اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
انحطّ تيار الإصلاحات بعد أن خفُت بُعدُه المعرفي وركّز على الرموز الهوياتية والوصول إلى السلطة. واليوم، تشكّل العودة إلى الجهد المعرفي والإجابة عن الأسئلة الأساسية سبيلاً للخروج من اليأس وتمييزاً له عن التيارات الاحتجاجية المحضة.

كانت الساعات الأخيرة من شهر أرديبهشت عام 1396 هـ.ش، وإن كانت تخرج من رحم أيام محمومة ولاهثة، إلا أنها حملت في ظاهرها هدهد البشرى من سبأ، وبددت مخاوف أيام عصيبة كانت لتتوج تيار ما يُعرف بالإصلاحيين على قمة المعادلات السياسية في البلاد، بعد نجاحهم في أربعة استحقاقات انتخابية. انتصارات تحققت بعد سنوات من الإقصاء الكامل لهذا التيار، ورغم الضغوط الشديدة والتصفية الممنهجة من قبل المؤسسات الحاكمة، مما ضاعف من حلاوتها.
لكن ربما لم يكن يخطر ببال الكثيرين في تلك الأيام أن هذه المذاقات الحلوة ستتحول إلى مرارة بعد بضعة أشهر، وأن الأجواء المفعمة بالأمل والحماس الانتخابي ستمضي نحو الخيبة واليأس. إلا أن الواقع ما لبث أن كشف في خريف العام نفسه، وبالتدريج، قناع الظفر عن وجه التيار الإصلاحي، وبتجلي باطنه المتآكل من الداخل، أصاب قطاعًا عريضًا بالإحباط. حتى أننا نشهد اليوم بروز تيارات ترسم خطًا جديدًا لنفسها، وتقود احتجاجات جديدة على مستوى البلاد، مضيفةً مزيدًا من الزخم إلى الاضطرابات الداخلية القائمة.
والسؤال المهم الذي يُطرح الآن هو: ماذا حل بتيار الإصلاحات؟
كل تيار ينبثق من داخل المجتمع يمكن أن يمتلك ثلاثة أوجه رئيسية بالغة الأهمية:
1. الوجه المعرفي
2. الوجه الهوياتي
3. الوجه الخلاصي
1. الوجه المعرفي:
إذا كان يوم الثاني من خرداد عام 1376 هـ.ش يُعتبر نقطة تحول في التاريخ السياسي للبلاد، فإن قوته ومصداقيته لم تنبعا من يوم الاقتراع بقدر ما استمدا من الركائز الفكرية المتينة التي تشكلت تدريجيًا في السنوات التي سبقت الثورة وتلتها، وواصلت مسارها التكاملي، رافعةً راية التنوير والتجديد الفكري في هذا البلد وحافظةً عليها. إن ظهور قراءات جديدة للفقه والدين، والتنظير في مجالي السياسة وعلم الاجتماع، والتأملات الجديرة بالاعتبار في الشؤون الفلسفية والميتافيزيقية، وتلاقح المجتمع الفني مع ثقافات الأمم الأخرى واقتباسه منها، وقضايا من هذا القبيل، كلها كانت أحداثًا مباركة تحولت إلى دعامة صلبة لتيار الثاني من خرداد. في الواقع، لم يكن الثاني من خرداد سوى القمة الظاهرة لجبل الجليد الذي برز بعد سنوات من الجهاد المعرفي ونشره في أوساط المجتمع، ومثّل المحتوى الجوهري لهذا التيار.
2. الوجه الهوياتي:
على الرغم من أن الكثيرين، في خطأ شائع، يستخدمون مصطلح الهوية بدلًا من المعرفة ولا يميزون بين الضعف الهوياتي والمعرفي للتيارات، إلا أنه ينبغي الانتباه إلى أن الهوية أمر وجودي ويمكن أن تتشكل بصورة مستقلة عن المعرفة. فالهوية، في الواقع، هي التصور الكلي الذي يحمله الفرد عن نفسه وانتماءاته، ويمكنه أن يُعرّف بها ويتميز عن الآخرين.
