اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الصلاح والفساد الاجتماعي لا يتوقفان على إرادة الأفراد وحدها، بل للمؤسسات والبنى دور فيهما. يكشف تقابل آراء ملكيان وحجاريان ما إذا كان طريق الإصلاح هو الثقافة الفردية أم السياسة الاجتماعية أم كلاهما معًا؟

روانشناسی گر چه پشتوانۀ جامعهشناسی است، اما همان جامعهشناسی نیست و مسائل جامعهشناسانه قابل تقلیل به مسائل روانشناسانه نیستند. نگاه روانشناسانه، صلاح و فساد اجتماعی را از منظر اتکاء آن بر اراده و عمل تک تک افراد بررسی میکند و راهکارهایش فردی است. اما جامعهشناسی در مرتبهای دیگر به تأثیر پذیری صلاح و فساد اجتماعی از چگونگی نهادها و ساختارها میپردازد و ﻃﺒﯿﻌﺘﺎً راﻫﮑﺎرﻫﺎﯾﺶ اﺟﺘﻤﺎﻋﯽ ﺧﻮاﻫﺪ ﺑﻮد. این مقاله سعی بر آن دارد تا با عنایت به نظرات و نقدهای برخی تحلیلگران و صاحبنظران، روشن نماید که برای دفع فساد و رسیدن به صلاح باید از مسیر رشد فرهنگ در تکتک افراد عبور کرد یا از مسیر سیاست اجتماعی و یا هر دو ؟
.
.
چکیده:
روانشناسی گر چه پشتوانۀ جامعهشناسی است، اما همان جامعهشناسی نیست و مسائل جامعهشناسانه قابل تقلیل به مسائل روانشناسانه نیستند. نگاه روانشناسانه، صلاح و فساد اجتماعی را از منظر اتکاء آن بر اراده و عمل تک تک افراد بررسی میکند و راهکارهایش فردی است. اما جامعهشناسی در مرتبهای دیگر به تأثیر پذیری صلاح و فساد اجتماعی از چگونگی نهادها و ساختارها میپردازد و ﻃﺒﯿﻌﺘﺎً راﻫﮑﺎرﻫﺎﯾﺶ اﺟﺘﻤﺎﻋﯽ ﺧﻮاﻫﺪ ﺑﻮد. این مقاله سعی بر آن دارد تا با عنایت به نظرات و نقدهای برخی تحلیلگران و صاحبنظران، روشن نماید که برای دفع فساد و رسیدن به صلاح باید از مسیر رشد فرهنگ در تکتک افراد عبور کرد یا از مسیر سیاست اجتماعی و یا هر دو ؟
مقدمه:
آقای ملکیان معتقدند اولویت با فرهنگ است و اصلاح طلبی را نه از سیاست که از فرهنگ باید آغاز کرد.[2] این رویکرد ملکیان البته امروزین نیست ولی سخنان اخیرشان، با نقدهایی روبرو شده است؛ از جمله اینکه اتخاذ این رویکرد، به سیاست زدایی از جامعه میانجامد و روشنفکران نباید سیاست را به فراموشی سپرده، آنرا رها کنند. منتقدان میگویند فرهنگگرایی گرچه امری پسندیده و لازم است ولی نباید ما را به گرایشهای فردگرایانه تا آن حد بکشاند که به فراموشی نقش عرصۀ عمومی یا بی توجهی به جامعهشناسی و نشاندنِ روان شناسی فردی به جای آن بیانجامد. واقعیّت این است که علاقمندی ما به هر یک از این دو گرایش میتواند به سرعت به انحصاری کردن توجه در همان حیطه بیانجامد. پس از عنایت به این سؤال اساسی که "صلاح و فساد، امری فردی است یا اجتماعی و ساختاری؟"، این سؤال مطرح خواهد شد که "آیا با توجه توأمان به هر دو نگاه میتوان از منظر پارادایمی برتر به مسئله نگاه کرد که در آن هم فرهنگ و هم سیاست قدر خود را بازیابند و به قدر اهمیّتشان مورد توجه قرار گیرند؟"
باید دید که آیا صلاح و فسادی که در جوامع رخ میدهد، تنها به افراد بر میگردد، یا نهادها و ساختارهای اجتماعی نیز در ایجاد و پرورش آن در فرد و اجتماع نقش دارند؟ این پرسش ما را به پرسشی دیگر نیز رهنمون میشود و آن اینکه اصولاً آیا صلاح و فساد را میتوانیم به نهاد که امری اعتباری است نسبت دهیم؟
آقای حجاریان در ضمن گفتوگویی با آقای ملکیان، مثالی میزنند که ما را به پاسخ این سؤال نزدیک میکند. ایشان میگویند:
ذهب أوباما مؤخراً إلى اليابان ولم يعتذر هناك عن القصف الكيميائي. لو كان قد اعتذر لكان قد قام بعمل أخلاقي. هل أوباما كفرد هو من يعتذر لليابان أم أن أوباما يمثل مؤسسة الدولة الأمريكية؟ هل كان بإمكانه أخلاقياً، بصفته ممثلاً للدولة الأمريكية، أن يعتذر لليابان أم لا؟ إذن يمكن نسب الأمر الأخلاقي إلى المؤسسة أيضاً. عندما تنسب الأمر الأخلاقي إلى المؤسسة وتقول إن مؤسسة الدولة قد اعتذرت، فإنك تتحدث عن شيء ليس فرداً. وجود المجتمع، بالمعنى الدقيق للكلمة، وجود جعلي. لكن لا يمكنك التضحية بالوجود الاعتباري. يمكن الاستفادة من الوجود الاعتباري في سبيل إصلاح الوجود الحقيقي. [3]
يبدو أن مثاله يوضح المسألة إلى حد كبير. فالصلاح والفساد، وإن كنا ننسبهما عادة إلى المؤسسة التي هي أمر اعتباري وجعلي، فإننا في الواقع ننسبهما إلى بنية ونظام ومنظومة حقيقية تم جعل تعبير المؤسسة انطلاقاً منها. وبالتالي يمكن، بالتسامح، من خلال هذا الوجود الاعتباري، وفي الواقع من خلال البنية والمنظومة الحقيقية المذكورة، الاستفادة في سبيل صلاح أو فساد الوجودات الحقيقية الإنسانية. وبالطبع، فإن مسألة إعطاء الأولوية لأحد هذين الأمرين، أي الإصلاحات الثقافية الفردية أو الإصلاحات البنيوية والمنظومية، هي مسألة أخرى سنتطرق إليها بعد مقدمات.
يؤكد السيد ملكيان في هذا الحوار نفسه على دور كل فرد على حدة، وينسب الفساد والاستبداد الناجمين عن قوة سياسي ما إلى ضعف المواطنين:
«قوة رجل سياسي ورجل دولة تنبع من ضعف المواطنين.»... «عندما أكون في داخلي طالباً للثروة والسلطة والجاه والمقام والمكانة الاجتماعية والشهرة، أراه يقول كلاماً وأرى أنني إن عارضته فسأفقد السلطة والثروة و... لذا أقول: الحق معك. وهكذا فإن استبداد سياسي ما ينبع من داخلي وداخلك كأفراد.»
وهو يؤكد من منظور آخر، في حوار آخر أجراه مع السيد حجاريان، على هذه النقطة الصحيحة أيضاً، وهي أن مثقفينا، بدلاً من أن يكذبوا على الناس ويصفوهم دوماً بالأمة الشريفة والنبيلة، عليهم أن يروهم عيوبهم وينقدوهم:
«هل جعل المثقفون السياسيون الناس أكثر وفاءً للقيم الأخلاقية؟ هل حسّنوا العلاقات الأسرية للناس؟ هل جعلوا الناس أكثر إنصافاً في التجارة والسوق؟ ما هو سجل مئة عام من عملنا الثقافي منذ فجر الدستورية؟ قدوتنا من المثقفين هم الدكتور محمد علي إسلامي ندوشن والدكتور مصطفى رحيمي. كان هؤلاء يتحرقون شوقاً لتخفيف آلام الناس ومعاناتهم. كتاب "لننسَ إيران" كان أول كتاب قرأته للدكتور إسلامي ندوشن. إنه كتاب مفعم حقاً بالشفقة على الناس. خطابه موجه غالباً إلى الناس. يتحدث إلى الناس وينقدهم. أنا أقول يجب أن نتحدث إلى الناس بدلاً من أن ننفخهم. منذ فجر الدستورية وإلى الآن، تصدرت كل بيانات مثقفينا عبارة: الأمة الإيرانية الشريفة، الأمة الإيرانية الباسلة. لو أن أحداً لم يرَ أمتنا واطلع على بيانات مثقفينا في المئة عام الأخيرة، لقال إنهم أمة شريفة ونبيلة وعزيزة وشجاعة ومضحية و... بيانات مثقفينا تظهر هذا، لكننا نعلم أن الأمر ليس كذلك. لماذا نكذب على الناس؟ لنقل للناس: أنتم أنفسكم لديكم عيوب.» [2]
هذه الأقوال صحيحة، لكن ينبغي أن ننتبه أيضاً إلى عكس المسألة، أي تأثر الناس أخلاقياً بالصلاح والفساد البنيويين.
