اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يشرح مصطفى ملكيان، في مشروعه «العقلانية والمعنوية»، العلاقة بين العقل والدين من خلال فكرة «التدين المتعقل». ويعدد ثمانية مقومات لهذا التدين؛ بدءاً من شمولية فلسفة الحياة الدينية وصولاً إلى الانتقال من حكم الآخر إلى حكم الذات.

كتب موقع أسرانيوز بخصوص مقارنة آراء مصطفى ملكيان وآية الله جوادي آملي (2016/01/16): مصطفى ملكيان هو أحد أبرز المثقفين الإيرانيين. وهو يرى أن مشروع «العقلانية والمعنوية» هو الحل لمشكلات العالم المعاصر. وبناءً على هذا المشروع الفكري، يرسم ملكيان العلاقة بين العقل والدين. ورغم أن الأستاذ ملكيان قد مر بمراحل فكرية مختلفة، وربما لا يتبنى حالياً بعض أفكاره السابقة، إلا أن نظرته إلى العقلانية الدينية جديرة بالاهتمام، وإن كانت تُعزى إلى ماضيه الفكري. لقد طرح فكرة «التدين المتعقل»، ولشرح هذه الفكرة يذكر ثمانية مكونات يتم بموجبها إدخال العقلانية إلى ساحة الدين.
1- المتدين المتعقل يطلب من الدين فلسفة حياة جامعة وشاملة وواسعة النطاق تماماً. فالشخص المتدين لا يريد أن تكون حياته كلها مثل حياة غير المتدينين، ولا يريد أن تختلف حجرة واحدة فقط من حجرات حياته عن الحجرات الأخرى. المتدين المتعقل يريد أن يتغلغل تدينه في كامل حياته. في الواقع، التدينات غير العقلانية هي تلك التدينات التي لا تختلف فيها حجرة واحدة، أي غرف وأقسام حياة الشخص، عن حياة غير المتدينين. إذا كان الفرق بيني وبين غير المتدينين هو فقط أنني في أزمنة معينة، وأمكنة معينة، وأحوال معينة، أقوم بأعمال لا يقوم بها عموم غير المتدينين، ولكن بصرف النظر عن هذه الأوقات والأمكنة والأحوال، تكون بقية حياتي مثل حياة غير المتدينين، فهذه ظاهرة تُخرج التدين من دائرة العقلانية. إذن، الدين بالنسبة للمتدين المتعقل يمتلك فلسفة حياة جامعة. لكن معنى فلسفة الحياة الجامعة ليس أن التدين العقلاني لديه أمر ونهي لأدق حركاتنا وسكناتنا. التدين العقلاني يضفي معنى على أدق حركاتنا.[1]
2- المتدينون الذين لديهم تدين متعقل لا يعتبرون تدينهم بمعنى «امتلاك الحقيقة»، بل بمعنى «طلب الحقيقة». إنهم لا يتخذون التدين بمعنى الملكية تجاه الحقيقة، بل بمعنى بداية هدف وسير وسلوك لإيجاد الحقيقة. ينبغي أن نجعل نظرتنا إلى التدين شبيهة بنظرتنا إلى السباحة، لا شبيهة بنظرتنا إلى ركوب السفينة. ثمّة فرق كبير بين من ينظر إلى الدين بعين السباحة ومن ينظر إليه بعين ركوب السفينة. التدين ليس ركوباً للسفينة، بل هو سباحة. لذا، فإن ذرة من التكاسل في السباحة تؤدي إلى عدم بلوغ المقصد. في هذه الحال، لم يعد بالإمكان مطلقاً القول إن ديني أسمى من دينك. لم يعد بالإمكان القول إن ديني أجمع أو أكمل من دينك، بل ينبغي القول إن تديني أفضل أو أسوأ من تدينك (التدين وليس الدين). يمكن الحكم على التدين، لكن لا يمكن الحكم على الدين.[2] في جميع الأديان والمذاهب، رأينا بشراً وصلوا بفضل تدينهم إلى الطمأنينة والأمل والبهجة. ومن جهة أخرى، رأينا في جميع الأديان والمذاهب أشخاصاً لم يصلوا عن طريق دينهم ومذهبهم إلى الطمأنينة والبهجة والأمل. هذا الأمر يدل على أنه لا يمكن الحكم على الدين في حد ذاته. فقط، إذا وصل شخص ما، في أي دين ومذهب كان، إلى الشاطئ، يتضح أنه أجاد السباحة، والذين لا يصلون إلى الشاطئ يتضح أنهم لم يجيدوا السباحة. أصول وقواعد السباحة هي أصول وقواعد واحدة.[3]
