اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرسم سورن كيركغور، بثورته على فلسفة «الذات» وتأكيده أن «الحقيقة ينبغي أن تكون حقيقةً بالنسبة لي»، مسارَ العيش بوصفنا أفرادًا؛ اختيارٌ ينتزع مسؤولية الحياة من قناع الجماعة ويلقيها على عاتق الإنسان نفسه.

أن يُسأل باحث ومعلّم فلسفة عن أيّ فيلسوف كان الأهمّ والأكثر تأثيراً في حياته الفكريّة، قد يبدو للوهلة الأولى سؤالاً شخصيّاً لا صلة تُذكر له بالاحتفاء باليوم العالميّ للفلسفة. غير أنّ هذا السؤال قد يكون احتفاءً بالفلسفة من حيث إنّه يقدّم سرديّات صغرى عمّا يفعله الفلاسفة عمليّاً وكيف يؤثّرون في حياة البشر. بل قد يكون هذا السؤال فلسفيّاً من حيث إنّه يعيش في أجواء شعار سقراط القائل: «إنّ الحياة التي لا تُفحص لا تستحقّ أن تُعاش».
قد يكون كلّ دارس للفلسفة قد ارتاد العديد من الفلاسفة وترك لقاؤه بكلّ منهم أثراً في حياته الفكريّة والروحيّة، فلاسفةً كتاباتُهم مهذّبة للفكر ومصفّية للروح، ومفكّرين عاشوا أحياناً، إلى حدّ كبير، الحياة الفكريّة والروحيّة نفسها التي نحياها الآن، غير أنّهم استطاعوا أن يتجاوزوها خيراً منّا وأن يربطوا شظاياها بعضها ببعض وبصورة أكبر وأكثر تحريراً. أقول هذا لأبيّن أنّ الاختيار من بين أبطالي الفكريّين ليس بالأمر اليسير. فليس من السهل عليّ، مثلاً، ألّا أذكر في جوابي وليم جيمس وفيتغنشتاين وليفيناس. ولكن، بصرف النظر عن هؤلاء، فإنّ أحد أكثرهم تأثيراً بالنسبة لي، وهو تأثير لم ينتهِ بعد، شخصٌ يُختلَف حتّى في اعتباره فيلسوفاً أم لا، أعني سورن كيركغور.
تدور الفلسفة في فلك الكلّيّة والضرورة، غير أنّ كيركغور كان يمقت الكلّيّة والضرورة بمعناهما الاصطلاحيّ الفلسفيّ. ولهذا كتب في مطلع شبابه: «إنّ أهمّ عمل هو العثور على حقيقة تكون حقيقةً بالنسبة لي... فما الجدوى، في نهاية المطاف، من أن أكتشف حقيقةً موضوعيّةً كما يُقال، أو أن أنقّب في أنساق الفلاسفة المصنوعة... وأن أبني عالماً ليس مقدّراً لي أن أسكنه أنا، بل عليّ فقط أن أرفعه عالياً ليتفرّج عليه الآخرون؟» (ترجمة صالح نجفي). ومع ذلك، فإنّ هذا الشخص نفسه الذي ربّما كان يرى نفسه، على سبيل الدعابة، عديم الموهبة في الفلسفة، هو من أحدث ثورة كاملة في فلسفة «الذات» (philosophy of self) تغذّى عليها لاحقاً فلاسفة كبار مثل هايدغر وفيتغنشتاين ووسّعوا رؤاها؛ نظريّة لا نملك بموجبها جوهراً يُدعى «الذات»، بل إنّ «ذاتنا» هي قراراتنا واختياراتنا وأعمالنا: نحن أفعالنا ذاتها.
ولكي لا أبتعد عن السؤال وأجعل سرديّتي أكثر شخصيّة، ينبغي أن أقول إنّ أفكار كيركغور وأقواله كانت مثار تأمّل وتأثير بالنسبة لي في مجالين على الأقلّ: فلسفة الحياة وعلم الدين؛ وهما مجالان متشابكان تمام التشابك في فكر كيركغور.
