اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
قد يُمرِض اليأسُ المجتمع، لكن بإمكان المجتمع أن يُداوي نفسه. يرى الدكتور معتمدي أن الأمل ليس مجرد شعور بسيط، بل هو نظام تحفيزي متجه نحو المستقبل، ناقدٌ للوضع القائم وتوّاقٌ إلى التغيير؛ حوارٌ عن الأمل واليأس.

إشارة: قد لا يكون تصديق ذلك صعباً، لكنه مرير. فإذا غاب الأمل وسيطر اليأس على كيان البشر، فبالإضافة إلى جميع المعضلات والمشكلات التي ستنشأ، سيُصاب الإنسان بالمرض. هكذا يمكن لليأس أن يجرّ أعماق وجود كل إنسان إلى تحدٍّ غير متوازن. والأسوأ من ذلك أن هذا المرض يمكن أن يستولي على مجتمع بل وحتى على أمة. لقد كانت هناك أمثلة عديدة على مر التاريخ، ولا تزال. إذا كان هناك تشابه عضوي بين الإنسان ومجتمعه، وإذا كنتم تعتقدون أن المجتمع، مثله مثل جهاز جسدي، له أعضاؤه ووظائفه الخاصة، فلن يكون بلا سبب أن نقبل بأن المجتمع، أو حتى أبعد من ذلك، أمة ما، إذا أصابها اليأس، يمكنها أن تعالج نفسها وتجد لنفسها طريقاً ومنفذاً نحو الأمل. المجتمع المثالي والديناميكي بالطبع هو مجتمع بهذه الخصائص.
ما تقرؤونه هو حوار أُجري مع الدكتور غلام حسين معتمدي لصالح حولية «اعتماد»، لدراسة اليأس والأمل في الإنسان والمجتمع الإنساني بإيجاز.
الدكتور غلام حسين معتمدي طبيب وطبيب نفسي، بالإضافة إلى ممارسته للطب، كان همه الرئيسي الإنسان والموت والأمل الإنساني حاضراً دائماً في أبحاثه وأعماله، ومن هذا المنطلق لا يحتاج إلى تعريف، فأعماله المترجمة والمؤلفة تُظهر بوضوح أن همّ الإنسان بكل أبعاده الوجودية والأنطولوجية هو المعيار الأهم للبحث والعمل بالنسبة له. ما تقرؤونه هو حصيلة حوار معه حول اليأس هذه الأيام والشوق إلى أمل بنّاء موجود في أعماقنا جميعاً.
للأسف، فإن علم النفس في مسيرته التاريخية، وعلى الرغم من أنه نشأ في البداية مركزاً على الإنسان السليم وخصائصه، إلا أنه بعد فترة توجه بشكل أكبر نحو الإنسان المريض ووضعه في إطار باثولوجي. وهكذا أصبحت مواجهة اليأس، الذي هو أحد الأعراض البارزة للاكتئاب وبعض المشكلات النفسية الأخرى، أكثر بروزاً. بالطبع، في الاكتئاب، حتى بدون وجود عامل خارجي، يظهر اليأس إلى جانب الأعراض والعلامات الأخرى، مما يستلزم المواجهة الدوائية وغيرها من الإجراءات المساعدة. وبما أن الأمل هو أحد العوامل الرئيسية للحياة والبقاء على قيد الحياة، فقد حظي بالاهتمام في كل موقف علاجي مع انتشار أنواع أساليب العلاج النفسي والاستشارة، لأن الأمل في الحقيقة يتطلع إلى التغيير، وأساس هذه الأساليب ليس سوى تسهيل حدوث التغيير لدى المرضى وفي الاتجاه الإيجابي. اليوم، مع ظهور علم النفس الإيجابي، نشهد مزيداً من الاهتمام والبحث حول عوامل مثل السعادة والرضا والأمل والتفاؤل والتحفيز والفاعلية. لذلك، أُجريت أبحاث كثيرة حول الأمل في ساحته النفسية. بناءً على الأبحاث الحديثة، لا يمكن اعتبار الأمل مجرد شعور جيد. بل إن الأمل في الحقيقة هو نظام تحفيزي معرفي ديناميكي، ويتم النظر في أنواع الاتجاهات والحالات المعرفية المرتبطة بالأمل
. من هذا المنظور، تأتي المشاعر في إثر الأفكار، ومن الطبيعي أن تكون نتيجة هذا النظام الديناميكي هي ظهور مشاعر جيدة وإيجابية.
