اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
المواجهة مع الوهابية لا تقتصر على التشيع، بل هي صراع بين رؤيتين للإسلام؛ إحداهما قائمة على التأويل وعلم الكلام، والأخرى رافضة لأي نهج تأويلي أو اجتهادي. وسبيل الخروج منها يكمن في الروح النقدية والعقلانية ونبذ الدوغمائية.

يظن البعض أن الخلاف مع الوهابية والأفكار السلفية خاص بالتشيع. ومن الواضح أن الأمر ليس كذلك. فأول ردود الفعل تجاه الوهابية، كما نعلم، صدرت عن علماء أهل السنة في صورة تأليف مصنفات للرد عليهم. ومشكلة المذاهب التاريخية لأهل السنة مع السلفية لم تكن بالطبع مقتصرة على العصر الحديث وبسبب تعاليم محمد بن عبد الوهاب، وليست كذلك. فمنذ القرون الأولى في خراسان وبغداد ولاحقاً في الشام ومصر، كان هناك خلاف في الرأي بين الشافعية والحنفية ذوي النزوع إلى المدرستين الكلاميتين الأشعرية والماتريدية، وبين الحنابلة وأصحاب الحديث ذوي النزعة النصية الحرفية، وكانت هذه الخلافات في الرأي تؤدي بالطبع إلى عداوات وخصومات بدوافع سياسية واجتماعية في الغالب. ومن ذلك، نعلم على سبيل المثال كيف أن ما عُرف في المصادر بـ "فتنة ابن القشيري" أدى إلى نزاعات دموية في بغداد في القرن الخامس بين الأشاعرة وأصحاب الحديث والحنابلة. وفي عصر ابن تيمية أيضاً، لم تكن معارضة العلماء الأشاعرة لابن تيمية خافية على أحد. لقد كان الحنفية والشافعية لا يعتدون بالحنابلة إلى حد أنهم لم يكونوا ليرتضوا أن يذكروا في مصنفاتهم الفقهية آراء أحمد بن حنبل الفقهية، بحجة أنهم كانوا يعتبرونه مجرد محدث بسيط وليس فقيهاً صاحب دراية فقهية واجتهادية. والحنابلة من جانبهم لم يكونوا أقل عداوة وخصومة لعلماء الأشاعرة والماتريدية. وبخاصة كانت خصوماتهم مع الأشاعرة والشافعية أشد بسبب تداخل مناطق النفوذ. وكانت نتيجة ذلك تأليف مئات الكتب في الرد على علم الكلام الأشعري أو الماتريدي واتهامهم بإبداء عقائد بدعية. وبطبيعة الحال، لم تكن هذه الكتب تكتفي بطرح هذا النوع من العقائد على أنها بدعة والرد عليها، بل كان بعضهم يرفض أحياناً أي نهج تأويلي للقرآن والحديث ونصوص روايات السلف، خاصة في مجالات التنزيه والتوحيد، ويؤولون بعض تلك العقائد على أنها كفر، وإذا ما افترضوا أنها من جنس معتقدات الجهمية، لم يتوانوا أحياناً عن اتهام أصحاب تلك العقائد بالكفر. وحسناً، بهذا الحساب، لم يكن على الأشاعرة الشافعية والمالكية المذهب وحدهم أن يحسبوا حساب أمرهم، بل إن المعتزلة، الذين كان كثير منهم حنفيي المذهب (أو صاروا لاحقاً ماتريديي المذهب)، كانوا يعرفون جيداً ما هو موقفهم مع هؤلاء المحدثين كثيري الضجيج. ولاحقاً، مع بروز التصوف وانتشاره، الذي صار جزءاً لا يتجزأ من المذاهب التاريخية للإسلام السني، ازداد الوضع تعقيداً وصعوبة. فالحنابلة، باستثناء قلة منهم، لم يكونوا عموماً على وفاق مع التصوف؛ خاصة إذا ما اكتسى بلون مدرسة محيي الدين ابن عربي. وحسناً، في القرون المتأخرة، حين أخذ التصوف والطرق الصوفية في الانتشار على نطاق واسع في شمال أفريقيا ومصر والشامات وخراسان الكبرى، بل وتغلغل في المدارس الدينية التقليدية، كانت النتيجة أن شعرت التيارات السلفية والحنبلية في آن واحد بعداء متزايد تجاه