حوار عالم دين مع الملحدين
مقابلة «مجلة الملحدين العرب» مع أحمد القبانجي
ترجمة ومقدمة: ياسر ميردامادي
مقدمة المترجم: أحمد علي حسن القبانجي، المعروف بأحمد القبانجي (بالعربية: أحمد القبانجي)، وُلد عام 1958 ميلادي/1336 شمسي في النجف، وهو أحد أبرز المثقفين الدينيين العراقيين. أكمل دراسته الحوزوية في النجف وبيروت وقم، وتتلمذ على يد عالمين شيعيين بارزين هما محمد باقر الصدر (1359-1313 شمسي) ومحمد حسين فضل الله (1389-1314 شمسي).1 قُتل والده وخمسة من إخوته على يد نظام صدام، وبعد فراره من العراق استقر في إيران. وخلال سنوات إقامته في إيران، قاتل إلى جانب القوات الإيرانية ضد قوات صدام وأُصيب بجروح.
أدت سنوات إقامته الطويلة في إيران إلى تحول فكري كبير لدى القبانجي، الذي كان في البداية تقليدي التفكير للغاية. فبعد أن كان يترجم كتب دستغيب ومطهري إلى العربية ويؤلف أعمالاً تقليدية، بدأ تدريجياً بترجمة كتب المثقفين الإيرانيين مثل عبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان إلى العربية، وتأثر بهم بعمق. ويمكن ملاحظة هذا التأثر العميق في مؤلفاته العديدة، ومنها كتابه الذي ألفه حول الوحي بعنوان «النبوة وإشكالية الوحي الإلهي»، والتشابه بين مباحث هذا الكتاب ونظرية الوحي عند سروش وشبستري.
لم يبقَ التجديد الفكري للقبانجي في مجال الدين بمنأى عن الهامش السياسي. فبعد سقوط نظام صدام، عاد القبانجي إلى العراق. وفي أواخر عام 91 شمسي، اعتُقل على يد عناصر من وزارة الاستخبارات الإيرانية آنذاك بعد سفره إلى إيران. ويُقال إن هذا الاعتقال تم بضغط من أخيه صدر الدين القبانجي. صدر الدين القبانجي هو إمام جمعة النجف وأحد قادة «المجلس الأعلى العراقي» (وهو مجلس مقرب من الجمهورية الإسلامية الإيرانية)، وقد وصف أخاه أحمد بالكافر والمرتد. هذا الاعتقال، وإن لم يلقَ صدى كبيراً في الأوساط الناطقة بالفارسية، إلا أنه أثار احتجاج بعض المثقفين العرب، بمن فيهم إياد جمال الدين (رجل دين وسياسي ليبرالي عراقي)، وأدى إلى مظاهرات أمام السفارة الإيرانية في بغداد.2 أُطلق سراح القبانجي أخيراً بعد هذه الضغوط، وهو يقيم حالياً في العراق. وقبل أشهر من اعتقال القبانجي، نُشر مقال غير مُوقَّع في مجلة «كتاب ماه دين» في إيران، تناول أحد كتب القبانجي بعنوان «المرأة، المفاهيم والحقوق». وفي بداية مراجعة الكتاب، قُدِّم العمل على النحو التالي: «يحتوي على أفكار جديدة تدخل في إطار الغزو الثقافي للعراق».3
حوار «مجلة الملحدين العرب» (قناة الملحدين بالعربي) مع أحمد القبانجي4، يكتسب أهمية من أربع زوايا على الأقل:
1- نادراً ما دخل المثقفون الدينيون في حوار مع ملحدين عرّفوا هويتهم علناً على أساس الإلحاد. الحوار التالي هو أحد النماذج النادرة من هذا الباب، ويمكن أن يكون نموذجاً لمزيد من الحوارات من هذا القبيل.
2- من ناحية أخرى، نادراً ما دخل الملحدون الإيرانيون في حوار مع المثقفين الدينيين (ناهيك عن الحوار مع رجال الدين). مبادرة مجلة الملحدين العرب في الحوار مع مثقف ديني ذي خلفية حوزوية يمكن أن توفر نموذجاً مناسباً للملحدين الإيرانيين أيضاً.
۳- الحوزة العلمية في قم، من حيث متابعة النقاشات التنويرية والفروع الجديدة للعلوم الإنسانية، متقدمة جداً مقارنة بالحوزات العلمية في النجف وكربلاء وسامراء، لكن يبدو أن القبانجي خلال السنوات التي عاد فيها إلى العراق ونشر نقاشاته الراديكالية بصراحة في كتب أو على اليوتيوب5 لم يواجه مشكلة جدية من رجال الدين العراقيين.6 ورغم أنه يشكو في هذا الحوار من هيمنة الأجواء التكفيرية، إلا أنه في النهاية اعتُقل في إيران وليس في العراق. ولعل الفرق بين الأجواء في إيران والعراق من هذه الناحية يمكن تفسيره بناءً على اختلاف نظام ولاية الفقيه في إيران والنظام العلماني في العراق.
۴- التنوير الديني الإيراني لم يزل مؤثراً ليس فقط داخل إيران (وإن كان قد وجد منافسين جديين مقارنة بعقدي الثمانينيات والتسعينيات الميلادية) بل أثّر أيضاً على قسم من الإيرانيين الناطقين بالفارسية خارج إيران، وعلى قسم من المثقفين الأفغان وربما الطاجيك، وعبر الترجمة على قسم من التنوير العربي.
---------------------------------------------------------------
سؤال- لقد درستم في الحوزة العلمية في النجف وتلقيتم هناك الفقه والأصول، ماذا أضافت لكم الدراسة الحوزوية؟ ما رأيكم في أساليب التعليم الديني بشكل عام؟ ما الفائدة التي جلبتها لكم دراستكم الحوزوية في معترككم الاجتماعي الراهن؟
القبانجي: دراستي الحوزوية علمتني بطبيعة الحال أشياء كثيرة، أشياء لم أكن أعرفها من قبل، خاصة في مجال العلوم الدينية، لكن إذا سألتموني عن فائدة هذه الدراسة لي وللمجتمع، فللأسف لم تكن لهذه الدراسة الحوزوية، التي استغرقت سنوات طويلة من عمري، أي فائدة، بل كانت مجرد تضييع للوقت والطاقة، ومع ذلك يمكنني الآن أن أستخدم تلك العلوم لنقدها هي نفسها وإظهار بطلانها وانتهاء صلاحيتها، على أمل أن يكون ذلك أرضية لتغييرات معقولة وجديرة في الدراسات الدينية.
سؤال- سيد القبانجي، هل تعتقدون أن آراءكم وأفكاركم قد وصلت إلى الناس أم أن الأمر لا يزال في مرحلة الانطلاق الأولى؟ ما تقديركم لمدى اتساع متابعي نقاشاتكم والمتأثرين بها؟ هل ترون هذه المجموعة ديناميكية أم جامدة؟ هل تقتصر متابعة نقاشاتكم على العراق أم تتجاوزه؟
القبانجي: يبدو أن الأفكار التجديدية تصل إلى الناس، سواء عبر نقاشاتي أو نقاشات مفكرين آخرين. نحن نشهد اليوم يقظة جديدة، لقد اتضح للناس فراغ وزيف الإسلام السياسي وسائر الإيديولوجيات، وقد شهدنا مؤخراً في مصر وتونس إزاحة الأحزاب الإسلامية من قبل الناس. لقد بلغ وعي الناس حداً بدأوا معه بنقد الفكر الديني والفقهي المتمحور حول الشريعة، بل وحتى نقد القرآن. هذه مؤشرات على انهيار المقدسات والتابوهات والخطوط الحمراء التي نسجتها الذهنية العربية حول نفسها وجعلت من نفسها عبداً لإرث الماضي. لقد تحول متابعو الأفكار التجديدية والمتأثرون بها اليوم إلى قوة ديناميكية ونشيطة، وهذا على الرغم من قلة الإمكانيات وصعوبات التنوير في ظل الأجواء التكفيرية والثقافة المتخلفة والقومية التي تعيش فيها المجتمعات العربية. وأفضل مثال على قوة التيار التنويري في العراق هو ما حدث لي. أنتم تعلمون أن حكومات المنطقة تخاف من قوة وشوكة إيران وأيضاً من جهازها الأمني، ومع ذلك فقد خافت الحكومة الإيرانية من مجموعة المثقفين الذين تظاهروا في بغداد والبصرة احتجاجاً على اعتقالي، واضطرت إلى إطلاق سراحي، وذلك على الرغم من أن الحكومة الإيرانية كانت قد وجهت إليّ تهماً ثقيلة.
