اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تعجز الفيزيائية، بإنكارها التجربة الظاهرية أو اختزالها إلى عمليات عصبية، عن تفسير الوعي. في المقابل، ترى المثالية وأحادية الجانبين أن الوعي سابق على المادة أو جانب من واقع واحد.

يصور فريدريش نيتشه في كتابه، العلم المرح[2] مجنونًا يصرخ في السوق: «أين الله؟... سأقول لكم. نحن ــــ أنا وأنتم ــــ قتلناه. كلنا قاتلوه.» في السوق، كثيرون لا يؤمنون بالله ويضحكون على المجنون الذي يجوب المدينة حاملًا فانوسه في وضح النهار. أراد نيتشه بهذا أن ينبه إلى أن عامة الناس لم يدركوا عواقب الحياة بدون الله. وفقًا لقول المجنون، [بموت الله] صرنا تائهين في عدم وفراغ لا نهائيين، ولم يدرك الناس هذه النقطة.
عندما أقرأ نصًا حول مسألة الوعي من قبل المدافعين عن المذهب الفيزيائي، وخاصة المذهب الفيزيائي الاختزالي، غالبًا ما يتبادر إلى ذهني هذا المقطع من نيتشه. جوهر فكرة المذهب الفيزيائي هو أنه لفهم سلوك البشر، لا يهم سوى المادة فحسب. كما أعلن العديد من علماء الأعصاب والفلاسفة، على حد سواء: من حيث المبدأ، أفكارنا ومشاعرنا قابلة للتفسير فقط على أساس العمليات العصبية. الشرط الوحيد اللازم لوصف ما يصنع الإنسان هو دراسة وظيفة الدماغ. إحساسي هو أن علماء الأعصاب والفلاسفة الفيزيائيين يعتبرون أنفسهم تمامًا بمثابة نيتشهات جدد ومفكرين طلائعيين جريئين يبلغون الجمهور غير الواعي حقيقة: نحن، في ثوب حركات الأيونات المشحونة والناقلات العصبية، أعدام وفراغات لا نهائية.
يستلزم الموقف الفيزيائي الاختزالي أن الوعي الظاهراتي[3] غير موجود، أي أن ما هو موجود في المقام الأول وبشكل مباشر لكل شخص، غير موجود أصلًا. هذا الأمر دفع فيلسوفًا يدعى غالن ستراوسون ـــــ في مقالة نقل فيها عن مفكرين من العصور القديمة حتى عالم النفس والحائز على جائزة نوبل، دانيال كانمان ـــــ إلى أن يكتب: «نعلم أن الناس يمكن أن يكون لديهم إيمان لا يتزعزع بأي قضية مهما كانت سخيفة، بالطبع عندما يدعمهم مجتمع من ذوي التفكير المماثل.»[4] وفقًا لستراوسون، «الجزء الأكثر إثارة للانتباه في تاريخ الفكر البشري» هو أن هؤلاء المؤمنين ينكرون بشكل قاطع وجود شيء يعلم الجميع بوجوده، ألا وهو: التجربة الواعية أو المنظور الظاهراتي بضمير المتكلم. يعترف فيزيائيون آخرون على الأقل بأننا كائنات واعية، لكن الدماغ «ينتج» الوعي الظاهراتي. من وجهة نظرهم، فإن علم المستقبل حول كيفية إنتاج الوعي من قبل الإشارات العصبية، سيشرح بلا شك الذهنية[5] فقط من منظور البيولوجيا العصبية.
مع ذلك، فإن المشكلة غير القابلة للحل هنا هي أن «العمليات البيولوجية العصبية» تنبثق من إطار معرفي يختلف عن الإطار المعرفي لـ «التجربة الذاتية»، حتى لو كانت هناك ترابطات غير سببية بين العمليات العصبية والتجربة الذاتية. الكبد ينتج الصفراء لتحويل الدهون إلى طاقة. في الإطار البيولوجي، بالطبع ينتج الكبد شيئًا. لكن الدماغ لا يمكنه إنتاج الوعي لأن التجربة الذاتية ليست شيئًا يكون جزءًا من آلية بيولوجية قابلة للقياس. قضية «الدماغ ينتج الوعي» هي شيء من قبيل خطأ في المقولة[6].[7]
لكن ربما المذهب الفيزيائي قد مات ونحن ما زلنا دافئين ولم ننتبه؟ أعلن عدة مجانين معاصرين موت المذهب الفيزيائي. في إحدى كتاباتي الأخيرة، كتبت عن حركة الرومانطيقيين، أولئك الذين فكروا بشكل كاسر للأطر في علم الوعي.[8] في السنوات الأخيرة، تشكلت حركة مماثلة في العلوم المعرفية. على سبيل المثال، عالم الأعصاب البارز، كريستوف كوخ، يدعم الآن النسخة الحديثة من وحدة النفس الشاملة[9]: أي فكرة أن العقل هو السمة الحاضرة في كل مكان للواقع، وبالتالي يجب أن يكون موجودًا في نسيج الكون.
