اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يكتب أكبر كنجي أن سروش يسعى، في ثلاث خطوات، عبر اختزال الوحي إلى حلم ومساواة المثنوي بالقرآن، إلى بناء دين جديد متوافق مع الحداثة. ويرى كنجي أن سروش يدّعي النبوة لهذا الدين الجديد ويَعِد بانتشار طائفته في العالم.

أكبر كنجي: في مقالاتي السابقة ("سروش – تفسير كلام الله أم تعبير أحلام محمد"، "تفوّق المشركين في فرضية 'أحلام محمد' لسروش"، "قرآن سروش: 'سجل أحلام محمد المضطربة'" و"سروش: 'سِفر الخوف الجهادي/العبودية للقرآن' و'سِفر العشق غير الجهادي للمثنوي'") أوضحت أن سروش يسعى من خلال ثلاث خطوات مهمة إلى التمهيد لوثبة كبرى.
.
■ الخطوة الأولى– يسعى سروش، من خلال طرح فرضية "الرؤى الرسولية"، إلى تعريف عتبة الوحي بحيث لا تبقى التجربة الوحيانية محصورة في حدود وقدرة نوادر معدودين من البشر المصطفين. إنه يسعى في هذه الخطوة إلى تحويل أو إرجاع "الوحي" في تقليد الأديان التوحيدية من "كلام إله متشخّص آنثروبومورفي وعلاقته اللغوية بالإنسان" إلى ظاهرة "الحلم". وهو يسعى لهذا الغرض إلى تقديم صورة بديلة عن أهم المفترضات اللاهوتية للأديان التوحيدية (وخصوصاً الإسلام). ووفقاً لرأيه:
(۱) إن صورة الله في القرآن ولاهوت محمد كانت خاطئة وعامية، ويجب أن تحل محلها صورة إله لا آنثروبومورفي غير شخصي أو مطلق بلا صورة؛
(۲) إن الوحي في هذا السياق هو "الحلم" بعينه، أي أن محمداً كان يسقط في النوم إثر نوبات صرعية، وفي المنام كان جزء من شخصيته هو يدخل في علاقة سمعية-بصرية مع جزء آخر من شخصيته. ولم يكن الوحي شيئاً مستقلاً عن هذه الأحوال الداخلية والنفسية لمحمد؛
(۳) إن تفسير محمد لأحلامه كان خاطئاً، فهو مثلاً كان يظن خطأً أنه مخاطَب من قبل إله متشخّص آنثروبومورفي، ولذا لا يمكن اعتباره معصوماً ومصوناً من الخطأ في مقام تبليغ الوحي؛
(٤) إن حصيلة أحلام محمد، أي القرآن، هو نص "مضطرب"، و"مليء بالتناقضات"، و"في تعارض مع العلوم التجريبية والفلسفات الحديثة"؛
(٥) ولذا فإن سِجل الأحلام هذا، أي القرآن، يجب أن يُعبَّر من قبل "محللين نفسيين" و"أنثروبولوجيين"، وبعبارة أخرى، إن طريق "تفسير" الآيات القرآنية مسدود.
يعتبر سروش هذه الادعاءات "فينومينولوجيا بنية الوحي القرآني" و"أفضل تفسير" لتلك الظاهرة.
■ الخطوة الثانية- يسعى سروش، من خلال طرح فرضية "بسط التجربة النبوية"، إلى نفي دعوى ختم النبوة داخل الدين، وترسيخ فكرة استمرار نزول الوحي بعد محمد ولأفراد غيره. وخلاصة قوله هي أن باب الوحي ما زال مفتوحاً بعد محمد، وأن أشخاصاً آخرين كانوا محلاً لهبوط الوحي من بعده، وأضافوا مكشوفاتهم الوحيانية إلى دين محمد، ولا يوجد أي دليل على أن هذا الحدث لا يمكن أن يستمر حتى يومنا هذا.
