اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تحوّل كتاب هايدغر «الكينونة والزمان» في إيران، وخصوصاً في ثمانينيات القرن العشرين، إلى مادةٍ لجدالاتٍ لا سند لها؛ إذ انتفض كثيرون في وجهه دون أن يقرأوه. وتُظهر إعادة قراءة مفهوم الموت في فكر هايدغر أن الإنسان يبلغ قراراته الأصيلة باستباقه للموت.

لعلنا إذا استثنينا كتاب «الميتافيزيقا» لأرسطو وبضعة مؤلفات بارزة ومهمة في الفلسفة الغربية من حيث الأسبقية التاريخية، نجد أن كتاب «الكينونة والزمان» هو أحد أهم الكتب وأكثرها تأثيراً في تاريخ الفلسفة الغربية، ومن البديهي أن ترجمته إلى أكثر من 17 لغة في العالم دليل على أهميته. لكن لعل الأكثر إثارة من هذه النقطة هو مسألة دخول هذا العمل إلى إيران. فبعد أن طرح هنري كوربان اسم هايدغر وتحاور الدكتور سيد أحمد فرديد معه، تخاصم الجميع لاحقاً على كتاب لم يقرؤوه أصلاً، وربما يمكن القول إن طرح هايدغر بوصفه فيلسوفاً غربياً في إيران يُعد من أكثر المسائل إثارة وإدهاشاً في آنٍ معاً مما حدث في هذه الجغرافيا خلال السنوات الماضية.
كل ما نعيشه ليس أكثر من تأويل وليس أقل من ذلك؛ فأشياء العالم تُؤوَّل دوماً في إطار قيمنا الذهنية، وهكذا فإن العالم الوحيد الذي يمكن معرفته هو عالم الاختلافات، أي عالم التأويلات. جياني فاتيمو
لعلنا إذا استثنينا كتاب «الميتافيزيقا» لأرسطو وبضعة مؤلفات بارزة ومهمة في الفلسفة الغربية من حيث الأسبقية التاريخية، نجد أن كتاب «الكينونة والزمان» هو أحد أهم الكتب وأكثرها تأثيراً في تاريخ الفلسفة الغربية، ومن البديهي أن ترجمته إلى أكثر من 17 لغة في العالم دليل على أهميته. لكن لعل الأكثر إثارة من هذه النقطة هو مسألة دخول هذا العمل إلى إيران. فبعد أن طرح هنري كوربان اسم هايدغر وتحاور الدكتور سيد أحمد فرديد معه، تخاصم الجميع لاحقاً على كتاب لم يقرؤوه أصلاً، وربما يمكن القول إن طرح هايدغر بوصفه فيلسوفاً غربياً في إيران يُعد من أكثر المسائل إثارة وإدهاشاً في آنٍ معاً مما حدث في هذه الجغرافيا خلال السنوات الماضية.
مثير للاهتمام لأن كل الحروب والجدالات التي وقعت في عقد الثمانينيات بين أدعياء الفكر الإيراني بولعهم الخاص بفيلسوفين غربيين، كانت على كتاب لم يقرأه أي من الطرفين. أو إن كان ثمة من يدّعي قراءة هذا العمل فهو عادةً من يلتزم الصمت وبطبيعة الحال ليس من أهل الجدال. ولا يكاد يوجد مهتم بالمباحث الفكرية إلا ويتذكر جدال البوبريين والهايدغريين (السروشيين والفرديديين) في عقد الثمانينيات، حيث انقضوا بكل ما أوتوا من قوة على بعضهم البعض من خلال منبرين مهمين ومؤثرين (من جهة مجلة «كيهان فرهنگي» كقاعدة ومنبر لمحبي مارتن هايدغر والمتحاورين معه من تلامذة الدكتور سيد أحمد فرديد، ومن جهة أخرى مجلة «كيان» بوصفها الناطق الرسمي لعشاق الفلسفة التحليلية وكارل بوبر وعلى لسان الدكتور عبد الكريم سروش)، دون أن يقرؤوا أو حتى يفهموا كتاب هايدغر المهم أي «الكينونة والزمان»،
اليوم ربما يُطرح هذا السؤال: ما هو هذا الكتاب أساساً؟ ولماذا طال أمد العراك على لحاف الملا نصر الدين إلى هذا الحد؟ حتى أنه رغم مرور 15 أو 20 عاماً على تلك العاصفة الكبرى، فإن التصريحات التي يدلي بها أحد المدّعين من كلا الطرفين بين الحين والآخر تلقي بظلالها الثقيلة مجدداً على عالم الفكر.