3- ممارسة التدين تلازم تماماً النقدية والفهم العميق الناتج عن النقدية. ممارسة التدين لا تعني أن أستسلم استسلاماً أعمى، وأن أخضع بلا دليل وبلا نقاش لسلسلة من المعتقدات والعبادات والمناسك والشعائر والأخلاقيات. في الواقع، ينبغي أن أحافظ تماماً على الحالة النقدية في ديني. النقدية لا تعني الانتقاد، بل تعني أنني يجب أن أنظر إلى المجموعة التي سُلّمت إليّ باسم الدين والمذهب. إذا رأيت في هذه المجموعة تعارضاً ظاهرياً، فيجب أن تكون هناك مرحلة أعمق تزول فيها تلك التعارضات. الانتقال من المراحل السطحية إلى المراحل الأعمق هو ما يجعل الدين عقلانياً.[4]
ينبغي ألا يكون هناك تعارض بين نصوصنا الدينية والمقدسة وبين المكتشفات البشرية. فإذا أرادت المعطيات الوحيانية أن تكون متعارضة مع المكتشفات الإنسانية، فلن أستطيع أن أحمل في داخلي اعتقادين. فالجمع بين النقيضين لا يمكننا فعله. ينبغي أن يكون عملنا هو التوفيق بطريقة ما بين المعطيات الوحيانية والمكتشفات الإنسانية.[5] إن أحد وجوه التفكير النقدي في الدين هو القراءات المختلفة للدين، لكنه ليس وجهه الوحيد. فإذا أردنا أن نمتلك تفكيراً نقدياً إزاء الدين، فينبغي أن نسمح لأولئك الذين يشتغلون بالدين بجد وإخلاص أن يعبروا عن قراءاتهم المختلفة.[6]
4- الشخص الذي يمتلك تديناً متعقلاً يرى أن للعالم نظاماً أخلاقياً. بمعنى أنه يعتقد أن ذرة خير واحدة لا تضيع في هذا العالم، وذرة شر واحدة لا تضيع فيه أيضاً. مثل هذا الشخص يعتقد أن العالم قد صُنع على نحو يدرك فيه ما إذا كنا نقوم بعمل خير أم شر، بعمل صواب أم خطأ -وكلها مفاهيم أخلاقية-. لقد صُنع العالم على نحو يدرك ما إذا كنا نقوم بعمل خير أم شر، بعمل صواب أم خطأ، وما إذا كنا نفعل ما ينبغي فعله أو نترك ما لا ينبغي فعله. إن الكون يعي الخير والشر الأخلاقيين، وعلاوة على ذلك، فإنه يُظهر رد فعل أخلاقياً متناسباً إزاء الخير والشر.[7]
5- المتدين المتعقل يؤمن إيماناً كاملاً بضبط النفس أو الانضباط الشخصي. ما أعنيه بضبط النفس هو عدم الاستسلام للرغبات الآنية والعاجلة. في التدين المتعقل، إذا أخذ الشخص في حسبانه فقط المنافع والمضار المادية قصيرة المدى، فإنه في الواقع يكون قد أعمى طريق التدين بيديه. المتدين المتعقل ليس شخصاً يستسلم لمنافعه ورغباته وشهواته ونزعاته الزائلة، أو بتعبير أفضل، الآنية والعاجلة، بل تسود عليه نوع من ضبط النفس والانضباط الشخصي. فكم من آلام قصيرة المدى ينبغي أن نتحملها، وكم من لذات قصيرة المدى ينبغي أن نهرب منها. المهم هو الحساب النهائي وما سيعود على الإنسان في المدى الطويل.