ينبغي أن نسأل: ألا يمكن أن يكون ضعف المواطنين أو انعدام أخلاقهم ناشئاً عن قوة الرجال السياسيين أو ديكتاتوريتهم، وعن فساد المؤسسات والبنى التي امتزجت مباشرة بعيوب أولئك المتسلطين؟ نعم، من المقبول أنه كلما ازداد المواطنون ضعفاً ازداد الرجال السياسيون قوة، ولكن كلما اكتسب الرجال السياسيون المزيد من القوة، فقد المواطنون أكثر فأكثر قدرتهم على مراقبتهم وكبح جماحهم، فصاروا أضعف. ويقول السيد ملكيان بالطبع إن فساد المتسلطين هذا ناشئ أيضاً عن فساد الناس. ألا يُظهر هذا الردّ للمسألة إلى الأفراد، بمفرده، ما العمل الناجح الذي يمكن القيام به عملياً لإصلاح بنية ممتزجة بالاستبداد أو أي فساد آخر؟
لمكافحة الفساد أو الاستبداد، ينبغي إما أن (1) أخفّض في داخلي مستوى الثروة والسلطة والجاه والمقام والحيثية الاجتماعية والشهرة، أو (2) أن أضعها جانباً مؤقتاً، أو (3) أن أتركها كلياً.
أما الثالث، سواء نُظر إليه بإيجاب أو سلب، فيحتاج إلى تحول كبير في الشخصية هو من عمل النوادر. وأما الأول والثاني فيمكن بلوغهما بشرط وعلى مستوى يتناسب مع طاقة البشر المتوسطة. لكن مستوى الاستبداد الناشئ عن رجل سياسي أو نظام ما قد يبلغ حداً يجعل سلوك الطريقين الأول والثاني أيضاً لا يُطاق بالنسبة لعموم الناس. ونتيجة لذلك، قد يميل المواطنون إلى موافقة المتسلطين أكثر مما يميلون إلى انتقادهم ومعارضتهم، وهذا الأمر سيروّج لسوق الضعف الأخلاقي (غير المقصود بداءةً). أي إن الجبر النسبي للنظام يدفعهم إلى ذلك. ومع أنه يقال إن البشر مخيّرون بين أن يكونوا أخلاقيين أو لا يكونوا، فإن امتلاك الاختيار أو عدم امتلاكه في مجال الارتقاء الأخلاقي على المستوى الفردي أو العام ليس مستقلاً عن حال الحكام أو الظروف الاجتماعية وكيفية البنى. فأحياناً يتحمل الأفراد، من ناحية الظروف الاجتماعية، مستوى من الضغط من أجل الحصول على حد أدنى من الثروة أو المكانة الاجتماعية بغية الوصول إلى ظروف متوازنة، بحيث يُدفعون رغماً عنهم إلى ترك الأخلاق.
وهذا الأمر لا يقتصر بالطبع على استبداد السياسيين والحكام وانعدام أخلاقهم الشخصية، بل إن المشكلات والأزمات والتوترات والضغوط الاجتماعية التي غالباً ما تنشأ عن سوء إدارة القائمين على الأمور أو نواياهم، تؤدي تدريجياً أيضاً إلى انعدام أخلاق الناس (غير المقصود بداءةً). هذه هي النقطة الفاخرة التي قد تغفل عنها الأذهان المعتادة على «الدليل»؛ فلا تنظر إلا إلى الجانب الفردي من القضية وتقول إن أياً من هذه الموانع لا يشكل «دليلاً» على أن يصبح الأفراد غير أخلاقيين. أما اعتقاد البعض بأننا إذا استثمرنا في ثقافة الأفراد واحداً واحداً، فإن المسائل الاجتماعية الكبرى ستحل تلقائياً وبسبب أصالة الفرد (حسب زعمهم)، بل وربما يغيّر ذلك نوع ممارسة السياسيين أو الحكام للسياسة وأخلاقهم، فهذا الاعتقاد، بصرف النظر عما يُرى فيه من نوع من الذاتية وعدم الاكتراث بالوقائع، ناشئ عن عدم الالتفات إلى «العلل» وحصر الالتفات في «الدليل».
أما أولئك الذين يلتفتون، بالإضافة إلى «الدليل»، إلى «العلل» أيضاً، فيعتنون من جهة بإزالة الموانع من طريق التربية الأخلاقية والثقافية الفردية، ومن جهة أخرى بتهيئة البنية المؤسسية والهيكلية. يقول السيد أبو القاسم فنائي في هذا الصدد:
«كلما ازدادت المشكلات والمحرومات والتوترات والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية واشتدت، تضاءلت أكثر فأكثر الأرضية المساعدة والطبيعية اللازمة للعيش الأخلاقي. فللبشر عتبة تحمل، وإذا تجاوزت الضغوط والتوترات التي تدعوهم إلى دوس القيم الأخلاقية تحت الأقدام وتجاهلها تلك العتبة، فبطبيعة الحال سيتمكن عدد أقل من الأفراد من مقاومة تلك الضغوط. وأحياناً تبلغ هذه الضغوط حداً يفقد معه الأفراد أساساً حتى الاهتمام بالعيش الأخلاقي، ويشغل انشغالهم بتأمين المعيشة والأمن وسائر الحاجات الأولية ذهنهم وضميرهم إلى درجة يفقدون معها أساساً مجال التفكير والمراقبة الأخلاقية ومراعاة الاعتبارات الأخلاقية.» [7]
ومع أن السيد ملكيان كان دائماً ما يلتفت إلى دور وتأثير أخلاق الحكام في أخلاق الناس، إلا أنه يقول هنا إن الأنظمة السياسية يمكنها في نهاية المطاف أن تكون عاملاً مساعداً، والمهم هو إصلاح باطن البشر:
»ما لم تتغير معتقدات البشر، وما لم تتغير مشاعرهم وعواطفهم وانفعالاتهم، وما لم تتغير رغباتهم وتسير في الاتجاه الصحيح، فلن يصلح أي أمر. في اعتقادي، ما لم يحدث هذا في الداخل، فلن يصلح أي أمر في الخارج. إذا غفلتم عن هذا العمل، فلن يتغير شيء حتى لو ذهبت التيارات السياسية وجاءت مئة مرة. أنا لا أنكر تأثير السياسة، وسلوكي العملي يظهر ذلك، لكن علينا أن نعلم أن الأنظمة السياسية لا يمكنها في نهاية المطاف سوى أن تكون عاملاً محفزاً، والأهم هو إصلاح باطن البشر.» [3]
أولاً، لقد ذكر فقط كون الأنظمة السياسية عاملاً محفزاً، ولم يُشر إلى إمكانية كونها عاملاً مدمراً أو مانعاً. إنه ومع كل الأهمية التي يوليها للعمل الثقافي والإصلاح الفردي (وهو محق تماماً في ذلك، والكاتب يعتقد بشدة أيضاً أنه لا ينبغي إغفاله)، لكن يبدو أن هذه النظرة قد أدت إلى غفلة عن الجانب الآخر من القضية. إن إصلاح الباطن والاهتمام بالثقافة أمر مهم، ولكن في ظروف لا يسمح فيها البناء والنظام بمثل هذه الإصلاحات من حيث تحول وارتقاء معتقدات البشر ومشاعرهم وعواطفهم وانفعالاتهم ورغباتهم على مستوى مقبول، فكيف سيتحقق هذا الأمر المهم؟
ثانياً، ينبغي أن نسأل: هل الدور والتأثير التحفيزي على مستوى بنى ومؤسسات الأنظمة السياسية، الذي يدفع بتحسين الوضع المعيشي والأخلاق والمعتقدات والعواطف ونمط رغبات الناس سنوات إلى الأمام، هو أمر تافه حتى يُهمل؟
ثالثاً، تُظهر التجربة التاريخية للبشر أنه من المستبعد جداً أن تؤدي تغيرات البشر الذين يعيشون ضمن مؤسسة أو بناء معين إلى إحداث ذلك البناء تغيرات ملحوظة بالتزامن معهم. إضافة إلى هذا التزامن، فإن البناء الفاسد يمكنه أحياناً في لحظة واحدة أن يُبطل كل أو معظم جهود البشر الذين يسعون لإصلاح أنفسهم ضمن ذلك البناء. أحياناً لا يؤثر البناء على الجيل الحالي فحسب، بل على الأجيال اللاحقة أيضاً. إذن كيف يمكن أن نأمل في إصلاح الوضع الأخلاقي والروحي وحتى الاقتصادي والمادي للناس؟ من هنا، فإن التوصية بأن «أصلح نفسك» لا تُحدث تغيرات إيجابية متزامنة في البناء حتى يمكن الاعتماد عليها وحدها، وبما أن الأمر كذلك، وبما أن الأنظمة السياسية عادة ما تسعى لتحقيق أهدافها من خلال البنى والمؤسسات، فيجب على الأفراد البارزين (الذين يمتلكون القدرة على التحرك بعكس اتجاه البناء الخاطئ واستطاعوا إصلاح معتقداتهم ومشاعرهم ورغباتهم في هذه الظروف ذاتها) أن يسعوا أيضاً لإصلاح المؤسسات والأنظمة الاجتماعية. لذا، ليس فقط لا إشكال في أن يوجهوا، بحسب الظروف، جزءاً من جهدهم نحو النمو الفكري والثقافي للآخرين وجزءاً نحو تغيير وإصلاح المؤسسات والأنظمة، بل إن هذا ضرورة قد غفل عنها السيد ملكيان.