نعم، يتم تقدير الأمل كسمة شخصية ثابتة وكحالة يمكن لأي شخص أن يمتلكها في أي وقت. مقياس الأمل (The Hope scale) هو أداة مناسبة لهذا العمل، تُظهر أنه في كلتا الحالتين المذكورتين، سيكون وجود الأمل مقترناً بنتائج إيجابية، والدراسات على الطلاب فيما يتعلق بالإنجازات الأكاديمية تُظهر الدور الإيجابي للأمل. بالطبع، في مجال علم النفس الإيجابي، تم التأكيد أيضاً على العلاقة المباشرة لعوامل مثل الأمل والتفاؤل بصحة جسدية ونفسية أفضل وعلاقات شخصية أفضل. وبهذا الاعتبار، ربما يمكن الحديث عن وجود الأمل في تعريف الإنسان السليم.
انظر، إن امتلاك الأمل لا يتوقف على مجرد حضور مفهوم بسيط في الذهن. فالشخص الذي يملك أملاً ويكون مصمماً على تحقيق هدفه، يستخدم استراتيجيات مختلفة للوصول إلى تلك الأهداف. تكمن أهمية الأمل في أن الحياة صعبة من حيث المبدأ. قرأت في مكان ما أن الأمل يتكون من المعاناة والزمن (نقلاً بالمعنى). ثمة عقبات كثيرة في دروب الحياة، والأمل يتيح للأفراد، في مواجهة المشكلات، أن يتمتعوا بذهنية وترتيب استراتيجي منسجم مع الموقف، مما يزيد بالتالي من فرص تحقيق أهدافهم. بهذه المقدمات يمكن القول إن الأمل جزء من طبيعة الإنسان يتجلى في تجاربه ومعرفته وتوجهه نحو المستقبل، وهو بالتالي حالة من الوعي. الأمل متشابك مع أفكار ومشاعر وأعمال متجهة نحو المستقبل. وكما يقول الفيلسوف المعاصر ريتشارد رورتي، الأمل هو سردية كبرى تخدم، كالقصة، بشارة أو منطق توقع مستقبل أفضل. الأمل يمثل إرادة الإنسان للذهاب إلى هناك (نقطة الهدف أو المستقبل).
نعم، الأمل مفهوم إنساني تتجه أنظاره نحو المستقبل ورسم وضع أكثر رغبة. يمكن القول إن علاقة الأمل بالماضي هي علاقة سلبية، لكنه يقيم علاقة إيجابية مع المستقبل. الماضي المليء بالضعف والفشل والإخفاق وعدم الرضا والكآبة يصعب أن يتحول إلى مستقبل تُبنى لبناته من الأمل. الاكتئاب هو أحد الأمثلة البارزة على هذه الحالة. يُتحدث أحياناً عن مصطلحي الأمل الإيجابي والسلبي، وهو ما أراه نوعاً من سوء الذوق برأيي. من الأفضل وضع اليأس في مقابل الأمل. طبعاً، هناك وجه آخر للزمن هو حضور الأمل في مراحل الحياة المختلفة كالطفولة والشباب ومنتصف العمر والشيخوخة، حيث نواجه في كل فترة أشكالاً وخصائص معينة له.