6- ينبغي للمتدين المتعقل أن يصل رويداً رويداً إلى مرحلة «حكم الذات»، لا إلى مرحلة «حكم الآخر». على سبيل المثال، عندما تمرض، ولأنك لا تعرف شيئاً عن علم الطب، فإنك تراجع الطبيب وتعمل بوصفته. فطالما أنت في حالة جهل وغفلة عن الطب، فإن كل من يسألك لماذا تعمل بهذه الوصفة، ستقول لأن الطبيب قال هكذا. أنت في الواقع تُظهر نفسك ملتزماً بكلام الطبيب، وهذا بالطبع لا إشكال فيه. لكن إذا أصبحت، خلال مرضك، مهتماً بعلم الطب شيئاً فشيئاً وتعلمته، فمنذ تلك اللحظة فصاعداً ستشعر أنك تعمل بوصفة الطبيب نفسه، لكن ليس لأن الطبيب هو من كتبها، بل لأنك أنت نفسك تفهم أيضاً أن هذه الوصفة صحيحة، وتدرك أن أنفع طريق لعلاج هذا المرض هو ما قاله ذلك الطبيب. في هذه الحال، لن تقول أبداً إنني أعمل بهذه الوصفة لأن الطبيب قال ذلك، بل ستقول: بالنظر إلى معلوماتي الطبية التي أمتلكها، فإن هذه الوصفة هي الوصفة الوحيدة والفريدة لمرضي، لذا أعمل بها. من هذه اللحظة فصاعداً، أنت حاكم نفسك. لا شك أن التدين في مرحلته الأولى هو حكم الآخر، ففي المرحلة الأولى، كل من يتدين يطيع أوامر من يسمى الله ومن يسمى الشارع. بالتأكيد، في المراحل التالية، ينبغي على هذا الشخص نفسه أن يسعى ليكتسب تدريجياً عمقاً دينياً وفهماً دينياً عميقاً، بحيث يصل رويداً رويداً إلى نتيجة مفادها أنه حتى لو لم يقل الله هذه المطالب لكانت هي الصواب بعينه. أغلبنا لن نصل إلى هذه المرحلة حتى آخر العمر، لأننا لا نمتلك تديناً عقلانياً، وسنبقى حتى آخر العمر في حالة حكم الآخر تلك.[8]
7- المتدين المتعقل يعيش في حالة من اللايقين. بمعنى أنه إذا أُريد تقديم برهان على الدعاوى الدينية والمذهبية، فلا يوجد برهان عقلي حتى لصالح دعوى دينية ومذهبية واحدة. أي أنه كما يمكنني أن أُثبت أن «مجموع الزوايا الداخلية للمثلث يساوي 180 درجة»، لا يمكنني أبداً أن أُثبت أن «الله موجود». بعبارة أخرى، لا يوجد دليل لا يمكن لأي مفكر أن يوجه إليه نقداً بالنسبة للدعاوى الدينية. الدعاوى الدينية، وإن لم تكن مناقضة للعقل، فهي عسيرة الإدراك على العقل. وخلافاً لقول من قالوا إنها قابلة للإدراك العقلي، فهي ليست قابلة للإدراك العقلي أيضاً، بل هي عسيرة الإدراك على العقل. القضية القابلة للإدراك العقلي هي التي يستطيع العقل بمفرده إثبات عدم صحتها، أما القضية عسيرة الإدراك على العقل فهي قضية لا يستطيع العقل بمفرده إثبات صحتها أو عدم صحتها. جميع القضايا الدينية هي من هذا النوع. بمعنى أنه لا يمكن إقامة استدلال عقلي على صحتها أو عدم صحتها. لذلك، إذا كانت المسألة هي الإثبات العقلاني، فإن القضايا الدينية، من الناحية الإبستمولوجية، تكون في مستوى واحد مع نقيضاتها. القصة المثيرة للاهتمام في التدين المتعقل هي أن المتدين المتعقل يعيش حالة