على أية حال، تسعى هذه الكتابة إلى إعادة قراءة متقطعة (وربما غير واعية) لطالب فلسفة لكتاب الكينونة والزمان استناداً إلى ترجمة سياوش جمادي وغيرها من الترجمات المتاحة (التي تبدو أحياناً شديدة الغموض والإبهام لفرط صعوبتها) وربما بعض الدراسات الأحادية لمفكرين وباحثين في الفلسفة (وليسوا فلاسفة) من أبناء الوطن، وتسعى إلى إعادة فهم مفهوم الموت في فكر هذا الفيلسوف، وإن بدت هذه القفزة بعيدة المنال...
هايدغر هو مفكر الوجود، كل صعود وهبوط فكره، كل منعطفاته ومراجعاته، كل كلماته الغريبة والمستحدثة، وكل كثرة مضامين أعماله، تنحدر كدروب الغابات أو كأفرع نهر عظيم نحو مركز ثقل واحد وموحِّد: «الكينونة من حيث هي كينونة؛ الوجود بما هو وجود». الكينونة؛ هذه هي نقطة انطلاق مسيرته الفكرية، والإجابة عن سؤال: ما الكينونة؟ هي مقصده، ومجموع أعماله المئة مجلد (التي إذا ما احتسبنا ثلاثة مجلدات سنوياً من المجلدات غير المنشورة، فينبغي انتظار انتهاء نشرها في عام 2020) هي دروبه وليست أعماله نحو المقصد المذكور.
الوجود سرّ: محيط، ينبوع موحّد وأساس لكل كثرة. لكن السؤال ما زال بلا جواب: ما هو الوجود نفسه؟ على حدّ علمنا، لا يجيب هايدغر! يقف في الطريق ويموت في منتصف المسافة بين المبدأ والمقصد!
ألم يطرح أحد من قبل سؤالاً بهذه الفظاعة؟ ألم يجعل أرسطو الوجودَ بما هو موجود الموضوعَ الرئيسي لفلسفته؟ أو لم يُسقط أفلاطون في رسالة السوفسطائي القارئَ في الحيرة إزاء ماهية الوجود؟ الجواب إيجابي، وهايدغر نفسه مطّلع على هذه الحقيقة. لكن الأجوبة لا تقنعه؛ لقد طرحوا جميعاً السؤال عن الوجود وأجابوا عنه بذكر الموجود: فكل الأقانيم الأولى، من ماء ونار وذرة وأعيان ثابتة ومقولات، هي موجودات لا وجود. والجواهر الثلاثة، والجوهر الواحد، والروح المطلق، والتصور، والعود الأبدي، كلها موجودات لا وجود. حتى الوجود بوصفه مادة اشتراك جميع الموجودات لا ينفذ إلى ساحة الوجود؛ فوجود الموجودات ليس بموجود. إذن، ما الوجود أو الكينونة؟ لا ينحصر في تعريف، ولا يتسع له مفهوم، وطبعاً، وفق هذه التأويلات، ليس من سنخ المقولات. لكن لماذا؟ ألأنه مشهود وبديهي؟ ينبغي أن يكون الجواب سلباً، ويجب الاعتراف بأن هذا الموضوع قد استتر من فرط بداهته.
