اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يميّز مصطفى ملكيان في تاريخ الأخلاق ثلاثة مذاهب: المذهب الواجبي، والمذهب العواقبي، ومذهب الفضيلة، التي تبحث عن معيار صواب الفعل في الفعل نفسه، وفي النتيجة، وفي الفاعل على الترتيب. ومع ذلك، يمتلك البشر حدسًا يتوافق مع كلٍّ منها، مما يجعل اختيار أحدها أمرًا عسيرًا.

في مجال الأخلاق يمكن التمييز بين ثلاث مراتب: «المدارس»، و«الأنساق»، و«النظريات»، التي ظهرت على مدى تاريخ الثقافة البشرية. أي أنه على مدى تاريخ الثقافة البشرية ظهرت مدارس كثيرة في الأخلاق، وفي صلب كل مدرسة نشأت أنساق عديدة، وفي صلب كل نسق تحققت نظريات كثيرة. في هذا النقاش أتناول المدارس فحسب. حسب اعتقادي، لم يظهر على مدى التاريخ، بحصر عقلي، أكثر من ثلاث مدارس أخلاقية، هي: ١- المدرسة الواجبة النِّظر، ٢- المدرسة النتيجة النِّظر أو العاقبة النِّظر، ٣- المدرسة الفضيلة النِّظر. أي أن محط اهتمام كل فيلسوف أخلاقي هو إما الواجب وإما النتيجة وإما الفضيلة.
نحن في الحياة نحتاج إلى الأخلاق في مجالين: الأول في مجال «القرار» أو بالتعبير الأكثر شيوعًا اتخاذ القرار، والثاني في مجال إصدار الحكم. المجال الأول يتعلق بالقرار الذي يتخذه الفرد نفسه ليقوم بعمل ما، وفي المجال الثاني يكون العمل قد أُنجز، سواء قام به الفرد نفسه أو شخص آخر، ويريد الفرد أن يحكم فيما إذا كان هذا العمل قابلاً للدفاع عنه أخلاقيًا أم غير قابل للتسويغ. إذن فالقرار يتم قبل العمل والحكم يتم بعد العمل. الشرط الأول لكي يكون قرارنا وحكمنا قابلين للدفاع عنهما من الناحية الأخلاقية، هو أن نمتلك معيارًا أو ميزانًا أو ملاكًا ونوعًا من وحدة الإجراء، وإلا سنكون كمن يسقف بيتًا واحدًا بعدة أهوية (برأيي ثلاثة أهوية). لهذا التشتت عدة عيوب فلسفية وعيب نفسي واحد، العيب النفسي هو أنه يؤدي إلى نوع من النزق الأخلاقي.
في هذه المدرسة لا يكون أي عمل «صوابًا» أو «خطأ» في حد ذاته، بل نطلق هذه الصفة على العمل بالنظر إلى الآثار والنتائج المترتبة عليه. صواب الأعمال وخطؤها ليس بالنظر إلى ذاتها، بل بالنظر إلى حُسن أو قُبح الآثار والنتائج المترتبة على تلك الأعمال. لذلك فإننا في هذه المدرسة ننظر دائمًا إلى النتيجة، أي أنه ما لم تكشف آثار العمل ونتائجه عن نفسها، لا يمكن الحكم عليه. تُدعى هذه المدرسة النتيجة النِّظر (teleologism) أو العاقبة النِّظر (Consequentialism). طبعًا في النقاشات التفصيلية يُقال إن «العاقبة» (consequence) تختلف اختلافًا طفيفًا عن «النتيجة» (telos) وهي أعم منها.
إحدى الروايات المعروفة لهذه المدرسة تُدعى المنفعة النِّظر (Utilitarianism) وجيرمي بنثام وصديقه المقرب جيمس مل وابنه جون ستيوارت مل، وهم ثلاثة فلاسفة بريطانيين من أواخر القرن التاسع عشر، هم مبتدعوها. ونتيجة لذلك، فالمنفعة النِّظر هي أحد الأنساق داخل مدرسة النتيجة النِّظر، أي يمكن للمرء أن يكون نتيجة النِّظر دون أن يكون منفعة النِّظر.