من انعدام اليقين، لكنه مع ذلك ينعم بالطمأنينة؛ ليس لديه يقين، لكنه ينعم بالطمأنينة. على سبيل المثال، إذا نظرتم إلى كتاب «دفاع سقراط» لأفلاطون الذي يشرح دفاعات سقراط، سترون أنه حيثما يصل النقاش إلى الحياة بعد الموت، وعلى الرغم من أن سقراط لم يكن متيقناً من الحياة بعد الموت، إلا أنه واجه الموت بشجاعة لا نظير لها في التاريخ. لم يكن سقراط متيقناً من الحياة بعد الموت، لكنه واجه الموت بطمأنينة؛ طمأنينة في غياب اليقين.[9]
8- التدين المتعقل هو أن يؤدي المتدين المتعقل خدمة إيثارية لأبناء جنسه، فقط من حيث كونهم بشراً، وليس من أي حيثية أخرى كالقومية أو الجنسية أو الدين... إلخ. وبتعبير ورد في الأحاديث: «الناس عيالي، أحبهم إليّ أنفعهم لهم». ومشابه لهذا القول: «عاشق بر همه عالم كه همه عالم از اوست».
في الواقع، أولئك الذين هم قديسون، لديهم نوع من العطف والمحبة والشفقة تجاه جميع البشر من حيث هم بشر، وليس من حيث انتماؤهم لدين أو مذهب معين.[10]
الحياة الدينية والعقلانية في نظر آية الله العظمى الجوادي الآملي
يبدو أن الأفكار والحلول التي قدمها مصطفى ملكيان، يمكن الالتفات إليها في بعض المواضع وإبراز نقاطها الجيدة. في هذا الصدد، طرح آية الله الجوادي الآملي رؤية وفكرة يمكن الالتفات إليهما كمقاربة مستقلة ونظرة كلية، تجلب معها العقلانية إلى ساحة الدين.
1- يرى آية الله الجوادي الآملي، أساساً، أن الحياة الدينية تعادل الحياة العقلانية. فبحسب اعتقاده، إن السير في الحياة وفق الأسلوب الديني هو المرتبة القصوى من الحياة العقلانية. إذا مال إنسان في هذه الدنيا إلى العبادة، وجعل الرضا الإلهي الغاية القصوى لأهدافه، فإنه، بتعبير آية الله الجوادي الآملي، يكون قد حقق أيضاً حياة عقلانية. وبتعبير له في هذا الشأن، يرى أن موت كل إنسان يتناسب مع نمط حياته ومعيشته، ويصرح قائلاً: «مرگ هركسی با زندگی او تناسب دارد و مردن مردم چون زندگی آنان است. پس هنگامی كه مرگ كسی جاهلی باشد، زندگیاش نیز جاهلانه خواهد بود كه با مرگ جاهلی پایان پذیرفته است. چون زندگی عقلانی، مرگ عقلانی را در پی دارد و هركه از دنیا به باغی از باغهای بهشت برود، قطعاً عاقل است. زیرا پروردگارش را عبادت و بهشت را كسب كرده است و هركس چنین باشد، عاقل است چون عقل آن نیروی درونی است كه به واسطهاش خداوند رحمان عبادت شود و بهشت به چنگ آید.»[11] كما يقدم آية الله الجوادي الآملي وجود القرآن كنموذج في التدين العقلاني، ويصرح قائلاً: «وجود قرآنِ علمی و عینی سبب پیدایش حیات پاكیزه عقلانی است.»[12] ويصرح أيضاً قائلاً: «به طور كلی حیات طوبای قرآن، عینی زندگی عقلانی است.»[13] في المنظومة الفكرية لآية الله الجوادي الآملي، إن العمل بالفرائض الدينية وممارسة العبادة، لهو دليل على حياة عقلانية.