كان الهمّ الأساسيّ لكيركغور هو العثور على فلسفة للحياة. وقد كُرّس جزء مهمّ من أعماله لاختبار أشكال الحياة (forms of life) وفلسفات الحياة المتعلّقة بها. وكان كيركغور، من خلال هذا العمل، يرسم في الأساس مراحل «التحوّل إلى ذات» و«تحقيق الذات» وعمليّتهما. وقد باتت مراحله الثلاث شهيرة الآن: الحياة الجماليّة (الحياة القائمة على مدار الحسّ واللذّة)، والحياة الأخلاقيّة (الحياة القائمة على مدار الالتزام والواجب)، والحياة الدينيّة (الحياة القائمة على مدار الإيمان، والمعاناة بالطبع). فبمقاييس كيركغور، على سبيل المثال، لا يزال معظمنا في مرحلة الحياة الحسّيّة الباحثة عن اللذّة، عالقين في الحلقة المفرغة للرغبة والضجر؛ حياة تفتقر إلى الوحدة والتكامل (integrity) لأنّ محورها الرغبة، وحين تُشبع الرغبات الملوّنة وتنقضي عطلة نهاية الأسبوع، يحين حينها وقت ضجر عصر أيّام الجمع. عندئذٍ ينبغي أن نبحث عن أمور شيّقة تزيل هذا الضجر. على كلّ شخص أن يسأل نفسه مرّة واحدة على الأقلّ عمّا يريد أن يفعله بحياته. كان الدرس المهمّ لكيركغور هو أنّ عليك أن تقرّر بشأن حياتك، وأن تتحمّل مسؤوليّة حياتك بنفسك، وأنّك وحيد في هذا الأمر، لا يمكنك الاختباء وراء هذا أو ذاك، أو وراء قناع «الجميع». ولكن، لأجل هذا القرار، عليك أوّلاً أن ترى أين أنت. ولهذا يضع أمامك مرآة. لعلّك، برؤيتك لنفسك وللمبدأ الحاكم على حياتك، ترغب في التغيير وتتّجه إلى نمط آخر من الحياة.
القرار حتميّ لا مفرّ منه. نحاول، عبر إلهاء أنفسنا بأشياء شتّى، أن نصدّ ذلك اليأس الأساسيّ الذي استوطن أعماق كياننا. لكن، عاجلاً أم آجلاً، ستحين «لحظة الحقيقة»: «قد تصبح شخصاً في أعين الآخرين، لكنك تخسر نفسك، نفسك التي هي أهمّ ما في الحياة. سيأتي منتصف ليلٍ تدرك فيه هذا الأمر، وسيكون عليك أن تنزع القناع عن وجهك، لكنّ الأوان يكون قد فات، ولا تعود قادراً على فعل شيء... أتظنّ أن الحياة تدعك تسخر منها إلى الأبد؟ أتظنّ أنك تستطيع التسلّل خلسةً قبيل منتصف الليل ذاك، وتتفادى الاضطرار إلى نزع قناعك عن وجهك؟» (ترجمة خشايار ديهيمي). كلّما قرأت كلمات كيركغور هذه، يتبادر إلى ذهني هذا البيت من المثنوي: قال: يا نفسك، عشتِ منافقةً، وها أنتِ تموتين منافقةً، فمن أنتِ! على أية حال، فلسفة كيركغور هي دعوة لإرادةٍ موجّهة نحو أن يكون المرء ذاته، وأن يكون فرداً.
مفهوم الحقيقة عند كيركغور أيضاً يتأسّس في الفرد وحياته. الحقيقة تعني العيش في الحقيقة، العيش في ظلّ الصدق: «المسألة الأساسية هي إيجاد حقيقةٍ تكون حقيقةً بالنسبة لي، إيجاد فكرةٍ أرغب في أن أحيا وأموت من أجلها» (ترجمة صالح نجفي). هذا تصوّر غير تقريريّ وباطنيّ للحقيقة. الحقيقة ليست نظريةً نتناقش فيها إلى الأبد. الحقيقة يجب أن تُعاش. الحقيقة بالنسبة لي تعني حقيقةً قادرةً على تغيير حياتي. تلك العلاقة الباطنية التي نقيمها مع الحقيقة أهمّ من الحقيقة الموضوعية، ولهذا السبب، وكما يقول كيركغور، تتحوّل الحقيقة في بعض الأفواه إلى كذب (لأن الشخص المتكلّم لا علاقة له بها). بهذا المعنى، الحقيقة هي سيرٌ باطنيّ يقف في مقابل الحقائق الموضوعية؛ حقائق هي حقائق بذاتها لكن لا شأن لها بنا. مثلاً، لدينا خمسة براهين لإثبات وجود الله، لكن لا يقوى أيّ منها على أن يجعلنا نخطو خطوةً في طريق الله.