وبالنظر إلى بعض المصاديق، نجد أن التيار الإصلاحي، وبالأخص بعد فوزه في انتخابات عام 1380 هـ.ش، قد أخذ يقلص وجهه المعرفي شيئًا فشيئًا ويُضخم وجهه الهوياتي. حتى أنه بات يمتلك تدريجيًا رموزًا خاصة، ونمت فيه مكانة الأشخاص على حساب الأفكار. ويمكن رؤية مثال على ذلك في عام 1388 هـ.ش برمز اللون الأخضر والبطولة التراجيدية لمير حسين موسوي، الذي أصبح بعد إقامته الجبرية المعيار الأساسي للتيار الإصلاحي. وكأن المطلب الرئيسي والمكون الهوياتي الأهم للإصلاحيين طيلة سنوات تمثل في رفع الإقامة الجبرية، وكان على كل من يرغب في الاقتراب من هذا التيار أن يثبت ولاءه بترديد هذا الشعار ليُعتبر من الدائرة الداخلية.
بطبيعة الحال، لا تقتصر مصاديق هذا الوجه على هذه الرموز فحسب. يكفي أن نلقي نظرة عابرة على جدران المكاتب الطلابية، وصفحات الناشطين الإصلاحيين والمتعاطفين معهم على شبكات التواصل الاجتماعي، وكل ما يمكن إظهار الهوية من خلاله، لتصادف بكثرة وجوهًا سياسية كاريزمية مختلفة. بدءًا من مصدق وبازركان وصولًا إلى منتظري وطالقاني وبهشتي و...
3. الوجه الخلاصي:
من الوظائف المهمة لأي تيار أن الأفراد يتمسكون به سعياً لتأمين خلاصهم من براثن كوارث العصر. وهذا الأمر يصح سواء بالنسبة للتيارات المحافظة التي ترى خلاصها في الحفاظ على الوضع القائم، أو للتيارات الإصلاحية التي تعبّر عن الخلاص رهناً بالتغيير.
في أوائل العقد الثمانين (الشمسي)، أعلنت مجموعة أن خلاصها يكمن في تجاوز خاتمي ومقاطعة الانتخابات. وفي عام 88، رأى قسم كبير من التيار الإصلاحي، بعد التشكيك في نزاهة الانتخابات، أن العنصر المخلّص يكمن في الاحتجاجات الشارعية والمطالبة الصريحة والشفافة والشعبية. لكن بعد القمع الحاسم من قبل السلطة، وبعد أربع سنوات، صمموا أداة خلاص أخرى، ومن خلال التحالف مع قوى ما يسمى بالمعتدلين، وجدوا طريق العلاج في استعادة السلطة والحوار مع الحكم. حتى أننا نرى اليوم، حتى في الجسم الطلابي والشبابي في البلاد، أن جُلّ المجاهدات والجهود تصب في نية الحصول على المناصب والكسوة والاتصال بمنظومة السلطة، وإذا كان هذا الأمر يُمارس بالأمس في الخفاء وكان يُشار إليه بالعار إذا ما انكشف، فإنه يُعلن اليوم بصراحة ودون أي خوف، بل وربما يُطهر ويُقدس له، ويُقدم على أنه الطريق الصحيح والواقعي البعيد عن الأوهام المثالية. يكفي مثلاً أن تلقي نظرة على الخلافات والنزاعات الداخلية للتشكيلات. سترى أن جذور الكثير من الخلافات ليست ذات وجهة معرفية ولا هوياتية، بل من أجل الاستحواذ على القليل من السلطة التي يمكنها أن ترسم مستقبل مجموعة.