2- يعتقد آية الله جوادي آملي، في رسمه لمكانة العقل، أنه ينبغي أولاً إدراك محدوديات العقل ومعرفة مكانته، ثم التعويل عليه. فالعقل، في نظره، ليس لديه ما يقدمه من تلقاء نفسه في عالم التشريع والأحكام الإلهية والدينية، بل يمكنه فقط أن يكون مصدراً لإدراك الأحكام الإلهية. وحين يُقال إن العقل يحكم، فالمعنى أنه يفهم حكم الله، وإلا فإن العقل، سواء في عالم الوجود والعدم، أي الحكمة النظرية، أو في عالم ما ينبغي وما لا ينبغي، أي الحكمة العملية، يفتقر إلى الحكم.[14] يبين آية الله جوادي آملي، بناءً على هذا التوصيف، إطارَ ونطاقَ دخول العقل في ساحة الدين. فالعقل، في اعتقاده، لا سبيل له في جميع الساحات، ولا يمكن تحميله ما يفوق طاقته من التوقعات.
وبتعبير آخر لآية الله: «العقل كالطبيب، هو أهل دراية ومعرفة، لا أهل ولاية وحكومة، لذا فهو كالطبيب يفتقر إلى الأوامر المولوية، لأنه مُدرِك لا حاكم. ليس له أي منصب تجاه عالم التكوين وعالم التشريع، وليس له سوى الفهم والإدراك والدراية، لا السيطرة والسلطنة. إنه يفهم ماهية الأشياء وما يترتب عليها من آثار. وليس له مطلقاً خالقية ولا ربوبية ولا مولوية.»[15]
ويرى آية الله أيضاً، في معرض بيانه لمحدوديات العقل ومكانته، أن العقل لا سبيل له إلى جزئيات الأمور الدينية، ولا ينبغي إلقاء توقع الانفراج في هذه الأمور على عاتق العقل. وبتعبيره: «إن أحد المحدوديات الإدراكية الأخرى للعقل يتعلق بمقولة الجزئيات الدينية. فالعقل نفسه يعلم أنه غير مخوّل بالتدخل في الجزئيات، وله سبيل فقط في المجالات الكلية في حريم معرفة الدين، وبإمكانه كمصباح أن ينير المناطق الكلية. هذه المحدودية الإدراكية ليست أمراً يفرضه أحد على العقل، بل إن العقل النظري نفسه يعترف بجهله وقصوره في كثير من الموارد، ومن هنا فإن أفضل دليل وأكثر الأدلة على الحاجة إلى الوحي والنبوة والدين الإلهي يُقام من ناحية العقل النظري.»[16]
3- يلفت آية الله جوادي آملي الانتباه إلى أن العقل لا يتعارض مع الدين أبداً. فالعقل يقع داخل هندسة المعرفة الدينية، ولا يمكن إقامة تقابل بين العقل والدين. فحيثما يُذكر الدين، يكون العقل حاضراً أيضاً، ولا يمكن اعتبار هذين منفصلين عن بعضهما. ففي اعتقاد آية الله: «يمكن للعقل أن يكون متعارضاً مع النقل، لكن تعارض العقل والدين قول غير صواب، كما أن تعارض النقل والدين غير معقول، لأن العقل قد تموضع داخل هندسة المعرفة الدينية واعتُبر مصدراً معرفياً لها.» ويعتقد آية الله جوادي أيضاً، في معرض بيانه للتعارض بين العقل والدين، أن العقل لا يقع في تعارض مع الدين أبداً. فإن كان هناك تعارض، فهو بين العقل والنقل. وهذا التعارض قابل للحل بطرق مختلفة أيضاً. ففي الموارد التي يتباين فيها العقل والنقل، يلزم الأخذ باليقين. فمثلاً، الرواية أو الآية التي لا تتوافق مع المطلب اليقيني البرهاني للعقل تُصرف عن ظاهرها وتُؤول إلى معنى يوافق الدليل العقلي، وإن لم يوجد محمل لها، تُؤول الرواية المخالفة لحكم العقل الصريح، أو بعبارة أخرى يُوكل علمها إلى أهلها.