سؤال: ما رأيكم في تحقق أفكاركم على أرض الواقع في المستقبل؟ هل أنتم متفائلون في هذا الشأن؟
قبانجي: تفاؤلي ليس بالأفكار، بل بمدى انتشار هذه الأفكار بين الناس وانتفاع الجميع في حياتهم من توسع هذه الأفكار. أعتقد أنه لا خيار لنا سوى أن نكون متفائلين، لا سيما أن هذه الأفكار تتلاءم مع العصر ومقتضيات الواقع، وهذا على النقيض تماماً من الأفكار السلفية التي يحملها أولياء الدين على أكتافهم، والتي لا تتوافق مع الحياة الحديثة ولا مع الواقع.
سؤال: كيف ينبغي أن نصنفكم؟ هل أنتم سني أم شيعي، معتزلي أم قرآني، أم أنكم تنتمون إلى فئة أخرى؟
قبانجي: أنا أرفض أي إطار يمزق إنسانية البشر إرباً إرباً، أنا أرفض جميع المذاهب، وفي نظري أن أهل السنة والشيعة على قدر متساوٍ من البطلان، بل إن الإسلام الذي ورثناه اليوم ليس هو الإسلام الذي عند الله، بل هو مجرد تصنيف اجتماعي، وبمثل هذا الإسلام لا يبلغ أي إنسان كمالاً معنوياً وأخلاقياً، بل بهذا الإسلام تُزرع بذور التعصب والجهل والخرافة والنزاع القومي والمذهبي في قلوب البشر. لقد تحول الإسلام اليوم إلى عامل تخلف وسبب مهم للتوحش وانغلاق المسلمين عن الحضارة والتجدد.
سؤال- ما رأيكم في المسيحية واليهودية؟ وبشكل خاص، ما رأيكم في البهائية التي انتشرت مؤخراً في البلدان العربية، وخاصة مصر؟
قبانجي: كما أشرت سابقاً، المسيحية واليهودية وكذلك البهائية وسائر الأديان والمذاهب، هي تماماً كالإسلام، تقسيمات اجتماعية؛ لا ينزل الدين من عند الله. وكما أشار عالم الاجتماع الألماني دوركايم، فإن هذه التقسيمات هي للحفاظ على التماسك الاجتماعي وتقوية العلاقات بين أفراد المجتمع. الدين -بقدر ما هو لتقوية الهوية الاجتماعية لأفراد المجتمع- هو كالعرق واللغة والوطن. أما الدين الإلهي فهو الإيمان الخالص الذي يحيا به الإنسان بقلبه، وهذا الإيمان يتجلى في صورة حب لله وتوكل عليه والتزام بالقيم الأخلاقية والمثل الإنسانية العليا. الدين الإلهي هو ما نسميه الضمير. الضمير هو نداء الله الباطني في جميع البشر. كل فرد مكلف في حياته أن يصغي لصوت ضميره، أياً كان دينه ومذهبه، لأن الله ينظر إلى قلوب الناس لا إلى ظواهرهم -كما أشير إلى هذا المعنى في حديث مشهور.7
سؤال- لقد أشرتم مراراً إلى أنكم ترفضون الفهم الظاهري للنصوص والعقائد الدينية، ما رأيكم في نص القرآن ومعنى الكمال الذي ورد في الحديث والسنة والتراث الديني؟
قبانجي: نحن بحاجة إلى توظيف آليات علم الهيرمنيوطيقا في عملية فهم النص الديني. فبدون استخدام هذه الآليات لا يمكن لأهداف الوحي أن تكون ملهمة لنا، ولا يمكننا أن ندرك التراث النبوي. لأن الفهم الظاهري للنصوص الدينية، السائد الآن في المؤسسات الدينية، يؤدي بنا إلى الجمود عند فهم الأقدمين للنصوص الدينية، في حين أن الحقائق والثقافات تتغير بتغير احتياجات البشر وأفكارهم، ونتيجة لذلك تتغير الأحكام الشرعية والفكر الديني. وهذا يعني أن:
۱- لا يمكن تطبيق النص الديني، دون النظر في سياقه وسياقه التاريخي الذي تشكل فيه، على ظروف تاريخية أخرى تختلف كثيراً عن الماضي.
۲- يجب الأخذ بعين الاعتبار تأثير الأسس الفكرية والافتراضات المسبقة للمفسر والفقيه في عملية فهم النص.
۳- لا ينبغي إخضاع النص الديني لأهواء المفسر، وبالتالي التوصل في تفسيره إلى نتائج تبتعد عن العقل والواقع ومقاصد الشارع.
۴- ينبغي أن نستخلص فهمًا صحيحًا من التعابير المجازية والاستعارية الواردة في النصوص الدينية، وأن نقدم ترجمةً ثقافيةً لهذه التعابير بناءً على منهج غير حرفي. لا ينبغي أن نتصور أن المقصود من الكلمات الواردة في النصوص الدينية هو معناها المعجمي، أو أن هذه الكلمات تهدف إلى عكس الواقع الخارجي والحكاية عنه، بل التصور الصحيح هو أن المقصود من هذه الكلمات شيء يتجاوز معانيها المعجمية، وأنها ذات طابع توصوي وأحكام إنشائية.
سؤال- أنت تعود عمومًا إلى الفلسفة في نقاشاتك. بالمقارنة مع القيم الأخرى، ما قيمة الفلسفة؟
قبانچي: سؤالكم يفتقر بعض الشيء إلى التعقيد اللازم. ليس لدينا فلسفة واحدة، بل فلسفات متعددة، كما لا يوجد معيار فلسفي واحد يمكن الرجوع إليه. غير أن الفلسفة تقوي العقلانية لدى الإنسان، وهذا ما نحتاج إليه لفهم الدين في الزمن الحالي - في زمن تلوث فيه الفكر الديني بكثير من الخرافات والمعتقدات غير الأخلاقية. هذه الحاجة هي ما يتصدى له أولياء الدين بشدة، ويحرمون الفلسفة ويحذرون الناس من العقلانية، بحجة أن دين الله لا يمكن فهمه بالعقل، وأن العقل البشري عاجز عن فهم الدين والشريعة. نتيجة هذا الفكر هي أن يبقى الناس في التخلف وفي أغلال الجهل والتقليد لأرباب الدين. من يتقبل كل خرافة باسم الدين، لا تفصله عن أن يصبح إرهابيًا سوى مسافة قصيرة.
سؤال- لقد تجاوز العلم اليوم حتى بديهيات العقل البشري، ما رأيكم في عدم التوافق بين العلم الحديث والنصوص الدينية؟
قبانچي: لم يتجاوز العلم بديهيات العقل البشري، بل إن بديهيات العقل البشري تتغير. لكل عصر بديهياته النظرية والعلمية. في الماضي كانت النظرية البطلمية في علم الهيئة القديم تُعتبر بديهية، إلى أن جاءت نظرية كوبرنيكوس وأصبحت الآن هذه النظرية من البديهيات. كانت نظرية الشورى والبيعة بديهية في الماضي، لكن الديمقراطية حلت محلها الآن. عدم التوافق بين العلم الحديث والنصوص الدينية مسألة مهمة. يمكن حل هذه المسألة باتباع المناهج الحديثة في اللاهوت. يحلون هذا التعارض أحيانًا بالتمييز بين المنهج العلمي والمنهج في الدين، وأحيانًا بملاحظة أن وظيفة العلم هي الوصف بينما وظيفة الدين هي تحديد القيم، أو أن العلم يصف ظواهر الطبيعة والقوانين الطبيعية بينما الدين يوصي بنمط حياة معين. هذا يعني أن العلم ينتمي إلى العقل النظري والدين إلى العقل العملي. ثمة نظريات أخرى اقتُرحت لحل تعارض العلم والدين، لا مجال لبحثها هنا.
سؤال- يعتقد كثير من المسلمين بالإعجاز العلمي والأدبي للقرآن، هل تتفق معهم؟ برأيك كيف يمكن أن يكون القرآن معجزة؟
قبانچي: لقد أوضحت في نقاشاتي وكذلك في كتابي المعنون «راز اعجاز قرآني» (سرّ الإعجاز القرآني) بأدلة كثيرة أنه لا يوجد شيء اسمه إعجاز علمي أو أدبي أو غيبي في القرآن - كما يدعي علماء الإسلام؛ وليس المجال هنا بالطبع للبحث المفصل في هذا الشأن. لكن الإعجاز القرآني المعقول في نظري هو أحد أمرين: ۱- نظرية الصَرفة التي آمن بها المعتزلة، ومن الشيعة، السيد المرتضى ۲- الإعجاز الوجداني.