تقول هذه المدرسة إن الآثار والنتائج الحسنة أو القبيحة للأعمال لا تلعب أي دور في تحديد صواب الأعمال أو خطئها، بل توجد قائمة في أعمال البشر هي قائمة الأعمال الصائبة مع أي نتيجة وعاقبة، وتوجد قائمة أخرى في أعمال البشر هي قائمة الأعمال الخاطئة، أيضًا مع أي نتيجة وعاقبة. في هذه المدرسة ننظر إلى العمل نفسه ونرى هل هو في قائمة الأعمال الصائبة أم الخاطئة. حينما كان كانط يقول: «قل الصدق ولو انهارت الأفلاك» كان لديه مثل هذا الرأي. برأي كانط، واجب الإنسان هو أنه لتطهير روحه يجب ألا يكذب أبدًا، بل فقط وحصرًا إما أن يقول الصدق وإما أن يصمت، وألا يهتم بنتائج عمله وآثاره. مسؤولية ما يترتب على العمل من آثار ونتائج لا تقع على عاتق الفرد. طبعًا أحيانًا تكون للأعمال الصائبة نتائج إيجابية أو سلبية والعكس بالعكس، لكن هذا لا علاقة له بالفاعل الأخلاقي؛ في هذه الرؤية نحن مسؤولون عن أرواحنا ولا شأن لنا بسائر الأمور.
في هذه الرؤية لا يتوقف صواب الأعمال وخطؤها على آثارها ونتائجها، ولا على العمل نفسه، بل على فاعل العمل، أي أنه يُقال في هذه المدرسة يجب أن ننظر من أي مرعى أتى هذا العمل. عمل كل إنسان هو ثمرة تخرج من مرعى وجوده، ولتقييم صواب الأعمال وخطئها يجب الالتفات إلى ذلك المرعى. لذلك في هذه الرؤية، إذا صدر عمل واحد عن شخصين، فيجب الالتفات إلى الشخصين أنفسهما لفحصه أخلاقيًا.
كان أفلاطون وأرسطو وجميع فلاسفة الأخلاق في العصر التقليدي، بمن فيهم الرواقيون والأبيقوريون والشكاك في الثقافة الغربية، وفي الثقافة الشرقية الكونفوشيوسية وأتباع الطاوية والهندوسية والبوذية، يعتنقون النظرة الفضيلية، أي أن فاعل الفعل هو ما كان مهمًا بالنسبة لهم. فعلى سبيل المثال، كان أرسطو يقول إنه إذا توافرت في الإنسان أربع خصال باطنية: الحكمة، والشجاعة (قوة القلب)، والاعتدال (الوسطية)، والإنصاف (العدالة)، فإن أي عمل يقوم به يكون صوابًا. بمعنى أنه في الرواية الأرسطية، تصدر الأفعال الخاطئة عن الإنسان بسبب نقصان في هذه الخصال الأربع. وبتعبير آخر، من المستحيل أن يمتلك شخص هذه الخصال الأربع ويقوم بعمل غير أخلاقي. إذن، في النظرة الفضيلية الأرسطية، ثمة فرق بين من يقول الصدق لمصلحته ومن يقوله لوجود الفضائل الأربع المذكورة فيه، وعمل الشخص الثاني هو ما يُعتبر أخلاقيًا. هذه الخصال الباطنية الأربع نسميها فضيلة.
وينبغي الانتباه إلى أن الفضائل، أولاً، هي حالات ذهنية (mental states) ونفسية وليست سلوكيات، بل هي منشأ وأم أو منبت سلوكيات كالتواضع والصدق وأداء الأمانة...، كما أن الرذائل هي حالات ذهنية تجعلنا مستعدين لسلوكيات سيئة كالكذب وإخلاف الوعد... وثانيًا، يختلف عدد الفضائل في الثقافة البشرية بين مختلف المفكرين والنظم والنظريات.
إذن، في هذا النظام، تخضع الفضائل لقاعدة الكل أو لا شيء. أي أنه على الرغم من أن كل واحدة من هذه الفضائل ذات مراتب، إلا أن الفرد يكون أخلاقيًا حين يمتلك مرتبة من كل واحدة من الفضائل الأربع. وبالطبع، ثمة اختلاف حول عدد الفضائل، فعلى مر التاريخ، في مختلف النظم والنظريات الأخلاقية من العالم الشرقي (الهند والصين الثقافيتين) إلى العالم الغربي، قيل بوجود ما بين ثلاث فضائل و١٨ فضيلة. وهذا الاختلاف ناشئ عن سيكولوجيا المفكرين، فمثلاً يقول أحد حكماء الهند القديمة إنه لكي يصدر عن الفرد عمل أخلاقي صحيح، تكفي ثلاثة شروط، ويقول آخر ٥ شروط.