[17] ويعتقد آية الله جوادي طبعاً أنه لا توجد قاعدة كلية في موارد تعارض العقل والنقل، فأحياناً يتقدم الدليل النقلي إذا كان أقوى من المطلب العقلي من حيث الاعتبار والدلالة، وأحياناً يتقدم المضمون العقلي.[18]
كما أن بعض التعارضات المتوهمة بين العلم والدين هي نتاج عدم معرفة الحدود لدى بعض العلماء وعدد من المتدينين. فلو أن كلاً من هاتين المجموعتين حددت موضوع البحث المحوري بشكل كامل وقيمت هويته التجريدية أو التجريبية أو التوليفية منهما انطلاقاً من التجربة والتجريد، ثم انخرطت في تضارب الآراء حول ذلك الموضوع بشكل بحثي ومنهجي، لما نشأ أي تنافر، ولتحول الإعراض أو الاعتراض إلى إقبال واشتياق.[19]
وفي اعتقاد آية الله جوادي آملي، أن من يرى العقل خارجاً عن حريم الدين، ينظر إليه بطبيعة الحال كمصدر منافس للدين، ومن هنا، وكما يظن تفريطاً أنهما متعارضان، فإنه في موارد أخرى يتصور إفراطاً أن أحدهما يحل محل الآخر. ومن هنا فإن نمو العقل يضيق الخناق على الدين ويقلص من سعة نطاقه بل ويضع حداً لوجوده.[20]
4- يلفت آية الله جوادي آملي، في معرض بيانه لمكانة العقل في مجال الدين والتدين العقلاني، الانتباه إلى نقطة مفادها أن حضور العقل في المواضع التي يكون فيها التقابل بين النقيضين غير جائز. ويوضح هذا الأمر المهم قائلاً: «عندما يدور الأمر بين الحق والباطل، والصدق والكذب النقيضين، ينبغي أن نشخص أيهما الحق ونقبله. وحيث لا يكون الحصر عقلياً، ويكون هناك ثالث ورابع، فينبغي أن نبحث عن الثالث والرابع والخامس. وهذا المعنى يورده القرآن الكريم على هذا النحو إذ يقول: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ هنا لا مجال للابتكار. إذا ما تحدد أحسن الأقوال، وتعين الحد، واتضح الصدق، فليس ثمة شيء غيره. هذا مقام استماع لا مقام ابتكار وإنتاج للعلم وأمثال ذلك. ماذا عساكم أن تأتوا به؟ الأمر لا يعدو هذين: أحدهما باطل والآخر حق لا محالة. ولا مجال لقول ثالث ورابع. حيث يدور الأمر بين قولين لا غير، ويكون دائراً بين النقيضين، أحدهما باطل والآخر حق، فينبغي أن ينصبَّ كل سعينا وجهدنا على أن نفهم أيهما الحق فنقبله. إذن لدينا موضع هو موضع استماع وليس موضع ابتكار، لأن الأمر دائر بين قسمين؛ وقسم يتعلق بالابتكار والتقانة والإبداع. فحيث تكون التقانة، فهناك يكون مجال ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾».