سؤال- تُعرف بأسلوبك الفريد في التفكير وتحليل المسائل. ما هو تصورك ومقصودك من عالم الغيب على وجه الخصوص؟
قبانچي: يُقصد بعالم الغيب أحياناً الميتافيزيقا، وأحياناً يُقصد به عالمٌ ما وراء العالم الظاهري، وأحياناً يُقصد به العلم الخاص بالله. يُقصد بعالم الغيب تارةً أمراً أنطولوجياً وتارةً أمراً إبستمولوجياً. فمثلاً يُطرح السؤال: هل يوجد عالم غيب أصلاً؟ أو يُسأل: هل لدينا دليل يثبت وجود هكذا عالم؟ وهل يمكن إثبات هكذا عالم بالعقل أم أننا مضطرون للرجوع إلى الدين؟ وما هي حدود عالم الغيب وثغوره؟ ولهذا فإن هذا السؤال معقد، وينبغي أن تحددوا مقصودكم من السؤال. لكن دعوني أجيب بضع كلمات حتى لا أترك السؤال دون جواب. عموماً لا يؤمن الماديون بعالم ما وراء المادة، سواء احتوى ذلك العالم الماورائي على الروح أم على الله أم على سائر الموجودات المجردة، أما العارفون في جميع الأديان والثقافات البشرية فيجمعون على وجود عالم آخر في باطن هذا العالم الظاهري، فكل شيء في نظرهم، من العلم إلى الإنسان والنص الديني، له ظاهر وباطن. ونحن أيضاً على هذا الرأي.
سؤال- أنتم في بعض مناقشاتكم وضعتم فرقاً بين الغيب المطلق وعلاقته بالله، كيف تشرحون الله والمطلق وما هي العلاقة بين هذين من وجهة نظركم الفلسفية؟
قبانچي: ما المقصود بـ "بين هذين"، بين أي شيئين؟ عموماً، العلاقة بالله ليست مسألة عقلية وفكرية ونظرية، بل هي مسألة عاطفية وشعورية وقلبية. العقل النظري لا قدرة له على الولوج في هذا المجال، كما بيّن كانط. وهذه هي الرؤية التي يتفق عليها العارفون المسلمون وغير المسلمين. يشعر الإنسان في البداية في داخله بميل للاتصال بالله، ثم يمضي في هذا الطريق حتى تتشكل صورة عن الله شيئاً فشيئاً في ذهنه. الإيمان بالله ليس أمراً عقلياً، بل هو ناشئ عن حاجة الإنسان إلى الله.
سؤال- ما رأيكم في شأن الله؟ كيف تدركونه؟
قبانچي: هذا السؤال يحتاج إلى جواب طويل، أرجوكم ألا تطرحوا أسئلة عميقة وواسعة النطاق كهذا السؤال. الأفضل أن تطرحوا السؤال بشكل أكثر تحديداً وتفصيلاً، لأن الله مقولة معقدة، واللقاء بالله ومعرفته كذلك. هذه من الأمور التي تصارع معها الأنبياء والعارفون والفلاسفة. من اللائق أن نتحدث عن الإيمان بالله لا عن الله نفسه. فبقدر ما يتعلق الأمر بالإنسان، فإن الإيمان بالله أهم من الله نفسه، لأن هذا الإيمان هو الذي يحدد مصير الإنسان ويوجه حياته. الله لا يدخل حياة الإنسان إلا من خلال الإيمان، والإنسان برهان إيمانه هو الذي يتصل بالله، ومن لا يجد الإيمان بالله في قلبه فلن يرى الله في حياته حتى لو كان يعتقد بوجود الله في ذهنه. هذا يعني أن الإيمان هو حب الله لا الاعتقاد به. من لا يجد حب الله في قلبه فلن يجد الله في حياته.
سؤال- ما رأيكم في أهل السنة؟
قبانچي: هل المقصود بأهل السنة من وجهة نظر مذهبية أم المقصود الأشخاص الذين هم من أهل السنة؟ هل المقصود بأهل السنة من وجهة نظر أخلاقية أم المقصود صحة معتقداتهم أم عرقهم القومي أم عقلانيتهم؟ هذا السؤال أيضاً مبهم ويحتاج إلى توضيح. لا أدري لماذا تفتقر أسئلتكم إلى الدقة اللازمة. على كل حال، كما قلت سابقاً، حال المذهب السني هو نفس حال المذهب الشيعي، كلاهما بناء بشري وليس شيئاً أنزله الله. أحياناً يكون الفرق بين الشيعة والسنة من الناحية التاريخية هو أن أهل السنة أخذوا من الإسلام جانبه السياسي والحكومي وطالبوا بتشكيل حكومة دينية كأصل من أصول الدين الإسلامي، في حين أن الشيعة في التاريخ الإسلامي انحازوا إلى جانب المعارضة والاحتجاج، ومن ثم صار فهمهم للإسلام عاطفياً أكثر من أهل السنة، ونتيجة لذلك صاروا أكثر خرافية منهم. وأهل السنة بدورهم كانوا على مر التاريخ أشد قسوة من الشيعة، لأن ممارسة الحكم كانت تقتضي ذلك.
الإرهاب جذوره في صفوف أهل السنة غالباً، تماماً كما أن الخرافة جذورها في صفوف الشيعة غالباً، والله منزّه عن الإرهاب والخرافة كليهما. وبما أن التشيع نشأ تاريخياً بعد أهل السنة وظهر في قالب معارضة سياسية، فإن كل من كان يعارض الحكم الديني والخلفاء كان ينضم إلى التشيع ويحتمي وراء حصن الدين، ويتهم السلطة السياسية بالكفر والإلحاد كي لا يُتهم هو بالردة والكفر. ومن هنا فإن الموضوعات والأكاذيب في التراث الشيعي أكثر منها في التراث السني، لكن الطرف الأقوى في القصة (أي أهل السنة) لم يكن بحاجة إلى الاختلاق والغلو، بل كان بحاجة إلى الحكم بالقوة والسيف. ولهذا السبب نرى أن الشيعة أقل تمسكاً بالنبي والقرآن، لأن القرآن والنبي كانا تاريخياً في موقع الحاكم، وكان القرآن يؤدي دوره في تثبيت السلطة والحكم بالسيف. أما أهل السنة فكانوا على العكس من ذلك دائمي الإحالة إلى القرآن والسنة النبوية، لأنهم كانوا يجدون فيهما تأييداً لمذهبهم وإضفاءً للشرعية على حكمهم – حتى لو كان على رأس هذا الحكم شخص مثل صدام.
سؤال- هل تعتقد أن الله سينتقم من الملحدين بسبب إلحادهم؟
قبانجي: هذا يتوقف على تصورنا عن الله. إذا تصورنا الله مثل صدام الذي كان يجبر الناس على الاعتراف بزعامته، فعندئذ نعم، سينتقم الله منك ومن جميع غير المؤمنين، لأنه بناءً على هذا التصور يكون الإيمان بالله (مثل الاعتراف بزعامة صدام) شرطاً لوجود الناس وارتقائهم في سلم التقدم. أما إذا تصورنا الله على أنه خلق العالم ليفيض بجوده وكرمه وفضله، فإن معنى هذا التصور هو أن الله يحب جميع مخلوقاته، وعندئذ نؤمن بقانون أخلاقي في الوجود (شبيه بالقوانين الطبيعية في العالم). هذا القانون الأخلاقي يؤثر على خير أعمال الإنسان وشرها، فإذا أحسن الإنسان رأى خيراً، وإذا أساء رأى شراً. فالملحد الذي يجعل فعل الخير ديدنه ويعامل الآخرين بدافع الحب يرى خيراً في حياته، والمؤمن الذي يؤمن بوجود الله لكنه لا يلتزم بمقتضيات هذا الإيمان ولا يعمل صالحاً ولا يريد الخير للناس، بل يعيش حياة أنانية نفعية، سيرى شراً.
سؤال- كيف يمكن التمييز بين المسلم الذي فهم الإسلام فهماً شخصياً والمسلم الذي يقلد تقليداً أعمى؟
قبانجي: الإسلام التقليدي وإسلام الشارع والسوق هو إسلام يطلب من الفرد طاعة عمياء، أما من يخرج نفسه من تحت الضغط الاجتماعي ودين الشارع والسوق ويرجع إلى وجدانه وعقله فسيجد الإسلام الحقيقي، وهذا إسلام لا يدعو إلى مجرد التعلم فحسب، بل هو حركة في مسار الخير والصلاح العام، ومقتضى هذا الإسلام هو الوقوف في وجه المجتمع والأفكار السائدة فيه.
