اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُبيّن مصطفى ملكيان الفروق المنهجية في العلوم السياسية؛ من المقاربة والمدخل إلى تصنيف مناهج البحث إلى وصفية وتحليلية ونقدية. كما يتناول العلاقة بين الوصف والتفسير ومناهج التأويل بالتحليل.

نشكر لكم على أنكم وضعتم وقتكم تحت تصرفنا، وكمقدمة نطرح هذا السؤال: ما الفرق أصلاً بين «الرهيافت» و«الرويكرد»؟ وهل الموقف (Attitude) أمر شخصي والمنهج (Approach) أمر غير شخصي؟
مصطفى ملكيان: بناءً على أصل الكلمة، أترجم Attitude إلى «الرهيافت» و Approach إلى «الرويكرد»، وإن كان بعض الناس قد ترجموا العكس. على هذا الأساس، الرهيافت دائماً شخصي، بينما الرويكرد قد يُستعمل أحياناً بمعنى الرويكرد التاريخي والاجتماعي والنفسي وغيره، وأحياناً يكون بمعنى شخصي.
أما المنظور (Perspective) فهو وفقاً لمصطلح معادل للرويكرد، وتعنيه الرؤية (View) أو وجهة النظر (Viewpoint).
وبالتالي، فإن المنظور (Perspective) له ثلاث معانٍ:
1. وجهة النظر (View) أو (Viewpoint)؛
2. النظر إلى المسألة من وجهة نظر فردية وجماعية (Collective)؛
3. النظر إلى المسألة من ناحية عملية ونظرية: أي الفرق في الرؤية من حيث الكون واقعياً وعملياً (Realistic and Pragmatic)، أو نظرياً وعملياً (Theoretical and Practical)، مثلاً مع قول مثل «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره» يمكن التعامل معه من الناحية النظرية وأيضاً من الناحية العملية (النفسية والاجتماعية وغيرها).
عادةً ما يُقابل الأسس المعرفية (Epistemologic) بالأسس الأنطولوجية (Ontologic)، فهل الأسس الإنثروبولوجية شيء مختلف عن هاتين؟
مصطفى ملكيان: في الواقع، الأسس الإنثروبولوجية جزء من الأسس الأنطولوجية، لكن أحياناً يُوضع كنظير للأسس الأنطولوجية؛ بناءً على الفرض الثاني، الأسس الأنطولوجية لا تشمل الأسس الإنثروبولوجية.
أحياناً يُناقش منهج المعرفة وينقسم إلى خمس فئات: العقلية (الفلسفية)، والتجريبية (العلمية)، والنقلية، والحدسية والتاريخية. وأحياناً يُقسم منهج البحث إلى توصيفي وتحليلي وتجويزي، وأحياناً يُشار في منهج البحث إلى مناهج مثل الهرمينوطيقا والظاهراتية وتحليل الخطاب وفك البنية؛ فكيف يمكن التمييز بين هذه الأقسام الثلاثة لمنهج البحث؟
مصطفى ملكيان: بحثنا هو عن منهج البحث، لا عن منهج الدراسة والدفاع والنقد والاستدلال. البحث يأتي بعد التتبع والدراسة كذلك يتعلق بالتنفيذ. على أي حال، القسم الأول الذي أشرتم إليه هو التقسيم الأولي لمنهج البحث. في هذا التقسيم يُشار إلى الخمس مناهج المذكورة أعلاه. المقصود من النقلي في هذا المقام هو التعبدي، مثل منهج علم الفقه. في الأسئلة اللاحقة سنعيد بسط هذا التقسيم.
إذا أردنا إجراء تقسيم ثانوي لمنهج البحث، يجب أن نشير إلى تقسيمكم الثاني والثالث. في التقسيم الثاني، يُقصد به المعنى الأعم والمعياري (Normative). القضايا الوصفية بالمعنى الأعم تقف في مقابل القضايا المعيارية. القضايا المعيارية تحتوي على «يجب» و«لا يجب». أساساً، تقسيم منهج البحث إلى عقلي وتجريبي ونقلي وحدسي وتاريخي، أو التقسيم إلى منهج ظاهراتي وبنيوي وأمثال ذلك، ليس تقسيماً معيارياً. المنهج الوصفي بالمعنى الأعم ينقسم بدوره إلى ثلاثة أقسام:
1. التقرير أو الوصف بالمعنى الأخص: التقرير يعني مجموعة آراء ونظريات أو نظرية فلان المفكر، أي يمكن أن يكون «محوراً للموضوع» أو «محوراً للمفكر».
2. التحليل (Analysis): في التحليل، الصحة والخطأ ليست معياراً والمقصد، بل يتناول مسألتين فقط: استكشاف جميع الفروض المسبقة لرأي ونظرية، وبيان الآثار والنتائج المترتبة على رأي.
3. النقد (Critic): هنا يطرح الحكم، ويمكن الحكم من وجهتي نظر نظرية وعملية. من وجهة النظر النظرية، يطرح السؤال عما إذا كان هذا الرأي موافقاً للواقع أم لا. من وجهة النظر العملية، تكون المسألة المهمة هي ما هي الآثار والنتائج التي ينتجها الاعتقاد بهذا الرأي في الفرد والمجتمع.
المناهج الظاهراتية وأمثالها - التي أشرنا إليها سابقاً - تتعلق بمرتبتي التحليل والنقد، لا بمرتبة التقرير (الوصف). النقد قد يكون نقداً تاريخياً (من التقسيم الأولي لمنهج البحث) أو نقداً ظاهراتياً (من التقسيم الثانوي لمنهج البحث).
تقسيمكم الأولي كان تقسيماً إلى الوصف بالمعنى الأعم والمنهج المعياري. فهل للمنهج المعياري تقسيمات أيضاً؟
مصطفى ملكيان: بلى، الطريقة المعيارية التي تناقش «الواجب» و«اللاواجب» تدخل حقلين: في الطريقة، وفي القيمة (Evaluative)، أي أحياناً يتم البحث عما يجب أن تكون عليه الطريقة، وأحياناً أخرى بخصوص القيمة فنحكم. والمسألة المثارة هي ما إذا كانت الدراسات العلمية في العلوم الإنسانية يمكنها أن تكون خالية من القيم أم لا. ويمكن طرح بحث «الموضوعية في العلوم الاجتماعية» لدى غونار ميرداल أو مباحث لاكاتوش في هذا السياق.
في التقسيم الثلاثي للوصف والتحليل والنقد، ألا يجب أن نضيف التفسير (Explication) كأحد أقسامه أيضاً؟
مصطفى ملكيان: لا، لأن الوصف والتقرير نفسه ينقسم إلى نوعين:
1. الوصف التعليلي (Causual Description)، وهو ما يسمى أيضاً بالتبيين (Explanation)؛
2. الوصف المشاهد، الذي لا يصل إلى مرحلة التبيين والتعليل ويقتصر على تقرير المشاهدات فحسب.
