة السيد موسى الصدر في هذه الأمثلة القليلة، إذ أثمرت جهوده وتفانيه أيضاً مؤسستان مهمتان أخريان هما دار الأيتام ومنظمة النساء... وكان من برامج الصدر التحرك نحو إعادة بناء هوية طائفة الشيعة اللبنانيين وتماسكها. ولهذا الغرض أقدم على تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ومنظمة حركة المستضعفين، ومنظمة أمل العسكرية، مما كان سبباً في عزة جنوب لبنان، وتشكل المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل، وتمكّن شيعة لبنان..».
۹
من آفات المؤسسات غير السياسية والأهلية قد يكون دخولها في السياسة، يقول أبو الفضل بازركان عن نهج المهندس بازركان في الجمعية الإسلامية للمهندسين:
«.. هذا الفصل عن السياسة كان المهندس بازركان نفسه يحافظ عليه بشدة وكان يقول دائماً إن له قبعتين؛ في الجمعية، يضع على رأسه قبعة الجمعية الإسلامية للمهندسين فقط، وخارجها هو ناشط سياسي ويمارس عملاً سياسياً. وأفراد الجمعية كلٌّ منهم إذا أراد أن يمارس عملاً سياسياً خارج الجمعية، فلا مانع من ذلك. أما داخل الجمعية، فلم يكن هناك أي عمل يمكن وصفه بالسياسي، وقد تم الحفاظ على هذا النهج دوماً».
لذلك، وبناءً على رأي المهندس بازركان، ينبغي ممارسة العمل السياسي في التنظيم السياسي، والعمل الاجتماعي في التنظيم الاجتماعي. إن اللاهوت الإنساني رهين بنظرة إنسانية إلى الدين. في هذه المقالة تم تناول أهمية التعاون والتآزر الاجتماعي، والمركزية المؤسسية، والأوجه الاجتماعية للدين في "عبادة الله من خلال الخلق" من منظور الإمام موسى الصدر والمهندس بازركان. وفي المقالة التالية سنتناول مقولة الوعي التحرري في تعاليم إقبال وشريعتي.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.