إذا اعتبرنا دولةً ما ظالمة، فهل تكون مواجهتها بأي ثمن وإلى أي وقت واجبًا أخلاقيًا علينا؟ يبيّن هذا المقال، مستلهمًا من نقاش رحمن قهرمانپور، أن إدراك الظلم ليس نهاية الحكم الأخلاقي؛ بل يجب أيضًا أن تُراعى في تحديد حدود الواجب التكاليف التي يدفعها الناس، والتناسب، واحتمال النجاح، ووجود طرق أقل كلفة.

الكاتب: هيئة تحرير صدانت
يبدأ النقاش العام حول السياسة الخارجية الإيرانية غالبًا بسؤال ثنائي: هل الولايات المتحدة وإسرائيل خير أم شر؟ والافتراض غير المعلن لدى الطرفين هو أنه إذا قُبل حكمه على الطرف المقابل، فإن النتيجة العملية ستتبع تلقائيًا. وهذا المقال يضع هذا الافتراض موضع تساؤل.
وللمضي قدمًا في النقاش، نفترض أن منتقدي الولايات المتحدة وإسرائيل محقون في حكمهم الأخلاقي، وأن هذين الطرفين قد ارتكبا ظلمًا في الحالات محل البحث. عندئذ يصبح السؤال:
حتى إذا اعتبرنا الولايات المتحدة وإسرائيل ظالمتين، فهل يترتب من كونهما ظالمتين أن إيران ملزمة بمواصلة مواجهتهما مهما كان حجم التكلفة، ولأي مدة، وبأي درجة من التصعيد؟
المدعى الذي نريد الدفاع عنه في هذا المقال هو أن الإجابة ليست بالضرورة إيجابية: إثبات ظلم الطرف المقابل، وحده، لا يثبت أن واجبنا في مواجهته غير محدود. نحن لا نفترض صحة هذا المدعى مسبقًا؛ بل نقدم الاستدلال خطوة خطوة، ونطرح أقوى الاعتراضات المقابلة أيضًا، ونترك الحكم للقارئ. وهذا المدعى لا يقول إن الدولتين «جيدتان»، ولا يقول إنه ينبغي الاستسلام. بل يقول فقط إن إدراك الظلم هو بداية الحكم الأخلاقي، لا نهايته.
رحمن قهرمانپور كاتب ومترجم وباحث في العلوم السياسية؛ ولد عام ۱۳۵۴ في بناب، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة الشهيد بهشتي. وقد عمل بين عامي ۱۳۸۱ و۱۳۸۴ خبيرًا في السياسة الخارجية لدى مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية، ورئيس تحرير مجلة «همشهري ديبلوماسي»، ومن بين أعماله المعروفة ترجمة كتب «النظام والانحطاط السياسي» و«الهوية» و«الليبرالية ومناوئوها» لفرانسيس فوكويامافرانسیس فوکویاما.[1]
الدافع وراء هذا المقال هو مناظرة نُشرت في مهر ۱۴۰۵ ضمن برنامج «المناظرة السياسية» في نادي السياسيين، بحضور قهرمانپور ومصطفى نجفي.[2] وقد طرح قهرمانپور في تلك المناظرة تشبيهًا لتوضيح «حدود الواجب الأخلاقي». وحدود هذا النص واضحة: حيثما نكتب «قهرمانپور»، فإننا ننقل كلامه في هذه المناظرة؛ وحيثما نكتب «إذا دفعنا استدلاله خطوة أخرى» أو «في رأي هيئة التحرير»، فإننا نتجاوز كلامه ونتحمل مسؤولية ذلك.