(...)
ما هي العلاقة بين الوصف والتبيين؟ هل هما مفهومان إضافيان؟
مصطفى ملكيان: بلى، كل تبيين بالنسبة إلى تبيين أبعد منه يشكل نوعاً من الوصف؛ وبالتالي فهما مفهومان إضافيان. القول «الماء يغلي في مئة درجة» هو وصف. يُسأل: لماذا؟ الجواب هو أن «الحركة الجزيئية للماء تزداد». هذا القول هو تبيين. إذا سُئل عنه مجدداً، فهذا القول يصبح وصفاً لتبيين لاحق.
هناك قضايا بلا شك هي وصفية ولا خلاف فيها، مثل قولنا «السكر حلو»؛ لكن فيما يخص ما إذا كان يمكن في مجال الوصف والتبيين الوصول إلى نقطة ليس لها فوقية، يجيب أفلاطون بالإيجاب والأرسطيون بالنفي. برأي الأرسطيين، كل وصف له تبيين. أما أفلاطون فقال إن «الفكرة» (المثال) هي جسم ثلاثي الأبعاد وهذا وصف يفوق الأوصاف.
دانيل ليتل يستخدم التبيين بمعنى آخر على ما يبدو. فهو يقسم طرق العلوم إلى نوعين عامين: تعليلي (التحليل السببي) وتفسيري، ويسمي كليهما تبييناً.
مصطفى ملكيان: هذه المشاكل تنشأ من فقر الترجمة إلى اللغة الفارسية. ما يقصده ليتل هو Explication وليس Explanation. التبيين في اصطلاحه وتقسيمه يختلف عن التبيين بمعنى الوصف التحليلي.
من أجل تقسيم ليتل يلزم أن أذكر مقدمة: القدماء كانوا يفصلون بين مقام الثبوت ومقام الإثبات. مقام الثبوت يتحدث عما حدث في العالم الواقعي، ومقام الإثبات يتعلق بفهمنا في فلسفة العلم الاجتماعي. هذا التفريق مهم. إذا كان البحث عن شيء حدث في العالم الواقعي، يتم الحديث عن التبيين (Explication) أو الجانب الموضوعي (Objective) للواقعة، وإذا تحدثنا عن كيفية معرفتنا، يأتي بحث التفسير (Interpretation) أو الجانب الذاتي (Subjective) للواقعة. على أي حال، يجب أن نفصل التبيين في هذا التقسيم عن التبيين بمعنى الوصف التحليلي؛ فمثلاً الطريقة الفهمية نوع من طرق التبيين (Explanation) وليس Explication.
أحياناً يتم الحديث عن الطريقة التفسيرية (بمعنى الطريقة الهرمينوطيقية والفينومينولوجية)، فهل هذه الطريقة قسم من الطريقة الوصفية والتحليلية والنقدية؟
مصطفى ملكيان: لا، الطريقة التفسيرية تقسم للطريقة الهرمينوطيقية والفينومينولوجية، وبالتالي تدخل في تقسيم ثانوي آخر لطريقة البحث. قلنا سابقاً إن طريقة البحث (Research Method) لها بشكل ثانوي تقسيمان: أحدهما الطرق الوصفية والمعيارية، والآخر الطرق الهرمينوطيقية والفينومينولوجية والبنيوية وغيرها.
دعني أضيف هنا ملاحظة أن الهرمينوطيقا لها معان مختلفة، وهي متعددة المعاني وغامضة. ما هو مقصود هنا هو الهرمينوطيقا بمعنى الطريقة التفسيرية، والهرمينوطيقا بمعنى طريقة البحث (Research Method).
أين تقع طرق مثل الطريقة الاستقرائية والقياسية؟
مصطفى ملكيان: يجب أن نميز بين منهج التبيين ومنهج الاستدلال. قلنا سابقا إن التبيين والوصف أمران نسبيان. عندما نطرح سؤال «لماذا» على قضية وصفية، فإننا نسأل عن علتها وتبيينها. التبيين قد يكون دوافعيا (Motivational) أو ميكانيكيا أو لغويا (Linguistic)؛ بطبيعة الحال، قد لا يمتلك تبيين ظاهرة جميع الأنواع السابقة؛ مثلا عندما نرى شخصا يتسلق الجبل، نسأل لماذا؟ هذا السؤال يطلب تبيينا. قد نقول: لأنه يريد أن يخفف وزنه من أجل الصحة (دوافعي) أو نقول: لتحويل الطعام إلى طاقة (ميكانيكي). التبيين الميكانيكي يتعامل مع المادة والعمل والطاقة والقوة، لكن التبيين الكائني يتصل أيضا بمفهوم الحياة والقوة الحيوية. التبيين الإلهي يتعلق بما وراء المادة (مثل الله والجوهر والملاك)؛ مثلا نقول: «لأن الله شاء ذلك». في المثال السابق يمكن أن يكون لدينا تبيين كائني وإلهي، لكن لا يمكن أن يكون لدينا تبيين لغوي.
حيث نريد أن نبين أن التبيين بصيغته الكلية صحيح، يبرز نقاش الاستدلال. الاستدلال يحول الاعتقاد إلى علم (معرفة). العلم يعني اعتقاد صادق مستدل؛ إذن منهج الاستدلال يمكن أن يكون منهج المعرفة أيضا، وبالتالي يمكن أن نقول إن مناهج الاستدلال هي: العقلية والتجريبية والنقلية والحدسية والتاريخية. الاستقراء يتعلق بالمناهج التجريبية، والقياس يتعلق بالمناهج العقلية؛ بطبيعة الحال، «الاستقراء الرياضي» فيه اشتراك لفظي مع الاستقراء المبحوث عنه، ويعتبر نوعا من المنهج العقلي. الإثباتية والرفعية (بوبر) والتأييدية (همپل) تتعلق أيضا بالمناهج التجريبية.
ما موضع العقلانية الناقدة بين المناهج المذكورة؟
مصطفى ملكيان: العقلانية الناقدة مشروع وليست منهجا. تعتقد العقلانية الناقدة بأنه باستخدام قواعد المنطق الصوري (في اتجاه بنية النفي والإثبات) والاستعانة بالفهم العرفي أو Common Sense (في اتجاه محتوى النفي والإثبات)، يمكننا الاندفاع نحو المعرفة؛ إذن هذا مشروع في مقابل مشروع التقليديين (الذين يعتقدون بالحدس). المشروع هو خطة كلية لمجال العلم أو العمل. المشروع هو أم لسلسلة من القواعد، أي أن القاعدة تنبثق من المشروع. الإيديولوجيا لها معان متعددة، لكنها بالمعنى التالي مترادفة مع المشروع: «اعتقاد لا يمكن إثباته». بهذا المعنى مشروع العقلانية الحديثة والتعقل الحدسي للتقليديين هو إيديولوجيا. بهذا المعنى الإيديولوجيا والمشروع افتراض بلا دليل (غير قابل للإثبات).