سؤال- عندما دعتكم «مجلة الملحدين العرب» إلى الحوار، كيف كان رد فعلكم؟
قبانجي: لم يكن لدي رد فعل خاص. لدي أصدقاء ملحدون كثيرون. أنا لا أجد في ديني خطاً فاصلاً بين الناس على أساس العقيدة والمذهب والفكر، بل هذا الخط الفاصل قائم على الإنسانية والقيم الأخلاقية. في اعتقادي أن الإلحاد هو أيضاً نمط حياة، تماماً مثل الإيمان بالله. من لا يجد الله في عقله وحياته، يحق له أن ينكر الله، بل من واجبه أن ينكر الله كي لا يقع في فخ الرياء والنفاق. ما أعنيه هو أنه عندما يقول الملحد الذي لا يرى الله في العالم ولا يرى حاجة إليه، إن الله غير موجود، فإن قوله هذا صحيح تماماً من الناحية الأخلاقية. وعندما يقول المؤمن إن الله موجود، فإن قوله صحيح تماماً من الناحية الأخلاقية أيضاً، لأنه يحتاج إلى الله ويراه حاضراً على الدوام في وجوده وحياته. الله ليس من جنس الأشياء الموجودة في العالم الخارجي، بل لله صلة عميقة بداخل الإنسان.
سؤال- كيف تنظر إلى الملحد العربي؟ ما هو رأيك فيه تحديداً؟
قبانچي: أرى هذه الظاهرة ظاهرةً مباركة، وهي تدل على حركة نحو الكمال في فضاء الفكر العربي. لقد بدأ اللادينيون بالخروج من الشرنقة السحرية التي نسجها المجتمع حولهم، إنهم لا يأبهون بالضغط العرفي والاجتماعي وضغط الدين التقليدي الذي يُلقى على كاهل كل فرد في المجتمع منذ لحظة الولادة. قلتُ سابقاً إن ما نواجهه اليوم تحت مسمى الدين الإسلامي لا علاقة له بالله، بل تحول هذا الدين إلى صنمٍ يُعبد من دون الله. كل إنسان يحترم حريته وعقله عليه واجب أن يخرج من هذا الدين، تماماً كما انتقل مسلمو صدر الإسلام من دين الشرك إلى دين التوحيد. الخطوة الأولى في طريق الكمال هي أن يحطم الإنسان صنم المجتمع (أياً كان هذا الصنم)، وهذا التحطيم للأصنام هو "لا إله"، وهو ذاته الإلحاد واللادينية. حينها يصبح هذا الإلحاد مقدمةً وطريقاً للإيمان الحقيقي. لا ينبغي للاديني أن يتصور أنه بلغ بإلحاده نهاية المطاف وأن الأمر قد انتهى. بهذا المعنى، الإلحاد هو المقدمة الضرورية للإيمان. لكن أكثر ما يقلقني بشأن أصدقائي اللادينيين أمران:
۱- أن يقع بعض أصدقائنا اللادينيين، خوفاً من ردود فعل المجتمع تجاههم، في شرك الرياء والنفاق وألا يُظهروا لادينيتهم، وبهذا ربما يسقطون في هاوية أقبح رذيلة أخلاقية، ألا وهي النفاق والازدواجية. عليهم أن يُعلنوا لادينيتهم بشجاعة، تماماً مثل عظماء كالشهيد حسين مروه8 وفهد9 وهادي علوي10 وغيرهم من الماركسيين الذين كانوا أصحاب ضمائر يقظة، وإن لم يفعلوا ذلك فسيكون مصيرهم الخضوع للدين التقليدي السائد بين عامة الناس. أعتقد أن أهم ما يمكن أن يمتلكه الإنسان هو حريته واستقلاله. إذا فقد المرء هذين الأمرين، فلا قيمة لأي شيء آخر يمتلكه: سواء أكان مؤمناً أم ملحداً، مسلماً أم كافراً، شيعياً أم سنياً، مثقفاً أم عامياً. لا ينبغي أن يكون حال لادينيينا كحال بعض ماركسيي أيامنا هؤلاء الذين يرفعون على واجهة مقر حزبهم المركزي لافتةً تقول: "نعزي مقام صاحب الزمان باستشهاد السيدة فاطمة الزهراء (ع)"!
۲- أمّا قلقي الثاني فهو خشية أن تكون لادينية بعض أصدقائنا ناتجةً عن التهرب من المسؤولية وعدم التزامهم بالقيم الأخلاقية.
سؤال- ما رأيكم في البروز والظهور الذي وجده اللادينيون العرب مؤخراً في الفضاء الإعلامي؟
قبانچي: كما قلت سابقاً، أعتبره ظاهرةً مباركة تدل على وجود حركة نحو العقلانية والتحضر والتحرر من أغلال العرف والتقديسات الباطلة.
سؤال- تُصاغ هذه الأيام في مصر مسودة دستور جديد، ويطالب البعض بأن يكون للادينيين المصريين ممثلٌ في صياغة الدستور. ما رأيكم في الحقوق الإنسانية والمدنية للادينيين العرب وفي حضورهم السياسي الباهت والخجول؟
قبانچي: لا أوافق على هذا المطلب الخاص باللادينيين، ويكفي أن نطالب بالعلمانية لأنها عنوان عام يشمل كل الجماعات العلمانية دون أي تمييز. اللادينيون ليسوا جماعة منفصلة عن المجتمع، فمجرد كونهم مواطنين يضمن لهم كامل حقوقهم. هذا النقاش كان من الناحية السياسية بالطبع. أما من الناحية الثقافية، فمن الضروري أن يتحرك اللادينيون وينشطوا تحت عنوان اللادينية لكي يهتز ذهنية المجتمعات العربية وينكسر الجمود الثقافي والديني بينهم. على أية حال، ما يحدث في مصر في إطار الثورة ضد الحزب الديني هو انفراج نحو التقدم والازدهار والإنسانية، وأعتقد أنها أول ثورة بالمعنى الصحيح للكلمة بعد الثورة الفرنسية، أي ثورة لا مكان فيها للدوافع الأيديولوجية والدينية، بل الدافع الإنساني والعقلي هو الموجود فيها.
سؤال- لو قال لك ابنك أو أحد المقربين منك بصراحة إنه أصبح لادينياً، كيف ستتغير علاقتك به؟
القبانجي: إذا كان إلحاده نابعاً من العقل والوجدان، أي لم يكن إلحاداً قشرياً، فإن علاقتي به لا تتغير. وكما ينقسم إيمان الأفراد إلى إيمان قشري وإيمان معنوي، فإن الإلحاد ينقسم أيضاً إلى إلحاد قشري وإلحاد معنوي. الإلحاد القشري وليد الهوى والهرب من التكليف الأخلاقي والديني ونتاج اللامسؤولية. أما الإلحاد المعنوي فهو حصيلة الحس الإنساني والوعي بكثرة الشرور في العالم وعدم العثور على الله في العقل والوجدان، وهو أيضاً حصيلة مشاهدة القتل والظلم والتعدي وسفك الدماء باسم الله والدين. إن وجدان هذا الشخص الملحد هو الذي دفعه إلى إنكار الله والإسلام وإله الأديان الأخرى؛ إنه ملحد معنوي.
سؤال- والسؤال الأخير، ما هي توصيتكم لقراء مجلتنا من المؤمنين والملحدين؟
القبانجي: أقول لهم إنه في هذا العصر الذي أصبح فيه الإرهاب والنزاع العرقي وكراهية الآخر والاغتراب عن الذات عملة رائجة، فإن ما نحتاجه بشدة ليس الدين، بل القيم الأخلاقية، والعودة إلى الوجدان، والحب، وتنمية القيم الإنسانية. إن هويتنا الإنسانية تعاني الآن من أزمة حقيقية بسبب سيطرة الهويات الزائفة وغير الحقيقية كالهوية الدينية والمذهبية والعرقية وما شابهها. وبعد أن ثبت لنا أن هذه الهويات فارغة وزائفة، ينبغي أن نعود إلى هويتنا الحقيقية، وهي الهوية الإنسانية تحديداً. فنحن قبل أن نكون مسلمين أو شيعة أو ملحدين، بشر.
.
.