لذا، فإن توعية الأفراد وتربيتهم في منظمة أو مؤسسة بهدف استخدامهم لإرادتهم الإنسانية للارتقاء بشخصيتهم، سيكون أسهل وأكثر عملية بكثير في ظل عامل تحفيزي قيّم مثل تغيير وإصلاح البنى والمؤسسات القائمة، من أن يُترك هذا العامل التحفيزي القيّم جانباً. وفي النهاية، لتغيير وإصلاح الأنظمة، لا بد من امتلاك نظرية، ولا ينبغي تعليق الآمال على تغيير المؤسسات والأنظمة دون امتلاك نظرية صحيحة ناظرة إلى الثقافة، تكون واعية جيداً بالعلاقة بين الثقافة والسياسة، لأنها، ككل الثورات والثوريين الذين يفتقرون إلى نظرية، لن تكون لها نهاية حسنة.
بناءً على ما قيل، ليس هناك أي دليل على الاكتفاء بالجهود الثقافية الفردية (على الرغم من كل أهميتها). ما لم يقدم السيد ملكيان أدلة تثبت بوضوح أن هذا العامل التحفيزي نفسه ينشأ كلياً وحصراً من خلال الارتقاء الفكري والثقافي لآحاد الأفراد (وليس فقط جزء من الأفراد الذين يمكنهم حالياً القيام بهذا الدور)، وهو أمر يبدو من المستبعد أن يقبل به.
كان الكلام أعلاه بالطبع بافتراض وجود المؤسسات والبنى الاجتماعية. أما إذا لم تكن هناك مثل هذه المؤسسات، فالمسألة أوضح. هل يمكن في العصر الحاضر، بدون وجود تلك المؤسسات، الحديث عن الثقافة وضرورتها؟ يقول السيد حجاريان في هذا المجال:
«في بلدان لا توجد فيها مؤسسات، ما معنى الحديث عن الثقافة؟ على سبيل المثال، ما معنى الحديث عن الثقافة في رواندا؟ أو مثلاً في البلدان المتخلفة كأفغانستان أو سوريا حيث انهارت المؤسسات، فلا توجد مؤسسة السوق، ولا مؤسسة الدولة ولا حتى مؤسسة الدين، ما هو مصداق إعطاء الأولوية للثقافة؟ لا بد من وجود حد أدنى من المؤسسات حتى يمكن الحديث عن الثقافة وضرورتها. في بعض البلدان تعمل المؤسسات بدقة وتكون الدولة محايدة. في هذه البلدان، تحظى القضايا الثقافية بالأولوية. أما في البلدان المتخلفة التي لا تتمتع بوضع مؤسسي جيد، فيجب أولاً بناء حد أدنى من المؤسسات حتى يمكن الحديث عن الثقافة.» [3]
وعلى هذا الأساس، ينبغي على المثقفين أن يوجهوا اهتمامهم إلى هذا الجزء من مهمتهم، أي إصلاح المؤسسات والبنى، مع قصد أولوية الثقافة. ومن هذا المنظور، يظل الاهتمام بالسياسة وعلم الاجتماع ذا أهمية خاصة لدى البعض، ولم يوقعهم في «خطأ الاختزال»، إلا إذا أوقعهم في «خطأ الاحتكار»!.
في هذا الصدد، تناول السيد محدثي عدة نماذج من أخطاء السيد ملكيان قائلاً:
«أحد أنواع أخطاء ملكيان المؤذية للعقل هو أنه يختزل الأمر الاجتماعي إلى الأمر الفردي (سواء النفسي أو الأخلاقي) ويختزل الفساد، بناءً على إرادوية ساذجة، إلى أداء الأفراد ورغباتهم.» ... «لا ينتبه السيد ملكيان إلى أن قسماً معتداً به من الفساد ناشئ عن أنظمة هيأها البشر؛ أنظمة صُممت بهدف تحقيق غايات معينة لكنها تؤدي عملياً إلى تباطؤ سير الأمور الجاري. لذا فإن هذه الأنظمة تخلق أرضية لتحقق الفساد لا تنبع في المقام الأول من رغبة أو إرادة أحد، بل إن الأفراد، للتخلص من نظام متشابك ومعقد يسبب التأخير في إنجاز الأمور، قد يلجؤون إلى الفساد دون قصد وبأسى كي لا يفوتوا فرصهم المحدودة في العالم الاجتماعي.» [9]
إن التفسير الذي قدمه السيد محدثي للفساد قد تعرض للنقد من قبل السيد تشروده الذي اعتبر دعواه متناقضة:
«يدعي (محدثي) أن الفساد نتيجة غير مقصودة لنظام هيأه البشر. في نقد هذه الدعوى، يلزم أن أقول أولاً إن هذه الدعوى متناقضة لأنها من جهة تعتبر البشر فاعلين صانعين للنظام، ومن جهة أخرى تعتبرهم مفعولين بهم بلا إرادة ودمى في يد النظام. ثانياً، إن البشر، بنفس ذلك العقل والإرادة اللذين يمكنهم بناءً عليهما، كما يقول السيد محدثي، هيأة النظام، يمكنهم بنفس ذلك العقل والإرادة تحديد الآثار غير المقصودة للنظام (وهو ما قام به هو نفسه بصفته باحثاً في الفساد) والقيام بإعادة تصميم النظام (وهو ما لا يقدم عليه لأنه لا يعتبر ذلك من مهمة عالم الاجتماع)، ومن حيث المبدأ، فإن هذه الآلية هي التي جعلت إفلاس البنوك أو وقوع الحروب، التي كانت في وقت ما من الآثار غير المقصودة للأفعال الإرادية للبشر أعضاء الأنظمة، تحدث اليوم بشكل أقل من الماضي بفضل التأملات العلمية السوسيولوجية والاقتصادية والسيكولوجية.» [4]
رداً على هذا النقد، ينبغي القول إنه حتى لو بقيت جميع أجزاء وإمكانيات النظام التي كانت معلولة لإرادة الفاعلين في ذلك النظام ثابتة (أو حدثت فيها تغييرات طفيفة في إطار قدرات الفاعلين في النظام)، ففي هذه الحالة أيضاً لا يمكن القول إن أولئك الفاعلين صانعي النظام لا يزال بوسعهم تقويض ذلك النظام أو تغييره، لأنهم ربما يكونون قد صوتوا لصالح نظام أو صمموه بأيديهم يحد من صلاحياتهم في التغيير. وفي هذه الحالة، فإنهم لا يمتلكون تلك الصلاحية الأولية بسبب ذلك النظام الذي صوتوا لصالحه أو صمموه. لذا فإن هذه الدعوى ليست متناقضة حتى في هذه الحالة. ناهيك عن أن الواقع يتجاوز ذلك.