هل يمكن القول إن المنهجية (Methodology) درجة أعلى من منهج البحث وتعنى بتقويم وتقييم المناهج وتفحص حدودها وفعاليتها؟
مصطفى ملكيان: وفقا للمعنى الشهير للمنهجية، يمكن قبول قولك، لأن المنهجية لها ثلاث اصطلاحات:
1. معناها الشهير هو قياس ونقد (Critic) المناهج وتقييم حدودها وفعالياتها؛
2. أحيانا تسمى المنهجية ويقصد بها المنهج (Method) ذاته؛ مثلا يقولون منهجيتنا في هذا النقاش كذا وكذا.
3. أحيانا تطلق المنهجية على «مجموعة المناهج». اللاحقة «ي» Logy أحيانا بمعنى «علم» (مثل الفسيولوجيا) وأحيانا بمعنى «مجموعة»؛ مثلا Symbology يعني «مجموعة الرموز».
بالنسبة للباحث، المنهج والطريقة أهم، وليست المنهجية (بالمعنى الشهير). الباحث (Researcher) من حيث أنه باحث يتعامل مع المسائل من الدرجة الأولى (First Order؛ بطبيعة الحال، لا يمنع أن يشتغل على المنهجية من جهة أخرى.
المنطق العملي هو نفس المنهجية بالمعنى المذكور؟
مصطفى ملكيان: نعم، يمكن القول إن المنطق العملي practical logic أو (practical Reasoning) هو نفس المنهجية.
أنت في مقابلة مع مجلة سبع السماوات قدمت ثلاثة مداخل في دراسة الدين (الظاهراتي والنفسي والمقارن). يبدو أن هذه المداخل الثلاثة بناء على تقسيم المناهج إلى أولية وثانوية، الذي ذكرته، ليست في نفس الرتبة.
مصطفى ملكيان: لم أقصد أن تكون هذه في رتبة واحدة. الغرض أن هذه المداخل الثلاث الرئيسة موجودة في دراسة الدين، وإن لم تكن في نفس الرتبة.
عند فحص الدين، نقسم البراهين والأدلة إلى قسمين: خارج ديني وداخل ديني. أنت قلت في موضع ما إن الأدلة خارج الدينية هي أدلة عقلية بالمعنى الأعم. إذا أمكن أن تقدم توضيحاً في هذا الصدد.
مصطفى ملكيان: اصطلاحان "داخل ديني" Textual (والتعبير النقلي أصح له) و"خارج ديني" Metatextual أو Postextual قد استقرا في المعجم. قصدي من «العقلي بالمعنى الأعم» جميع الطرق المتاحة للإنسان، وتشمل التجريبي والحدسي والتاريخي والعقلي بالمعنى الأخص. المنهج العقلي أحياناً يُقابَل بالمنهج التجريبي والحدسي والتاريخي والنقلي؛ بهذا المعنى الرياضيات (بخلاف علم النفس) عقلية. العقل بالمعنى الأعم يقابل الوحي، أي جميع الطرق التي توصل إليها الإنسان.
إذا اعتبرنا الأدلة داخل الدينية مساوية للنقل، فينشأ هذا السؤال: أليس العقل نفسه أحد المصادر الأربعة داخل الفقه؟
مصطفى ملكيان: يجب أن نميز بين العقل كمصدر والعقل كأداة فهم. لمعرفة الواقع عدة مصادر مثل العقل والوحي. هنا قد يقول قائل (مثل الأخباريين) أنه للكشف عن الحقيقة يوجد الوحي فقط، لكن لاستعمال النصوص الوحيانية يمكن استعمال العقل كأداة؛ فما أشرت إليه هو العقل كأداة فهم النصوص الدينية.
حتى هنا، بناءً على الجدول أدناه، ميزنا التقسيم الأولي لمنهج البحث والتقسيم الثانوي لمنهج البحث عن المنهجية. أحياناً يُتحدث عن طرق أخرى مثل الميداني والمكتبي والتجريبي والمسحي. أنت توافق على أن نسميها فنون (Techniques) لجمع المعلومات، لا مناهج بحث؟
(...)
مصطفى ملكيان: نعم، يجب اعتبارها فنوناً. إحدى فنون البحث هي الميدانية، وتُستعمل في بعض العلوم مثل علم الاجتماع وعلم النفس. دراسة العينات والمسح هما مجموعة جزئية من الميداني. الملاحظة إما أن تكون مضبوطة أو غير مضبوطة؛ الملاحظة المضبوطة هي التي يستطيع الملاحِظ نفسه أن يهيئ الشروط ليلاحظ النتيجة. تُسمى الملاحظة المضبوطة Controlled Observation تجربة. بعض الملاحظات غير قابلة للضبط مثل الفلك. الفلكي لا يستطيع أن يقرب الكواكب والنجوم من بعضها أو يبعدها! في بعض مباحث جيوفيزياء، مثل الزلازل، توجد أيضاً ملاحظة غير مضبوطة. تُسمى الملاحظة غير المضبوطة الرصد (Celestial Observation).
الفنون أعلاه كل واحدة منها تُستعمل في علم ما؛ مثلاً في علم الاجتماع السياسي يمكن استعمال المنهج التجريبي، بينما في علم اجتماع الثورات هذا غير ممكن، لأن الثورات لا تتغير برغبتنا.
والحساب (Calculation) كلاهما يمكن أن يكون مجموعة جزئية من الميداني، ويُستعمل أكثر في الاقتصادقياس. المسح هو حيث توجد إمكانية القياس، والحساب يتعامل مع الكيفيات.
أحياناً يُترجم Survey بالمسح.
مصطفى ملكيان: نعم، هذه أيضاً ترجمة صحيحة. Measurement هو البحث الكمي فقط، لكن Survey يمكن أن يكون كمياً أو غير كمي.
ما هي الملاحظة الحرة؟
مصطفى ملكيان: المقصود من الملاحظة الحرة هو الملاحظة في الطبيعة. في المختبر، الملاحظة ذات طابع اصطناعي وليست حرة. الملاحظة الحرة تُستعمل كثيراً في العلوم الإنسانية.
هل الفن المكتبي هو نفسه الوثائقي؟
مصطفى ملكيان: إلى حد كبير هذان متطابقان، لكن لهما فروقات أيضاً. الوثيقة قد تكون كتاب أو غير كتاب (مثل النقد)؛ فالفن المكتبي (Libraric) أخص من الوثائقي (Documental).
أين يندرج دراسة العينات؟
مصطفى ملكيان: البحث بالعينة (Sampelic) هو أيضا فرع من الدراسة الميدانية. في هذه الطريقة يوجد الافتراض التالي: «حفنة من العينة تمثل الجرة كاملة»، أي «حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد»؛ لذلك إذا تم اختيار الحالات بطريقة عشوائية (Random)، تسري النتيجة على الكل. اليوم يقبل الباحثون عموما هذا الافتراض في منهج البحث. يمكن إجراء البحث بالعينة عن طريق الكتابة (الاستبيان) أو الشفاهة (المقابلة).