في حوار مع: السيد أحمد القبانجي
أحمد حسن علي القبانجي، باحثٌ وكاتبٌ إسلاميٌ ليبراليٌ عراقي. وُلد في النجف في 2 يناير 1958، تنقّل بعدها بين سوريا ولبنان وإيران، وهو مستقرٌّ الآن في موطنه العراق. تميَّز بفكره المختلف وجرأته في الطرح، وتحليقه بعيدًا عن السرب ،يكفي أن تضع إسمه في محرّك البحث، حتى تظهر لك العناوين التي يعتبرها البعض مثيرةً للجدل سواءً في محاضراته ومقالاته أو كتبه، لذلك إن اتفق الملحدون والمسلمون على شيء، سيكون حيرتهم واحترامهم للسيد أحمد القبانجي، نرحب بك في مجلة الملحدين العرب و نشكرك على قبول الدعوة.
في النجف تتلمذت في الحوزة الدينية ودرست الفقه والأصول، ما الذي أضافته لك هذه الدراسة، وماهو رأيك في أساليب التعليم الديني بشكلٍ عام؟ وكيف أفادتك في معترك المجتمع لاحقًا؟
ج: من الطبيعي أن تضيف لي الدراسة فی الحوزة أمورا کثيرةً لم أکن أعلمها وخاصةً فی المجال الديني ،ولکنّ السؤال عن فائدة هذه الدراسة لي وللمجتمع وأقولً للأسف أّنّ هذه الدراسة التي استغرقت سنواتاً مديدةً لم تکن لها أيّة فائدةٍ بل مجردّ مضيعةٍ للوقت واستهلاکٍ للطاقات، ولکنني أحاول الآن الإستفادة منها لنقدها وبيان زيفها وعدم مصداقيتها عسی أن يکون ذلک مدعاةً لإحداث تغييرٍ جادٍ في الدراسات الدينية نحو الأفضل.
هل يرى القبانجي اليوم أّنّ أفكاره قد وصلت للناس أم أنها ما تزال في طور النهوض؟ وما هو تقديرك لحجم المتابعين لك والمتأثرين بك، وهل تراهم قوةً فاعلةً أم هامدة؟ وهل تواجدهم يقتصر على العراق أم تعدَّى الحدود الجغرافية برأيك؟
ج:الظاهر أَّنَّ أفکار الحٍداثة وصلت إلی الناس سواءٌ بواسطتي أم بواسطة مفکرين آخرين، ونحن نشهد اليوم صحوةً من نوعٍ جديد، فقد تبيّن للناس خواء وزيف مقولات الإسلام السياسي، وکذلک سائرالإيديولوجيات ،وآخرها ما شهدناه في مصر وتونس من رفض الأحزاب الإسلامية، بل قد وصل الوعي بالناس إلی حدٍّ أخذوا ينتقدون الفکر الديني والفقه والشريعة وحتی القرآن أيضا، وهذا يشيرإلی زوال المقدسات والتابوات والخطوط الحمر التي کانت تکبّل العقل العربي و تجعله خاضًعا للماضي والتراث. أما المتابعين والمتأثرين بأفکارالحداثة فهم اليوم قوةٌ فاعلةٌ ونشطةٌ رغم قلة الإمکانات وًصعوبة العمل في أجواء التکفير والثقافة الماضوية والطائفية التي تعيشها المجتمعات العربية، وخيرمثالٍ علی قوة هذا التيار التنويري الصاعد في العراق علی وجه التحديد هو أنَّ إيران التي أخافت حکومات المنطقة بقوّتها وجبروتها ومخابراتها، خافتمن مجموعات المثقفين الذين خرجوا في تظاهراتٍ ضد إيران في بغداد والبصرة وأجبروها علی إطلاق سراحي رغم أّنّ الاتهامات التي ُوجّهت لي ليست هيّنة.
ماهي نظرتك المستقبلية لأفكارك على أرض الواقع؟ هل أنت متفائٌلٌ بشأنها؟
ج: التفاؤل ليس للأفکار بل لمدی استيعاب الناس لها والإنتفاع منها في الحياة وأری أننا لابد أن نکون متفائلين، خاصةً أن هذه الأفکار متماهيةٌ مع العصر ومنسجمةٌ مع متطلبات الواقع بخلاف الأفکار الماضوية التي يحملها رجال الدين والتي لا تنسجم مع الواقع والحياة الحديثة.
كيف نُعُرفّ القبانجي.. هل هو سني.. شيعي.. معتزلي.. قرآني أم له تصنيفٌ خاص؟
ج: القبانجي يرفض کل إطاٍرٍ يحدد إنسانيتهُ ويرفض جميع المذاهب، ويری أَّنَّ السنة علی باطلٍ بقدر ما الشيعة علی باطل أيضا، بل إنَّ الإسلام اليوم ليس هو الإسلام الذي عندالله بل هو إسلامٌ ودينٌ من إفرازات المجتمع، ولا يرقیً بالإنسان في مدارج الکمال والمعنوية والأخلاق، ويکرّس في الإنسان التعصّب والجهل والخرافة والإحتراب الطائفي. وقد أصبح اليوم عاملاً علی تخلف الأمة وسبباً مهماً من أسباب التوحش وعدم الإنفتاح علی الحضارة والحداثة.
المسيحية واليهودية..كيف تنظر إليهما وما رأيك بالنسبة للبهائية التي تنتشر مؤخرًا في دولٍ عربيةٍ مثل مصر؟
ج: المسيحية واليهودية وکذلك البهائية وسائر الأديان والمذاهب الأخری، کلها ليست من الله بما فيها الإسلام الحالي، وکما قلت آنفا هي من إفرازات المجتمع کما قرّره عالم الإجتماع الألماني (دورکايم) وذلك لحفظ نسيج المجتمع وتقوية اًلأواصر بين أفراده، فحال الدين هنا حال القومية واللغة والوطن، في کونهم عناصر لتقوية الهوية الاجتماعية لأفراد المجتمع. أما الدين الإلهي فهو الإيمان الخالص الذي يعيشه الإنسان بقلبه علی شکل حبٍ وتوکلٍ علی الله والتزامٍ بالقيم الأخلاقية والمثل الإنسانية، وهذا الذي نطلق عليه کلمة وجدان. فالوجدان هوصوت الله في کل إنساٍنٍٍ وعلی کل فرد أن يتحرك في حياته من خلال الإصغاء إلی صوت وجدانه مهما کان دينه ومذهبه لأن الله ينظر إلی قلوبکم ولا ينظر إلی صورکم کما ورد في الحديث.
ذكرت في أكثر من منتدى ولقاء أنك ترفض الفهم الحرفي للنصوص والعقائد، فما هي نظرتك للنص القرآني ومفهوم الكمال الذي يتصف به والحديث والسنة والأثر .. كيف تنظر إليهم؟
ج: يجب الأخذ بآليات علم الهرمنيوطيقا في فهم النص الديني وبدونه لا نستطيع استيحاء مقاصد الوحي ولا يمکن فهم ما جاء به النبي لأن الفهم الحرفي للنصوص کما هوالسائد في المؤسسات الدينية يدعو إلى الجمود علی فهم القدماء للنص بينما الحقائق والثقافات متغيرةٌ بتغير حاجات الناس وأفکارهم وتبعًا لذلك تتغير الأحکام الشرعية والفکر الديني وهذا يعني:
1- عدم جواز اقتطاع النص من سياقاته وتطبيقه علی ظروفٍ أخری تختلف کثيرا عن الماضي.
2- الاعتراف بتأثير مباني وقبليات المفسر والفقية علی فهمه للنص ولذلك لزم تنقيًح هذه المباني والقبليات وضرورة أن تکون معقولة ومتناسبة مع العصر.
3- عدم ليّ عنق النص لإخضاعه لرغبات القاریء أو المفسر وبالتالي الخروج بنتائج تتقاطع مع العقل والواقع ومقاصد الشرع
4- فهم المجازات والاستعارات الواردة في النص والقيام بترجمةٍ ثقافيةٍ للنص من خلال منهج الرمزية في النص وعدم تصوّر أن کلمات النص يُقصد منها المعاني اللغوية أو تعکس الواقع الخارجي وتحکي عنه، فالمقصود منها ماوراء النص من توصياتٍ وأحكامٍ إنشائية.