المذاهب التاريخية، وبخوف من تعمق أزمة الهوية. كان الأمر واضحاً: "أهل السنة والجماعة" كانوا منظومة تنتمي في الأصل إلى الحنفية ثم الشافعية، ولم يدخل الحنابلة في عدادهم إلا ابتداءً من القرن السادس الهجري فصاعداً. وبهذا الحساب، كان من الطبيعي أن يؤجج الوضع المستمر للتخاصم بينهم وبين الممثلين الرئيسيين للمذاهب التاريخية للإسلام السني أزمات على مستويات أوسع. لقد وجد ابن تيمية، بموقعه المتميز من وجهة نظر الدور التاريخي (رغم أنه لم تخلُ علاقته بمشاكل مع معاصريه من السنة في زمانه)، إلى حد ما دور المنقذ للإسلام الحنبلي في القرون اللاحقة. ومع ظهور محمد بن عبد الوهاب واستتباب القوة السياسية لنجد والتوق إلى نوع من الإصلاح الديني من الطراز السلفي والإحيائي في القرنين الماضيين، تغير الوضع لصالح الحنابلة بل وازداد تحسناً، وهكذا أبصر مذهب الوهابية النور. ولكن، حسناً، ظلت الخصومات قائمة: ألم يكن الخلاف منذ البداية على رؤيتين في الإسلام؟إسلامٌ كان يُولي التأويلَ والاجتهادَ والتأملاتِ النظريةَ والكلاميةَ والفلسفيةَ قيمةً، مثَّل هذا المنظورَ من بينهم المعتزلةُ (الذين سرعان ما انضمَّ إليهم الشيعةُ الإماميةُ والزيديةُ) والأشاعرةُ والماتريديةُ وأهلُ إقليمِ التصوفِ، وفي المقابل منظورٌ معارضٌ لعلمِ الكلامِ والنظرِ الكلاميِّ والفلسفيِّ وأيِّ نهجٍ تأويليٍّ تجاهَ النصِّ المقدسِ والأحاديثِ، ومعارضٌ للنهجِ الاجتهاديِّ في الفقهِ (بل إنَّ الاجتهادَ من منظورِ الوهابيةِ والسلفيينَ دعوةٌ للخروجِ من المذاهبِ التاريخيةِ ومراجعةٌ مجدَّدةٌ للكتابِ والسنةِ، أي تلك المأثوراتِ الحديثيةِ التي كانت تأويلاتُها ذاتَها مدارَ اجتهادِ المجتهدينَ وأهلِ النظرِ طيلةَ قرونٍ). مع هذا الوصفِ كان الحظُّ حليفَ السلفيينَ والوهابيةِ: ففي القرنِ العشرينَ تدفَّقت دولاراتُ النفطِ، وصارَ بالإمكانِ بها الدأبُ على التبشيرِ بمذهبِ «السلفِ الصالحِ» بين المؤمنينَ بالإسلامِ من أتباعِ المذاهبِ التاريخيةِ لأهلِ السنةِ، ومن جهةٍ أخرى حلَّت بلوى عالميةٌ تُدعى الإسلامَ السياسيَّ والأصوليةَ الدينيةَ والإحيائيةَ الدينيةَ، التي تعودُ جذورُها بأشكالٍ مختلفةٍ إلى المدارسِ السلفيةِ وما زالت تعود. ضعفُ المؤسساتِ التقليديةِ للإسلامِ السنيِّ كالأزهرِ – الذي كانت له بالطبعِ أسبابٌ متعددةٌ – ضاعفَ هذه المشكلةَ، وهكذا صارَ الإسلامُ السلفيُّ فجأةً بعدَ قرونٍ يرى نفسَهُ ممثِّلًا للإسلامِ كلِّهِ، وما لم يَرُقْ لهُ وسمَهُ بسلاحِ التكفيرِ بوصفِهِ غيريَّاً وخارجيّاً وبدعةً وكفراً. حسنًا، قولوا لي الآن: هل المشكلةُ هي تقابلُ التشيُّعِ والتسنُّنِ أم تقابلُ منظورَينِ مختلفَينِ؟ أليسَ الحلُّ في هذا السياقِ هو تقويةَ الروحِ النقديةِ بين علماءِ المسلمينَ والسعيَ إلى تجديدِ الإسلامِ وإعادةِ بنائِهِ، بحيثُ يتوافقُ مع العقلانيةِ العلميةِ في مواجهةِ الدينِ والديمقراطيةِ الدينيةِ وحقوقِ الإنسانِ والابتعادِ عن الدوغمائيةِ الدينيةِ والمذهبيةِ، ويفتحُ لنفسِهِ طريقاً من عصورِهِ الوسطى إلى «التجديدِ» و«الحداثةِ»؟ هكذا سنشقُّ طريقاً نحوَ غدٍ أفضلَ من فضاءِ هذه النزاعاتِ المذهبيةِ العقيمةِ.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.