يستخدم قهرمانپور تشبيه المصاب لتوضيح المسألة. شخص يتعرض لحادث على جانب الطريق وأنت شاهد عليه. ما واجبك؟ يبدو أولًا أن الاتصال بالإسعاف كافٍ. لكن ربما ينبغي أن تذهب مع سيارة الإسعاف، وربما يجب أن تبقى في المستشفى للتأكد من تلقيه العلاج. وهو يبين أن هذه السلسلة يمكن أن تستمر بلا نهاية: هل تذهب إلى منزله بعد خروجه من المستشفى؟ وإذا فقد عمله، هل تسعى إلى مساعدته على العودة إليه؟ هل تتأكد من قدرته على إعالة أسرته؟ من هنا يتشكل سؤاله الأساسي: أين ينتهي واجبنا الأخلاقي؟
يرى قهرمانپور أن أحد أسس تحديد هذا الحد في الفلسفة السياسية الحديثة هو «العقل المشترك» (Common Sense). فالعقل المشترك في مثال الحادث يقول إنه بعد إبلاغ الإسعاف ينبغي تسليم الأمر إلى المختصين؛ فالواجب الأخلاقي ليس بالضرورة غير محدود.
قارنوا هذا التشبيه بأشهر حجة معاصرة في هذا المجال. يتخيل بيتر سينغر طفلًا يغرق في بركة ضحلة. فإذا كان بإمكانك إنقاذه مقابل اتساخ ملابسك بالطين، فينبغي لك بلا شك أن تفعل ذلك. ويستنتج سينغر من هذا الحدس البسيط أن المسافة الجغرافية لا تُحدث فرقًا في الواجب، وأننا مسؤولون أيضًا تجاه الجائعين في الأماكن البعيدة.[3] يستخدم سينغر الحدس الأخلاقي لتوسيع نطاق الالتزام؛ بينما يستخدم قهرمانپور حدسًا مشابهًا للعثور على نقطة التوقف.
لكن لا ينبغي اختزال الخلاف بينهما إلى «أخلاقي» و«غير أخلاقي». فكلاهما يقبل ضرورة مساعدة المصاب؛ والخلاف يتعلق بحدود الواجب. حتى سينغر يجعل الواجب مشروطًا (ما دام لا يُضحى بشيء ذي أهمية أخلاقية مماثلة)، ويبقى في نظريته سؤال «من يحدد الأهمية القابلة للمقارنة؟». وهناك فرق بنيوي آخر، وهذا هو فهم هيئة التحرير للتشبيه: ففي مثال سينغر تكون التكلفة ضئيلة والمنفعة عظيمة، أما في سلسلة قهرمانپور فترتفع التكلفة خطوة بعد خطوة وتقل منفعة كل خطوة. ولهذا فإن تشبيهه أقرب إلى مسألة السياسة الخارجية، لأن التكاليف هناك ثقيلة فعلًا.
لكن لا ينبغي اختزال الخلاف بينهما إلى «أخلاقي» و«غير أخلاقي». فكلاهما يقبل ضرورة مساعدة المصاب؛ والخلاف يتعلق بحدود الواجب. حتى سينغر يجعل الواجب مشروطًا (إلى الحد الذي لا يُضحّى فيه بشيء ذي أهمية أخلاقية قابلة للمقارنة)، ويبقى في نظريته أيضًا سؤال «من يحدد الأهمية القابلة للمقارنة؟». وهناك فرق بنيوي آخر، وهذا تفسير هيئة التحرير للتشبيه: في مثال سينغر تكون التكلفة ضئيلة والمنفعة عظيمة، أما في سلسلة قهرمانپور فترتفع التكلفة تدريجيًا وتصبح فائدة كل مرحلة أقل. ولهذا السبب فإن تشبيهه أقرب إلى مسألة السياسة الخارجية، لأن التكاليف فيها تكون ثقيلة حقًا.
يربط قهرمانپور في هذه المناظرة بين العقل المشترك ومفاهيم الخير العام، والعقل الجمعي، وصيانة المجتمع. فهو يرى أن مواجهة الظلم واجب، لكن إذا أدى استمرار النزاع إلى إلحاق ضرر جسيم بالمجتمع نفسه، فإن حفظ الذات والخير العام يدخلان في الحساب؛ وعندئذ قد يكون من الممكن التوصل إلى اتفاق، وتقديم تنازلات، ودفع الخطر، حتى لو لم يكن الاتفاق مثاليًا.