غالبًا ما تحتكم إلى الفلسفة في أطروحاتك..ما هي قيمة الفلسفة بالمقارنة مع باقي القيم؟
ج: السؤال فيه بعض التبسيط فلا توجد لدينا فلسفةٌ واحدة، بل فلسفاٌتٌ متعددةٌ وليس هناك معيارٌ فلسفيٌّ واحدٌ للإحتکام إليه. غاية الأمر أّنّ الفلسفة تقوّي العقلانية في الإنسان، وهذا هو ما نحتاج إليه في فهم الدين في العصر الحاضر بعد أن تلوث الفکر الديني بالکثير من الخرافات والعقائد اللاأخلاقية. وهذا هو مايحاربه رجال الدين بقوة أي يحرمّون الفلسفة ويحذّرون من العقلانية بحجّة أّنّ دين الله لا يُصاب بالعقول وأن العقل البشري عاجزٌ عن فهم الدين والشريعة والنتيجة بقاء الناس متخلفين يرزحون بقيود الجهل والتبعية للمشايخ وعندما يتقبل عقل الإنسان الخرافات باسم الدين فلا يمنع أن يکون إرهابياً في مابعد.
العلم بات اليوم يتخطّى حتى بديهيات البشر العقلية فما وجهة نظرك بتعارض العلم الحديث مع النصوص الدينية؟
ج: العلم لا يتخطّی البديهيات بل إّنّ البديهيات تتغير، ففي کل عصرٍ بديهياته النظرية والعملية، فمّرةً کانت نظرية بطليموس تمثل بديهيةً في علم الهيئة القديم، حتی جاءت نظرية کوبرنيکوس وأضحت بديهيةً لاحقًا. وكانت نظرية الشورى والبيعة بديهيةً في الماضي والآن حلت محلها الديموقراطية. أما تعارض العلم الحديث مع النصوص الدينية فمسألةٌ أکيدة، ولکن يمکن حلّها باتباع المناهج الحديثة في علم اللاهوت ومن خلال التمايز تارةً في المنهج وتارةً أخری في لسان الدين ولسان العلم أو في الوصفية في العلم والمعيارية في الدين، أي أّنّ العلم يصف ظواهر الطبيعة ويکشف عن قوانينها بينما الدين يوصي الإنسان باتباع سلوكٍ معينٍ، وهذا يعني أّنّ العلم يختص بالعقل النظري بينما الدين ناظرٌ إلی العقل العملي. وهناک نظرياٌتٌ أخری في هذا المجال لا يسع المقام لذکرها.
هناك الكثير ممن يقولون بإعجاز القرآن العلمي والبلاغي، هل توافقهم الرأي؟ وأين مكمن الإعجاز في القرآن برأيك؟
ج: لقد أثبُّتُّ في محاضراتي وکتابي سّرالإعجاز القرآني وبأدلةٍ کثيرةٍ عدم وجود أيّ إعجاٍزٍ علميّ أو بلاغيّ أو غيبيّ في القرآن کما يدّعي علماء الإسلام ولا مجال هنا لتفصيل الکلام في هذا الشأن. أمّا الإعجاز القرآني المعقول في نظرنا أحد أمرين: 1-الصرفة کما ذهب إليه المعتزلة والسيد المرتضی من الشيعة .2-الإعجاز الوجداني.
يتميَّز القبانجي بنهجه المنفرد في التفكير والتحليل، ما هو مفهومك ومنظورك لعالم الغيب بشكلٍ خاص؟
ج: عالم الغيب تارةً يُقصد به الميتافيزيقيا، وأخری ما وراء العالم الظاهر، وثالثة مايختص به الله من علمٍ، وأحيانا يُقصد بالسؤال عن عالم الثبوت وأخری عن عالم الإثبات لعالم الغيب، فهل أنه موجودٌ أساسا؟ً وعلی فرض وًجوده ماهی الأدلة التي تثبت وجوده؟ وأيضا هل يمکن إثبات ذلك بالعقل أم لابد من الاستعانة بالنص؟ وماهي حدود ودائرة عالم الغيب؟ ولهذا نقوًلً أن هذا السؤال غامٌضٌ ويحتاج إلی بيان المقصود منه. ولکن أقول بكلمة ولکي لا أدع السؤال بدون جواب، أن الماديين عموما لا يؤمنون بعالم ماوراء المادة سواءً الروح أو الله أو الکائنات المجردة، بينما يتفق العرفاء من کل الأديان وًالثقافات البشرية علی وجود عالمٍ آخر في باطن هذا العالم الظاهر فکل شيءٍ من العلم والإنسان والنص الديني له ظاهرٌ وباطن. ونحن علی هذه العقيدة.
في محاضراتك طرحت فارقًا نوعيًا للنظرة الغيبية للمطلق ومفهوم ارتباطها بالإله، كيف يعرّف أحمد القبانجي الله والمطلق وما هو الفارق بينهما بحسب فلسفته؟
ج: ما المقصود بکلمة بينهما؟ لم يرد في السؤال إشارة إلی الثاني. وعموما نری أن مسألة الارتباط بالله ليست مسألةً عقليةً وفکريةً ونظريةً، بل هي مسألةٌ عاطفيةٌ وإحساسيًةٌ وقلبيةٌ، فالعقل النظري لا يستطيع التدخل في هذا المجال کما أثبته کانت. وهذا هو ماعليه العرفاء من المسلمين وغيرهم، فالإنسان في بداية الأمر قد يشعر في باطنه بالميل والرغبة للارتباط بالله ثم يتحرک في هذا السبيل إلی أن تتضح له الصورة شيئاً فشيئاً، فالإيمان بالله لا يأتي من العقل بل من حاجة الإنسان لله.
الله ..كيف تراه..أو كيف تعرفّه؟
ج: السؤال يحتاج إلی کثير للإجابة عنه، والرجاء عدم طرح أسئلة في غاية العمق والشمولية مثل هذا السؤال، بل ينبغی تحديد المطلوب بشکلٍ واضح. لأن الله نفسه کلمةٌ غامضة، وکذلك رؤيته ومعرفته .فهذه المسائل من الأمور التي أتعبت الأنبياء والعرفاء والفلاسفة.ولکن ينبغي الحديث عن الإيمان بالله لا الله نفسه، فالإيمان بالله أهم من الله لأن الإيمان هو الذي يحدد مصير الإنسان ويرسم حياته. والله لا يتدخل في حياة الإنسان إلاّ من خلال الإيمان، فالإنسان يتواصل مع الله من خلال إيمانه فمن لا يوجد لديه إيماٌنٌ في قلبه لا يوجد الله في حياته، وإن کان يعتقد في ذهنه بوجود الله، وهذا يعني أن الإيمان هو الحب لا العقيدة بالله، فمن لا يوجد حبٌ في قلبه لا يوجد الله في حياته.
ماهو رأي أحمد القبانجي بالطائفة السنية؟
ج: هل المقصود بالطائفة السنية من وجهة نظرٍ مذهبية؟ أي الکلام عن المذهب السني أم السنة کأفراد؟ وهل السؤال عن السنة من جهة أخلاقهم أو صحة عقيدتهم أو انتمائهم لوطنهم أم عقلانيتهم؟ السؤال غامٌضٌ أيضا و يحتاج إلی بيان المقصود ولا أعلم لماذا أسئلتکم فضفاضة. علی أيّة حال قلت آنفاً أن المذهب السًني حاله حال المذهب الشيعي في کونه منتوج بشري وليس من الله، وقد يمتاز السنة عن الشيعة بأنهم أخذوا من الإسلام جانبه السياسي والحکومي ولذلك يطالبون بالحکومة الدينية کأصلٍ في الدين الإسلامي. بينما أخذ الشيعة جانب المعارضة في تاريخ الإسلام ولذلك فهم أکثر عاطفيةً من السنة وبالتالي هم أکثر خرافةً من السنة. والسنة بدورهم أکثر قساوةً من الشيعة لأن الحکومة تستدعي ذلك.
فالإرهاب أکثر تجذّرا في صفوف السنة بقدر ما الخرافة في صفوف الشيعة وکليهما ليس من الله في شيء .وبما أن الشيعة مذهبًٌ قد تم إنتاجه لاحقا وقد بدأ کمعارضة سياسية، فکل من يخالف الحکومة الدينية والخلفاء يلتحق بالتشيع ويتستر بالدين وًيتهم السلطة بأنها هي التي خرجت من الدين لئلا يُتهم بالارتداد والمروق من الدين ولذلك کثر الکذب والدسّ في مذهبهم، بينما نجد أن القوي وهم أهل السنة لايحتاجون إلی الکذب والغلو بل تحتاج الحکومة إلی القوة والسيف. ومن هذه الجهة أيضاً نجد أن الشيعة قلما يتمسکون بالنبي أو القرآن لأنه کان حاکما والقرآن بدوره يؤيد القوة والحکومة والسيف. في حين أن السنة يتمسکون دوما بالقرآن وسنة النبي لأنً فيهما تأييدٌ لمذهبهم وإسباغٌ للمشروعية علی حکومتهم ولوکان علی رأسها صدًام حسين.