النقطة العجيبة هي أننا، نحن البشر، نملك حدسًا يوافق كل واحدة من المدارس أو المقاربات الثلاث المذكورة، ولهذا السبب تحديدًا يكون اختيار إحدى المدارس الثلاث صعبًا. حدسنا بخصوص مدرسة «النظر إلى النتائج» هو أن الأخلاق قد طُلبت من أجل الإنسان، ولم يُطلب الإنسان من أجل الأخلاق. نحن لسنا خدمًا للأخلاق، بل الأخلاق هي التي تريد مساعدة الإنسان. لفهم هذا الأمر، يمكن الالتفات إلى مؤسسات أخرى كالسياسة والتعليم والتربية. لقد أُسست مؤسسات السياسة والتعليم والتربية لتحسين أوضاع البشر. نحن المخدومون من قبل السياسة والتعليم والتربية. إذن، فالنظر إلى النتائج يحمل معه حدسًا موافقًا لنا.
كما أننا نملك حدسًا لصالح «النظر إلى الواجب» و«النظر إلى الفضيلة». فالإنسان، حدسيًا، يفرق بين من يوبخ آخر بدافع الخيرية والإحسان، ومن يوبخ آخر بدافع سوء النية، ويحكم على الأول بأنه أخلاقي وعلى الثاني بأنه غير أخلاقي، لأن الأول يفعل ذلك بدافع الخيرية والثاني ليس كذلك. إذن، بعيدًا عن نفس العمل ونتيجته، يهمنا من أي باطن نشأ هذا القول أو الفعل أو لغة الجسد. وبتعبير آخر، إن الحكم بناءً على الدافع الذي صدر العمل بناءً عليه هو اهتمام بالنظر إلى الفضيلة. إذن، حدوسنا تصب في صالح كل مدرسة من المدارس الثلاث، وهذا الأمر بالذات هو ما جعل الحسم بين المدارس الثلاث صعبًا؛ وكأننا لا نستطيع رفض كانط (النظر إلى الواجب)، ولا أرسطو وأفلاطون (النظر إلى الفضيلة)، ولا بنتام ومِل (النظر إلى النتائج).
يبدو أن النزعات الثلاث أو المدارس الثلاث جميعها حاضرة في ثقافتنا الإسلامية؛ أي أننا نشهد التفسير الواجباني، والتفسير العواقبي، والتفسير الفضيلتي على حد سواء. لقد ألّف علماء الأخلاق لدينا في أربعة مجالات كتبًا أخلاقية: أولاً، الأخلاق العرفانية التي تستند إلى استدلال تجريبي عرفاني لصالح رؤيتها، مثل "صدميدان" و"منازل السائرين" (وكلاهما لخواجه عبد الله الأنصاري)؛ ثانيًا، الأخلاق الفلسفية التي تستند إلى استدلال عقلي لصالح رؤيتها، مثل "طهارة الأعراق" لابن مسكويه و"أخلاق ناصري" و"أخلاق محتشمی" لخواجه نصير الدين الطوسي؛ ثالثًا، الأخلاق النقلية والتعبدية التي تقول إن العمل صحيح لوجود حديث أو رواية في بابه؛ رابعًا، الأخلاق المصلحية مثل "كلستان" و"بوستان" لسعدي. وجميع هذه الأنواع الأربعة، على الرغم من اعتمادها على الكتاب والسنة، تختلف فيما بينها في تبنيها لإحدى المدارس الأخلاقية الثلاث المذكورة.
فعلى سبيل المثال، في الرسالة التي كتبها سعدي في ١٥٣ فقرة في مجال الأخلاق، تُرى مقاربات مختلفة للمدارس الثلاث المذكورة، أي أنها تارة تكون أصالة واجبانية، وتارة أصالة عواقبية، وتارة أصالة فضيلتية. وفي فقهنا أيضًا، وبدون الالتفات إلى التقابلات بين هذه المقاربات الثلاث، تُطرح جميعها للنقاش. أي أننا في أصول الفقه، وعلم الكلام، والفلسفة، والأخلاق لم نتخذ بعد موقفًا في هذا المجال، ولا ننتبه إلى أن هذه الرؤى الثلاث لا يمكن الجمع بينها.
