اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ميّز مصطفى ملكيان بين معاني القومية المختلفة، فرأى أن الوطنية الغريزية وتقديم مصالح الأمة على المجموعات الجزئية أمران مقبولان، لكنه اعتبر الوطنية الاستعلائية والسعي إلى المصالح الوطنية بأي ثمن مغالطة ومنافيين للأخلاق.

تناول مصطفى ملكيان، مساء الأربعاء، 10 اسفند، في جمع من طلاب جامعة زنجان، شرح وتوضيح المعاني المختلفة لـ 'القومية' و 'الأحكام القيمية' المحيطة بتلك المعاني. ووفقاً لتقرير وكالة إرنا، قال ملكيان في مستهل محاضرته في هذه الجلسة: للأسف، بات طرح المباحث في البلاد دون الوقوع في فخ سوء الفهم وسوء النية أمراً صعباً، إن لم تكن لي أي موهبة، وفي الواقع أنا لا أدّعي لنفسي موهبة، لكنني على الأقل أدّعي لنفسي موهبة واحدة، وهي أنني أتحدث بوضوح وشفافية تامين، دون إبهام أو إيهام ودون غموض.
وأضاف: لم أتوقع أن تُساء فهم كلماتي الواضحة والصريحة حول 'القومية' في السنوات القليلة الماضية، وتُفسر تفسيراً خاطئاً إلى هذا الحد، لذلك وفي ظل هذه الظروف، فكرت أنه ربما أعرض رأيي حول 'القومية' للمرة الأخيرة. وأكد ملكيان: نقاشي حول 'القومية' ليس نقاشاً سياسياً ولا نقاشاً متعلقاً بالعلاقات الدولية والجغرافيا السياسية، بل إنني أنظر إلى 'القومية' من ثلاثة منظورات: فلسفية، وأخلاقية، وقائمة على مراعاة المصلحة. وأشار إلى شرح التفسيرات المختلفة لمفهوم 'القومية' وقال: التصور الأول من 'القومية' هو بمعنى 'حب الوطن'، بمعنى أن البشر الطبيعيين والأسوياء يحبون وطنهم بالفطرة والغريزة، كما يحبون أمهم، وهذا أمر مقبول تماماً، لكن النقطة هي أن 'الأحكام القيمية' الأخلاقية تتعلق بالأمور الإرادية والاختيارية، في حين أن حب الوطن أمر غريزي ولا يمكن إصدار حكم قيمي إيجابي أو سلبي عليه، لأن هذا النوع من الحب القائم على الغريزة لا يمتلك قيمة أخلاقية. وأضاف ملكيان: المعنى الثاني للقومية هو 'الوطنية' التي تختلف كثيراً عن 'حب الوطن'. حب الوطن هو شعور وعاطفة وانفعال طبيعي، في حين أن 'الوطنية' هي اعتقاد وعقيدة ورأي. ولمزيد من التوضيح لهذا المعنى من القومية، قال: إذا ما تحول حبي 'لوطني' إلى اعتقاد حول 'وطني' بأن وطني أفضل من الأوطان الأخرى، فهنا لم أكتفِ 'بحب الوطن' بل انتقلت منه إلى 'الوطنية'. في مثل هذه الحالة نرتكب التفكير التمني الذي ينطوي على مغالطة منطقية كبيرة، لأنه لا يمكن منطقياً استنتاج أن بلدي وموطني أفضل وأسمى من البلدان الأخرى. وأضاف ملكيان: المشكلة الأخرى للوطنية هي: ما الذي يمكن أن يحسم نزاعات الوطنية؟ لأن 'الوطنية' ليست مدعومة ببرهان، ولا يمكن إقامة برهان لصالحها، ولا يمكن إخراج المخالفين من الأوطان والبلدان الأخرى من الميدان بالتمسك بتلك البراهين. وتابع ملكيان: إذا امتدت 'الوطنية'، فإن نطاقها سيمتد إلى المناطق والمدن داخل البلد الواحد، وسيصل نزاع 'الأفضلية' هذا إلى المدن والأحياء والشوارع والأزقة، وبالتالي فإن 'الوطنية' لا حد لها تتوقف عنده، ومع تضييق دائرتها تنتهي إلى 'الأنانية'. وقال: يمكن تفسير معنى آخر من 'القومية' بأنه 'أصالة الأمة' في مقابل أي 'جزء أو أجزاء من الأمة'. هذا المعنى يشير إلى أنه، على سبيل المثال، للأمة سلسلة من المصالح، وكلما حصل تضارب في المصالح بين مجموعة أصغر من كل الأمة، يجب أن تُضحى بمصالح تلك المجموعة الصغيرة فداءً للأمة كلها. وأضاف ملكيان: بناءً على هذا المعنى من 'القومية'، يجب تفضيل مصالح الأمة كلها على منافع مجموعة خاصة، والدفاع عن 'كل الأمة' في مقابل تصنيف اجتماعي أو ديني أو عرقي صغير داخل تلك الأمة. وقال: إن القول بعدم التضحية بالمصالح الوطنية فداءً للمصالح والمنافع الفئوية والجماعية، يعني أن 'كل الأمة' أرجح من المجموعات التي هي جزء منها. وأشار ملكيان إلى أنه إذا كان هذا المعنى من القومية هو المقصود، فهو مقبول تماماً من الناحية الأخلاقية ومن ناحية مراعاة المصلحة، لأنه إذا انهار 'الكل' فإن أجزاءه ستنهار أيضاً. وقال: ليتهم تعلموا هذا الدرس في إيران الحالية من أعلى البلاد إلى أدناها، ألا يضحوا بمصالح الأمة فداءً لمصالح جماعتهم وفئتهم، وليفهموا أنه إذا زالت الأمة فستزول الفئات والجماعات أيضاً. وتابع ملكيان شرحه للمعاني المختلفة 'للقومية'، قائلاً: معنى آخر لهذا المفهوم يشير إلى أننا 'نفضّل رفع ألم ومعاناة أمتنا على رفع ألم ومعاناة أي أمة أخرى'، أي إذا كانت أمتنا تعاني من ألم ومعاناة، وكذلك أمة أخرى، ولا نستطيع سوى رفع ألم ومعاناة واحدة منهما، فيجب أن نفضّل أمتنا على الأمم الأخرى. وأضاف: في هذا 'التفضيل أو عدمه' يوجد رأيان في معسكر فلاسفة الأخلاق، حيث يقول بعضهم 'تفضيل رفع الألم والمعاناة عن أمتنا صحيح'، لكن عدداً منهم لديهم رأي مخالف لهذا. وتابع ملكيان: يقول العديد من فلاسفة الأخلاق إن هذا التفضيل 'لرفع ألم ومعاناة أمتنا على رفع ألم ومعاناة أي أمة أخرى' صحيح، وبالتالي فإن 'القومية' بهذا المعنى مبررة من الناحية الأخلاقية، ورأيي أنا شخصياً هو أن لدينا واجباً أكبر في رفع احتياجات المقربين إلينا.