هل تعتقد أن الله سينتقم من الملحدين لأنهم لم يؤمنوا به ؟
ج:هذا يرتبط بتصورنا عن الله، فإذا کنا نتصور أنه مثل صدام يجبر الناس علی الاعتراف به وبرئاسته فلابد أنه سينتقم منکم ومن جميع من لا يؤمن به لأن الإيمان به يمثل کمالاً له وضرورةً من ضرورات وجوده .ولکن إذا کان تصورنا عن الله بأنه خلق الخلق ليفيض عليهم من جوده وکرمه وفضله فهذا يعني أنه يحب خلقه جميعا، ونعتقد بوجود قانوٍنٍ أخلاقيّ في الکون کما هو حال القوانين الطبيعية في العالم، وهذا القانون الأخلاقي يؤثرًسلبا وإيجاباً علی الإنسان بالنظر لأعماله، فإن عمل خيرا فسوف يحصل علی الخير وإن شراشراً فشر، والملحد الذيً يعمل الخير ويعيش الحب للأخرين فسوف يحصلً علی الخير في حياته والمؤمن الذي يعتقد بوجود الله ولکن لا يتحرك بمقتضی هذا الإيمان ولا يعمل الصالحات ولا يسدي المعروف للآخرين بل يعيش الأنانية والنفعية فسوف يلاقي الشر.
كيف يمكن أن تميز بين مسلمٍ يتبع الإسلام لأنه تعلم الإسلام بنفسه، وبين من يتبع الإسلام بالطاعة العمياء؟
ج: الإسلام التقليدي والاجتماعي هوالذي يطالب الفرد بالطاعة العمياء، ولکن من تخلص من ضغط المجتمع والدين الاجتماعي ورجع إلی وجدانه وعقله فسوف يتبع الإسلام الحقيقي، وهذا الإسلام ليس بالتعلم بل بالحرکة في خط الخير والصلاح وقد يستلزم في بداية الأمر تضارباً مع المجتمع والأفکار السائدة فيه.
كيف كانت ردة فعلك عندما وُجّهت إليك الدعوة للقيام بمقابلة على صفحات مجلة الملحدين العرب؟
ج: لم أشعر بردّة فعلٍ لأن الکثير من أصدقائي هم من الملحدين، ولا يوجد في ديني التمييز بين الناس علی أساس العقيدة والمذهب والفکر بل علی أساس الإنسانية والقيم الأخلاقية. وأعتقد أن الإلحاد منهجٌ للحياة کما أن الإيمان منهجٌ للحياة أيضاً، فمن لم يجد الله في عقله وحياته يحق له أن ينکره بل يجب عليه إنکاره لئلا يقع في فخ الازدواجية . أي إن الملحد لا يجد الله في عالمه ولا يحتاج إليه فعندما يقول أن الله غير موجود فقوله صحيحٌ تماما. وعندما يقول المؤمن أن الله موجود فصحيحٌ أيضا لأنه يحتاج إلی الله ويجده دائما في عالمه وحياته، فاللهً ليس من قبيل الأشياء الموجودة في العالم خارج الإنًسان بل هو مرتبط مع ذات الإنسًان.
الملحد العربي ..كيف تنظر إليه وما هي وجهة نظرك الخاصة عنه؟
ج: أعتبر هذه الظاهرة أمرا مبارکاً وتدل علی وجود حرکةٍ تکامليةٍ في الإنسان العربي، بحيث أخذ يخرج من القمقم ولا يأبه لضغط اًلعرف والمجتمع والدين التقليدي المفروض علی الفرد منذ الطفولة، وقلت أّنّ هذا الدين ليس من الله وقد يتحول إلی صنم يُعبد من دون الله، وعلی کل إنساٍنٍ يحترم حريته وعقله أن يخرج من هذا الدين کما خرج المسلمون الأوائل من دين الشرك إلی دين التوحيد، فالبداية في حرکة الکمال أن يرفض الإنسان آلهة المجتمع مهما کانت أي يقول (لا إله) وهو الإلحاد، ثم يکون هذا الإلحاد مقدمةً وطريقًا للإيمان الحقيقي، فلا ينبغي أن يتصور الملحد أنه قد وصل إلی المحطة الأخيرة، وبهذا المعنی يکون الإلحاد مقدمةً ضروريةً للإيمان، ولکن أکثر ما أخشاه علی أحبائی الملحدين أمران:
1- أن يسقطوا في شراك النفاق والازدواجية وذلك خوفا من ردة فعل المجتمع تجاههم فيسيطر الخوف عليهم من الناس فلا يعلنوا عن إلحادهم وبذلكً سوف يتورطون بأقبح رذيلة أخلاقية وهي النفاق، فإما أن يشهروا عن إلحادهم بشجاعةٍ کما هو حال بعض العظماء من أمثال الشهيد حسين مروة وفهد وهادي العلوي وغيرهم من الشيوعيين من أصحاب الوجدان الحي، أو يستمروا علی دين الناس التقليدي. لأنني أعتقد أّنّ أهم شيءٍ للإنسان هو حريته واستقلاله، فإذا فقدهما فکل شيءٍ سيکون سيّان. الإلحاد أم الإيمان، الإسلام أم الکفر، شيعي أم سني، مثقف أم عوام. ولايکون حالهم حال بعض الشيوعيين المعاصرين الذين يرفعون لافتةً علی باب مقر الحزب: نعزي الإمام صاحب الزمان (عج) والمرجعية الرشيدة باستشهاد فاطمة الزهراء(ع).
2- أن يکون إلحادهم نابعًا من رغبتهم في عدم تحمل المسؤولية وعدم الالتزام بالقيم الأخلاقية.
ما هو رأيك بالنسبة لتسليط الضوء إعلاميًا على ظهور الملحدين العرب مؤخرًا؟
ج: قلت آنفا أن هذه الظاهرة مبارکةٌ وتوحي بوجود حراكٍ نحو العقلانية والتمدن والتحرر من أغلال العرف والقداًسات الزائفة.
في مصر اليوم يتم كتابة دستوٍرٍ جديدٍ وقد ظهرت مطالباٌتٌ من الملحدين المصريين بتمثيلهم في الدستور..فما وجهة نظرك في مسألة الحقوق الإنسانية وحقوق المواطنة بخصوص الملحد العربي وظهوره الخجول على الساحة السياسية مؤخرًا؟
ج: لا أتفق مع هذه المطالبة من الملحدين ويکفي المطالبة بالعلمانية التي تستوعب جميع الفئات دون تمييز فلا يکون الملحدون طائفةً منفصلةً عن المجتمع، فالمواطنة تکفل للجميع حقوقهم، هذا من الناحية السياسية ، ولکن يجب العمل والتحرك بهذا الاسم علی الصعيد الثقافي لتحريك العقل العربي وکسر الجمود الثقافي والديني. وعلی أية حال فإني أعتبر ماجری في مصر من ثورةٍ ضد الحزب الديني مفتاحٌ للتقدم والإزدهار والإنسانية وأعتقد أن هذه الثورة هي أول ثورة بالمعنی الصحيح بعد الثورة الفرنسية أي ليست بدوافع إيديولوجية ودينية بل بدوافع إنسانية وعقلية.
لو أن إبنك أو أحد أقاربك صارحك بأنه ملحد.. كيف سيغير ذلك من علاقتك به؟
ج: لا يؤثر ذلك في طبيعة علاقتي به إذا کان إلحاده نابعٌ من عقله ووجدانه، أي لا يكون إلحاداإلحاداً قشرياً. فکما أن الإيمان بلحاظ أفراده ينقسم إلی: إيماٌنٌ قشريٌ وإيماٌنٌ معنويٌ، فکذلك الإلحاد ينقسم إلی: إلحادٌ قشريٌ وهوما يکون وليد الأهواء والرغبة في الانسلاخ من التکليف الأخلاقي والديني وعدم تحمل المسؤولية ،والإلحاد المعنوي وهو وليد الحس الإنساني والوجداني بکثرة الشرور في هذا العالم وعدم الشعور بوجود الله في العقل أو الوجدان، وبسبب مايراه الإنسان من قتلٍ وظلمٍ وعدواٍنٍ وسفك دماء الأبرياء باسم الله والدين، فمثل هذا الملحد يدفعه وجدانه إلی إنکار الله الإسلام أو إله الأديان الأخری، فهو ملحدٌ معنوي.