منذ سنوات، أراه أن مذهب "النزعة الفضيلتية" أصوب من المذهبين الآخرين. لكن ينبغي أن أذكر نقطتين. الأولى أن البعض وجهوا إلى النزعة الفضيلتية والاهتمام بالفضائل الباطنية إشكالاً مفاده أنه قد يقدم شخص على قتل آخر ثم يدعي أنه قام بالعمل بناءً على فضائله الباطنية. كيف يمكن تبرير فعل هذا الشخص؟ هذا الإشكال مثير للسخرية لأنه يخلط بين الأخلاق والقانون. فوظيفة القانون غير وظيفة الأخلاق. وظيفة الأخلاق هي الاستكمال الروحي والمعنوي للفرد، بينما وظيفة القانون هي بناء مجتمع تسوده الرفاهية والأمن والعدالة والحرية. من يقدم على عمل بحكم فضائله أو رذائله الباطنية، إذا كان العمل نابعًا حقًا من فضائله الباطنية، ففعله صحيح من الناحية الأخلاقية، والعكس بالعكس. لكن هذا العمل من الناحية القانونية يجب أن يُقاس بالمقاييس القانونية. إذا قام فرد بناءً على فضائله الباطنية بعمل يستوجب عقوبة من الناحية القانونية، فعلى هذا الفرد أن يقبل تلك العقوبة، لأن فعله قد قُيّم خطأ من الناحية القانونية، وتلك العقوبة هي تكلفة أسلوب حياته الفضيلتي. العيش أخلاقيًا له تكلفة، وعلى الإنسان أن يقبل تكلفة عيشه الأخلاقي.
وفيما يتعلق بنظرية "العصيان المدني" التي ابتكرها وطرحها هنري ديفيد ثورو (الفيلسوف الأناركي الأمريكي) وأمثال إمرسون ووالت ويتمان، فإن هذا الفصل بين القانون والأخلاق هو ما يلقي الضوء عليها. العصيان المدني يعني الوقوف باسم الأخلاق في وجه قانون البلاد. في العصيان المدني يتأرجح الفرد بين كونه إنسانًا أخلاقيًا وكونه مواطنًا صالحًا. إذا أراد أن يكون مواطنًا صالحًا، فعليه أن يعمل بنص القانون، لكن إذا أراد أن يكون إنسانًا صالحًا، فلا يمكنه أن يعمل بنص القانون. لذلك قال الذين ابتكروا نظرية العصيان المدني إن الإنسان الأخلاقي يجب أن يقول إن كوني أخلاقيًا هو واجبي الأول، وكوني مواطنًا صالحًا هو واجبي الثاني، وحيثما تعارض هذان الواجبان، يجب أن أنحاز إلى الجانب الأخلاقي. كانوا يقولون يجب الوقوف بموجب الأخلاق في وجه القانون، وكانوا يعتبرون السجن تكلفة للعيش الأخلاقي.
على أية حال، في رأيي أن أخلاق الفضيلة هي المدرسة الصحيحة، وإن كان هذا رأيي الشخصي ولم تصبح أخلاق الفضيلة بعد الرأي المتبنّى لدى عموم فلاسفة الأخلاق. لقد قلنا إنه في العصور القديمة كان الاتجاه الرئيسي في الشرق والغرب هو أخلاق الفضيلة، ولكن بعد العصر الحديث تراجعت أخلاق الفضيلة تدريجياً لصالح اتجاهين آخرين هما أخلاق الواجب (خصوصاً برواية كانط) وأخلاق النتيجة (خصوصاً برواية النفعيين أي بنتام وآل ميل). ومنذ منتصف القرن العشرين، أخذت أخلاق الفضيلة تقوى تدريجياً. وخصوصاً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (١٩٤٥) فصاعداً، تم إحياء أخلاق الفضيلة تدريجياً، أولاً من جانب الفلاسفة الأرسطيين الجدد والتوماويين الجدد، ثم من جانب فيلسوفات الأخلاق النسوية، مثل آيريس مردوخ وسيمون فاي. لكن هذا التيار ليس سائداً بعد، وإن كان البعض يتنبأ بأنه سيكون أكثر نجاحاً بكثير من النهجين الآخرين. لذلك، أرى أن أخلاق الفضيلة قابلة للدفاع عنها، ولكن هذا النهج، مثل منافسيه، يتركنا أحياناً في حيرة نظرية وعجز عملي. عند مواجهة المعضلات الأخلاقية، إذا لم تكن أخلاق الفضيلة حاسمة، فإننا نرجع أولاً «فقط» إلى «أخلاق الواجب»، وإذا بقينا مرة أخرى في مقام الحيرة والعجز، نرجع إلى «أخلاق النتيجة».
.
.
.
.
علم الاجتماع
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
آرزوی سلامتی و شادکامی برای شما دارم جناب استاد ملکیان عزیز
مثل همیشه مختصر مفید و آموزنده افتار ما استاد ملکیان عزیز
بی آفرین نی اخلاق پس جان من زی خلاق این اخلاق را مکتب دان که نام دارد خود قرآن نبی شدست گر اسوه بسی خورده از سفره از شرق و غرب بی نیاز بدین طعام دست بیاز اینک تراست برنامه مسکر مخور مستانه
حاجی محمد جان! لطفا فارسی حرف بزن، تا منِ لر هم بفهمم.