اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تعاني الخلافات حول تحريف القرآن من مغالطة «الجواب غير المتجانس»؛ فالاستناد التاريخي للمُدَّعين لا يتجانس مع الردود الكلامية للمعارضين. إن اختلاف المصاحف يستدعي بحثًا تاريخيًا لا كلاميًا، وقد أدى المنهج الخاطئ إلى عقم الاستدلالات.

لسنواتٍ طويلة، وأنا أتتبع في ثنايا النصوص منهج استدلال العلماء المسلمين وغير المسلمين حول موضوع "تحريف القرآن". لكنني كنت دائمًا ما أواجه أسئلة جدية؛ أسئلة لم أجد لها جوابًا قط في خضم هذه النزاعات. هذه الأسئلة، في اعتقاد كاتب هذه السطور، بالغة الأهمية، وإن إهمالها قد يؤدي إلى فقدان الحجج لمصداقيتها، سواء أكانت في صالح تحريف القرآن أم ضده. من أهم هذه الأسئلة: 1- هل النقاش حول تحريف القرآن هو نقاش تاريخي-لساني أم كلامي؟ 2- إذا كان نقاشًا تاريخيًا-لسانيًا، فهل يمكن للحجج الكلامية أن تفي بالرد عليه، وبالعكس، إذا كان كلاميًا، فهل يمكن للحجج التاريخية أن تفي بالرد عليه؟ قد يدّعي شخص أنه يمكن أن يكون نزاعًا تاريخيًا-كلاميًا، لكن في هذه الحال أيضًا، ينبغي على الباحث أن يجيب بدقة: أين هو الحد الفاصل بين التاريخ وعلم الكلام في منهج استدلاله؟ هناك حقلان يمكن للرجوع إليهما أن يحددا إلى حد كبير النزاعات حول التحريف وإشكالاتها المنهجية. "جمع القرآن وتدوينه" و"القراءات" هما هذان البحثان المفتاحيان. في اعتقادي، ثمت إشكالان أساسيان في هذين البحثين: 1- مغالطة "الجواب غير المتجانس"؛ و2- التعريف غير الدقيق لـ"التحريف". في هذه المقالة، ومن خلال معالجة الإشكال الأول، سنتوصل إلى تبيين أكثر دقة لبحث تحريف القرآن، وسنبيّن لماذا وقع العلماء في شرك هذه الآفة؛ الآفات التي ستؤدي إلى عقم استدلالاتهم.
مغالطة "الجواب غير المتجانس مع السؤال": هي مغالطة بالغة الأهمية، وأعتقد أنها كانت شائعة جدًا في مختلف العصور الإسلامية. تقوم هذه المغالطة على أساس أنه ينبغي، من الناحية المنطقية، وجود توازن وتجانس بين السؤال والجواب. إذا كان السؤال قائمًا على مقاربة تاريخية، فيجب أن يكون الجواب من السنخ نفسه. وتجري القاعدة نفسها إزاء جميع المقاربات. هذا لا يعني بالطبع أنه لا يمكن مطلقًا الاستعانة بمقاربات أخرى لسؤال ذي مقاربة محددة. تقتضي هذه القاعدة أن الأجوبة المتجانسة هي في الأولوية الأولى، وبعد ذلك يمكن الاستعانة بمقاربات أخرى. لكن، خلافًا لهذا الأصل، فقد شاع جدًا في التاريخ الإسلامي. من الموضوعات التي يمكن فيها رصد هذه المغالطة بوضوح، موضوع "تحريف القرآن أو عدم تحريفه" البالغ الأهمية. حيث يستند أنصار التحريف غالبًا إلى أدلة تاريخية، بينما يلجأ المجيبون عليهم إلى أدلة كلامية واستنباطاتهم من الآيات القرآنية.