واقعیّت این است که وقتی ارادۀ کسانی به این تعلق میگیرد که سیستمی را بسازند و سیستمی ساخته میشود، از این پس این سیستم چنان تغییرات گسترده و تودر تویی مییابد که لزوماً خواستۀ سازندگانِ آن نبوده است. یک سیستم حیات جمعی انسانی، گاه عملاً به سوی هدفهایی حرکت میکند که لزوماً همۀ آنها به اهداف و غایات افراد برنمیگردد.
در این شرایط آن سازندگان و طراحان، برای تغییر، تنها به تغییر سیستمی با روابط و امکانات اولیه محتاج نیستند که بگوییم حتماً چون خودشان آنرا تولید کردهاند، خود نیز میتوانند آنرا تغییر دهند. بلکه نیازمند تغییر سیستمی با امکانات و قابلیتهای جدید (و گاه ناخواسته و یا حتی غیر قابل پیشبینی) هستند که چه بسا دانش، قدرت و اختیار تغییر همۀ پارامترها و امکانات ایجاد شده را نداشته باشند. به عبارت دیگر ارادۀ آنان در تغییر پارامترها و امکاناتِ ایجاد شده، میتواند ناتوان باشد. بنابراین حتی با فرض اینکه آنان همچنان همان انگیزه، همان اراده و همان قدرت قبلی را برای تغییر داشته باشند ولی از منظری دقیقتر، اراده و قدرت آنانرا باید در مقایسه با شرایط جدید حاکم بر سیستم سنجید، چیزی که قبلاً نبوده است. لذا این پارادکسیکال نیست که بگوییم همانها که سیستم ساز بودهاند اینک از تغییر سیستم عاجزند و این نکته نباید به معنای بی اراده بودن یا بازیچه بودن در برابر همان سیستم اولیه تلقی شود.
نکتۀ دیگر اینکه آقای محدّثی [9] همانندِ جامعهشناسی همچون باومن معتقد است عوامل اجتماعیِ مختلفی هست که در سرنوشت من دخیلاند از جمله اینکه من کجا زندگی میکنم، چه امکاناتی دارم و چه قدر تلاش میکنم و منابع موجود از چه محدودیتهایی برخوردارند و همچنین رقابت دیگران بر سر همین منابع محدود، کنشهای کسانی که دربارهام تصمیم میگیرند و اختیارات دیگران که میزان اختیارات مرا ترسیم میکند، امکانات و وسایلی که برای تحقّق ارادهام لازم دارم، ارزشهایی که بهخاطر زیستن در گروهی خاص درونی کردهام. تمام اینها نیز اموری اجتماعیاند و نه صرفاً اموری فردی و وابسته به اخلاق و ارادهی شخصی. حتّی اختیارات پیشین من قلمرو خودتعیینگریِ مرا محدود میسازند، بهعبارت دیگر، اختیارِ دیروز من، جبر امروز من است.
از سوی دیگر، گر چه آقای ملکیان نهاد را امری اعتباری میدانند، اما در عین حال در سخنرانیهای خود بارها تأکید داشتهاند که منکر جوّ منع و ترغیبی که نهادها برای رفتار آدمیان فراهم میکنند نیستند. آقای چروده در تأیید اصالت فرهنگ و ردِّ نظر آقای محدّثی، میگویند این خاصیت منع و ترغیب کنندگی نهادها از محل تفسیری رخ میدهد که فاعلان از این پدیدههای اعتباری (یعنی نهادها) به عمل میآورند:
«پیشفرض آقای محدّثی در مدعای فوق این است که آگاهی و اختیار انسانها در عرض ساختارها و نهادها و نیز متغیرهای زمینهای نظیر جنیست و قومیت و ... است. حال آنکه اتفاقی که عملاً رخ میدهد این است که ساختارها، نهادها و متغیرهای زمینهای از معبر تفسیری که فاعلانِ کنش، از آنها میکنند تأثیراتشان را بر کنش میگذارند. منتهی این تاثیرگذاری از جنس جبر نیست که انسانها موجوداتی مفلوک و دست و پا بسته تلقی شوند. نهادها، ساختارها و متغیرهای زمینهای بهواسطۀ تفسیری که افراد از فرصتها و تهدیدهای موجود در آنها بهعمل میآوردند دامنهای از منع و ترغیب را برای کنشگران فراهم میسازند. با اینحال تصمیم گیرندۀ نهایی در مقام انجام کنش، خود افراد هستند و نه ساختارها، نهادها و جنسیت یا سایر متغیرهای زمینهای. اساساً به همین دلیل است که افراد در یک ساختار مشابه و با متغیرهای زمینهای یکسان رفتارهای متفاوتی از خود بروز میدهند.» [4]
این باور آقای چروده مبنی بر اینکه خاصیت منع و ترغیب کنندگی نهادها از محل تفسیری رخ میدهد که فاعلان از این پدیدههای اعتباری (یعنی نهادها) به عمل میآورند، واجد این اشکال است که موضوع را به تفسیر فاعلان و جنبۀ اختیاری آن منحصر کردهاند. باید بر آن افزود که بخش مهمّی از خاصیت منع و ترغیب کنندگی نهادها، از طریق »علل ساختاری» و به صورت غیر اختیاری اِعمال میشود.
علاوة على ذلك، يدّعي السيد تشروده أن وعي البشر وإرادتهم ليسا في عرض البنى والمؤسسات وكذلك المتغيرات السياقية كالجنس والعرق و... إلخ. ينبغي القول إنه من كون ظاهرتين ليستا في عرض بعضهما (بمعنى الاستقلال عن بعضهما)، لا يمكن بالضرورة استنتاج أنهما في طول بعضهما، حتى يُستدل من ذلك على أن العلاقة أحادية الاتجاه ونخلص إلى أن صانع القرار النهائي عند القيام بالفعل هم الأفراد أنفسهم لا البنى. البشر هم من يتخذون القرار، لكن هذه القرارات ليست بالضرورة مستقلة عن البنى. وبالتالي، فإن هذا الاعتقاد بأن خاصية المنع والتشجيع تنشأ من التفسير الذي يقدمه الفاعلون لهذه الظواهر الاعتبارية (أي المؤسسات) (والذي قد يكون كذلك أحيانًا بالطبع)، لا يجعل التفسير مستقلاً بالكلية عن البنى، ومثل هذا التفسير يكون أكثر دقة حين يعتمد، بالإضافة إلى علم النفس، على علم الاجتماع أيضًا. لذلك، فإن القول بأن صانع القرار النهائي عند القيام بالفعل هم الأفراد أنفسهم وليس البنى، أو سائر المتغيرات، إذا ما فُهم بمعنى القول بحرية صانع القرار وإرادته الكاملة، لا يمكن أن يكون مقبولاً، ومن هذا المنظور بالذات يقول السيد محدثي:
«لكن عندما يُبنى مثل هذا العالم، فإنه يتجاوز نطاق الأمر الفردي ويتحول إلى أمر فوق فردي يمكنه أن ينتصب في وجه صانعيه بل ويستعبدهم.»
ومن هذا المنظور بالذات يقول السيد عبدي:
»لم يجلس البشر وفكروا ليكونوا كذا وكذا. في حين أن معظم الخصائص الثقافية والسلوكية للمجتمع والناس هي، أكثر مما تكون معلولاً لتفكير مخطط، ناشئة عن رد فعلهم تجاه البيئة والتعلم وانتقال رد الفعل هذا عبر الأجيال.» [6]
أو يشير إلى أن:
«معظم الذين غرقوا في الفساد في المسائل الاقتصادية، لم يكونوا فاسدين منذ البداية بل كانوا يتجنبون السلوكيات الفاسدة، لكنهم تحت ضغط المعايير الناجمة عن البنية المعيبة، إما انسحبوا أو استسلموا للفساد وساروا تدريجيًا في طريق لم يكونوا ليتخيلوه في البداية...
لماذا ينبغي أن نتجاهل البنية ونؤكد فقط على الالتزامات الفردية؟ أين في التاريخ لدينا مثال على أفراد أصلحوا أنفسهم وشكلوا مجتمعًا سليمًا بشكل مستدام؟ ...