اليوم من المعروف في تخصصات العلوم الإنسانية في مؤسسات التعليم العالي أنهم يستخدمون في «مشروع البحث»، مصطلحات الفرضية والمتغير المستقل والمتغير التابع وما شابه ذلك؛ أليس هذا ناجما عن صعود الوضعية (Positivism) قبل عقود قليلة في الغرب، وكذلك عن انتقال طرق العلوم الطبيعية إلى العلوم الإنسانية؟
مصطفى ملكيان: في العلوم التجريبية - سواء العلوم الطبيعية أم العلوم الإنسانية - لا يجب استخدام مصطلح «إثبات الفرضية». الفرضية توجد في العلوم التجريبية، لكنها «غير قابلة للإثبات»، وإنما تُقوّى أو تُضعّف فقط. العلوم التجريبية تقابل العلوم العقلية.
و«القانون» (Law)، مصطلحات وضعية. إذا لم يقبل أحد بالوضعية، فلا يجب أن يستخدمها. برأيهم، من خلال مراقبة حالة جزئية بطريقة الاستقراء يمكن الوصول إلى قضية كلية. على عالِم الطبيعة أن «يثبت» الفرضية حتى تصبح «قانونا». الفرضية قبل الإثبات والقانون بعد الإثبات. إذا أصبح شيء قانونا، فلن يسقط من مقام الاعتبار، لأن القانون أمر أبدي.
أظهر الدحاضون (Negativists) أنه لا الفرضية تنشأ بتلك الطريقة ولا الطبيعة لها القدرة على إثبات الفرضية؛ لذلك يجب أن نتوقع من عالِم الطبيعة أن ينفي النظرية باستمرار. عدم النفي ليس أمرا قطعيا، أي أنه قد لا يتم نفيها لمدة ألفي سنة، لكن قد تُنفى بعد ذلك.
بوبر بناء على نظريته في النفي قال إنه لا يجب استخدام مصطلح الفرضية والقانون، وبدلا منها يجب أن نستخدم مصطلح «النظرية». من وجهة نظره، النظريات نوعان: نظريات قابلة للنفي لم تُنفَ (وهي مقبولة مؤقتا في العلم)، ونظريات قابلة للنفي تم نفيها (وهي تقع في تاريخ العلم). في الوضعية، أساسا لا توجد «نظرية».
في رأيي لا الوضعية ولا النفي جديران بالدفاع عنهما، وتأكيدية هيمبل تبدو أكثر جدارة بالدفاع عنها. على أي حال، بما أن الوضعية غير قابلة للدفاع بأي حال من الأحوال، فلا يجب أن نستخدم في مشروعنا البحثي مصطلحات الفرضية والمتغير المستقل والمتغير التابع. بدلا من ذلك يجب أن نستخدم مصطلحين: الأطروحة (Thesis) والنظرية (Theory). الأطروحة هي دعوى منسوبة إلى «الشخص»، والنظرية تنسب إلى «الموضوع» ذاته؛ مثلا يقالون: «أطروحة أينشتاين هي أن...» و«نظرية النسبية تقول كذا». أطروحة الدكتوراه تعني الدعوى التي يريد الطالب إثباتها، وبما أنها منسوبة إلى «له»، يُستخدم مصطلح «أطروحة» لها.
الأطروحة أو الدعوى لها نسبة إلى الشخص، والنظرية أو النظر له نسبة إلى محتوى الفكر. الآن السؤال هو: إذا لم تُثبت الدعوى أو النظرية، فماذا نسميها؟
مصطفى ملكيان: وفقا لوجهة نظر الدحاضين، أساسا لا شيء «يُثبت». التأكيديون (مثل هيمبل) يقولون أيضا إن النظرية قد تُؤكّد (Confirmation) أو لا تُؤكّد. من وجهة نظر الدحاضين، النظريات نوعان: نظريات باطلة (False) ونظريات لم تُنفَ أو ارتجالية (Adhoc). من وجهة نظر التأكيديين أيضا، النظريات نوعان: نظريات مؤكّدة (Confirmed) ونظريات غير مؤكّدة (Inconfirmed). في الرياضيات والمنطق والفلسفة يُستخدم مصطلح «الإثبات»، لأن Proving موجود (وإن كنت شخصيا لا أقبل بهذا فيما يخص الفلسفة)، في العلوم التجريبية وفقا للمنهجين السابقين، يكون النفي والتأكيد موضع الاهتمام. على أي حال، نسمي النظرية التي لم تُخضع للنفي أو التأكيد «ادعاء» (Claim). لاحظ أنني ترجمت Thesis بـ «أطروحة» (وهي مصدر) و Claim بـ «ادعاء» (وهو اسم مصدر).
عندما نستخدم مصطلح «النظرية»، هل هذا يعني بالضرورة نظرية متسقة ومنظمة؟
مصطفى ملكيان: «الانسجام» بين عدة أشياء؛ وبالتالي يجب رؤية ما إذا كانت النظرية تتضمن عدة أمور في ذاتها أم لا. بعض النظريات قابلة للتعبير عنها في شكل قضية واحدة، مثل E=mc2 وهي قضية واحدة. وبعضها قد يكون لديه n قضية، مثل نظرية داروين. وهنا يطرح موضوع الانسجام، وسؤالك يكتسب موضوعيته؛ وبالتالي يجب أن أجيب بأن النظرية بعمومها تشمل النظرية المنسجمة وغير المنسجمة، بل حتى النظرية الصحيحة والخاطئة.
هل يمكن القول بأن العلوم عادة ما وجدت على شكل نظريات؟ هل العلم مجموعة من النظريات؟
مصطفى ملكيان: بعض العلوم كانت كذلك. العلوم التي ليست ملاحظاتية وتجريبية عادة ما تبدأ بالنظريات، مثل الفلسفة؛ لكن العلوم التي تبدأ بالملاحظة والحس لم تكن نظرية في البداية. العلم هو مجموعة من النظريات زائد مجموعة الافتراضات المسبقة زائد المنهجية. وقد أضاف البعض عنصراً رابعاً يسمى «عرف أهل العلم»، وهذا غير مقبول لدي.