لكن النقطة الجديرة بالتأمل هنا هي أنه قد ظهر اليوم تيار جديد أيضاً، ومن قبيل الصدفة يلعب دوراً بارزاً في الأخبار السياسية والاجتماعية للمجتمع هذه الأيام. تيار لا يتمتع بخلفية معرفية متماسكة (بل وفي أحيان كثيرة يسخر من المفكرين)، ولا يمكن أن تُنسب إليه وجهة هوياتية محددة. نقطة الاشتراك الوحيدة لهذا التيار تكمن في لفظة «إسقاط النظام»، وهو يحمل فقط أحد المكونات الثلاثة المهمة للتيارات، أي الوجه الخلاصي، ويراه فقط في «معارضة كل شيء» والدفاع عن «كل معارض لأي شيء».
يبدو أن التيار، لكي يتشكل بشكل جيد ويسير في مساره التكاملي، يجب أن يمتلك أولاً وجهاً معرفياً غنياً. ثم، دون أن يترك الجهد المعرفي وينفصل عنه، يسعى في اتجاه إضفاء الهوية، وإذا ما نجح في هذا الأمر أيضاً، مع الحفاظ على المسار أعلاه واستمراره، يمضي قدماً في الوجه الثالث تحت عنوان الوجه الخلاصي.
لذا، اليوم، حيث يعاني تيار الإصلاح من ضعف معرفي عميق، وتعيش أجياله الشابة مساراً مخيباً للآمال من هذه الناحية، فإنه من الواجب على جميع الإصلاحيين (ولا سيما الجسم الطلابي وبشكل خاص الاتحادات الإسلامية) أن يستأنفوا الجهد المعرفي مرة أخرى ويساعدوا في إغناء هذا الوجه المُهمَل.
وفي هذا السياق، تُطرح 8 محاور مهمة يجب تقييمها ومساءلتها في الوجه المعرفي، وعلى كل حزب من الأحزاب الإصلاحية، بحسب الإجابة التي يقدمها عليها، أن يتبع نهجاً ومسلكاً (لا كما هو الحال اليوم حيث لا يكمن وجه الاختلاف بين الأحزاب الإصلاحية في شيء سوى أشخاصها، ولا يمكن تحديد فرق بارز ومدوّن بينها):
1. النسبة مع العقلانية:
على التيار الإصلاحي أن يضع نفسه أمام سؤال: أين يقف حد العقلانية وإلى أي مدى يمكن إدخالها في مقولات كالدين.
فعلى سبيل المثال، بعبور الأفراد من العقل الفردي (الذي يضمن المصالح الشخصية فقط ويقيد الأخلاق) ودخولهم إلى العقل الجمعي، تطرح مسائل كالحرية العقلانية، وبالتبعية حرية التعبير والحرية الجماعية.
2. النسبة مع الإرادة:
على التيار الإصلاحي أن يفكر في نسبته مع أصالة الإنسان وإرادته وذاتيته (سوبجكتيفيته)، وأن يضع ثنائيات كالحقّانية والتكليفانية نصب عينيه، ليحدد من خلال ذلك حدود حريات الأفراد. وهو ما يمكن تلخيصه تحت مسمى الإنسانية (الأمانيزم).
۳. حد الدين:
ينبغي لتيار الإصلاح في مجتمعنا الديني أن يبذل جهدًا كبيرًا ويُخضِع للتقييم التفسيرات المختلفة التي طُرحت تحت عنوان "كمال الدين". فعلى سبيل المثال، عليه أن يدرس ما إذا كان الكمال في الدين مساويًا لشموليته؟ هل يمكن للدين أن يدخل مجال العلوم (ولا سيما العلوم الإنسانية التي تتعرض اليوم لهجوم كبير من قبل المؤسسة الحوزوية)؟ إلى أي مدى يمكننا أن نستغني عن الدين وإلى أي مدى نحن بحاجة إليه؟
۴. التلفيق:
في هذا القسم، تتمثل مهمة الإصلاح في دراسة إمكانية أو استحالة دخول عنصر غريب في الدين، وأن يضع أمامه هذا السؤال: إلى أي مدى تُعَد مسألة النقاء في الدين أمرًا جادًا، وكيف يمكن إضافة زيادات إليه.