هنا نتجاوز قهرمانپور. ففي رأي هيئة التحرير، يمثل العقل المشترك نقطة بداية مفيدة، لكنه لا يحدد وحده حدود الواجب. لماذا؟ لأن علينا أن نسأل: عقل مشترك لدى من؟ فالمجتمع الذي يعتبر ظلمًا ما أمرًا عاديًا يمتلك عقله المشترك الخاص. فهل يمكن للعرف نفسه أن يكون ظالمًا؟ وفي الأجواء الأيديولوجية أو الدعائية، فإن «ما يعرفه الجميع» يتغير بسرعة. وقد بيّن سيدجويك أن أحكام العقل المشترك تصبح غامضة وأحيانًا متعارضة عند الحدود.[4] ومع ذلك، ففي الدفاع عن العقل المشترك ينبغي القول إن النظرية التي تستبعد بالكامل الأحكام المتأملة للبشر تخلق واجبات غير محدودة وغير إنسانية. ولذلك فإن الطريق الوسط هو أن نضع العقل المشترك إلى جانب معايير أكثر موضوعية: التناسب، والضرورة، واحتمال النجاح، وإمكان التأثير، وحجم التكلفة، ووجود بديل أقل كلفة.
يساعدنا مفكران على رؤية لماذا أن وجود حدود للواجب ليس أمرًا غريبًا ولا يعني اللامبالاة. يميز كانط بين الواجبات الكاملة والناقصة: فالواجب بالإحسان واجب ناقص، أي إن القانون لا يحدد متى، ولمن، وإلى أي مدى، ويترك مجالًا للمناورة (Spielraum) يملؤه حكم الفاعل.[5] كما بيّن برنارد وليامز أن النظرية التي تعتبر الواجب تعظيمًا للخير بلا أي سقف، بحيث يجب التضحية بكل اختيار شخصي من أجل الحساب الكلي، تدمر التكامل الأخلاقي (integrity) للإنسان. وهذه هي مشكلة الواجب المفرط الثقل (demandingness).[6] والنتيجة: إن سؤال «إلى أي حد؟» سؤال مشروع، وينبغي أن تكون إجابته بالمعايير لا بالشعارات.
نصل هنا إلى أهم نقطة في المقال. فتشبيه المصاب يتعلق بفرد واحد، وقد يضحي الفرد بالمال والراحة وحتى الحياة وفاءً لمبدأ أخلاقي. ويرى كثيرون مثل هذا الفعل جديرًا بالإعجاب. لكن الدولة التي تختار استمرار نزاع مكلف لا تتحمل التكلفة وحدها. فملايين المواطنين هم من يدفعون الثمن: في صورة أرواحهم، وأمنهم، ومعيشتهم، وتنميتهم، ومستقبل أبنائهم، والفرص الضائعة.
إن حق التضحية بالنفس ليس هو نفسه حق التضحية بالآخرين.
ولا ينبغي فهم هذا التمييز بمعنى المنع المطلق لفرض أي تكلفة على المواطنين؛ فالحكومات مضطرة إلى اتخاذ قرارات تفرض تكاليف على المواطنين. والسؤال الأدق هو: تحت أي ظروف يجوز للدولة أخلاقيًا أن تفرض تكاليف كبيرة ومستمرة على مواطنيها من أجل مواجهة الظلم أو تحقيق هدف يتجاوز الحدود؟ وكلما كانت هذه التكلفة أكبر، ازدادت الحاجة إلى تبريرها العام والأخلاقي. (يشير قهرمانپور في هذه المناظرة إلى صيانة المجتمع؛ أما صياغة «التضحية بالنفس/الآخرين» ونتائجها فهي من هيئة التحرير.)