ما العلاقة بين المدرسة والنظرية والعلم والمنهج؟ هل يمكن القول بأن كل نظرية وكل مدرسة قد تملك منهجاً؟
مصطفى ملكيان: المدرسة (School) لها معنيان: المعنى الأول هو «مجموعة من النظريات داخل علم ما» (مثل مدرسة ريكاردو وكينز في الاقتصاد). في هذه الحالة تكون المدرسة مجموعة جزئية من العلم. المعنى الثاني هو عندما تقابل العلم. إذا كان عرض شخص ما يحمل طابعاً إيديولوجياً، يقال إنه يملك مدرسة. بهذا المعنى، المدرسة لها حجتها لطائفة معينة من الناس وهي مقبولة فقط لديهم. للمعنى الثاني يُستخدم أحياناً مصطلح Doctrine. إذا كان نقاشه عن الناس ذا عمومية، يقال إنه دخل «العلم». التركيب الكيميائي للدم نقاش علمي، وكون الدم نجساً نقاش مدرسي. الذين يقولون «الإسلام لا يملك علماً اقتصادياً بل مدرسة اقتصادية» استخدموا «المدرسة» بهذا المعنى؛ وبالتالي الإسلام بالنسبة للمعتقد به يقدم مباحث اقتصادية.
كل مدرسة أو كل نظرية قد تملك لنفسها منهجاً؛ فمثلاً يبدو أن الخطاب هو نظرية، لكن لا يوجد ما يمنع أن يحتوي أيضاً على منهج في هذا الصدد.
هل يمكن القول بأن مدارس مختلفة قد توجد ضمن إطار واحد من المنحى (Approach)؟
مصطفى ملكيان: نعم، يمكن النظر إلى ظاهرة ما من زوايا (Perspectives) مختلفة. كل زاوية قد تكون منحى؛ فمثلاً منحانا تجاه ظاهرة الثورة قد يكون اقتصادياً أو دولياً أو نفسياً اجتماعياً. في المنحى الاقتصادي قد توجد مدارس مختلفة.
الآن وقد وصل النقاش إلى هنا، يرجى منك تعريف النموذج الإرشادي (Paradigm) أيضاً.
مصطفى ملكيان: للنموذج الإرشادي حوالي ثلاثة عشر معنى، لكن يبدو أن كل واحد منها يعود إلى معنى آخر مثل النموذج والمشروع وغيره؛ لكن النموذج هو صورة ذهنية (Mental Image) لظاهرة تحت الدراسة، بحيث تُلاحظ فيها جميع خصائص تلك الظاهرة.
عادة ما يُعرّف النموذج الإرشادي بـ«إجماع علماء عصر ما». هذا المعنى من النموذج الإرشادي يتطابق مع أي مصطلح، وما الإشكالية في أن نقصد به هذا المعنى؟ هل يمكن في دراسة مسألة معينة (مثل القوة) أن نميز بين النموذج الإرشادي التقليدي والنموذج الإرشادي الحديث والنموذج الإرشادي ما بعد الحديث؟
مصطفى ملكيان: إجماع علماء عصر ما يتفقون فقط على افتراضات علم ما. وبعد تجاوز هذه الافتراضات، لا يوجد شيء متفق عليه وإجماعي. لا إشكالية في أن نسمي النموذج الإرشادي «إجماع علماء عصر ما»، لكن هذا ليس معنى جديداً دخل العلم مؤخراً. وإذا استخدمت لفظ «النموذج الإرشادي» كمضاف إليه «تقليدي» و«حديث» و«ما بعد حديث»، مثل «النموذج الإرشادي ما بعد الحديث»، فهو نفسه «تحديد القصد» (Description أو Assaying the Intention) ولا يكتسب معنى جديداً.
يعتبر كوهن في كتابه «نظريات الثورة» أن «النظرية» تجيب على سؤال «لماذا»، و«النموذج» يجيب على سؤال «كيف». وفي رأيه «النموذج عبارة عن تصور مجموعة من الظواهر بمساعدة أساس منطقي، والمقصد النهائي منه هو تنظيم المصطلحات والعلاقات، أي قضايا نظام صوري، وعند صحته يتحول إلى نظرية. النموذج أمر بنيوي وخالٍ من المحتوى. كل نموذج يشتمل على جزأين مهمين: الأساس المنطقي والآلية (بنية المفاهيم وارتباطاتها). النموذج عبارة عن آلية نتمكن بواسطتها من اكتشاف كيف وعلى أي أساس، ما التسلسل المنطقي الذي تتعلق به أجزاء تكوين نظرية ببعضها».
وبناءً على هذا، هل يمكن القول إن «النظرية» عادة تتعلق بالفكر والمدارس الفكرية، و«النموذج» عادة يتعلق بمجال علم الاجتماع؛ مثلاً عندما نتحدث عن «نماذج توزيع القوة» في حقل علم الاجتماع السياسي نشير إلى نماذج معينة، لكن عندما نتحدث عن «نظريات توزيع القوة» ننظر إلى أسسها الفكرية - مثل مدرسة التوتاليتاريانية والديمقراطية؟
مصطفى ملكيان: نعم، فهمك صحيح. أشار كوهن إلى أحد معاني النموذج؛ لكن يجب الانتباه إلى أن الفصل بين «لماذا» و«كيف» ليس دائماً ممكناً. بتعبير أرسطو، بعض أفعال الإنسان تتم لبلوغ فعل آخر (كغاية). لهذه الأفعال، يطرح السؤال عن لماذا وكيف؛ مثلاً أسأل: لماذا تأكل التفاح؟ يقول: لأن معدتي تؤلمني وأريد أن تشفى. أسأل: كيف تأكله؟ يقول: مع القشرة. أكل التفاح هنا تم بغرض آخر. النوع الثاني من الأفعال، تلك التي ليست غايتها فعل آخر. «الرقص» في الثقافة اليونانية القديمة كان لكي يصلوا من شدة الحزن أو السرور إلى حالة التوازن. هذا الفعل لا يتم لأجل فعل آخر، أو مثل حك اليد الذي هو بذاته غاية.
ألا يمكن القول إن الرقص وحك اليد هنا يتمان بقصد التوازن الروحي أو راحة النفس؟
مصطفى ملكيان: مقصدي أنه إذا كان «فعل آخر» غايته، فإن لماذا وكيف يختلفان، مثل القضايا الاجتماعية والثورة، لكن إذا اتخذنا لذة النفس وما شابهها هدفاً، فلا توجد أي فعل بدون غاية.
ما هي العلاقة بين المعرفة والتخصص والعلم، وما تصنيف المناهج العقلية والتجريبية والحدسية والتاريخية والنقلية؟
مصطفى ملكيان: تنقسم المعرفة إلى ثلاثة أقسام:
1. المعرفة القضوية: في هذا القسم توجد معرفة «أن» (أن شيئاً ما موجود)، مثل «أعرف أن اليوم هو الخميس». المعرفة قد تتعلق بقضية واحدة (بسيطة) أو بمجموعة قضايا. مجموعة القضايا قد تحتوي على موضوع واحد ومحمولات متعددة، أو قد لا تحتوي على موضوع واحد ولا محمول واحد. إذا كان الموضوع واحداً والمحمول متعددداً، يسمى ذلك تخصصاً أو تخصصاً دراسياً، تماماً كما أنه إذا كان الموضوع والمحمول متعددين، يسمى ذلك معلومات؛ وهكذا اتضح أن التخصص أخص من المعرفة؛
2. المهارة أو الفن أو معرفة لا يمكن تحويلها إلى قضية وتعتبر نوعاً من المهارة. هنا يطرح السؤال عن معرفة «كيف» (كيفية الفعل). القيادة، على سبيل المثال، لها علم وفن؛ لكن الجزء الأكبر منها فن. فيما يتعلق بالسياسة أيضاً يُناقش ما إذا كانت السياسة علماً أم فناً؛
3. معرفة التعريف (الهوية)، أي معرفة التعرف على الأفراد.