يمكن التعبير بوضوح عن أي نوع من البنى يرادف وقوع أي نوع من السلوك (بالمعنى السوسيولوجي)، وهذا لا يعني نفي ترويج التعاليم التربوية والأخلاقية.» [6]
كما يطرح السيد عبدي، في شرحه لرأيه القائم على أخذ البنى على محمل الجد، هذا السؤال الوجيه:
«لماذا يصبح الإيرانيون الذين يذهبون إلى البلدان المتقدمة والقانونية، بعد مدة، منظمين وملتزمين بالقانون وأخلاقيين مثل مواطني تلك البلدان؟ هل هذا سوى تأثير البيئة والمؤسسات على الإنسان القابل للتربية؟... » [6]
علاوة على ذلك، يذكّرنا السيد تشروده في إثبات مدّعاه بأنه «قد يُظهر الأفراد في بنية متشابهة وذات متغيرات سياقية متماثلة، سلوكيات مختلفة عن بعضهم البعض». وكما أشير سابقاً، ينبغي القول إن السلوكيات المختلفة للبشر، وإن كانت تعتمد جزئياً على التفسير الذي يقدمونه للفرص والتهديدات الموجودة في الأنظمة والمؤسسات، إلا أن هذا الارتباط لا يعني حصر التبعية في التفسير. يمكن للسلوكيات أن تختلف لأي سبب وبأي دافع (بما في ذلك تفسير البشر) لكنها تبقى مع ذلك متأثرة بالمؤسسة والنظام والجهاز النفسي والطبع والمزاج والمعرفة والرؤية الفردية؛ وهذا التأثر يمكنه بالطبع أن يغير مستوى الاختلاف أيضاً. أي أن السلوكيات المختلفة يمكن أن تكون متأثرة بعوامل فردية واجتماعية متنوعة. فرغم أن الأفراد قد يعيشون ظاهرياً في نظام واحد، إلا أنهم قد يكون لديهم، تبعاً لمكانتهم وموقعهم ووعيهم وخصائصهم الفردية، حكم وتفسير مختلف لذلك النظام نفسه. لكن كونهم هم صانع القرار النهائي عند القيام بالفعل، لا ينبغي أن يعزز الظن بأن قراراتهم النهائية مستقلة عن موقعهم في البنى والمؤسسات ومستقلة عن كيفيتها. لذا فإن وجود اختلاف سلوكي بين أفراد مختلفين في بنية متشابهة وذات متغيرات سياقية متماثلة، لا يعني استقلالهم عن التأثر بالنظام، ويؤيد هذا الأمرَ اختلافُ سلوك فرد واحد في بنى مختلفة.
والنتيجة هي أن المؤسسات والبنى توفر دور المنع والترغيب لسلوك البشر، ولما كان الأمر كذلك، فبالإضافة إلى دور الثقافة، يجب الإقرار بدور السياسة والمؤسسة أيضاً، واعتبار السعي لتصميم المؤسسات وتغييرها وإصلاحها أرضية مهمة للإجراءات الثقافية، لأنه غالباً ما يمكن من خلالها الحديث عن الثقافة وضرورتها، أو الهمة للتربية الفكرية والثقافية للبشر. هذا ما يشير إليه السيد ملكيان أيضاً بشكل ما في إحدى محاضراته: «بسلاح الثقافة، بالأخلاق والنصيحة والثقافة، لا يمكن مواجهة داعش، ويجب إيقافهم بالأدوات السياسية». [10]
والآن إذا قبلنا أنه في هذا العصر يجب أن تتوفر حد أدنى من المؤسسات الاجتماعية حتى يمكن الحديث عن الثقافة، وكما يقول جناب ملكيان، لا ننكر دور المنع والترغيب لتلك المؤسسات في سلوك وأخلاق البشر، فبالضرورة لا يسعنا إلا أن ننتبه إلى الأخلاق الاجتماعية وأدب البنية. ألا يتطلب هيكل السلطة أدباً خاصاً؟ وهل ممارسة العدالة هي مجرد ممارسة فردية للعدالة؟ ألا يمكن لبنية ما، بصرف النظر عن مقاصد البشر، أن تكون عادلة أو ظالمة؟ للبنى وجود حقيقي لا مجازي، ويمكن أن تُمدح وتُذم أخلاقياً، وتُنقد وتوضع لها آداب خاصة، منها أدب العدالة، وأدب القابلية للإصلاح، وأدب الاعتراف بالجميل. كل هذه الخصائص في هذا المقام هي أوصاف مؤسسية وليست فردية فحسب. والعدالة في هذا المقام أيضاً وصف للمؤسسات والعلاقات الاجتماعية، لا ملكة نفسانية. أليس صحيحاً أن البنية المعيبة، بصرف النظر عن تفسيرنا لها، يمكن أن تكون مؤثرة في إزالة العدالة وسد طريق الإصلاح؟ وهل لا تتطلب مواجهة المؤسسات والبنى تخطيطاً وإدارة وسياسة خاصة؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل يجب علينا بالضرورة لهذا العمل أن نحدق بأبصارنا نحو تحول فكري وثقافي في كل فرد فرد، وننتظر تحولهم المتزامن؟ أم أنه إلى جانب الجهود الثقافية، ينبغي لمن لديهم الآن استعداد نسبي أن يفكروا في إصلاح البنى ويخطوا في هذا الاتجاه؟
وخطأ الكثير من السابقين كان في هذا بالضبط، حيث كانوا يختزلون العدالة الاجتماعية إلى العدالة الفردية:
كان الغزالي يظن أنه إذا كان أفراد المجتمع الواحد عادلين، فإن الخصومة تزول من بينهم. ويبدو أنه لا يتنبه إلى هذه الدقيقة وهي أن السلوك العادل مع الآخرين متوقف على قبول نظرية معينة في باب العدالة الاجتماعية والحقوق الأساسية للإنسان، تماماً كما أن رفع الخصومة من المجتمع الإنساني رهن بقبول نظرية في باب كيفية ضبط السلطة والثروة وتوزيعهما العادل. إن تطبيق مثل هذه النظرية يعني تصميم وتأسيس وتنظيم البنى والمؤسسات الاجتماعية على أساسها، ومع تحول البنى والمؤسسات الاجتماعية إلى العادلة تصل الخصومات إلى أدنى حد، ورفع هذه الخصومات الدنيا قائم أيضاً على قبول وتطبيق نظرية في باب العدالة القضائية والجزائية لا ينهض باكتشافها أو تنسيقها لا الفقه ولا الأخلاق الفردية... إنه في هذا الشأن يتجاهل الهوية الجمعية للبشر وكيفية تشكل السلوكيات والعلاقات الجمعية، ويختزل علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي إلى علم النفس الفردي، ولا يتنبه إلى أنه في مجتمع ظالم، حتى لو أراد الأفراد أن يعاملوا بعضهم بعضاً بالعدل والإنصاف، فإنهم في الغالب الأعم لا يستطيعون ذلك. إن شيوع الرذائل الأخلاقية في مجتمع ما ظاهرة اجتماعية، وبتعبير دوركايم «الظواهر الاجتماعية تستلزم تفسيراً اجتماعياً.» ([8]ص.40)
إن الثقافة والتربية الفردية والأخلاقية، وإن كانت بالغة الأهمية، إلا أنه لأجل تلك الأهمية نفسها ينبغي الاهتمام أيضاً بتشكيل الأخلاق البنيوية ونقد البنى والمؤسسات القائمة. فالمؤسسات وإن كانت من صنع البشر وابتكارهم، إلا أنها بعد إنشائها تحتاج إلى النقد والمراجعة والإصلاح، وتتضح نواقصها وإشكالاتها في كثير من الحالات بعد مرور الزمن وبنقد وإصلاح أصحاب الرأي والمثقفين.