خاتمة: ما هي الرسالة التي توجهها للقراء من ملحدين ومؤمنين على صفحات مجلتنا؟
ج: أقول: في هذا العصر الذي نعيش فيه القتل العشوائي والطائفية والكراهية للآخر والانسلاخ من الذات الإنسانية، أرى أننا بأشد الحاجة ليس إلى الدين بل إلى القيم الأخلاقية والعودة إلى الوجدان والحب وترسيخ قيم الإنسانية، أي أننا نعيش أزمةً حقيقيةً في هويتنا الإنسانية بعد أن استولت علينا هوياتٌ زائفةٌ وغير حقيقيةٍ كالهوية الدينية والمذهبية والقومية وأمثالها. فبعد أن ثبت زيف هذه الهويات لابد من الرجوع لهويتنا الحقيقية وهي هوية الإنسانية، فنكون إنساناً قبل أن نكون مسلماً أو شيعياً أو ملحداً.
.
.
1للاطلاع على رواية باللغة الفارسية لآراء وأحوال أحمد القبانجي، انظر المقالة القصيرة لمحمد جواد أكبرين على موقع جرس، على هذا العنوان
2 وردت رواية عن هذه المسيرة في موقع «العربية»، انظر هذا العنوان
3 "نظرة نقدية إلى كتاب المرأة، المفاهيم والحقوق." كتاب ماه دين، شهريور ۱۳۹۱، العدد ۱۷۹، ص۳۷.
4 يمكنكم الاطلاع على النص العربي الأصلي لهذه المقابلة على هذا العنوان.
5 انظر محاضرات القبانجي على اليوتيوب
6 مع أن بعض رجال الدين المنبريين اعتبروه منحرفاً عقائدياً وحذروا الناس منه. للاطلاع على نموذج، انظر هذا الفيديو
7 إشارة إلى هذا الحديث المشهور عن النبي: «إِنَّ اللَّه لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ و لا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ».
8 حسين مروة (۱۹۸۷-۱۹۱۰) مفكر وكاتب لبناني يساري، من أشهر آثاره «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية». أثار هذا العمل جدلاً واسعاً في زمانه. اغتيل في منزله، وتُنسب عملية الاغتيال إلى حزب الله اللبناني.
9 يوسف سلمان يوسف المشهور بفهد (۱۹۴۶-۱۹۰۱) ناشط سياسي عراقي يساري. يُعتبر أول سجين سياسي يُعدم في العراق.
10 هادي العلوي (۱۹۹۸-۱۹۳۳) مفكر وكاتب عراقي يساري. من جملة آثاره «من تاريخ التعذيب في الإسلام».
.
.
نقاش حول هذا المقال١١ تعليق
مگر دین بغیر از آزادگی و انسانیت است؟ این چه توصیه ای است که قپانچی می کند؟ اگر ایشان دین را پوچ می داند پس چرا لباس دین بر تن دارد؟ داریم ماهیت آزاد اندیشی فریبکارانه را درک می کنیم. انسانیت تعریف نشده قپانچی از همان لباس فریب که در آن خود را روحانی معرفی اما خنجر بر پشت اسلام می زند افشاء می شود.
آیا در کشورهای که شدیداً مذهبی هستند مانند پاکستان افغانستان آزادی و انسانیت می بینید مگر هر روز شاهد ترور های فرقه های بنیاد گرا مانند طالبان القاعده و... نیستیم انسانیت و اخلاق دینی در چه دوره ای از تاریخ تحقق یافته است
دین سکولار که آقایان پرستش می کنند و مبلغ آن هستند امروز در بسیاری از کشورهای اروپایی و قطب آن آمریکا در حال اجراست و این عدالت گسترده در کشورهایی مثل عراق، افغانستان، سوریه و...محصول آن است البته نظام رضاشاهی و محمد رضاشاهی نیز نظام سیاسی این دین بود با آن عدل و آزادی های گسترده که کمترین آن برداشت چادر از سر زنانی بود که با اختیار خود انتخاب کردند. همچنین دین خداناباوران نیز با نظام سیاسی خود را نشان داده، فراعنه مصر خدایان این دین و حاکمان سیاسی آن بودند که که ذبح بچها و ظلم به زنان، پاره کردن شکم زنان برای کشتن بچه ای که می ترسیدند به دنیا بیاید و مخالف آنها باشد و ...کوچکترین نمونه از آزادی و عدالت گسترده آن بود..
دین سکولار که آقایان پرستش می کنند و مبلغ آن هستند امروز در بسیاری از کشورهای اروپایی و قطب آن آمریکا در حال اجراست و این عدالت گسترده در کشورهایی مثل عراق، افغانستان، سوریه و...محصول آن است البته نظام رضاشاهی و محمد رضاشاهی نیز نظام سیاسی این دین بود با آن عدل و آزادی های گسترده که کمترین آن برداشت چادر از سر زنانی بود که با اختیار خود انتخاب کردند. همچنین دین خداناباوران نیز با نظام سیاسی خود را نشان داده، فراعنه مصر خدایان این دین و حاکمان سیاسی آن بودند که که ذبح بچها و ظلم به زنان، پاره کردن شکم زنان برای کشتن بچه ای که می ترسیدند به دنیا بیاید و مخالف آنها باشد و ...کوچکترین نمونه از آزادی و عدالت گستردگی آن بود..
اولا ً اینکه فراعنه مصر باستان هیچ کدوم بی خدا نبودنند بلکه اون ها خودشون رو فرزندان خدایان می دونستند دوم اینکه خود مردم این کشور ها بنیادگرایی و تحجر رو برگزیدند و الان دارن تاوان حماقتشون رو میدن اگه که مانند ترکیه به جای پرو بال دادن به شیخ و آخوند آنها رو از دخالت درامور سیاسی و اجتماعی منع میکردند و با روی باز به استقبال لیبرال دموکراسی میرفتد وضعی غیر از این داشتند سوم اینکه اشتباه اساسی حکومت پهلوی این بود میخواستند که فرایند مدرن کردن کشور رو بدون داشتن پایه های فرهنگی مناسب ایجاد کنند کشوری که سراسر در خرافه و جهل و عقب ماندگی به سر می برده رو نمیشه به زور مدرن کرد اما اگه مردم آگاه بشن و به حقوقشون واقف بشن خود نماد تحجر رو از سر برداشته به چوب می می بندند
آقای ناشناس اینکه نمی تونن جلوی فیلتر شکن رو بگیرن دلیل بر بودن آزادی نیست سرور تمام فیلتر شکن ها خارج از ایران هست مطمئن باشید اگه مقامات جمهوری اسلامی می تونستند سرور فیلتر شکن رو هم تعطیل می کردن و یا حتی کارکنانش رو ترور می کردن
روشنگری، تبادل فکر ، و اندیشه از جمله ارزشمندترین فعالیتهای بشری است. اما سئوالی در مورد گزینش مطالب و انتخاب عناوین در صدانت مطرح است. اگر اندیشه به گفتار آلترمنیو کاری فکری است، مگر نه این است که به همه می توان اندیشید. چرا صدانت در عمل اینقدر به اشاعه مواضع ضد دین می پردازد؟مگر مواضع دینداران موضع نیست؟
جالب است که از نظرهای جنابعالی زیر بسیاری از نوشته های صدانت مستفیض میشویم. اگر اینقدر به کار این مجموعه انتقاد دارید چرا اینقدر مصرانه دنبال میکنید؟ دیدگاه شما از این نوشته حاصل فکر خودتان است چرا که آقای قپانچی به هیچ وجه ضد دین نیست و مانند سایر روشنفکران دینی به دنبال اصلاح و نجات دین است. اگر منظورتان از نظر دینداران همان خوانش حکومتی از دین هست لابد بهتر میدانید که تمام ابزار آموزشی و تبلیغاتی داخل در اختیارتان هست.. پس اندکی توان شنیدنتان را در نظری متفاوت، که آنهم از این چند وبگاه انگشت شمار منعکس میشود بالا ببرید. با مهر
دینداران به اندازه کافی رسانه برای ابراز عقاید خود دارند اما این ناباوران و منتقدان دین هستند که در جامعه هیچ رسانه ای که ندارند تا بتوانند بدون اینکه مورد تعرض قرار بگیرند عقاید خود را ابراز کنند
آقای قبانچی مگر انسان مخلوق خدا نیست؟انسانیت با اسلام به اوج خود میرسد. بیان شما انکار رشد انسانیت در فرد بوسیله آموزه های اسلام است.
بسیار عالی و مفید بود. ازسایت خوب صدانت و نویسندگان فرهیخته آن متشکرم و امیدوارم انتشار اینگونه مطالب بدون فیلتر و سانسور ادامه داشته باشد