للأسف، يُظهر تقييم الأمل على المستوى الفردي أن نصف الناس لا يتمتعون بمستوى عالٍ من الأمل. الأمل واليأس أو القنوط متجذران في الواقع، والواقع عادة ما يعكس اليأس أو يكون بعيداً جداً عن آمالنا. على أية حال، تظل الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان تحت سيطرة ثنائية اليأس والأمل. إن معرفة الواقع الاجتماعي لا يمكنها أن تكون حاملة للأمل. وكما يقول ريكور، نحن في حالة فقدان دائم للرغبة في الحياة ونتحول باستمرار إلى أشخاص يائسين. ومن المفارقة أن حضور الأمل في الفضاء النفسي والاجتماعي يكتسب أهميته ويبدأ هنا. لأن الأمل هو دوماً ناقد للوضع القائم، ويدخل المشهد احتجاجاً على النظام السائد مطالباً بتغييره. وكما يقول لينغس، الأمل هو دوماً ضد الواقع. في الحقيقة، هناك رابط وثيق بين الأمل والتغيير لدرجة يمكن القول إن الأمل ليس في نهاية المطاف سوى تصور لتحقق التغيير. من ناحية أخرى، عندما نصل إلى نتيجة أننا لا نستطيع تغيير الواقع، نقع في قبضة اليأس والحرمان. أبحاث كثيرة
تُظهر أن الأمل يدخل المشهد حتى في الظروف الوخيمة والمقلقة، حين يوجد نوع من عدم اليقين بشأن المستقبل ولا تسير الأمور على ما يرام. طبعاً هذا وجه واحد للعملة. في حالات كثيرة أيضاً، ينتصر الواقع ويصاب الأفراد بنوع من اليأس المزمن والشعور بالعجز وانعدام الملاذ، وتغلب عليهم سمة السلبية.
نعم، هذا صحيح. لأننا لا نستطيع فصل الأمل الفردي عن الأمل الجمعي أو الاجتماعي، بل وحتى عن مؤسسات الأمل في المجتمع. في الحقيقة، إن مساعي الأصدقاء من علماء الاجتماع الذين يتناولون الأمل هي إيجاد طريق لزيادة إمكانات الأمل في صميم واقع اليأس المسيطر على المجتمع، ومن هنا ينتبهون إلى أهمية المؤسسات الاجتماعية في تقوية الأمل في المجتمع. كان دوركايم يعتقد أن الأمل يتحقق في مجتمع يضع نظامه أفقاً وظيفياً جديداً أمام أعضائه، يكون تحققه هو عينه تحقيق أمل أفراد ذلك المجتمع.
هذا عمل ينبغي أن يقوم به علماء الاجتماع استناداً إلى دراسات إحصائية وميدانية قائمة على المعرفة ليحظى بنتيجة يعوّل عليها. لكن لا شك أن حضور الأمل بمستوى ديناميكي ينعكس في ديناميكية ذلك المجتمع، وهذه الرؤية مفقودة. وفيما يتعلق بكورونا، إضافة إلى عوامل متعددة أخرى، ينبغي النظر في علاقة الأمل بالموت. يمكن القول إن تصور الموت وحده لا يؤدي إلى تدمير الأمل، لأن الأمل يعتمد أكثر على ثقة الأفراد بأنفسهم. وفي هذا السياق، وجود الشجاعة ضروري. لأن التشاؤم لا يساعد أحداً فحسب، بل إنه في كثير من الحالات لا ينبع من حكم عقلاني، بل يدل على انعدام الثقة في أي عمل أو إجراء تم التفكير فيه مسبقاً.
أولاً، عندما نتحدث كثيراً عن الجوانب الإيجابية للأمل، فهذا لا يعني أن النجاح يتحقق دائماً عبر الأمل. لو كان الأمر كذلك، لما كنا نواجه هذا الكم من الأوصاف كالأمل الوهمي، والأمل الكاذب، والأمل في غير محله... إلخ. لكن معرفة الأمل من جهة، وتعليمه من جهة أخرى، يمكن أن يكونا مفيدين. سواء في الساحة الفردية أم في الساحة الاجتماعية، توجد خطوات متشابهة لتحريك الأمل. تحديد أهداف واقعية، والإرادة اللازمة لمتابعة الأهداف المذكورة، وتحديد طرق الوصول إلى الأهداف والعقبات التي تعترضها، وأخيراً العمل الفعال لتحقيقها، كلها أمور مجدية. لحسن الحظ، الأمل كالسعادة، قابل للانتقال إلى الآخرين، وهو رأسمال يمكن للجميع أن ينتفعوا به، وقابل للتعميم والتوسع في المجتمع من خلال النمذجة اللازمة. يتحدث علماء الاجتماع عن قراءة الأمل، التي يمكن بواسطتها قراءة نصوص اليأس الموجودة في الفرد والمجتمع، لتكون هذه القراءة بذاتها تجربة للارتقاء بالأمل على مستوى المجتمع.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.