بطبيعة الحال، يقبل الأستاذ ملكيان في موضع آخر بأن الأنظمة السياسية تؤثر أيضاً في سعادة المواطنين وشقائهم:
«لم أنكر قط أن الأنظمة السياسية الحاكمة على المجتمعات تؤثر في طبيعة ومصير مواطني مجتمعها، بل وربما تؤثر أيضاً في طبيعة ومصير مجتمعات أخرى. إن حديثي ليس إنكاراً لتأثير الأنظمة السياسية في سوء وخير وسعادة وشقاء مواطنيها. أنا أقبل بأن الأنظمة السياسية تؤثر أيضاً. الحديث يدور حول أيهما أكثر تأثيراً: السياسة أم الثقافة. رأيي هو أن وزن الثقافة أكبر من وزن السياسة والاقتصاد في التأثير على وضعنا. وعليه، فإن قولي بأن وزن الثقافة أكبر من وزن السياسة والاقتصاد (خلافاً لليبراليين والاشتراكيين) لا يعني إنكار وزن السياسة أو الاقتصاد.» [2]
لكنه يرى أن وزن الثقافة أكبر من وزن السياسة. وفضلاً عن ذلك يقول:
«إذا كان لمؤسسة السياسة أن تتغير كي يكون لها تأثير أكثر إيجابية على وضع المواطنين وأحوالهم، فكيف ينبغي أن تتغير؟ حتى لو أرادت مؤسسة السياسة أن تتغير، فلا بد أن تكون مؤسسة الثقافة قد تغيرت.
لذا، مع قبولي بأن وضع مؤسسة السياسة يؤثر في وضع المواطنين، ومن الجيد إذن أن تصلح مؤسسة السياسة كي يصلح وضع المواطنين كنتيجة لذلك، إلا أن تصوري عن تغير المؤسسة - مؤسسة الأسرة، مؤسسة التعليم والتربية، مؤسسة العلم والتقنية والفن، مؤسسة الاقتصاد، مؤسسة السياسة ومؤسسة الحقوق والدين والأخلاق - ليس إلا: أن المؤسسة تتغير عندما (أولاً) تتغير قوانينها أو بتعبير أدق قليلاً معاييرها، و(ثانياً) يتغير منفذو القوانين المستحدثة. ليس لدي تصور آخر عن تغير المؤسسة. عندما يقال إن نظاماً ملكياً دستورياً يتحول إلى نظام جمهوري، أو نظام ديمقراطي يتحول إلى نظام ثيوقراطي، أو نظام أوليغارشي يتحول إلى نظام ديمقراطي، فأنا أفهم هكذا أن القوانين ومنفذي القوانين في تلك الأنظمة يتغيرون. إن كان في فهمي خطأ فينبغي التنبيه عليه صراحة.» [2]
ويستمر قائلاً:
إذا كان تصوري هذا صحيحاً، فإنني أقول حينئذٍ إن هذا التغيير إذا ما أُريد له أن يكون في الاتجاه الإيجابي، فينبغي أن تكون القوانين الجديدة أفضل من القوانين السابقة، وأن يكون المنفذون الجدد أفضل من المنفذين السابقين. لكن القوانين الجديدة تكون أفضل من القوانين السابقة شريطة أن يكون واضعو هذه القوانين أفضل من أولئك الذين وضعوا القوانين السابقة. ومن الواضح أن المنفذين الجدد يكونون أفضل من المنفذين السابقين عندما يتولى المسؤولية بشرٌ أفضل من البشر السابقين. وإذا كان الأمر كذلك، فإن تغيير مؤسسة الاقتصاد أو السياسة أو القانون أو أي مؤسسة أخرى سيكون، في نهاية المطاف، في اتجاه الإصلاح لا الإفساد. وعليه، فإن كل شيء يعود في نهاية المطاف إلى الإنسان، وفي تحليلي، فإن التغيير المؤسسي - بافتراض قبولي بأن المؤسسة تتحقق - يعود في نهايته إلى تغيير الأعضاء المشاركين والمنخرطين في تلك المؤسسة، سواء أكانوا منخرطين في وضع القوانين أم في تنفيذها. ولا أفهم كيف يمكن تغيير مؤسسة ما من غير هذا الطريق.» [2]
يبدو أن هذه النتيجة القائلة بأن كل شيء يعود إلى الإنسان، وأن تغيير المؤسسة يعود في نهاية المطاف إلى تغيير الأعضاء المشاركين والمنخرطين فيها، هي مسألة تحتاج إلى مزيد من النقاش وإعادة النظر. ينبغي القول إنه صحيح أن تغيير قوانين مؤسسة ما ومعاييرها نحو الأفضل يتطلب أن يكون واضعو هذه القوانين أفضل من أولئك الذين وضعوا القوانين السابقة، ولكن هل من الممكن، لأجل هذا الغرض، أن نصنع أولاً أفراداً أفضل، ثم نجمعهم معاً ونوكل إليهم، بالهوية التي يكتسبونها، مهمة «وضع القوانين» لمؤسسة معينة؟ ناهيك عن أن هؤلاء الأفراد، قبل أن يُصنعوا، يكونون في الوقت نفسه متأثرين بالمؤسسة السابقة وقوانينها ومعاييرها الصحيحة وغير الصحيحة، وأن مناخ المنع والترغيب المؤسسي ذاك لا يتركهم بلا نصيب. وعليه، فإن صُنع هؤلاء الأفراد ليس مستقلاً مرة أخرى عن الوضع المؤسسي الذي يعيشون فيه، ونقد المؤسسات والأنظمة الاجتماعية وتغييرها من قبل قسم من الناس مؤثر في صُنعهم.
النقطة الثانية هي أنهم يقولون: إن المؤسسة تتغير عندما يتغير منفذو القوانين المستحدثة. نعم، هذا صحيح، ولكن هل الأكثر إمكانية هو أن نصنع أولاً منفذين أفضل، ثم نجمعهم معاً ونوكل إليهم، بالهوية التي يكتسبونها، مهمة «كونهم منفذين» لتلك القوانين الجديدة في مؤسسة معينة، أم أنهم بطبيعة الحال، بعد أن يُصنعوا، يشغلون موقعاً في مؤسسة ما ويكونون متأثرين بمعاييرها الجديدة، وفي الوقت نفسه متأثرين بالجهود التي تبذل لنقد وإصلاح الأدب البنيوي؟ إن مؤسسة الدولة والسياسة والسلطة، بعد استقرارها، تضرب بجذورها في أنحاء المجتمع كافة حتى أن معظم الأفراد يتأثرون بشدة بأدوار المنع والترغيب المتعددة وقوانينها ومعاييرها الصحيحة وغير الصحيحة. فهل يمكن اعتبار الأفراد منسلخين عن دور جميع روابطهم الاجتماعية والتواصلية والانتمائية، وعلى هذا الأساس وبصورة تجريدية، أن نأمل في تغيرهم وتبدلهم؟
إذا كان هذا الأمر غير ممكن، أو كان احتماله ضئيلاً جداً، فعلينا أن نقبل اضطراراً أنه من أجل الوصول إلى الأولويات الثقافية والأخلاقية والتربوية، لا ينبغي أن نغفل عن إصلاح البنى؛ والأهم من ذلك، أنه من أجل إصلاح البنى والمعايير والقوانين ومنفذيها، لا ينبغي الاكتفاء بانتظار إصلاح الأفراد وتركيز جميع الأنشطة في ذلك القطاع. يُقال هذا الكلام طبعاً مع العلم والاعتقاد بأننا نقر بشدة بالإصلاح الثقافي للأفراد وأهميته وقيمته. كما لا ينبغي أن يُستنتج مما قيل إن الأصالة للسياسة أو المجتمع، وأن البشر محكوم عليهم بلا إرادة بشروط المؤسسات الاجتماعية. كلا، ليس الأمر كذلك، فالأفراد لهم دور مهم في بناء المؤسسات الاجتماعية، والعالم الاجتماعي هو نتاج العالم الذاتي المشترك بين الأفراد، وهذا العالم يصنعه الأفراد، ولكن كما يشير الأستاذ محدثي:
«عندما يُبنى عالم كهذا، فإنه يتجاوز نطاق الأمر الفردي ويتحول إلى أمر فوق فردي يمكنه أن ينتصب في وجه صانعيه بل ويستعبدهم.»
لذلك لا يمكن تجاهل أهمية البنية والنظام والمنظومة الحقيقية المتخفية وراء عناوين مزيفة كمصطلح المؤسسة، ومع قلة الاهتمام أو الغفلة عن الحقيقة الوجودية الكامنة وراء عنوان المؤسسة، نلقي بكل اللوم على عاتق مؤسسة الثقافة ونعتقد بأصالة الثقافة.
يبدو أن جزءاً مهماً من الانتقادات الموجهة إلى نظرية أصالة الثقافة لدى السيد ملكيان، ناتج عن كونهم يعتقدون أن نزعته النفسوية وتجنبه للسياسة (على الأقل في مقام النظر) كانت مفرطة.