فعلى سبيل المثال، هل هذا الكم من إدخال الفلسفة في المعارف الدينية يُعَد حدثًا مباركًا؟ أم أن الفلاسفة المسلمين، كما قال الخاقاني، قد علّقوا قفل أفلاطون البالي وقفل أسطورة أرسطو على باب أحسن الملل؟
۵. الولاية:
لا شك أن هذه المسألة، ولا سيما بالنظر إلى نوع الحكومة التي أمامنا، تُعَد من المسائل الجادة لأي تيار يريد أن يكون له دور في التحولات السياسية للبلاد. على تيار الإصلاح أن يدرس عنصر الولاية في الدين، وحدودها، ومنبع شرعية الوالي، وثنائية الكاريزما والنظام، ومسائل من هذا القبيل. ذلك أن تحديد الموقف حول هذا الموضوع يمكن أن يؤدي دورًا بالغ الأهمية في مسار المجتمع نحو الديمقراطية أو الديكتاتورية.
۶. الحداثة:
على الرغم من أن خصائص من الحداثة كانت مستترة في البنود السابقة، إلا أن على الإصلاح عمومًا أن يضع نفسه في مواجهة هذا السؤال: ما هو الموقف الذي يتخذه في العالم المعاصر وفي خضم الهجوم المتواصل لمظاهر الحداثة؟ هل ينهض لمحاربتها وينتهج التقليدانية؟ هل يقبلها ويسير متكيفًا معها؟ أم أنه يضع طريقًا ثالثًا أمامه؟
۷. الأولوية للمضمون أم للمصاديق:
فعلى سبيل المثال، من الأسئلة الأخرى المطروحة أمام الإصلاح هي: هل يرى الدين حاويًا لمضمون مقدس ويعتبر واجب الجميع هو الدفاع عن هذه الأصول، ويقوم بتربية وإصلاح المسلمين في اتجاه هذا الجهاد (ولو على حساب التضحية بهم)، أم أنه يعطي الأولوية للمسلمين ويقوم بإصلاح الدين في سبيل خدمتهم؟
۸. نوع الإصلاح:
في النهاية، يجب تحديد منهج وطريقة هذا الإصلاح بناءً على الأسئلة السابقة. فعلى سبيل المثال، هل إصلاحنا هو إصلاح تنقيحي ويجب أن نتجه نحو مزيد من تبسيط الدين وننضم إلى التيارات الفكرية السلفية (ليس بمعناها السلبي والتكفيري) ونتخذ إسلامًا على نهج أبي ذر؟ أم على العكس، يجب أن نسعى في اتجاه جعل الدين أكثر ثراءً واكتفاءً ونقوم بتزيينه؟
هذه كلها أسئلة مفتاحية لا يمكن قبل الإجابة عليها المضي قدمًا في صناعة تيار ناجح. كما يجب الانتباه إلى أن هذه الأسئلة والأجوبة يجب ألا تنقطع أبدًا، لأنه بمجرد حدوث ذلك يصاب التيار بالركود وينحل من الداخل، ويضع أمامنا أيامًا مريرة، حيث ينكشف وجهنا الحقيقي الهش بعد إزاحة قناع الانتصار.
فإذا لم ينتبه الإصلاح وقادته اليوم إلى هذا الأمر وتركوه مع هذه النزعة الطامعة وحب المنصب والسلطة، فسيرون غدًا فظائع أكبر أمامهم، وسيجدون المجتمع الذي كان ينبغي أن يحملوا على عاتقهم قيادته وقد سبقهم بأشواط كثيرة جدًا.
.
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
الدين
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
وقتی که جمعی که اندیشه ای خطا را برگزیده و هیچ گاه اشتباه خود را نمی پذیرد نتیجه انداختن تقصیر بر گردن پیشروان موقتی آن خواهد بود. نه این سران اصلاح طلب نیستند که بر خطا رفتند این خود اصلاحات است که واقعیات ایران و اسلام را نمی تواند هضم کند