بصرف النظر عن التعاريف المختلفة والمتعددة التي ذُكرت للتحريف، فإن القدر المشترك الذي يمكن اعتباره في معناه هو "الزيادة أو النقصان أو التغيير" في نص القرآن الكريم. إذا أردنا أن نحكم وفقًا لمقتضى هذا التعريف، فإن الطريقة الأساسية للوقوف على الزيادة أو النقصان أو التغيير في نص القرآن، إنما تتيسر بمقاربة تاريخية-لسانية، لا بعلم الكلام. لكن التدقيق في المجادلات التي دارت حول هذا الموضوع، يثبت في الغالب أنها ذات مقاربة متكلمة (للاطلاع على بعض هذه المجادلات، انظر: ابن بابويه، 1970م: ص66؛ الخوئي، 1401: 207-234؛ جعفريان، 1415: 17-29). لقد بلغ الأمر حدًا أن بعضهم يعتقد أن نظرية "تحريف القرآن" نابعة من المباحث الكلامية بين الشيعة وأهل السنة في مسألة إثبات خلافة أمير المؤمنين (ع) ورد الدعاوى المقدمة لإثبات خلافة أبي بكر وعمر وعثمان استنادًا إلى إجماع الأمة (كولبرغ، 1380: 36). صحيح أنه يمكن إثبات منشأ كلامي إجمالي كهذا حول تحريف القرآن، لكن ثمة شواهد تاريخية كثيرة قدمها علماء الشيعة والسنة لإثبات وجود اختلافات كثيرة في المصاحف الأولى للقرآن (انظر: مدرسي طباطبائي، 1380).
على سبيل المثال، يتذكر أبو موسى الأشعري سورتين طويلتين لم يستطع أن يجدهما في المصحف العثماني: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً». وقد نُقلت هذه الآية عن صحابة آخرين مثل: ابن مسعود، وأُبي بن كعب، وابن عباس (أحمد بن حنبل، المسند، 5/131-132؛ الترمذي، السنن، 5/370؛ الراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء، 4/423؛ السيوطي، الإتقان، 1/227؛ جميعها نقلاً عن: مدرسي طباطبائي، 49). كما أن السورتين القصيرتين المعروفتين بالحفد والخلع كانتا مثبتتين في مصحف أُبي بن كعب، وابن عباس، وأبي موسى الأشعري (ابن النديم، الفهرست، 30؛ الراغب، محاضرات الأدباء، 4/433؛ السيوطي، الإتقان، 1/227؛ جميعها نقلاً عن: مدرسي، 49). وفي مصحف ابن مسعود لم تكن سور الفلق والانشقاق والحمد موجودة (ابن النديم، الفهرست، 64-66؛ وللمزيد من المصادر المتعددة انظر: مدرسي طباطبائي، 1380، 49). ثمة شواهد أخرى كثيرة في التاريخ تحكي عن أن كثيراً من كبار الصحابة لم يجدوا أجزاءً من الوحي كانوا قد سمعوها بأنفسهم من النبي أو بطريقة أخرى، في المصحف العثماني (انظر: مدرسي طباطبائي، 1380، 48-50). والشيخ الطوسي في مقدمة تفسيره القيم، وبإشارة عابرة إلى هذه الشواهد التاريخية، ومن دون أن يأتي بأي دليل تاريخي مقنع لمدعاه، يكتفي بنفي جميع هذه الروايات استناداً إلى أدلة كلامية فحسب (د.ت، 1/3). ولكن هذا في الوقت الذي صرّح فيه في مواضع متعددة من تفسيره بوجود قراءات مختلفة لأهل البيت وسائر الصحابة مع المصحف العثماني (انظر: نفسه، 2/441؛ 5/71-71؛ 10/52؛ 6/262؛ وغيرها). وبالطبع، فقد بذل الباحث جهداً كبيراً ليُظهر أن الشيخ الطوسي أراد من خلال إيراد هذه الشواهد أن يبيّن أن هذه الاختلافات إنما استُخدمت لتفسير الآيات فحسب، لا للتحريف (انظر: كريمي نيا، 1385). ولكن حتى لو كان مراد الشيخ الطوسي هو التفسير، فبالنظر إلى أنه لم يأتِ بأي دليل مقنع على كون هذه الاختلافات تفسيرية، لا يمكن اعتبار هذا الاستخدام دليلاً على أن مثل هذه الاختلافات ليست تحريفاً. إن إظهار أن الروايات المتضمنة لاختلاف القراءات كانت للتفسير فقط، يتطلب القيام بعمل فقه حديثي وتاريخي خاص بها واستخراج المراد الحقيقي لأهل البيت منها. وإلا، فيمكن النظر إلى بعض العلماء الآخرين مثل علي بن إبراهيم القمي الذي اعتبر هذه الروايات نفسها دليلاً على تحريف القرآن.