إذن، إذا كانت الفيزيائية قد ماتت، فما هي وجهات النظر البديلة عنها اليوم؟ في مواجهة عبثية إنكار الذات (إنكار الوعي الظاهراتي)، يعلن شكل من المثالية أن الوعي وحده هو الموجود ولا شيء سواه. عندما نتحدث عن معرفتنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا، فإن الذاتية الظاهراتية لها أولوية لا يمكن إنكارها. للوعي أسبقية رتبية. في صياغة المثالية الفلسفية، على خطى إيمانويل كانط، يمكن القول إن العالم المُختَبَر هو تمثّل للعالم الخارجي. نحن لا نتمتع بنفاذ مباشر إلى العالم الخارجي. تُعرف هذه الفكرة في شكلها الحديث باسم المثالية التحليلية، وقد صاغها من بين آخرين برناردو كاستروپ.[10] إذن، ألا توجد مادة؟ من وجهة نظر هذا التصور، كلا. عندما ندرك أن ما نسميه العالم الخارجي هو تجربتي أنا لذلك العالم، فإن ما بدا عبثيًا للوهلة الأولى يصبح الآن أكثر إقناعًا. العالم الفيزيائي يُخلق من خلال ملاحظة حواسنا. بالطبع، أعضاء الحواس هي أيضًا جزء من العالم الخارجي المزعوم - العينان والأذنان في رأسي. ومع ذلك، فإن هذه البنى البيولوجية هي أيضًا من تجاربي. يبدو الادعاء بأن كل شيء هو تجربة أكثر إقناعًا من الادعاء القائل بأننا لا نملك أي تجربة واعية على الإطلاق وأن كل شيء هو مادة.
الواقع هو أنه حتى الباحثين المتشددين الذين يتجاهلون التحليل الظاهراتي المحتمل للتجربة، لا يزال يتعين عليهم الاعتماد على التجربة الذاتية للمشاركين البشر في أبحاثهم. في البيئات المختبرية، يجب على المشاركين نقل تجربتهم الذاتية بطريقة ما - على سبيل المثال، بالضغط على الأزرار "لرؤية" أهداف محددة. وبقصد الاتساق مع هذه الحقيقة، اقترح عالم النفس التجريبي ماكس ڤيلمانز مفهوم الوعي الانعكاسي.[11] لفهم الوعي، نحتاج إلى منظور الشخص الأول ومنظور الشخص الثالث كأطر متكاملة. إن التجربة الشخصية والذاتية جوهريًا، مقترنة بمنظور الشخص الثالث، توفر معرفة تكميلية طبيعية لأي باحث في علم الوعي.[12]
خطوة أكثر راديكالية إلى الأمام هي فكرة الأحادية ذات الجانبين.[13] يمكن العثور على هذه الفكرة في كتابات الفيلسوف الرومانسي فريدريش شيلينغ [فيلسوف ألماني من القرن التاسع عشر]. تستند هذه الفكرة أيضًا إلى حدس باولي-يونغ الذي نشأ من حوار بين ڤولفغانغ باولي،[14] الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل، ويونغ[15] الطبيب النفسي. لقد صيغت الأحادية ذات الجانبين مؤخرًا بمصطلحات علمية معاصرة من قبل فيزيائي يدعى هارالد آتمانسپاكر وفيلسوف يدعى دين ريكلز.[16] وفقًا للأحادية ذات الجانبين، فإن الوعي والدماغ هما جانبان مختلفان لواقع أساسي واحد. بعبارة أخرى، الوعي والعقل هما ثنائي لواقع واحد غير قابل للتجزئة. إن تعبيري "العقل" و"المادة" هما تمييز مفيد وبراغماتي، لكن يمكن تتبعهما أساسًا حتى حدود بنية محايدة، أي حتى حدود واقع أساسي في الخلفية ليس بعقل ولا بمادة.