والتخصص ينقسم بدوره إلى خمسة أقسام:
1. عقلي، يشمل الرياضيات والمنطق والفلسفة. كان القدماء يعتبرون المنطق والرياضيات شيئين منفصلين، لأنهم كانوا يعتبرون الرياضيات من المفاهيم الأولى الماهوية والكمية، والمنطق من المعقولات الثانية المنطقية. من القرن التاسع عشر فما بعده، لم يقبل العلماء هذا الرأي، وقال البعض مثل راسل إن الرياضيات نوع من المنطق، لكن البعض الآخر يرى أن المنطق نوع من الرياضيات؛
2. تجريبي (علمي)، يشمل قسمين: طبيعي (الفيزياء والكيمياء)، وإنساني (علم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة)؛
3. حدسي، يشمل العرفان وجزءاً من علم النفس؛
4. تاريخي، يشمل التاريخ والجغرافيا التاريخية واللغويات وجزءاً من الفقه؛
5.النقلي (بمعنى التعبدي)، مثل الفقه. أحياناً يكون النقلي بمعنى التعبدي وأحياناً يُطلق على التاريخي أيضاً.
من ما جاء في ما سبق يمكن الاستنتاج أن العلم (Science) أخص من الاختصاص (Discipline)، تماماً كما أن الاختصاص أخص من المعرفة (Knowledge).
(. . .)
وفي أي مكان يقع منهج التبرير (Context of justification)؟
مصطفى ملكيان: مبتكر هذا التقسيم هو رايخنباخ؛ طبعاً تم انتقاده بعد ذلك على أساس أن التمييز بينهما غير كاف وبينهما تداخل، وثانياً أنهما غير شاملين وهناك احتمال وجود قسم ثالث. على أي حال فإن المقسَّم لهما هو منهجية تكوّن العلم بمعنى الفرع العلمي (Discipline)، أي النقاش حول كيفية نشأة فرع علمي مثل الفقه (أو الفلسفة أو الفيزياء أو علم النفس).
هل المقصود من «تكوّن العلم» تشكله الأولي؟
مصطفى ملكيان: لا، المقصود هو التشكل التدريجي للعلم؛ مثلاً علم الأحياء تشكل على مدى ألفي سنة، وقضاياه إما أنها في مجال الاستكشاف أو التبرير. كل عالم أحياء في النهاية إما يستكشف أو يبرر، لكن الفرضية التي تخطر بالبال تنبع من الاستكشاف وليس من التبرير.
القدماء كانوا يقسمون المعرفة أو الحكمة إلى قسمين: نظري وعملي، وكانوا يضعون السياسة ضمن قسم من الحكمة العملية. لم يكونوا يبحثون في الفلسفات المضافة (مثل الفلسفة السياسية) ولم يكن لديهم عنوان مثل «فلسفة الحكمة العملية». إذا أمكن أن توضح مكانة الفلسفات المضافة حتى نقترب من اصطلاحات مثل الفلسفة السياسية وفلسفة علم السياسة.
مصطفى ملكيان: فلسفة الحكمة أعم من فلسفة العلوم التي تتعامل مع القيم (وتُدعى Axiology أو علم القيم) وفلسفة العلوم الوصفية (وهي تشمل العلوم العقلية والتجريبية والحدسية والتاريخية والنقلية). العلوم التي تتعامل مع القيم تندرج على الأقل تحت أربعة أقسام:
1.الأخلاق، التي تبحث في تسعة قيم: الخير والشر والصواب والخطأ والواجب واللاواجب والواجب والمسؤولية والفضيلة (والرذيلة)؛
2.السياسة، التي تبحث في قيم مثل الحرية والمساواة والأخوة والعدالة. راولز بخلاف الآخرين يأخذ الإنصاف بمعنى العدالة؛
3.الجمالية، التي تتحدث عن قيم مثل الجمال والقبح والروعة والفخامة والنبل. تُسمى فلسفة الجمالية أيضاً «فلسفة الفن»؛
4.فقه الأديان، التي تبحث في الأحكام الخمسة (الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والتحريم) والنجاسة والطهارة والحلية والحرمة (الأحكام التكليفية).
من هنا يتضح أن فلسفة الأخلاق غير فلسفة السياسة، رغم أن مسائلهما قد تتداخل.
أحياناً تُستخدم الفلسفة المضافة (مثل فلسفة التاريخ أو فلسفة الأخلاق أو الفلسفة السياسية) بمعنى الدرجة الأولى (First Order) وأحياناً بمعنى الدرجة الثانية (Second Order). في الحالة الثانية تُسمى فلسفة علم التاريخ وفلسفة علم الأخلاق وفلسفة علم السياسة. فما مكانة الفلسفة السياسية التحليلية بين هذه، وهل لدينا أيضاً شيء ثالث يسمى فلسفة السياسة؟
مصطفى ملكيان: من الأفضل أن نبدأ النقاش بهذه الطريقة: لدينا واقعة مثل وقائع التاريخ والأخلاق والسياسة (وما شابه ذلك)، وعلم يتعلق بها مثل علم التاريخ وعلم الأخلاق وعلم السياسة؛ فإذن التاريخ (History) مشترك لفظي. عندما نقول «في تاريخ البشر حدثت حربان عالميتان»، فإننا ننظر إلى «واقعة التاريخ»، وعندما نقول «في التاريخ يقولون...» أو Morality. علم السياسة ذو الاتجاه التجريبي يُسمى عادة Politics، والعلوم المتعلقة بالسياسة تُسمى Science Political أو العلوم السياسية. Science اسم جمع يمكن أن يُجمع أيضاً. Politics له على الأقل ثلاثة استخدامات: الأول السياسة ذات الاتجاه التجريبي، والثاني السياسة اليومية (مثلاً يقالون إنه من أهل السياسة)، والثالث بمعنى السياسة الحكومية (Policy).
علم التاريخ والأخلاق والسياسة من الدرجة الأولى. بالإضافة إلى هذه يجب أن نذكر فلسفة التاريخ وفلسفة الأخلاق والفلسفة السياسية بمعنى الدرجة الأولى، وفلسفة علم التاريخ وفلسفة علم الأخلاق وفلسفة علم السياسة أيضاً.
(. . .)
