اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى باومان أن شيوع النزعة الاستهلاكية هو السبب الرئيسي للخَدَر الأخلاقي في المجتمعات الحديثة؛ حيث أصبحت العلاقات الإنسانية، شأنها شأن السلع الاستهلاكية، قابلة للاستبدال وتفتقر إلى الالتزام طويل الأمد، مما يدفع المجتمع نحو الإعفاء الأخلاقي.

يبدو أن الأفراد في العالم المعاصر أصبحوا، إلى حد كبير، غير مبالين بالقيم الأخلاقية، بل وفاقدين للإحساس بها، على حد تعبير باومان. وهو يرى أن السبب الرئيسي لهذا الخَدَر هو شيوع النزعة الاستهلاكية في المجتمعات الحديثة، ويحذر من مخاطرها الجسيمة.
ليست السياسة سوى جزء من النشاط البشري متعدد الأوجه الذي أصيب بـ«الخَدَر الأخلاقي». بل يمكن اعتبارها من الخسائر الجانبية، لا المصدر والمنبع، لآفة مستشرية تلتهم كل شيء. السياسة هي فن الممكن، وبالتالي فإن أي فضاء اجتماعي-ثقافي خاص يخلق سياسته الفريدة، ويجعل خلق أنواع أخرى من السياسة أمراً صعباً، ويجعل فعاليتها أكثر صعوبة من ذلك. وفضاؤنا الحديث السائل ليس استثناءً من هذه القاعدة.
عندما نستخدم مفهوم «الخَدَر الأخلاقي» للإشارة إلى انعدام العاطفة، واللامبالاة، وعدم الاكتراث، أو حتى الهدوء وبرودة الأعصاب إزاء مصائب الآخرين ومشكلاتهم (والمثال البارز على ذلك هو «غسل اليدين» الذي قام به بيلاطس البنطي)،[1] فإن «الخَدَر» يحمل معنى استعارياً؛ فهذه الكلمة تنتمي في الأصل إلى حقل الظواهر الجسدية والحسية – معناها الأصلي هو خلل في بعض أعضاء الحس، سواء البصر أو السمع أو الشم أو اللمس، يؤدي إلى العجز عن إدراك منبه كان ليُحدث، في الظروف «الطبيعية»، صورة أو صوتاً أو تأثرات من هذا القبيل.
أحياناً يكون هذا الخَدَر الجسدي والحسي مرغوباً فيه، ويتم إحداثه اصطناعياً بمساعدة المسكنات، ويُستخدم كإجراء مؤقت أثناء العمليات الجراحية أو عند حدوث اضطراب جسدي شديد الألم، عابر أو عضال؛ وليس الهدف أبداً جعل الجسد محصناً من الألم «إلى الأبد». يعتبر الأطباء الخَدَر الدائم مصدراً للمشاكل: فمهما يكن من أمر، الألم سلاح مهم يدافع به الجسد عن نفسه ضد التهديدات المحتملة المهولة؛ الألم يحذرنا بأن نسعى للعلاج قبل فوات الأوان. إذا لم ينذر الألم في الوقت المناسب بوجود خلل يستوجب التدخل، فإن المريض سيؤجل العلاج إلى أن يصبح مرضه غير قابل للشفاء (إن أفظع الاضطرابات الجسدية، والأكثرها صعوبة في العلاج، هي الأمراض التي لا تكون مؤلمة في مراحلها الأولى، أي في الوقت الذي تكون فيه قابلة للمداواة وربما للشفاء). ومع ذلك، فإن الخَدَر الدائم (أي تعاطي دواء التخدير وفقدان الإحساس بالألم على المدى الطويل) لا يبدو للوهلة الأولى مزعجاً بشكل واضح، ناهيك عن اعتباره تهديداً. يجب الإقرار بأن وعد التحرر الأبدي من الألم، والحصانة من جميع تجلياته المستقبلية، هو إغراء لا يقوى على مقاومته إلا قلة قليلة. لكن أقل ما يمكن قوله هو أن التحرر من الألم له مزايا وعيوب... التحرر من الألم يمنع الانزعاج، ويخفف لفترة قصيرة من المعاناة المحتملة الشديدة، لكن هذا الأمر قد يكون في الوقت نفسه فخاً يوقع «مستهلكيه الراضين» في شركه.