للدولة مسؤولية خاصة تجاه مواطنيها. وتتحدث الفلسفة الأخلاقية عن «الالتزامات الخاصة»: فمن قبل مسؤولية حماية أشخاص معينين، تكون عليه تجاههم واجبات لا تكون عليه تجاه الآخرين.[7] فالحكام مؤتمنون على أرواح الناس ومستقبلهم، ولا يمكنهم إنفاق ذلك بحرية، حتى من أجل قضية يرونها هم عادلة. وبالطبع، إذا قبل المواطنون أنفسهم هذه التكلفة عبر آلية مشروعة وخاضعة للمساءلة، فإن الوضع يختلف؛ ولذلك فإن «من يقبل التكلفة وبأي عملية» هو جزء من المعيار الأخلاقي نفسه.
هذا القسم هو المقصد الأساسي للمقال. وبالافتراض المنهجي نفسه، أي افتراض أن الولايات المتحدة وإسرائيل ظالمتان في الحالات محل البحث، نسأل: ما النتيجة العملية التي تخرج من هذه المقدمة بالضبط بالنسبة إلى السياسة الخارجية الإيرانية؟
هل يبرر ظلم الولايات المتحدة استمرار العداء غير المحدود تجاهها؟ وهل يبرر ظلم إسرائيل كل مقدار من التكلفة التي تتحملها إيران في مواجهتها؟ لا يوجد انتقال منطقي من «هو ظالم» إلى «كل تكلفة مباحة أو واجبة». فهذا الانتقال يحتاج إلى مقدمة ثانية: وهي أن المواجهة فعّالة، ومتناسِبة، وأن الناس هم من ينبغي أن يدفعوا تكلفتها. ولا شيء من ذلك ينتج من الظلم ذاته.
ما موقع احتمال النجاح؟ هل تبقى مقاومة ذات تكلفة مرتفعة جدًا ومردود عملي ضئيل جدًا محتفظة بالتبرير الأخلاقي نفسه؟ لا يمكن تجاوز هذا السؤال بالقول إن لها «قيمة رمزية». فالمعنى الرمزي للمقاومة حقيقي، لكن ينبغي موازنة وزنه مقابل التكلفة التي يدفعها الآخرون. وسنفتح بعد قليل سؤال البديل الأقل كلفة بصورة مستقلة.
إذن، متى يكون «تقديم التنازل» تراجعًا غير أخلاقي، ومتى يكون جزءًا من المسؤولية الأخلاقية للدولة في الحفاظ على المجتمع؟ يميز أفيشاي مارغاليت بين التسوية و«التسوية الفاسدة»: فالتسوية الفاسدة هي التي تُبقي نظامًا قائمًا على الظلم وإهانة الإنسان.[8] فالمعيار ليس مجرد «تسوية أو عدم تسوية»، بل مضمونها: ماذا يُقدَّم، وماذا يُكتسب في المقابل؟ فالاتفاق الذي يحفظ أرواح ملايين الناس ومعيشتهم من دون أن يعترف بشرعية الظلم ليس كالاتفاق الذي يمنح الظالم شرعية.
لقد بيّنا حتى الآن أن التفاوض، أو الاتفاق، أو تقديم تنازل محدود لا يصبح ممنوعًا لمجرد كون الطرف المقابل ظالمًا؛ أي إن جوازه يمكن الدفاع عنه. لكن الانتقال من «الجواز» إلى «الواجب» يحتاج إلى حلقة استدلالية أخرى، ونضيفها بحذر. افترضوا أن ثلاثة شروط تتحقق في الوقت نفسه: أولًا، أن استمرار النزاع يفرض تكلفة باهظة جدًا على المواطنين؛ ثانيًا، ألا يكون هناك أفق معقول للنجاح أو للحد الفعّال من الظلم؛ وثالثًا، أن يكون هناك طريق أقل كلفة، مثل التفاوض أو الاتفاق أو خفض التوتر، متاحًا بالفعل لدفع الخطر نفسه أو تقليله. في مثل هذا الوضع لا يعود السؤال فقط: «هل التفاوض جائز؟»، بل يصبح: أليس أخذ الطريق الأقل كلفة بجدية جزءًا من الواجب الأخلاقي للحكومة تجاه مواطنيها؟ لا نقول إن التفاوض واجب دائمًا. فدعوانا مشروطة: عندما يكون الطريق المكلف قليل الفاعلية أو ضعيف الأمل، ويكون هناك بالفعل طريق أقل كلفة وفعّال، تحتاج الدولة إلى تبرير أخلاقي أقوى إذا أرادت تفضيل الطريق المكلف.