مصطفى ملكيان: كل علم يكون موضوعه الواقع (Fact) فهو من الدرجة الأولى، وكل علم يكون موضوعه تخصصاً علمياً (دیسیپلین) فهو من الدرجة الثانية. الكيمياء موضوعها المواد، فهي من الدرجة الأولى. فلسفة الكيمياء تُعتبر من الدرجة الثانية. وعلى هذا الأساس فلسفة السياسة من الدرجة الأولى، وفلسفة علم السياسة من الدرجة الثانية. فلسفة المضاف ليست دائماً من الدرجة الثانية. فلسفة الدين وفلسفة نظرية التاريخ وفلسفة النفس من الدرجة الأولى، لأنه مثلاً لا يوجد تخصص علمي (دیسیپلین) باسم الدين.
إذا كان علم التاريخ وفلسفة التاريخ من الدرجة الأولى، فما الفرق بينهما؟
مصطفى ملكيان: علم التاريخ جميع قضاياه جزئية: ناصر الدين شاه فعل كذا والمشروطية حدثت كذا. فلسفة التاريخ تبحث في المسائل الكلية في التاريخ، لكنها أيضاً من الدرجة الأولى؛ مثلاً يُبحث فيها هل سير التاريخ نحو التطور أم نحو الانحطاط. فلسفة علم التاريخ من الدرجة الثانية. فلسفة الأخلاق أيضاً من الدرجة الأولى. لعلم ما بعد الطبيعة للأخلاق ثلاثة اصطلاحات، وطبق أحد الاصطلاحات تُساوى مع فلسفة الأخلاق. الأخلاق تبحث في الخلق والصفات الإنسانية نفسها، وفلسفة الأخلاق (Ethics أو Moral Philosophy) تبحث في الكليات في هذا الشأن. فلسفة علم الأخلاق (Philosopy of Morals) أو (Metaphysics of Morality) أيضاً من الدرجة الثانية. فلسفة السياسة (Political Philosophy) من الدرجة الأولى وتتناول الظواهر السياسية والأحكام العقلية بشأنها، بينما (Metaphysics of Politics) من الدرجة الثانية. المقصود من «فلسفة السياسة» هو نفسه «فلسفة علم السياسة». شتراوس (في: ما هي فلسفة السياسة؟) بحث في فلسفة السياسة (الدرجة الأولى)، وكوينتن (في: فلسفة السياسة) بحث في فلسفة السياسة من الدرجة الأولى والثانية معاً. للأسف الترجمات في اللغة الفارسية غير دقيقة.
أحياناً من فلسفة السياسة يُراد بها فلسفة الحكومة.
مصطفى ملكيان: نعم، لكن هذه ليست ترجمة صحيحة. الاصطلاحات السابقة في لغتنا أحياناً تُترجم بشكل خاطئ وتُستعمل بهذه الطريقة.
كوينتن يبحث أيضاً في فلسفة السياسة التحليلية وهي من الدرجة الثانية، وهي لم تكن موجودة في تقسيمك.
مصطفى ملكيان: فلسفة السياسة التحليلية هي نوع من المناهج ولا يجب أن تُعتبر قسيماً لفلسفة السياسة وفلسفة علم السياسة. يجب أن نميز أنواع علم ما عن المدارس الفكرية لعلم ما. الفلسفة التحليلية إحدى مدارس الفلسفة، وهي تتبنى منهجاً تحليلياً من الدرجة الثانية. في علم النفس أيضاً مثلاً لدينا ثمانية أنواع من المناهج (علم نفس النمو والتربية وغيرها)، لكن هناك ثلاث مدارس فكرية مثل مدرسة التحليل النفسي والمدرسة السلوكية والمدرسة الإنسانية في هذا العلم. في النوع الثالث يدور البحث حول كيف "يجب" أن يكون النفس الإنساني.
على أي حال فلسفة السياسة التحليلية بصفتها منهجاً تتناول تحليل المفاهيم واللغة ولها ثلاث أقسام رئيسية:
1. الفلسفة النقدية (Critic) وليس النقد (Criticism)، وهي اتجهت نحو النفي بنجاح، مثل مدرسة فرانكفورت؛
2. الفلسفة الظاهراتية: الظاهراتية لعلم (وليس ظاهراتية ظاهرة واحدة وهي من الدرجة الأولى)؛
3. الفلسفة التقييمية (Evalvative)، وهي تبحث في مقدار دخول الحسابات القيمية في مباحث العلماء.
في فلسفة العلوم (مثل فلسفة علم التاريخ وفلسفة علم الأخلاق وفلسفة علم السياسة) يتم بحث أي المسائل؟
مصطفى ملكيان: في فلسفة كل علم يتم بحث ثلاث فئات من المسائل:
1. المسلّمات: أي المبادئ التصورية والتصديقية التي كان القدماء يضعونها في مقدمة العلم؛
2. المنهجية (بمعنى الطريقة وليس علم الطرق)؛
3. تاريخ تطور ذلك العلم: في السابق كان يتم بحث تاريخ العلم ضمن العلم نفسه، لكن الآن بسبب نموه وتطوره أصبح جزءاً من فلسفة ذلك العلم ويتناول نوعين من البحث:
البحث الذي يدرس ما هي المسائل التي مرّت بهذا العلم، والبحث المعياري (Noramative) الذي يدرس ما هي الأخطاء أو نقاط التحول التي حدثت في ذلك العلم. أحياناً يُشار إلى هذا القسم باسم "تاريخ إخفاقات العلم ونجاحاته".
أحياناً يُستعمل لفظ "الفلسفة" بمعنى "الهدف" و"السبب" أيضاً، مثل "فلسفة الصيام".
مصطفى ملكيان: بلى، يُطلق عليه باختصار (الحكمة التشريعية أو الحكمة الوجودية Reason)، وهو خارج عن نطاق بحثنا.
ألا يمكن القول إن مسائل الفلسفة السياسية تتمتع بالاعتبارية بهذا المعنى — أي أن موضوعات الفلسفة السياسية (مثل السيمرغ أو «التشريع» من الشارع) لها منشأ استخراجي في الخارج — لكن المفكّر والفيلسوف السياسي يعتبر مفاهيم مثل القوة والديمقراطية لبحث هذه الموضوعات؟
مصطفى ملكيان: بعض مسائل وموضوعات الفلسفة السياسية على هذا النحو، لكن البعض الآخر موجود بالفعل. مفاهيم مثل الرئاسة والديمقراطية والجريمة والانتخابات و«الحرية من أجل» من الفئة الأولى، بينما مفاهيم مثل المساواة والعدالة التوزيعية والعنف و«الحرية من» والعقوبة من النوع الثاني. الرئاسة والانتخابات اعتبارية، وتتغير برأي المعتبرين، لكن العنف و«الحرية من» موجود بذاته. العنف ظاهرة فيزيائية مؤلمة على الساحة الاجتماعية. القضيتان «السيد إكس رئيس جمهورية» و«السيد إكس حر» مختلفتان. الأولى قد تزول أو توجد برأي جديد من المعتبرين، لكن القضية الثانية لها علاقة بالواقع.