الوجود سرّ: محيط، ينبوع موحّد وأساس لكل كثرة. لكن السؤال ما زال بلا جواب: ما هو الوجود نفسه؟ على حدّ علمنا، لا يجيب هايدغر! يقف في الطريق ويموت في منتصف المسافة بين المبدأ والمقصد! السؤال هو: إلى أين يجرّنا، بوصفه فيلسوفاً أو مفكراً، في النظر أو العمل؟ بل يمكن أن نسأل: لماذا ينبغي أن يكون هذا "السؤال عن معنى الكينونة" بهذه الحيوية والجدية، إلى درجة أن الإنسان لا يعتدّ به إلا بقدر ما يكون معبراً له؟ والحق أن الإنسان في فكر هايدغر لا اعتبار له لذاته فقط. حتى في فكر هايدغر المتقدم، حيث كتاب "الكينونة والزمان" يخوض برمّته في شرح وبيان كينونة الإنسان، لا يُطرح الإنسان إلا بوصفه موضوعاً أنطولوجياً (أو أنطولوجياً) ولا اعتبار له إلا من حيث مقوّمات أسس وجوده: الانقذاف في العالم أو الإنتاج، حدّ الإمكانات والمستقبل (أي الموت)، وحالات كالواقعية، والموجودية، والفهم، والكلام، والاهتمام، وإكزستنسيالات مسبوقة بحدّ الولادة ومدفوعة إلى حدّ الموت. لا مكان لتعليم أبيقور والرواقيين عن الموت في فكر هايدغر: ما دمنا موجودين فالموت ليس بموجود، وحين يوجد الموت لا نكون نحن موجودين.
في فكر هايدغر، تظهر أكثر العزائم والقرارات أصالة حين يكون الموت قد تجلّى مسبقاً كإمكان: الحرية، والتاريخانية، والتجاوز عن الوضع الراهن، وإسقاط الذات في هناك وفي ما وراء. كل هذا، في آفاق الموت ونهاية العدم، يكشف عن معناه الأصيل. الإنسان في فكر هايدغر مطروح كموجود كهذا: كدازاين (Dasein)، ذلك الموجود الذي كينونته ليست منغلقة ومختوماً عليها سلفاً كالخشب والحجر والمَلك والإله أو الشيطان. كفسحة مفتوحة في غابة كثيفة، كنور الوجود وقنديل الدليل.
لعل دوستويفسكي قال: "النملة الأبيَض تعرف طريقها، لكن الإنسان لا يعرف طريقه." وهايدغر يصنع من هذا الكلام القصير والبسيط سبع خوانٍ، لا نخرج من أي جهة منها إلا وقد ازددنا حيرة. إنه، بمعادلته بين الإنسان والدازاين، يعدد أهم مقومات الإنسان (أو الدازاين) على النحو التالي:
۱. الإنسان ليس شيئاً، أي ليس قابلاً للتعريف ولا للتنبؤ، بل كينونته هي أساس المعاني.
۲. الدازاين ليس جوهراً ساكناً، بل هو في تحول دائم ويومي.
۳. الإنسان حرّ في اختيار شكل ومضمون كينونته من بين جميع الإمكانات الوجودية. إنه لا يُختار في ساحة الكينونة، بل هو يختار كيف يكون.
بالنظر إلى هذه الخصائص، ينبغي لنا أن ندّعي أن الإنسان الذي يتحدث عنه هايدغر في «الكينونة والزمان» و«مسالك» هو كائن شديد التعقيد وغامض. حقيقة الإنسان ليست فقط ما يُلاحظ ظاهريًا. وبسبب هذا التعقيد والغموض، لا يمكن تقديم معيار كلي لقياسه وتقييمه. علوم مثل علم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الأحياء، وسائر العلوم الإنسانية لا يمكن لأي منها أن تفهم الإنسان في كليته. الإنسان كائن استثنائي، «متناهٍ» و«ناقص». وليس الأمر أن الموت يُكمل هذا الوجود الناقص؛ فحتى النقص لا يحوّلنا إلى كمال. الكمال الذي يطلبه الإنسان فيما وراء ذاته؛ التوترات، والمساعي، والصراعات التي تشهد أننا هنا وهناك في آنٍ معًا! وانفتاحنا على العالم الذي يدفعنا كقوة كامنة دائمًا نحو فعلية وجود إمكانياتنا، كل هذا، لا يبلغ أبدًا، حتى مع الموت، حد كمال النمل.
حتى الآن، قلّما تحدث أحد عن اهتمام هايدغر بدوستويفسكي. لكن أوتو بوغلر وكارل لوفيث هما من بين القلة النادرة التي تشير إلى هذا التعلق. وفقًا لبوغلر، فإن هايدغر من بين أوائل نقاد التراث الأوروبي «كان يولي الأهمية القصوى لدوستويفسكي»، ويذكر كارل لوفيث صورتين على مكتب هايدغر، إحداهما تعود لخالق «الإنسان الصرصار». وكما أن الجدران بالنسبة للإنسان الصرصار هي رأس يوقف طليعية الإنسان كما يوقف اصطدام قرن الثور بعائق، فإن الموت أيضًا هو توقف للاستكمال والتعالي. حتى الموت لا يُغلق ملف وجود الإنسان بالكامل كما يصدق الأمر على النمل الأبيض. بتعبير آخر، يحوّل الموتُ الإكزستنسيالي، في عدم اكتماله وعدم بلوغه المراد، إلى إكزستنسيلي.