φM = حالة ذهنية
φP = حالة فيزيائية
φPPN = حالة نفسية-فيزيائية محايدة
وفقًا لنموذج آتمانسپاكر-ريكلز (المُصمم في الشكل أعلاه)، تنبثق كل من العمليات البيولوجية العصبية (ΦP) والتجربة الذاتية (ΦM) المرتبطة بها من واقع غير قابل للتجزئة (ΦPPN). لاحظ أنه في التصور الفيزيائي التقليدي، تُنتج البيولوجيا العصبية (ΦP) حالة التجربة الذاتية (ΦM). في هذه الرؤية، "ينبثق" الوعي "بطريقة ما" من المادة. في المقابل، ووفقًا للأحادية ذات الجانبين، فإن العقل والمادة هما معلولان لبنية محايدة أساسية ليست هي نفسها عقلًا ولا مادة.

هذه الحقيقة النفسية-الفيزيائية المحايدة والأساسية هي بالتحديد ما لا يمكن التعبير عنه. إنها غير مقيدة بالبنية الاعتيادية للزمان والمكان، أي غير مقيدة ببنية لا تنشأ إلا في التمايز بين الواقع التجريبي والفيزيائي، أي إنتاج الذات والموضوع. إن الارتباطات بين الوعي (ΦM) والبيولوجيا العصبية (ΦP) هي تجليات وتمظهرات أحادية الجانب لواقع محايد غير منقسم (ΦPPN). يمكن قياس هذه الارتباطات غير السببية من الناحية البيولوجية؛ مثلاً عندما تحدث السعادة الذهنية إزاء حدث ما مقترنة برد فعل بدني (مثلاً زيادة سرعة النبض). هذه الارتباطات قابلة للتنبؤ من حيث المبدأ. فالحالة الانفعالية الوجدانية تكون مصحوبة بأنشطة بدنية معينة. أو، كما تبين في أبحاثي، فإن قدرتنا الفطرية على إدراك مرور الزمن مرتبطة بنشاط الفص الجزيري[17] من الدماغ، وهي المنطقة الرئيسية في الدماغ لمعالجة إشارات الجسد.[18] تتعلق هذه الأمثلة بواقع الارتباط اليومي بين الجسد والذهن. لاحظوا أنني بإشارتي إلى الأمر الفيزيائي، أشير صراحة إلى الجسد وليس فقط إلى الدماغ. فالدماغ مُضمَّن في المنظومة المتشابكة للجسد كله [وليس فقط في الجمجمة].
لقد أدرك عدد متزايد من الناس تفاهة النسخة المتطرفة من الفيزيائية، النسخة التي تقول: الوعي غير موجود. كما يلاحظ العلماء يومًا بعد يوم، أنه من حيث المبدأ، ليس من الممكن تفسير كيف "يُنتج" أو "يُخلق" الوعي الظاهراتي من قبل الدماغ. إن حركة إنكار الفيزيائية المتطرفة آخذة في التقدم. قد تبدو التصورات البديلة سالفة الذكر حول معنى التجربة الذهنية غريبة للوهلة الأولى. لكنها تمتاز بأننا على الأقل قد خرجنا الآن من المأزق الأيديولوجي. لقد تحررنا لكي نفكر بشكل كاسر للأطر على أمل أن نتوصل إلى فهم ما يمكن أن يعنيه الوعي بالنسبة لنا نحن البشر.
.
.
[1] حصل مارك فيتمان على درجة الدكتوراه من معهد علم النفس الطبي بجامعة ميونيخ. وهو باحث أول في معهد "المجالات الحدودية لعلم النفس والصحة النفسية" (the Institute for Frontier Areas in Psychology and Mental Health) في فرايبورغ بألمانيا. ما تقرؤونه هو مقال له بهذه المواصفات:
Marc Wittmann, ‘Physicalism Is Dead’. Psychology Today, 2024. https://www.psychologytoday.com/intl/blog/sense-of-time/202411/physicalism-is-dead.