ومن جهة أخرى، فإن «المصلحة الوطنية» لا تبرر وحدها كل تسوية. فإذا كانت المصلحة وحدها هي المعيار، فإنها لم تعد معيارًا أخلاقيًا. فالمصلحة الوطنية عامل من عوامل الحكم، وليست مفتاح جميع الأقفال.
يخرج من كل ما قلناه استنتاج نصرّح به بوضوح. ظلم الطرف المقابل يخلق سببًا للرد، لكنه لا يحدد وحده شكل الرد وحجمه. فإذا كانت مواجهة الظلم ذات تكلفة محدودة ومتناسِبة وفعّالة للمجتمع، فإن أصل المواجهة يكون قابلًا للدفاع بسهولة. لكن كلما ازدادت تكلفة المواجهة، وقل احتمال النجاح، وأصبح تأثير الفعل الحقيقي في تقليل الظلم أضعف، وازداد الضرر الواقع على حياة المواطنين ومستقبلهم، وأصبحت الطرق الأقل كلفة مثل التفاوض والاتفاق متاحة أكثر:
يزداد عبء الإثبات الأخلاقي ثقلًا على من يريد استمرار النزاع.
وعلى المدافع عن استمرار نزاع مكلف أن يجيب: لأي هدف محدد تُدفع هذه التكلفة؟ ما احتمال تحقيق ذلك الهدف؟ هل تتناسب التكلفة مع الهدف؟ هل يوجد طريق أقل كلفة؟ ولماذا يجوز للدولة أخلاقيًا أن تفرض هذه التكلفة على الناس؟ هذه ليست أسئلة مناهضة للمقاومة. إنها معايير تنتمي إلى التقاليد الجادة نفسها: فقد ميّز ماكس فيبر بين أخلاق الاقتناع (الوفاء بالمبدأ) وأخلاق المسؤولية (المساءلة عن النتائج المتوقعة)، وكان يرى أن رجل السياسة مسؤول عن النتائج؛[9] كما أن نظرية الحرب العادلة، حتى عندما تكون علة الحرب عادلة، تشترط أن تكون الحرب آخر حل، وأن يوجد أمل معقول في النجاح، وأن يتحقق التناسب.[10]
يعيد قهرمانپور في المناظرة بناء التصور الثاني على النحو الآتي: واجب مواجهة الباطل غير مشروط، ولا يعتمد على التكلفة والمنفعة، فالحق والباطل سابقان على التجربة، والواجب مستقل عن النتيجة العملية. وأقوى صياغة لهذا التصور هي:
إذا تراجعنا كلما أصبحت المقاومة مكلفة، فما على الظالم إلا أن يرفع تكلفة المقاومة حتى يصبح بمنأى عن المعارضة. فبعض القيم تكتسب قيمتها الأخلاقية تحديدًا لأن الإنسان مستعد لدفع الثمن من أجلها.
والجواب هو أن القضية ليست في «إلغاء التكلفة». فقد يكون تحمل تكلفة كبيرة مبررًا أخلاقيًا، لكن تبريره يحتاج إلى استدلال، ومجرد «كون العدو ظالمًا» لا يكفي لإثباته. إن ضخامة التكلفة، واحتمال النجاح، والتناسب، ومن يتحمل التكلفة، كلها أجزاء من المسألة الأخلاقية، ولا يمكن إقصاؤها بمجرد الاستناد إلى أحقية الهدف. وبقدر ما يؤكد الاستدلال المقابل قيمة دفع التكلفة، فهو محق؛ لكن قيمة التكلفة التي ندفعها نحن لا يمكن تعميمها على التكلفة التي تُؤخذ من الآخرين. إضافة إلى ذلك، فإن تقليدنا الأخلاقي والديني يربط الواجب بالوسع أيضًا: «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها».[11] ولذلك فليس الخلاف بين الطرفين حول وجود الظلم أو قيمة الصمود؛ بل حول النظرية الأخلاقية لمواجهة الظلم.