عندما نستخدم مفهوم «الخَدَر» ليس بصدد الظواهر الجسدية والحسية، بل بصدد العلاقات بين البشر، وبالتالي مقروناً بصفة «الأخلاقي»، فإننا ننسى أن الألم هو نوع من الإنذار، ونوع من التحذير، ونوع من وسائل الوقاية. إذا لم ننتبه في الوقت المناسب إلى أن الاتحاد البشري وديمومة المجتمع الإنساني قد أصابهما خلل، ولم نسع لإصلاحه، فإن الأوضاع ستسوء. بعبارة أخرى، سنتجاهل الخطر أو نقلل من شأنه إلى أن تصبح التفاعلات البشرية سطحية وعابرة وواهنة وغير مستقرة، وبالتالي لا يمكن اعتبار هذه التفاعلات عاملاً محتملاً لصيانة الذات الجمعية. في الواقع، هذا هو جوهر العملية المسماة بـ«التفريد» (يمكن تلخيص هذه العملية في العبارة التي تتردد على الألسنة هذه الأيام: «أحتاج إلى مساحة أكبر»، أي أريد التخلص من معاشرة الآخرين وتدخلاتهم). عملية «التفريد» لا تنطوي بالضرورة على نية «لاأخلاقية»، لكنها تؤدي إلى وضع لا حاجة فيه إلى التقييم والمراقبة الأخلاقيين، أو الأهم من ذلك، لا مكان لهما فيه.
يُطلق على العلاقات المعاصرة بين الأفراد وصف «النقية» – أي الخالية من الهموم، والمُعرّاة من الالتزامات غير المشروطة، وبالتالي دون حسم للأمور أو رهن للمستقبل. الأساس الوحيد والسبب الأوحد لاستمرار العلاقة هو الرضا المتبادل بها. لطالما اعتُبر ظهور «العلاقات النقية» وانتشارها خطوة كبرى في طريق «التحرر» الفردي (وقد اعتُبر هذا التحرر، شئنا أم أبينا، حريةً من القيود والأغلال الناشئة عن الالتزام تجاه الآخرين). لكن ما يجعل هذا التفسير مثارًا للجدل هو مفهوم «المعاملة بالمثل»، إذ إن الحديث عن هذا المفهوم في هذه الحالة تحديدًا هو ضرب من المبالغة التي لا أساس لها. فرضا الطرفين المتزامن في العلاقة لا يعادل بالضرورة «المعاملة بالمثل»: فهذا لا يعني سوى أن كلًا من طرفي العلاقة «في آنٍ واحد» راضيان. وما يجعل هذه العلاقة غير متبادلة حقًا هو الإدراك بأن إنهاءها هو قرار أحادي الجانب ومن طرف واحد (وهذا الإدراك يكون أحيانًا مدعاةً للسلوى، وفي أحيان أخرى عامل قلق واضطراب). إن الوجه المميز الرئيسي لـ«الشبكات» – وهي الكلمة التي تُستخدم هذه الأيام بدلًا من أفكار «الجماعة» و«المعاشرة» التي تبدو بالية ومتجاوزة – هو بالتحديد حق الفسخ «أحادي الجانب» هذا. فعلى عكس الجماعات، تُنشأ الشبكات بشكل فردي، ويُعاد تنظيمها بشكل فردي، أو تُفكك بشكل فردي. إن دوام الشبكات وبقاءها مرهون فقط برغبة الفرد وإرادته المتقلبة. لكن في كل علاقة يوجد «اثنان» ... فالفرد الذي «فقد الإحساس» أخلاقيًا (أي القادر والمستعد لتجاهل رفاه الآخر) يأخذ بنفس اليد التي يعطي بها، وهو في الآن ذاته ذات وموضوع لفقدان الإحساس الأخلاقي. إن «العلاقات النقية» لا تنبئ عن تحرر متبادل، بل عن فقدان إحساس أخلاقي متبادل. وفي هذه الحال، فإن «الثنائي» عند ليفيناس لم يعد منبعًا للأخلاق، بل تحول بدلًا من ذلك إلى عامل «الإعفاء الأخلاقي» الحديث السائل، الذي يُكمّل ويحل في الوقت ذاته محل الإعفاء الأخلاقي البيروقراطي الحديث الصلب (والإعفاء الأخلاقي يعني إخراج الأمور من نطاق التقييم الأخلاقي).