لننقل هذا التصوّر نفسه للحقيقة إلى ميدان الإلهيات: أن تكون لديك «صورة حقيقية» عن الله شيء، وأن تكون لك «علاقة حقيقية» بالله شيء آخر. هذا الكلام وإن لم يكن من كيركغور، إلا أنه لو كان حاضراً لاستطاع، بلهجته اللاذعة المعهودة، أن يقول لنا، نحن طلبة الفلسفة والإلهيات المنهمكين دوماً في شأن إقامة البراهين الدينية: لا حاجة لكم إلى إثبات وجود الله، أثبتوا عوضاً عن ذلك أنكم مؤمنون بالله حقاً.
لنفعل ما كان يفعله سقراط: «لقد طرح المسألة بأسلوب آفاقيّ وبطريقة شرطية: ’إذا كان هناك خلود ما‘. وبالمقارنة مع الفيلسوف الحديث الذي يملك ثلاثة براهين على الخلود، هل ينبغي أن نعتبر سقراط من أهل الشك؟ كلا، أبداً. إنه يخاطر بحياته كلها على هذه ’إذا‘ الصغيرة، ويُقبل بشجاعة على مواجهة الموت، ويمضي حياته بشغف لا حدّ له ولا حصر، بحيث تتأكد هذه ’إذا‘ (’إذا كان هناك خلود ما‘). هل يمكن إيجاد برهان على الحياة بعد الموت أقطع من هذا؟ أما أولئك الذين بحوزتهم ثلاثة براهين، فهم لا يصمّمون حياتهم أصلاً على نحو يؤيد هذا الرأي. إن وُجد خلود، فحتماً سيمقت أسلوب حياة هؤلاء الفلاسفة الفاتر والمترهّل. هل تريدون تفنيداً أقوى من هذا لتلك البراهين الثلاثة؟» (ترجمة مصطفى ملكيان). نعم، سيبقى هناك دوماً هذا الإغراء بأن نحاول إضفاء صورة مستدلّة وبرهانية على الإيمان، وهذا الوضع، بطبيعة الحال، ما دام يندرج تحت مشروع «الإيمان الباحث عن الفهم»، مفيد ومستنير. لكن يجب الإقرار بأن بين الإيمان ونتيجة الاستدلالات «ثمّة مسافة دوماً»، هذا هو ذاك «اللايقين الموضوعي» الذي هو مقام تديّننا في العالم الجديد.
كلّ من يريد التفكير في الدين في العالم الجديد، عليه أن يبدأ من كيركغور و«لايقينه الموضوعي». فالله في العالم الجديد، وربما عن العالم الجديد أيضاً، محتجب (وهو ذاك النقاش حول «الخفاء الإلهي» (Divine Hiddenness) الذي طُرح في السنوات الأخيرة). هذا هو ما يجعلنا «مقيمين على العتبة» ونرتعد كشجرة الصفصاف على إيماننا. (تعبير «مقيم على العتبة» الجميل والمعبّر هو من رضا رضائي). المقيم على العتبة هو من لا يُسمح له بالدخول لا في المسجد ولا في الحانة! من وجهة نظر كيركغور، إن مقتضى الشغف والولع الديني هو هذه الإقامة على العتبة، وإلا فسيطمئن بالنا، وسيتدهور الدين إلى شيء سهل ومسلّم به في حدود البديهيات. حسناً جداً، أين يمكن لدين كهذا أن يفضي إلى ولادة جديدة؟
وهكذا، ينبغي للمرء في الدين أيضاً أن يحيا كفرد، وبما أن كل إنسان يقف وحده في حضرة الله، فإن كفر كل شخص وإيمانه يتحددان في فضاء علاقته الفريدة بالله: «لَوْ يَعْلَمُ أَبُو ذَرٍّ مَا فِي قَلْبِ سَلْمَانَ لَكَفَّرَهُ».
لقد طالت حكايتي الصغيرة قليلاً! والآن وقد رافقني القارئ الصبور حتى هنا، أود أن أضيف نقطة أخرى: لقد ساعدني كيركغور على أن أتخلى رويداً رويداً عن وسوسة وهوس بناء الأنساق أو التسليم لـ«سردية كبرى» ومنظومة فكرية تكون قد حسمت أمر كل الأجزاء والمقولات. إن الإرادة الموجهة نحو الهيمنة على العالم من خلال بناء الأنساق هي، على أية حال، إرادة موجهة نحو الهيمنة، ولو عن طريق النظر. ولحسن الحظ، مهما حاولنا، فلن نصل إلى أكثر من شذرات فكر، وشذرات كتابات فلسفية. ثمة دائماً عرف ديك يطل برأسه من خارج نسقنا المشيد والمنمق بعناية!
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
علم النفس
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.