يرى قهرمانپور أن هذين الإطارين لا يملكان «أرضية مشتركة»، وأن كل طرف يرفض الآخر بالوصف («المستسلم والمتغرب» أو «الرجعي»). ومع ذلك ترى هيئة التحرير أنه يمكن العثور بين الإطارين على نقاط للحوار: فالتناسب، ودرجة الفاعلية، ووجود طرق أقل كلفة، والمسؤولية تجاه من يدفعون الثمن، يمكن على الأقل أن تكون موضوعًا لحوار مشترك. والخلاف الحقيقي على الأرجح يتعلق بترجيح هذه المعايير وأوزانها؛ والخلاف حول الأوزان، بخلاف الخلاف حول «الحق والباطل»، قابل للحوار.
خيارات السياسة الخارجية ليست فقط «المقاومة غير المحدودة» أو «الاستسلام أمام الظلم». يمكن الاعتراف بالظلم ومعارضته، مع قياس شدة المواجهة وطريقتها وفق التناسب، وإمكان النجاح، والتكلفة. فالتفاوض مع الظالم لا يعني بالضرورة تأييد الظلم. والاتفاق مع الطرف الظالم لا يعني بالضرورة الاعتراف بشرعيته. وتقديم تنازل محدود لا يعني بالضرورة التخلي عن المبادئ الأخلاقية. وفي بعض الظروف، يكون تخفيف نزاع مكلف بحد ذاته قرارًا أخلاقيًا.
تكمن القيمة الأساسية لطرح قهرمانپور في أنه يعيد موضع النزاع خطوة إلى الوراء. فالمسألة ليست فقط: «من هو الظالم؟»؛ بل بعد تشخيص الظلم يبدأ السؤال الأصعب: ما مقدار الواجب الذي يجلبه لنا إدراك الظلم تحديدًا، ومن يملك الحق في تحميل الناس تكلفة القيام به؟ وحتى القارئ الذي لا يصل إلى نتيجته السياسية، ينبغي أن يقر بأن هذا السؤال لا يمكن تجنبه في أخلاق السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، فإن إجابة «العقل المشترك» وحدها ليست كافية، بل تحتاج إلى معايير مكملة.
يمكن اعتبار الولايات المتحدة وإسرائيل ظالمتين، ومع ذلك الاعتقاد بأن خفض التوتر، أو التفاوض، أو الاتفاق، أو حتى تقديم تنازل محدود في بعض الظروف، ليس تراجعًا أخلاقيًا، بل قرارًا مبررًا أخلاقيًا، بل وقد يكون، ضمن الشروط التي ذكرناها، مقتضى مسؤولية الحكومة تجاه الشعب الإيراني. وهذا لا يعني «إذن ينبغي لإيران أن تستسلم». بل معناه أن من يريد استمرار نزاع مكلف لا يستطيع أن يغلق الملف الأخلاقي لقراره بمجرد القول إن «الطرف المقابل ظالم». عليه أن يوضح: ما الهدف المحدد؟ ما احتمال النجاح؟ إلى أي مدى تتناسب التكلفة؟ ما التكلفة التي يدفعها الشعب الإيراني؟ ولماذا لا يوجد طريق أقل كلفة وأكثر فاعلية؟ نحن لا نعد هذا شعارًا سياسيًا؛ بل هو نتيجة الاستدلال الذي قدمناه، ويمكن لكل شخص أن يختبر حلقاته وينقدها.