ينبغي أن نسأل: ألا يؤثر المنهج الذي يعتمد على جهود أفراد معينين في مجال السياسة والمجتمع، والذي يُفتح فيه الطريق مثلاً لاستخدام وسائل اتصال جماهيري معينة كالإنترنت والتلغرام... أو يُقيّد (وهو فعل مرتبط بالسياسة)، على معتقدات الناس ومشاعرهم وعواطفهم وانفعالاتهم ورغباتهم؟ ومن هذا الطريق، ألن يكون له تأثير هائل على الثقافة بالمعنى الذي يقبله السيد ملكيان؟
بطبيعة الحال، بيت القصيد هو أن يتمكن السياسيون والنخب والمؤثرون الاجتماعيون من إبقاء نظرتهم الثقافية حية في جميع مساعيهم السياسية والاجتماعية والبنيوية. وإلا، فإن كلام السيد ملكيان هذا صحيح جداً حين يقول: «إذا غفلتم عن هذا العمل (تغيير المعتقدات والمشاعر والعواطف والرغبات)، فإن التيارات السياسية لو ذهبت وجاءت مئة مرة فلن يتغير شيء.»
لذلك، فإن مرتبة من التغيير الثقافي للناس مرهونة بتغير الظروف الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، من ذا الذي ينكر أن السعي لتهيئة أرضية الحوار من خلال تقوية مؤسسات حوارية معينة وتوسيع الانتفاع بوسائل الاتصال الجماهيري كالتلغرام، يمكنه أن يوفر أرضية للحوار تؤدي في نهاية المطاف إلى تصحيح معتقدات ومشاعر ورغبات كل فرد من الناس؟
قد يقول قائل إن هذا السعي لإحداث مثل هذه التغييرات البنيوية يحتاج مسبقاً إلى أن يكون هؤلاء الساعون قد أحدثوا تغييرات في دواخلهم بأنفسهم حتى يقدموا على مثل هذه الإجراءات. نعم، هذا صحيح، لكن المسألة هنا هي أن هؤلاء الأفراد يمكن أن يكونوا جزءاً من المجتمع الموجود بالفعل، ولا لزوم لأن ننتظر بناء الأكثرية. لذلك، من «منظور كلي إرشادي» يصح أن نقول: أيها الناس، ما لم يحدث تغيير داخلي فيكم، فلا تنتظروا تغييراً في الخارج. هذه توصية صحيحة ينبغي أن يضعها جميع الناس نصب أعينهم، وأن يضعوا أنفسهم في الاتجاه الإيجابي ويتغيروا. لأنه إن لم يرغبوا هم بأنفسهم، فسواء كانت الأنظمة والمؤسسات ملوثة أم طاهرة، فلن يتغير شيء. لكن من «منظور منهجي»، فإن تغيير رغبات الناس يعتمد على تغيير معتقداتهم وعواطفهم ومشاعرهم وانفعالاتهم، وتغيير المعتقدات والمشاعر والعواطف والانفعالات يعتمد بدوره على تغيير المؤسسات والبنى. أي أنه في جميع هذه التغييرات الأنفسية، يمكن للتغييرات الآفاقية أن تؤدي دوراً حاسماً؛ وهذه التغييرات يمكن أن يقوم بها جزء من الناس، أي أولئك الذين تغيروا فعلاً في الظروف الراهنة. لذلك، يمكن أن نتوقع من النخب والكفاءات المستعدة فعلاً لإحداث تغييرات إيجابية نظامية وبنيوية أن تنهض برسالتها هذه، وأن نؤكد للآخرين أيضاً أنه ما لم تتغيروا أنتم، فلن يصلح شيء.
من هنا، فإن إحالة جميع المشكلات الاجتماعية والسياسية إلى علم النفس أو الأخلاق الفردية، كما أكد عليه السيد ملكيان، يصاحبها نوع من الغفلة. إذ يقول مؤكداً على نظريته في أصالة الثقافة:
أعتقد جازماً أن جميع مسائلنا ومشكلاتنا لها جذور نفسية وأخلاقية. حتى وإن كانت مؤسساتنا الاجتماعية لا تمتلك النظام الذي ينبغي لها، فذلك يعود إلى أن القائمين على تلك المؤسسات غير أسوياء من الناحية النفسية أو الأخلاقية أو كليهما، وفيهم عيب ونقص. ومهما بحثت وتقصيت، لا أجد أية مسألة أو مشكلة اجتماعية، بما فيها السياسية، إلا وتنتهي بوسيط أو وسيطين أو ثلاثة أو عدة وسطاء إلى مسألة أو مشكلة نفسية أو أخلاقية. ومن هذا المنطلق، فإن مبحثي الصحة النفسية والكمال الأخلاقي هما الأكثر أهمية بالنسبة لي.» [12]
والآن، مع رفضنا لعمومية رأيه، تجدر الإشارة إلى أن العديد من المشكلات الأخلاقية، ومنها الرياء والكذب والتظاهر وغيرها... تنشأ في بعض المجتمعات عن الفساد البنيوي والنظام الاستبدادي الحاكم على مؤسسات تلك المجتمعات. ويجب الإقرار بأن كلا طرفي القضية على صواب، ولكن ليس على نحو كلي. فالمسائل والمشكلات الاجتماعية، ومنها السياسية، متأثرة بالمشكلات النفسية أو الأخلاقية للبشر، وفي مستوى ومرتبة أخرى، فإن بعض المشكلات الأخلاقية على الأقل ناشئة عن نوع خاص من النظام الاجتماعي الذي يسمح بنمو هذه الصفات، بل ويشجع عليها.
يقول في محاضرة أخرى بعنوان «أصالة الثقافة ونقد علم الاجتماع»: إننا نتوهم أن علينا إصلاح المؤسسات الاجتماعية، ونظن أننا حين نصلح المؤسسات الاجتماعية فإن البشر سيصلحون. كلا وأبداً. لماذا؟ لثلاثة أسباب على الأقل:
الأول: أنه لا يوجد شيء اسمه مؤسسة اجتماعية، هذه أسماء. أسماء بلا مسميات. المؤسسات الاجتماعية غير موجودة أصلاً.
النقطة الثانية: أننا نفترض وجود شيء اسمه مؤسسة السياسة، والاقتصاد، والتعليم والتربية، وما إلى ذلك. لا ينبغي أن تظنوا أننا إذا أصلحنا هذه المؤسسات فإننا نحن البشر سنصلح. أي أنكم تظنون أنه إذا صلح ما هو خارج البشر، فإن باطن الإنسان سيصلح حتماً. هذا هو خطأ جميع علماء الاجتماع، حيث يظنون أنه إذا صلح كل شيء في الخارج، فإن كل شيء سيصلح. الأمر ليس كذلك أبداً.
إذن، النقطة الثانية كانت أنه حتى لو لم نقل إن المؤسسات غير موجودة (وأنا أعتقد أنها غير موجودة)، فإن إصلاحها لا يؤدي بالضرورة إلى إصلاح الأفراد البشر. أنا لا أقول إن علينا تدمير المؤسسات كي يعمر البشر؛ كلا. أقول إن عمارة المؤسسات لا تعني بالضرورة عمارة الأفراد البشر. إن كان بوسعي قول شيء في هذا الباب، فأقول إنه (شرط لازم)، لكنه ليس (شرطاً كافياً) على الإطلاق.
أما النقطة الثالثة، حسناً، كيف تُصلح المؤسسات الآن؟ مثلاً، مؤسسة السياسة هذه في إيران ينبغي إصلاحها. أليس كذلك؟ مؤسسة الاقتصاد ينبغي إصلاحها. هل سألتم أنفسكم يوماً: متى تتغير المؤسسة وتُصلح؟ مثلاً، متى تقولون إن مؤسسة الاقتصاد في إيران قد تغيرت؟ إذا دققتم، يقال إن مؤسسة ما قد تغيرت حين تتغير القوانين الناظمة لمناسبات تلك المؤسسة. سواء أكانت مؤسسة الاقتصاد أم مؤسسة السياسة.