وقال: إن 'النزعة القومية' بهذا المعنى، أي تقديم وإعطاء الأولوية لتخفيف آلام ومعاناة شعبنا على آلام ومعاناة الشعوب الأخرى، هي واجب أخلاقي علينا، وهذا المعنى من 'النزعة القومية' مقبول تمامًا. وتابع فيلسوف الأخلاق هذا: المعنى الآخر لـ'النزعة القومية' هو أن مواطني أمة ما، بحكم كونهم مواطنين في تلك الأمة، يجب أن يكونوا جميعًا متساوين، أي أن 'كون المرء عضوًا في أمة' هو عامل مساواة بين جميع أعضاء تلك الأمة، ولا يمكن تصنيف المواطنين وترتيب درجاتهم بإدخال عامل ومكون آخر. وأوضح ملكيان: 'الجنسية' مهمة، لا الانتماء إلى جماعة دينية أو مذهبية أو عرقية أو اجتماعية أو إثنية معينة. لذلك، يجب أن ننظر إلى بعضنا البعض فقط من منظور 'المواطنة' و'الانتماء إلى أمة واحدة'، ولا يمكننا أن نشترط، بالإضافة إلى 'كونهم أعضاء في الأمة'، أن يكون للمواطنين دين ومذهب معين، أو لون بشرة، أو إثنية، أو لغة، أو منطقة جغرافية محددة. وأضاف: إن 'النزعة القومية' بهذا المعنى، أي تساوي جميع أعضاء الأمة، يمكن الدفاع عنها أخلاقيًا وقانونيًا، وإذا كان الأمر كذلك، فإن أي شكل من أشكال النزعة الإثنية أو المذهبية أو الجندرية أو القائمة على الشهادة العلمية سيكون مخالفًا للنزعة القومية. وقال فيلسوف الأخلاق هذا: المعنى الآخر لـ'النزعة القومية' هو أن تقوم أمة ما، من أجل تحقيق مصالحها، بأي عمل تستطيع القيام به، وإذا اقتضت مصلحتها الوطنية القيام بعمل ما، فعليها أن تقوم به. هذه هي النظرية نفسها التي كان يتبناها أمثال هتلر وموسوليني وفرانكو، القائلين بأن مصالحنا الوطنية لا تعترف بأي مانع. وأوضح ملكيان: 'النزعة القومية' بهذا المعنى تعني تفضيل المصالح الوطنية بأي ثمن على الرؤى الأخلاقية، وهذا أمر مخالف تمامًا للأخلاق وللمصالح الإنسانية للبشر، لأننا إذا قبلنا 'النزعة القومية' بهذا المعنى، نكون قد أخرجنا الأخلاق من العلاقات الدولية وحولنا العالم إلى غابة مليئة بالوحوش، في حين أن العلاقات بين الأمم، مثلها مثل العلاقات بين الأفراد، بحاجة إلى أن تحكمها قواعد أخلاقية. وقال ملكيان: مع الأسف، أرى هذا المعنى من 'النزعة القومية' في السنوات الأخيرة لدى العديد من مفكرينا في إيران، والسبب الأساسي الذي دفعني خلال العامين الماضيين إلى الخوض في هذه المباحث هو أنني أرى أناسًا في البلاد يروجون لهذا المعنى من 'النزعة القومية'، أي أننا، بزعمهم، يجب أن نفكر في إيران فقط ولا شيء سواها. وأشار إلى أنه: يجب علينا دائمًا أن نأخذ في الاعتبار أن تتحقق مصالحنا وتُلبى، ولكن بشرط أن يتم تحقيق هذه المصالح في إطار وقواعد الضوابط الأخلاقية، لأنه إذا لم تتورع الأمم عن أي شيء لتحصيل مصالحها، فماذا سيحدث في عالم اليوم الهش والضعيف؟ وأضاف ملكيان: من هذا المنطلق، أؤكد أن 'النزعة القومية' بهذا المعنى الأخير هي أكثر ما يزداد أواره اشتعالًا في بلدنا وفي البلدان العربية وكذلك في بعض بلدان العالم الثالث الأخرى، ويجب تجنبها..
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.