5- يعتقد آية الله جوادي آملي أن ثمة فرقاً شاسعاً بين كثرة المذاهب وكونها على حق. وقد خلص مصطفى ملكيان إلى أن التدين هو المهم في سبيل الإيمان، لا الدين. بمعنى أن كيفية أداء البشر بناءً على الأسلوب الديني هي المعيار والملاك لطلب الحقيقة والوصول إليها، وليس مجرد التعاليم الدينية. ولا يقبل آية الله جوادي آملي هذا الرأي، ويرى أن التعاليم الدينية مختلفة ومتباينة أيضاً، ولا يضع جميع المذاهب في صف واحد. ويطرح آية الله بحث الفطرة الإنسانية الواحدة، معتقداً أن الفطرة الواحدة تقتضي قانوناً واحداً. وإذ يلتفت إلى هذا الأمر المهم، يعبر عنه قائلاً: «هل حقيقة الإنسان واحدة أم متنوعة ومتعددة؟ بمعنى هل جميع أفراد البشر من جوهر واحد ولا يختلفون إلا في درجات هذا الجوهر الواحد، أم أن لكل منهم حقيقة متباينة عن حقيقة الآخرين؟... تجيب عن هذا السؤال كل من الآيات القرآنية والشواهد التجريبية العقلية، وتعتبر جميع البشر متساوين في جوهر الوجود. وعليه، فمن جهة سيكون الطريق مفتوحاً لتحصيل الكمالات والنوابغ البشرية، ومن جهة أخرى ستبطل نظريات غير صائبة كالتعددية الدينية والصراطات المستقيمة؛ لأنه بالنسبة للحقيقة الواحدة لا يصح افتراض كمالات متنوعة ومتباينة»[21].
يرى آية الله جوادي آملي أن الفطرة الواحدة تستتبع قانوناً واحداً منسجماً، ويعتبر التخلف عنه عاملاً في عدم بلوغ الفطرة غايتها وعدم تزكيتها. وبتعبير آية الله، فإن هذه الفطرة الواحدة لا يغيرها الله، لأنه خلقها في أحسن تقويم، ولا يغيرها غير الله، لأن غير الله لا قدرة له على تغيير نظام الخلق. إذن، ما دام النبي والكتاب والكعبة والمطاف والمعبد والهدى والفطرة... واحداً لجميع البشر، فإن جميع المجتمعات الإنسانية تمتلك حقيقة واحدة.[22]
خلاصة
لقد وضع الأستاذ ملكيان إصبعه على نقاط وجيهة في طرحه لفكرة التدين المتعقل. فهو يسعى، من خلال وضع معايير ومقاييس، إلى رسم أسلوب ومنهج تكتسب بموجبه سلوكيات المتدينين صبغة عقلانية، فلا يقعون في شرك الخرافة والعواطف غير المنطقية.
يشير ملكيان إلى ثمانية أمور ينبغي على المتدينين مراعاتها في سلوكهم لتثمر عيشاً دينياً وعقلانياً. فبحسب اعتقاد ملكيان، لا يمكن بمجرد الاعتقاد بفكرة ما أن نعتبر شخصاً مالكاً للحقيقة؛ بل إن العمل بالوصايا والأسلوب السلوكي هو الهدف الأهم في العيش العقلاني والديني في هذا السبيل. وبهذا القول، يؤكد ملكيان على ضرورة أن نجعل التدين هو المعيار في أحكامنا وتقييماتنا للأفراد، لا الدين الذي يلتزمون به. كما يعتقد أن القضايا الدينية ليست بمعنى الحقيقة التامة المطلقة، ويمكن اقتباس حقائق من كل مذهب ومرام. ويؤكد الأستاذ ملكيان أيضاً على أن كثيراً من القضايا الدينية تنأى عن العقل.
لقد ركّز الأستاذ ملكيان على نقاط يمكن الإيمان بها والاهتمام بها. لكن يبدو أن نظرته إلى التدين المتعقل هي نظرة تجزيئية. وقد بيّن آية الله جوادي آملي في هذا الشأن منظومةً تقوم على أن كل عمل ديني يكتسب بالضرورة صبغة عقلانية، وأن هذين الأمرين ليسا منفصلين ولا منفكين عن بعضهما.
في اعتقاد آية الله جوادي آملي، فإن الجهد في الساحة الدينية والعمل بالأوامر الإلهية ليس إلا سلوكاً عقلانياً. لا يمكن إنجاز عمل ديني ما لم يكن متحلياً بجوهر العقلانية. كما يؤكد آية الله جوادي آملي على مسألة الفطرة، معتقداً أن الفطرة الواحدة لا يمكنها أن تحتمل قوانين متعددة. فمن يخطو في ميدان الدين، ينبغي له أن يتبع قانوناً فطرياً أبدياً، واللجوء إلى المذاهب والنحل المختلفة يؤدي إلى الدوس على الفطرة النقية ويجلب الضلال.