والآن، نحن نريد إصلاح المؤسسات، أليس المقصود بإصلاح المؤسسات، إن أُريد لها أن تُصلح، هو تغيير قوانينها؟ ومن الذي سيغيرها؟ البشر هم من يجب أن يغيروها. الإنسان الذي تسكنه الأنانية لا يستطيع كتابة قانون منصف، إن كان رجل دين فسيكتب لمصلحة رجال الدين، وإن كان أكاديمياً فسيكتب لمصلحة الأكاديميين. لا فرق، إن كانت امرأة فستكتب لمصلحة النساء، وإن كان رجلاً فسيكتب لمصلحة الرجال. إلا إذا زالت أنانية ذلك الرجل، وتلك المرأة، وذلك الروحاني، والطالب، والأكاديمي، والأستاذ الجامعي. وإذا أُريد لأنانيتهم أن تزول، فلا بد أن تحدث تغييرات في معتقداتهم، وتحدث تغييرات في مشاعرهم وعواطفهم وانفعالاتهم، وتحدث تغييرات في رغباتهم. أنا أسمي هذه التغييرات الثلاثة تغييراً ثقافياً. فثقافة كل إنسان هي: معتقداته، ومشاعره وعواطفه وانفعالاته، ورغباته...» [11]
لقد قيل: «هذا هو خطأ جميع علماء الاجتماع، حيث يظنون أنه إذا صلح كل شيء في الخارج، فإن كل شيء سيصلح. الأمر ليس كذلك أبداً.» وينبغي القول إن علماء الاجتماع، بحكم عملهم، يهتمون بجزء من الحقيقة ويؤكدون عليه، وعلماء النفس يهتمون بالجزء الآخر، وإذا كان علماء الاجتماع يرون المشكلات من منظور اجتماعي وبنيوي، وعلماء النفس من منظور داخلي، فإن ظن المؤلف وتوصيته هي أننا بحاجة إلى رؤية كليهما» [11]
وأسوق آراء بعض المحللين الآخرين في هذا الباب أيضاً لتكون مكملة للنقاشات السابقة: يرى السيد ميثم بادامجي، في نقده لأصالة الثقافة عند ملكيان، أن أصالة الثقافة لديه ناتجة عن عدم التفريق بين المجالات العامة والمجتمع المدني.
يبدو أن صياغة ملكيان لأصالة الثقافة، أي أن الجذر الرئيسي والتحتي لجميع مشكلات المجتمع هو الثقافة وباقي المشكلات فوقية، مرتبطة بعدم الفصل بين المجالات العامة والمجتمع المدني» [1]
كذلك السيد حسين دباغ، وهو على صواب، لا يؤمن بأصالة الثقافة، ولا بأصالة السياسة ولا بأصالة الاقتصاد:
أنا لا أؤمن بأصالة الثقافة، ولا بأصالة السياسة ولا بأصالة الاقتصاد. صحيح أنه في كثير من الحالات تتفوق الثقافة على السياسة ويبدو أن المسائل الثقافية أكثر أساسية. على سبيل المثال، وفقًا للمقولة المشهورة «الحكام ثمرة شعوبهم» يمكن الاستدلال على أنه من أجل سياسة أفضل يجب البدء بثقافة الناس. لكن في مقابل هذا الاستدلال تمامًا يمكن لشخص أن ينفخ في البوق من الطرف الآخر ويقول: المشهور أن «الناس على دين ملوكهم» أو «الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم». أي أن السياسة والحكام هم الذين يؤثرون على ثقافة الناس، إذن يجب البدء من السياسة. ربما يمكن حتى تجاوز ثنائية الثقافة/السياسة وإظهار أنه في بعض الأحيان يتفوق الاقتصاد على الثقافة. كان سعدي محقًا حين قال: «حين أعقد صلاة العشاء ليلًا / أتساءل ماذا سيأكل طفلي صباحًا»؛ ما دامت معيشة الناس في ضيق فلا أحد يرغب في الثقافة. علاوة على ذلك، ربما يستطيع أولئك الذين يقرعون طبل أصالة السياسة أن يظهروا أنه في بعض الظروف، ما لم تُحل المسائل السياسية لا يجري الاقتصاد، وما لم يجرِ الاقتصاد لا يأتي الدور على الثقافة. لكن ربما يمكن تصور أمر رابع وهو أن ظواهر مثل السياسة والثقافة والاقتصاد أو حتى الدين، لا يتفوق أي منها بالضرورة على الآخر دائمًا وفي كل مكان، وإنما تربطها فقط علاقة جدلية. أي أن هذه الظواهر تدخل مع بعضها البعض في ميدان حوار وتنافس، ويحدث كسر وانكسار، وفي النهاية ما يخرج منتصرًا من الميدان يصبح هو الأصل. قد تسألون ما هو معيارنا لهذا الكسر والانكسار ووفق أي مقياس يجري التنافس؟ جوابي هو شيء واحد: الأخلاق. ما يحظى بالأهمية في هذا السياق باعتقادي ويمكنه أن يكون رافعًا للخلاف بين هذه الظواهر هو الأخلاق. الأخلاق هي التي تتقدم على الثقافة وعلى السياسة وعلى الاقتصاد معًا....
النزاع بين أصالة السياسة والثقافة والاقتصاد يشبه محكمة تكون الأخلاق قاضيها. الأخلاق تحكم أين تكون الأصالة لأي ظاهرة» [5]
في النهاية، أعتقد أننا بحاجة إلى براديغم أسمى يستوعب في ذاته الصلاح والفساد الفردي والصلاح والفساد الاجتماعي والبنيوي معًا، وسأكون سعيدًا جدًا لو استطاع هذا المقال أن يكون فاتحة باب في هذا المجال.
.
.
1- بادامجي، ميثم؛ بين الديمقراطية والحقيقة: نقد نظرية المداراة عند ملكيان،
هذا المقال جزء من فصل موسع حول الفكر السياسي والأخلاق الاجتماعية عند ملكيان في كتاب المؤلف بعنوان
Post Islamist Political Theory: Iranian Intellectuals and Political Liberalism in Dialogue
والذي سيُنشر قريبًا.
2- حجاريان، سعيد؛ ملكيان، مصطفى؛ التسيّس أو نزع التسيّس، مجلة انديشه بويا الشهرية، عدد نوروز ۱۳۹۵، رقم 33.
3- حجاريان، سعيد؛ ملكيان، مصطفى؛ حصاد قرن من إنجازات مثقفينا السياسيين، مجلة انديشه بويا الشهرية، خرداد ۱۳۹۵، العدد 35.
4- حيدري تشورده، مجيد؛ تابو الاختزالية في علم الاجتماع، موقع صدانت الثقافي، 19 اسفند 1394.
5- دباغ، حسين؛ أصالة الأخلاق وأخلاق الأصالة، مذكرة من الدكتور حسين دباغ بطلب من صدانت - اسفند ۹۴.
6- عبدي، عباس؛ ترويج النزعات النفسية والثقافية هو نتاج السلبية واليأس السياسي.
7- فنائي، أبو القاسم؛ الأخلاق الدينية والأخلاق ما وراء الدينية، حوار مع الدكتور أبو القاسم فنائي (الجزء الثالث) | حوار دين أونلاين.
8- فنائي، أبو القاسم؛ الدين في ميزان الأخلاق، بحث في العلاقة بين الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية؛ مؤسسة صراط الثقافية، الطبعة الثانية 1392.
9- محدثي، حسن؛ الاختزالية النفسية في أعمال مصطفى ملكيان، مجلة إيران فردا، 15 آذر 1394، العدد 18،(الصفحات 60- 64)).
10- ملكيان، مصطفى؛ محاضرة سبيل الخلاص من الأصولية الدينية، المكان: يزد - ميبد - مجمع الإمام الصادق(ع) الثقافي، 12 آذر1394.
11- ملكيان، مصطفى؛ أصالة الثقافة ونقد علم الاجتماع، محاضرة للسيد ملكيان في مؤسسة فرداي بارس التعليمية البحثية - مشهد - تير 1394.
12- ملكيان، مصطفى؛ الروح القلقة لمثقف، عدد خرداد-ارديبهشت ۱۳۹۱، مجلة انديشه بويا.
.
.
.
.
.
.
.
علم الاجتماع
علم الاجتماع
العلوم الاقتصادية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
قبل از اینکه معادله morality حل بشود باید تکلیف objectivity logic مشخص بشود زیرا زیربنای صلاح و فساد نیازمند به logic است ادعای من اینست که formal logic is subjective بنابراین قابل اطمینان نیست و تنها ماخذ اخلاق درست نزد خالق است و ب
Only morality and mathematics are objective, everything else including formal logic is subjective. Humans' task is to download these codes of morality from the fabric of existence which is woven and entangled to the mind at large to SELF which is our consciousness.
مقالعه فوق العاده ای بود خوندم و استفاده کردم. ممنون