[2] Die fröhliche Wissenschaft
[3] phenomenal consciousness
[4] Galen Strawson. “A hundred years of consciousness: ‘a long training in absurdity’”. Estudios de Filosofía, 59 (2019): 31.
[5] Subjectivity
[6] category mistake
[7] «الخطأ المقولي» هو نوع من الخطأ المنطقي ويحدث عندما يُصنَّف أمر ما عن طريق الخطأ في فئة غير ذات صلة، وبالتالي تُنسب إليه خصائص لا يمكن أن تُنسب إلا لأعضاء فئة مختلفة من الأمور. من وجهة نظر المؤلف، فإن قضية «الدماغ يُنتج الوعي» هي حكم ناشئ عن خطأ مقولي. والسبب في ذلك هو أنه، عن طريق الخطأ، نُسبت عملية بيولوجية (الإنتاج) إلى تجربة ذاتية (الوعي). الوعي ليس من جنس المادة الفيزيائية حتى يمكن أن يُنتج من قِبَل عضو مثل الدماغ بنفس الطريقة التي يُنتج بها الكبد الصفراء، على سبيل المثال. تنتمي التجربة الذاتية إلى فئة مختلفة من الظواهر تختلف عن العمليات العصبية، حتى لو كانت هناك علاقة ترابط (غير سببية) بين التجربة الذاتية والعمليات العصبية ـــ م.
[8] Marc Wittmann. ‘Why Consciousness Research Should Be Conducted by Romantics’. Psychology Today, 2022. https://www.psychologytoday.com/intl/blog/sense-time/202211/why-consciousness-research-should-be-conducted-romantics.
[9] Panpsychism
[10] Bernardo Kastrup. Analytic idealism in a nutshell, A straightforward summary of the 21st century’s only plausible metaphysics. London: iff Books, 2024.
[11] reflexive consciousness
[12] Max Velmans, Understanding Consciousness. 2nd ed. New York: Routledge, 2009.
[13] dual-aspect monism
[14] Wolfgang Pauli
[15] C.G. Jung
[16] Atmanspacher, H., & Rickles, D. (2022). Dual-aspect monism and the deep structure of meaning. New York/London: Routledge.
[17] Insular Cortex
[18] Marc Wittmann ‘The Mystery of Subjective Time: A Case for Embodiment’. Psychology Today, 2021. https://www.psychologytoday.com/intl/blog/sense-time/202112/the-mystery-subjective-time-case-embodiment.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
سلام و ارادت و عرض ادب. یک پرسش از محضر شریف جنابعالی:در جملهی آخر فرمودید:به زعم من. این زعم ما به ازای خارجی اش کجاست ؟ آیا کر و کور مادرزاد ، زعم ندارد ؟ آیا زعم همیشه به محسوسات تعلق می گیرد ؟! منظور حقیر از زعم ، عین و خود خود خود ادراک زعم است و نه آثار ادراک زعم در مغز . مغز یک موجود مادی و بنابراین دارای ابعاد سه گانه و سایر ویژگی های ماده هست. خوب بفرمایید این زعم کدامیک از ویگی های یک ماده را دارد ؟!
اصلا آگاهی یعنی چی چی ؟ آگاهی ، یعنی آگاهی از چیزی . مثلا دیدن یک درخت ،مساوی است با آگاهی از وجود درخت . به قول پدیدارشناس ها آگاهی حیث التفاتی دارد . یعنی ما آگاهی غیرانضمامی نداریم . ما همیشه آگاهی و شناخت داریم به چیزی . آگاهی بحت و بسیط وجود ندارد . خب ! حالا مسئلتن : آیا آگاهی بدون استفاده و واسطه گری حواس ممکنه ؟ خیر ! یک کور مادرزاد هیچگاه درکی از رنگ نخواهد داشت . لب حرف من اینست که آگاهی حاصل تعامل حواس و مغز است ، که اگر چنین نبود یک کور مادرزاد هم میتوانست تصوری از رنگ داشته باشد . تکرار میکنم آگاهی غیرانضمامی وجود ندارد ، و اگاهی حاصل انضمامیات ( جهان خارج ) و حواس است . گیرم که تبیین های فیزیکالیستی هنوز ضعیف است ، سلمنا ! ، ولی آیا تبیین های غیرفیزیکالیستی قوی ترند ؟ به زعم من خیر .