يبدو أن الأستاذ ملكيان، في رسم أفكاره، يضع العقلانية كمعيار وملاك، وبناءً عليه يخضع الدين والقضايا الدينية لمحكها. أما آية الله جوادي آملي فلا يقيم تمييزاً بين الدين والعقل. ففي اعتقاده، إذا كان هناك اختلاف وتعارض، فهو بين العقل والنقل. وحيثما يتحقق عمل عقلاني، تُستنشق رائحة الدين. لقد خطا الأستاذ ملكيان، بفصله بين هذين المجالين، إلى ميدان رسم التدين المتعقل، بينما يفسر آية الله جوادي آملي هذين الأمرين في سياق بعضهما ولا يرى تمييزاً بينهما.
يعتقد الأستاذ ملكيان أن المعطيات الوحيانية ينبغي ألا تتعارض مع المنجزات البشرية. وبتعبيره، لا يمكن الإيمان بقضيتين متناقضتين. يجب ألا يكون هناك تنافر بين النصوص الدينية والمقدسة والمنجزات البشرية. ومهمتنا ينبغي أن تكون التوفيق بطريقة ما بين المعطيات الوحيانية والمنجزات البشرية. أما آية الله جوادي آملي فيفرق بين نوعين من التعارض. ففي بعض الأحيان، يمكن النظر في نظريات ثالثة ورابعة وخامسة، ومن خلال تضارب الآراء يتم التوصل إلى رأي واحد. وفي هذا المجال يمكن بذل الجهد في التدقيق العقلي واكتساب الإنتاج العلمي. لكن في حالات أخرى، لا توجد قضية ثالثة أو رابعة، ويكون الأمر دائراً بين الحق والباطل. وفي هذه المواضع، يؤدي قبول القضيتين معاً إلى اجتماع النقيضين. وهنا لا مجال للتدقيقات العلمية والإبداع، ويجب استنباط الرأي الصحيح بالتمسك بالدين.
حيث يصر مصطفى ملكيان على أنه في تعارض العقل والدين يجب تغليب جانب العقل، يطرح آية الله جوادي آملي التعارض بين العقل والنقل، ويعتقد أنه لا يوجد أسلوب محدد لحل هذا الاختلاف، فأحياناً يغلب العقل، وأحياناً يتبوأ النقل مقعد القبول.
الهوامش
[1] في رهگذار باد ونگهبان لاله، مصطفى ملكيان، ص111-112
[2] المصدر نفسه، ص114-115-116
[3] المصدر نفسه، ص117
[4] المصدر نفسه، ص118
[5] المصدر نفسه، ص120
[6] المصدر نفسه، ص121
[7] المصدر نفسه، ص124-125
[8] المصدر نفسه، ص142-143
[9] المصدر نفسه، ص144-145
[10] المصدر نفسه، ص146
[11] آية الله جوادي آملي، قرآن حكيم از منظر امام رضا (ع)، ص44
[12] المصدر نفسه، ص44
[13] المصدر نفسه، ص152-153
[14] آية الله جوادي آملي، منزلت عقل در هندسه معرفت ديني، ص40
[15] المصدر نفسه، ص42
[16] المصدر نفسه، ص59-60
[17] المصدر نفسه، ص179
[18] المصدر نفسه، ص76
[19] المصدر نفسه، ص82
[20] المصدر نفسه، ص179
[21] آية الله الجوادي الآملي، صورة الإنسان وسيرته في القرآن، ص90-91
[22] المصدر نفسه، ص91-92
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
دوگانه « عقل / دین » جامعِ دوگانه « عقل / نقل » است و افزون بر دربرگیرندگی « عقل / نقل » ، سازش / ستیز دانسته های تاریخی و باورهای علمی و فلسفی غیردینی با جنبه های غیرنقلی دین را هم دربر می گیرد . در این بحث ها معانی مختلف « عقل » باید به دقت تفکیک شود .