هل هي مصادفة أن وجود هايدغر بعد موته لا يزال مستمرًا في أعماله غير المنشورة؟ عيون النملة البيضاء منذ البداية وحتى النهاية ليست منفتحة على الآتي، على الزمان، وعلى إمكانية الموت وردّ الكل على العالم. موت الإنسان في خضم الانفتاح على العالم يُعميه فجأة، وهكذا يموت الإنسان دائمًا ناقصًا ولم يبلغ مراده. كل موجود عدا الإنسان، بتعبير ما، يولد أعمى، ويعيش أعمى، ويموت أعمى؛ لكن الإنسان مفتوح العينين، حاضر في العالم، ويموت بعيون مفتوحة. بتعبير هايدغر، الحجر داخل العالم، لكنه ليس في العالم. الشجرة، والحصان، وحتى الملاك والله هم موجودون، لكن في ذواتهم وليس في العالم! «الزمان» يربّينا ويبلينا معًا. كل نفس نتنفسه، كما يمنحنا الحياة، يقرّبنا من الموت، ومواجهة هذا الأمر بعيون مفتوحة تتطلب رجالًا وتستحث التأمل. بتعبير هايدغر، الإنسان هو الكائن الذي يقف خارج ذاته. إنه متجه نحو «هناك». الدازاين (الوجود الإنساني) يمكنه أن يضع ذاته على ذاته. مثلًا، لا يمكن لكأس ماء أبدًا أن تطرح نفسها على نفسها وتفكر في ذاتها. الحيوان كذلك. نحن وحدنا من يمكننا أن نقف خارج ذواتنا، ننظر إلى أنفسنا ونتحدى ذواتنا ونسائلها.
بالنسبة لهايدغر (ولكل مفكري الوجودية)، الانغماس في الحياة اليومية يعني عدم الأصالة. الشخص المنغمس في الحياة اليومية لا مشروع له، وهو غريب عن الحقيقة، وقد فقد إمكانياته الأصيلة، ولا يخرج من ذاته، وليس منفتحًا على العالم. أي أنه في الأصل محروم من الحرية والاختيار الحقيقيين. عندما لا يتجلى حضور الإنسان في العالم من خلال قراراته ومواقفه، يكون له وجود غير أصيل. الانغماس في الحياة اليومية، بالنسبة لهايدغر، هو نوع من التملص والهروب من المسؤولية؛ لأننا متى ما أدركنا وضعيتنا، ينبغي لنا حينها أن نلقي بمشاريع في العالم، وأن نتجاوز الوضع القائم باختيارنا وحريتنا، ونصبح مسؤولين وملتزمين تجاه أنفسنا ومشاريعنا. لكننا بالانغماس في «اليومية» نتملص من هذه المسؤوليات.
وعلى هذا الأساس، فإن كل شيء، وكل موجود، عدا الإنسان، هو كائن، لكنه ليس حاضرًا في العالم، والعالم ليس حاضرًا بالنسبة له. الإنسان موجود في العالم، حاضر فيه، وهو وحده الذي يمتلك الإيك-زيستنس (Ek-sistenz)، أي أنه يخرج من ذاته ويقف خارجها. وبناءً على ذلك، فإن الموجودات الأخرى هي كائنات، لكنها لا تمتلك الإيك-زيستنس (القيام الحضوري). إنها منغلقة على ذاتها. وبحسب هايدغر، فإننا نكون في حالة «إيك-زيستنس أصيل» عندما نتعرف على إمكانياتنا وندرك أن «الموت» هو الإمكان الأقصى للإنسان. أن تكون أصيلًا يعني أن تعرف الدازاين في كليته. ومن هذا المنطلق، إذا أردنا أن نعرف «الدازاين» في كليته، فلا بد لنا من بلوغ الوعي بالموت. يفترض هايدغر الأصالة كطريقة حياة تقع في مرحلة أسمى من «اليوم-موتية».
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.