كما بذل مدرسي طباطبائي جهداً كبيراً لإظهار كذب واختلاق الشواهد التاريخية القائمة على تحريف القرآن، لكنه، بقدر ما هو متقن ودقيق في إيراد واستخراج هذه الشواهد التاريخية، إلا أنه في نقدها، ومن دون أن يأتي بدليل على كونها مختلقة، يحكم باختلاقها لمجرد تعارضها مع روايات تقول إن عدداً من الصحابة دوّنوا القرآن في زمن النبي (نفسه، 53 و58). وفي موضع آخر (ص54) اعتبر أن سبب اختلاق هذه الروايات هو تبرير لعدم بيعة علي (ع) لأبي بكر. لكن من الواضح أن مجرد وجود التعارض بين طائفتين من الروايات ليس دليلاً على اختلاق إحداهما. هذا في حين يبدو أن الشواهد على تدوين القرآن في عصر النبي (ص) أكثر اضطراباً، وبالنظر إلى أن النبي كان حتى اللحظات الأخيرة من حياته ينتظر نزول الوحي، فإن إثبات تدوين القرآن في زمانه يبدو عسيراً جداً. ومع وجود مثل هذه الوهونات فيما يتعلق بروايات جمع القرآن في زمن النبي (ص)، كيف يمكن اعتبار روايات جمع القرآن على يد الخلفاء مختلقة، من دون تقديم حتى دليل واحد مثبت؟! إن المنهج الكلامي لمدرسي في اعتبار مثل هذه الروايات مختلقة واضح جداً. ومن المثير للاهتمام أن مدرسي طباطبائي يُظهر في هذه المقالة بشكل جيد أن السنة والشيعة كانوا على وفاق بشأن وجود نقائص في المصحف العثماني. مع فارق أن الآثار السنية في هذا المجال تُعتبر متقدمة على آثار الشيعة (نفسه: 58؛ 60-68). إن المنهج التاريخي لمدرسي طباطبائي في هذا الأثر بارز جداً. لكن هذا المنهج لا يُرى إلا في إثبات وجود تغييرات في المصاحف الأولى وكذلك المصحف العثماني، أما للرد عليها وبيان اختلاقها فلم يُقدم أي دليل مقنع، واكتُفي بذكر أدلة كلامية ضعيفة فحسب.
لقد وقع مؤرخون آخرون أيضاً في هذه الآفة. فعلى سبيل المثال، يستخرج رسول جعفريان بالتفصيل روايات أهل السنة القائمة على نقص وزيادة مصاحف الصحابة مقارنة بالمصحف العثماني (انظر: نفسه، 1415: 39-58) ثم يقول في كلام عجيب: «فهذه الروایات التی نقلت من کتب اهل السنه و التی تدل علی التحریف، اما انها من خلط الصحابه، او سهوهم، او اجتهادهم الخاطیء فی ذلک ...» (جعفريان، 1415: 61). مع الأسف، فإن أساس جعفريان لهذا الادعاء العظيم لا دليل عليه بالمرة، بل هو في بعض الحالات كلامي بحت. ويقول في موضع لاحق: «اما تخلیط من الرواه الناقلین لهذه الرواه الناقلین لهذه الروایات کذبا او افترائاً علیهم، فبعد ثبوت تواتر القرآن عند جمیع المسلمین یجب طرح هذه الروایات.» (نفسه). من الواضح هنا أن أساس جعفريان الأول، أي "كذب وافتراء على رواة مثل هذه الروايات"، لا دليل عليه بالمرة وهو عبثي. كيف اعتبر كل هذه الروايات كذباً؟ وفي الجزء الثاني، أحال إلى مسألة "تواتر القرآن" وهي مسألة كلامية. نقول إنها مسألة كلامية لأن تواتر القرآن لا علاقة له بتواتر المصحف العثماني. فالمصحف العثماني، استناداً إلى نصوص قطعية الدلالة ومجمع عليها، دُوّن في زمن عثمان وبشهادة شاهدين فقط. حتى لو ثبت أن آية في المصحف الموجود أُدرجت بشهادة شخصين، فلا يمكن بعد ذلك ادعاء تواتر المصحف بأكمله. هذا في حين أنه بالنظر إلى السيرة الحاكمة على جمع القرآن في زمن عثمان، ينبغي أن نعتبر كلية المصحف الموجود متناسبة مع هذه الطريقة. هل من الصواب حقاً أن نكتفي بسببين بسيطين وغير تاريخيين لنقد عشرين صفحة من الروايات التاريخية؟ لعل جناب جعفريان لم تكن لديه سعة الصدر ليقوم بنقد ودراسة كل رواية من الروايات الموجودة في هذه الصفحات العشرين. ولكن حتى في هذه الحالة، كانت الأخلاق العلمية تقتضي أن يمتنع عن إصدار حكم لا أساس له عليها ويحيلها إلى أبحاث أخرى.
لم يتسع لنا المجال في هذا المقال للتطرق إلى المزيد من المنظرين في هذا الباب. لكن ما هو جلي للغاية في معظم هذه الأعمال هو الافتقار إلى بحث تاريخي دقيق يتعلق بجمع القرآن وتدوينه في عهد النبي والخلفاء. مع الأسف، فإن الأعمال التي أُنجزت حتى الآن تحيل جميعها إلى بضع روايات محددة. روايات تتضمن أموراً مثل: "ختم القرآن من قبل الصحابة في عهد النبي"، و"جُّماع القرآن في عصر النبي"، و"حفظ القرآن" و... . لكن الواقع أن مدلول هذه الروايات مهتز للغاية لإثبات جمع القرآن في زمن النبي (ص) ويمكن للمخالفين بسهولة أن يأخذوا في الاعتبار مداليل أخرى. كما أن الانتقادات الموجهة إلى الروايات المتضمنة لتحريف القرآن تفتقر في الغالب إلى أسس تاريخية صحيحة.
أجد من الضروري هنا أن أنوه بأن كاتب هذه السطور لم يسعَ البتة إلى الدفاع عن فكرة تحريف القرآن. لم تكن هذه الكتابة سوى محاولة لإلقاء نظرة نقدية على منهج استدلال مخالفي التحريف وإظهار أوجه القصور والنقائص التي كانت موجودة. إن إثبات أمر كهذا يحتاج إلى قرائن تاريخية متقنة. والإصرار المفرط على الشواهد التاريخية القليلة التي وضعها السلف بين أيدينا لا يثبت شيئاً سوى أنه يؤدي إلى تكرارات مملة. سأحاول في المذكرة القادمة أن أشير إلى آفة أخرى بالغة الأهمية موجودة في هذا الباب، ألا وهي: التعريف غير الدقيق للتحريف، وأن أمعن النظر في أبعاده أكثر من خلال التركيز على آراء آية الله الخوئي.
بعض المصادر:
- ابن بابويه، رسالة في الاعتقاد، طهران، 1951م.
- ابن نديم، كتاب الفهرست، قابله على أصوله وعلَّق عليه قدَّم له الدكتور أيمن فؤاد سيد، لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 1430ق/2009م.
- جعفريان، رسول، القرآن ودعاوى التحريف، بيروت: دار الثقلين، 1415ق.
- طباطبائي، مدرسي، "بررسي ستيزههاي ديرين دربارۀ تحريف قرآن"، ترجمة: محمد كاظم رحمتي، هفت آسمان، خريف 1380، العدد 11، صص 41-72.
- طوسي، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، بلا تا.
- كريمي نيا، مرتضى، "اختلاف قرائت يا تحريف قرآن (نگاهي به نقل روايات شيعه در تفسير التبيان)"، علوم حديث، تابستان 1385، شماره 40، صص3-21.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.