يقتفي الإعفاء الأخلاقي الحديث السائل أثر نموذج العلاقة بين المستهلك والسلعة، وتتوقف فعاليته على انطباق هذا النموذج على العلاقات الإنسانية. نحن المستهلكون نسعى وراء سلعة لإشباع رغباتنا وحاجاتنا ونشتريها، لكننا لا نقسم يمينًا على أن نبقى أوفياء لهذه السلعة إلى الأبد، ولا نواصل استخدامها إلا طالما أنها تلبي توقعاتنا – أو حتى نصادف سلعة أخرى تعد بإشباع الرغبات ذاتها بشكل أفضل من السلعة السابقة. جميع السلع الاستهلاكية، بما فيها السلع المسماة «معمّرة»، قابلة للاستبدال كليًا وللرمي؛ ففي الثقافة الاستهلاكية – أي الثقافة المستلهمة من الاستهلاك والمتجهة نحوه – كلما زادت اللذة الناجمة عن «امتلاك» موضوعات الاستهلاك عن اللذة الناجمة عن «استعمالها»، تقلصت الفترة الزمنية الفاصلة بين الشراء والرمي. وكلما أسرعت هذه الموضوعات في إشباعنا (وبالتالي بقيت مرغوبة لمدة أقصر)، قصر العمر الافتراضي لاستعمالها، وزاد التخلي عنها ورميها. قد يساعد الموقف الاستهلاكي في دوران عجلة الاقتصاد، لكنه يضع العصي في عجلة الأخلاق.
بطبيعة الحال، ليست هذه هي المصيبة الوحيدة التي ابتُليت بها الأفعال الأخلاقية في الفضاء الحديث السائل. فبما أن حساب الربح والخسارة لا يمكنه أبدًا أن يُخمد الضغوط غير المعلنة لكن الشديدة والعاصية للدافع الأخلاقي، فإن عدم الاكتراث بالأحكام الأخلاقية وعدم المبالاة بالمسؤولية الناشئة عن (على حد تعبير ليفيناس) «وجه الآخر» يفضيان إلى مرارة، أي ذلك الشيء الذي نسميه «تأنيب الضمير» أو «الهواجس الأخلاقية». وهنا تهرع إلينا العروض الاستهلاكية للنجدة مرة أخرى: فبهدايا المتاجر يمكن التكفير عن ذنب التقصير الأخلاقي، لأنها تُظهر فعل الشراء، على الرغم من إغراءاته ودوافعه الأنانية والمتمركزة حول الذات حقًا، كفعل أخلاقي. ونتيجة لذلك، فإن الثقافة الاستهلاكية، باستغلالها للدوافع الأخلاقية الناشئة عن الخطأ والمخالفة التي كانت هي سببها ومشجعها، تحول جميع المتاجر والمؤسسات الخدمية إلى صيدلية مليئة بالأدوية المسكنة والمخدرة، أدوية يُفترض بها أن تسكن الآلام الأخلاقية، لا الجسدية، أو أن تخمدها كليًا.
مع اتساع نطاق القصور الأخلاقي واشتداده، يزداد الطلب على المسكّنات بلا هوادة، ويتحوّل استهلاك المهدّئات الأخلاقية إلى إدمان. ونتيجةً لذلك، يصبح الخَدَر الأخلاقي المصطنع والمُستحَثّ نوعًا من الإكراه أو «طبيعة ثانية»: حالة دائمة وشبه شاملة – وبذلك يُحرَم الألم الأخلاقي من دوره النافع كمنبّه ومحذّر ومُفعِّل. يتم كبت الألم الأخلاقي قبل أن يصبح مدعاةً حقيقية للقلق والانزعاج، ونتيجةً لذلك تزداد شبكة الروابط الإنسانية ذات النسيج الأخلاقي وهنًا وهشاشةً وتتداعى. وحالما يتعلّم المواطنون أن يلتمسوا حلّ مشكلاتهم ومعضلاتهم في الأسواق الاستهلاكية، فقد تصبح السياسة (أو بالأحرى قد تُستحَثّ وتُدفَع في نهاية المطاف) إلى أن تعدّ البشر «مستهلكين» في المقام الأول، و«مواطنين» بفارق شاسع في المقام الثاني؛ وأن تعيد تعريف شغف المستهلك بصفته فضيلة المواطن، ونشاط المستهلك بصفته أداءً للواجب الرئيس للمواطن.
.
.
زيغمونت باومان فيلسوف بولندي ومنظّر «الحداثة السائلة». ما قرأتموه هو ترجمة لهذا النصّ له:
Zygmunt Bauman and Leonidas Donskis, Moral Blindness: The Loss of Sensitivity and Liquid Modernity, Polity Press, 2013, pp. 12-16.
.
.
[۱] وفقًا لرواية «الكتاب المقدس»، طلب بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني لليهودية، أمام أعين اليهود الذين كانوا يطالبون بإعدام يسوع، ماءً وغسل يديه ليُظهر أنه لا يريد أن يكون دم المسيح على عنقه. [م.]
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
مصرف گرایی نیز همانند بیحسی اخلاقی، معلول هست باید بدنبال علل دیگری بود