وللتقييم الأخلاقي لاستمرار مواجهة دولة ظالمة، ينبغي على الأقل موازنة هذه العوامل معًا:
شدة الظلم + مقدار مسؤولية إيران + إمكانية التأثير + احتمال النجاح + تناسب الوسيلة والهدف + التكلفة التي يدفعها الشعب الإيراني + المسؤولية الخاصة للدولة تجاه المواطنين + وجود أو عدم وجود طريق أقل كلفة.
هذه ليست معادلة رياضية؛ فلا توجد مجموعة من المعايير تزن نفسها بنفسها، ويبقى الحكم الإنساني والحوار العام ضروريين. لكنها إطار لجعل القرار السياسي خاضعًا للمساءلة: فهي تُلزم كل طرف بأن يوضح أي معيار أخذه بعين الاعتبار وبأي وزن.
إن إدراك الظلم هو بداية الحكم الأخلاقي، لا نهايته.
بعد تشخيص الظلم ينبغي أن نسأل:
إلى أي حد تكون المواجهة؟ وبأي وسيلة؟ وبأي احتمال للنجاح؟ وبأي تكلفة؟ وهل يوجد طريق أقل كلفة لتقليل الخطر نفسه؟ والأهم من ذلك كله: من الذي سيدفع هذه التكلفة؟
لا ينبغي تحويل حق التضحية بالنفس فورًا إلى حق التضحية بالآخرين.
يمكن تلخيص موقف هيئة التحرير على النحو الآتي:
كون الآخر ظالمًا لا يمنح وحده ترخيصًا أخلاقيًا لفرض أي تكلفة على الناس؛ كما أن ارتفاع تكلفة المقاومة وحده ليس سببًا كافيًا للتخلي عنها. يبدأ الحكم الأخلاقي الصحيح من حيث نأخذ هاتين الحقيقتين معًا بجدية.
[1] صفحة رحمن قهرمانپور في صدانت.
[2] برنامج «المناظرة السياسية»، نادي السياسيين، بحضور رحمن قهرمانپور ومصطفى نجفي، مهر ۱۴۰۵. العنوان:
https://ecoiran.com/fa/tiny/news-154438
[3] Peter Singer, “Famine, Affluence, and Morality,” Philosophy & Public Affairs 1, no. 3 (1972): 229–243.
[4] Henry Sidgwick, The Methods of Ethics (1874)، حول «أخلاق العقل المشترك» وغموض أحكامها وتعارضها في الحالات الحدّية.
[5] Immanuel Kant, Die Metaphysik der Sitten (1797), «مذهب الفضيلة»، بحث الواجبات «الواسعة» (الناقصة) و«مجال المناورة» (Spielraum) في واجب الإحسان.
[6] Bernard Williams, “A Critique of Utilitarianism,” in J. J. C. Smart and B. Williams, Utilitarianism: For and Against (Cambridge University Press, 1973).
[7] Robert E. Goodin, Protecting the Vulnerable: A Reanalysis of Our Social Responsibilities (University of Chicago Press, 1985).
[8] Avishai Margalit, On Compromise and Rotten Compromises (Princeton University Press, 2010).
[9] Max Weber, “Politik als Beruf” (1919)؛ التمييز بين Gesinnungsethik (أخلاق الاقتناع) وVerantwortungsethik (أخلاق المسؤولية).
[10] حول معايير الحرب العادلة (السبب العادل، والسلطة المشروعة، والملاذ الأخير، والأمل المعقول في النجاح، والتناسب): Thomas Aquinas, Summa Theologiae II-II, q. 40؛ Michael Walzer, Just and Unjust Wars (Basic Books, 1977). ملاحظة: وُضعت هذه المعايير أصلًا بشأن اللجوء إلى القوة، أما تطبيقها على السياسات غير العسكرية (العقوبات، والردع، والدبلوماسية) فهو إعادة تفسير من هيئة التحرير.
[11] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية ۲۸۶؛ وكذلك سورة الحج، الآية ۷۸ (نفي الحرج في الدين).
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.