يجب قبول المبدأ الأساسي بأنه في الفلسفة السياسية توجد فئتا موضوعات، لكن قد يحدث اختلاف في المصاديق. العدالة، وفقاً لتقسيم ما في فلسفة القانون، نوعان: العدالة التشريعية (Legislative) والعدالة التوزيعية (Distributive). بطبيعة الحال، أرسطو يستخدم مصطلح «العدالة التبادلية» مقابل العدالة التوزيعية.
بناءً على العدالة التوزيعية، من هو عادل هو الذي لا يرتكب عملاً مخالفاً للقانون. هذا المعنى من العدالة يأتي بعد وضع القانون. في العدالة التشريعية يثار السؤال: هل القانون نفسه قد وُضع بعدل أم لا. العدالة التوزيعية موجودة في الخارج مثل العنف، بينما العدالة التشريعية اعتبارية.
بشأن الديمقراطية أيضاً هناك نقاش، لكن في رأيي هي مفهوم اعتباري.
الحرية أيضاً نوعان: «الحرية من أجل» و«الحرية من». النوع الأول اعتباري، والنوع الثاني غير اعتباري. في السياسة، في الأغلب، يدور البحث عن الحرية من النوع الأول.
القوة بحد ذاتها لا تُناقش في السياسة، لأن المقصود في السياسة هو القوة السياسية (Political Power) التي نشير إليها باسم «السلطة» (Authority). السلطة موجودة في ميدان السياسة. السلطة أو القوة السياسية اعتبارية، لكن يبدو أنه يمكن تصوّر قوة سياسية غير اعتبارية أيضاً، وجودها قائم بذاته.
ما الفائدة والثمرة من هذا التقسيم؟ هل يمكن تصور فائدة عملية لتقسيم الموضوعات السياسية إلى اعتبارية وغير اعتبارية؟
مصطفى ملكيان: نعم، تظهر فائدة وثمرة البحث في طريقة فحص هذين النوعين من الموضوعات. القضايا الاعتبارية وغير الاعتبارية لها منهجيتها الخاصة، وكل منهما يُفحص بما يناسبه. القضية «السيد إكس رئيس جمهورية» تُفحص بالمستندات والوثائق السياسية الاعتبارية، والقضية «السيد إكس حر» بطريقة أخرى.
أنت في المسائل النظرية معتقد ب«فكرة عدم اليقين»، ولا تعتبر أي برهان من البراهين على إثبات وجود الله كاملاً. على أي أسس تستند هذه الفكرة؟ وألا تُطرح فكرة عدم اليقين في الفلسفة السياسية بطريق أولى؟
مصطفى ملكيان: فكرة عدم اليقين العامة مستندة إلى نقد العقل العملي والنظري (من كانط) ونقد التجريبية (من سيلارز وكواين وفيتجنشتاين)، وهذه الفكرة تُطرح بطريق أولى في الفلسفة السياسية أيضاً.
إذا جاوزنا أدلتك ومبانيك، ينشأ السؤال: ألا تؤدي فكرة عدم اليقين في الفلسفة السياسية إلى نوع من النسبية؟
مصطفى ملكيان: عندما رأينا أننا لا نصل إلى يقين في هذه المسائل، يجب أن نقبل بالإجماع والتوافق العام. في حالة عدم وجود إجماع، لا خيار سوى أن يكون رأي الأكثرية هو الأساس. والأداة في ذلك الاستفتاء وما شابهه.
عادة ما تقسم الاتجاهات السائدة الفلسفة إلى قسمين: الفلسفة القارية (Continental) والفلسفة التحليلية (Analytic). وقد ذكرتم في حوار مع جريدة «الاختيار» (16/10/78) أن الفلسفة التحليلية لها فرعان: المنطقي واللغوي؛ وأن الفلسفة القارية تضم فروعاً مثل الظاهراتية والوجودية والتيار الهرمنيوطيقي والتيارات ذات البادئة الجديدة (مثل التوماسية الجديدة والكانطية الجديدة والهيغلية الجديدة)، والبنيوية، وما يسمى بنزع البنية وأشباهها. وبطبيعة الحال، أشرتم إلى أن هذا التقسيم يواجه إشكاليات من جوانب معينة تتعلق بالغموض وفقدان معيار التقسيم.
والآن، إذا سلمنا بهذا التقسيم وفقاً للرأي الشائع، فالسؤال هو: هل يمكن تطبيق هذا التقسيم ذاته على العلوم الإنسانية أيضاً بشأن أنواع المنهجية؟
مصطفى ملكيان: تنقسم العلوم إلى قسمين: تجريبي وغير تجريبي (تاريخي). وكل من هذين القسمين ينقسم بدوره إلى إنساني وغير إنساني. التقسيم الذي أشرتم إليه في سؤالكم ينطبق على العلوم التجريبية الإنسانية. أي أنه في العلوم التجريبية الإنسانية يمكن تقسيم المنهجية إلى فرعين: المنطقي واللغوي من جهة، وفروع أخرى مثل الظاهراتية والهرمنيوطيقا والبنيوية ونزع البنية من جهة أخرى. لكن هذا التقسيم لا ينطبق على العلوم التجريبية غير الإنسانية (مثل الفيزياء والكيمياء). وبخصوص العلوم غير التجريبية (التاريخية)، فإن هذا التقسيم لا يكفي أيضاً، لأن التاريخ لا يتعامل مع الكليات، وتلك المنهجيات السابقة تتعلق بالكليات.
مع تجديد شكري لمشاركتكم في هذا الحوار، وفي الختام إذا كان لديكم توصية خاصة، فتفضلوا بها.
مصطفى ملكيان: توصيتي لجميع الأصدقاء الذين يدرسون في تخصصات العلوم الإنسانية، هي أن يملأوا الفجوات القائمة في المجالين التاليين: أولاً، في مجال إيجاد رؤية عميقة وفلسفية حول موضوع عملهم، وثانياً، بخصوص توضيح المفاهيم في تخصصهم. إذا لم تكن هناك دعامة فلسفية، يصبح الشخص مشابهاً لجهاز كمبيوتر يمتلك كمية كبيرة من المعلومات. أداة هذه الرؤية هي الفلسفة التحليلية والمنطق (وليس بالضرورة المنطق القديم). المفاهيم في تخصصات العلوم الإنسانية - خاصة في بلدنا - فوضوية جداً. قد يكون لكل مفهوم عشرات المعاني، وكل شخص قد يستخدمه بما يتفق مع غرضه. يجب علينا، بالإضافة إلى معرفة المعاني المختلفة للمصطلح الواحد، أن نقوم بـ «تحديد المقصود» في نقاشاتنا.
.
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
الدين
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.