■ الخطوة الثالثة- يدّعي سروش نبوة مولوي، ويعتبر مثنوي مولوي وحياً وعدلاً للقرآن. وبعبارة أخرى، إنه يدّعي أن تجربة الوحي لم تُختم في محمد، بل تجددت في وجود مولوي، وأن مولوي كنبي جديد بكلامه الوحياني، أي المثنوي، أسس "ديناً" جديداً لتعويض نقائص دين محمد. إن قرآن محمد بن عبد الله هو "سِفر الخوف الجهادي والعبودية"، بينما مثنوي جلال الدين محمد هو "سِفر العشق غير الجهادي والحرية". وبهذا أصبح مولوي مؤسس دين يتفوق على دين محمد من وجوه عديدة. وفي هذا السياق يعلن سروش نفسه صراحةً: "لقد أخذت ديني من العارفين." ("سعدي الشيرازي العذب الكلام – الجلسة ۳ "، الدقيقة ۱۰٤). لكن سروش يضيف بالطبع أن دين مولوي لا يخلو من نقائص، وكأن نبياً جديداً يجب أن يصل لتعويض نقائص دين العشق المولوي. وكأن العالم في انتظار ظهور نبي جديد يلهمنا من خلال أحلامه الرسولية لنخطو خطوة أخرى إلى الأمام.
ولكن هذه الخطوات الثلاث المهمة تمهيد لأية وثبة كبرى؟ في هذه المقالة سأجيب على هذا السؤال. خلاصة دعواي في هذه المقالة صريحة وبسيطة: يسعى عبد الكريم سروش إلى اختراع دين جديد يتوافق مع الحداثة والعالم الجديد. إنه يعتبر نفسه نبي هذا الدين الجديد ويؤمن إيماناً كاملاً بنجاح الدين الذي يبنيه على أساس أحلامه.
سعى سروش حتى منتصف العقد الأول من القرن الخامس عشر الهجري إلى بناء فرقة، لكنه مال تدريجياً نحو اختراع دين جديد. لا يمكن بالطبع تحديد تاريخ دقيق لانتقاله من مرحلة بناء الفرقة إلى مرحلة اختراع دين جديد وتأسيسه. ففي بعض الفترات، بينما كان منهمكاً في تطوير المشروع الأول، كان يخطو خطوات نظرية تمهيداً للمشروع الثاني. سأحاول في هذه المقالة شرح هاتين المرحلتين الفكريتين عند سروش (أي مرحلة "بناء الفرقة" ومرحلة "اختراع دين جديد") من خلال الاستشهاد بالمستندات.
لا يقدم سروش في أحاديثه وكتاباته تعريفاً واضحاً ودقيقاً لـ"الفرقة". لكنه يستخدم هذا المفهوم في سياقات متنوعة. لذلك، يمكننا على الأرجح أن ندرك معناه ومقصده من هذا المصطلح من خلال ملاحظة استخدام هذا التعبير في كتابات سروش وأحاديثه. فعلى سبيل المثال، يذكر سروش في مناسبات مختلفة الفرقة الإسماعيلية، والفرقة الزيدية، والفرقة الملامتية، والفرقة المولوية وأمثالها مراراً. وهكذا، يبدو أن "تعبير الفرقة" من منظور سروش لا يحمل بالضرورة دلالة سلبية. بل على العكس، وكما سنرى، فإن ظهور الفرق من وجهة نظر سروش هو مقتضى طبيعي للتطور التاريخي للأديان. فهو يعتقد أن لكل فرقة فهماً خاصاً للدين، وتولد عموماً كرد فعل على فرقة أخرى. يسعى صاحب الفرقة أو أصحابها إلى رسم حدود قيمية بينهم وبين الفرق الأخرى، وابتكار آداب وطقوس خاصة بهم، وتولي مسؤولية التوجيه الفكري والديني لأتباعهم، ولهذا الغرض يسعون غالباً، من بين أمور أخرى، إلى بناء قيادة كاريزمية لأنفسهم.
سأبيّن في هذا القسم من المقال أنه إذا كان لدينا مثل هذا الفهم لـ"الفرقة" وفقاً لرأي سروش، فيمكننا حينئذ أن نرى بوضوح أن سروش نفسه كان يسعى إلى بناء فرقة جديدة.
لا يعتبر سروش ظهور الفرق الدينية داخل الأديان المختلفة نتاج مؤامرة أو سوء نية من شخص أو جماعة، بل يعتبره مقتضى طبيعياً للنمو التاريخي للأديان. ويقول دفاعاً عن هذا الادعاء:
"الشيعة والخوارج والأشاعرة والمعتزلة وبنو أمية وبنو العباس... كلها وجوه سياسية وفكرية مختلفة لتاريخ واحد... الخلافات التي ظهرت في الشريعة الإسلامية أو المسيحية بين الفرق المختلفة وما ترتب عليها من إساءة استخدام، كانت مقتضى لاختيار الإنسان وتعاليم هذه الشرائع. وبافتراض المحال، لو مُحي التاريخ الماضي للإسلام مثلاً، وعُرض الكتاب والسنة من جديد على المسلمين، فلا شك أن الفرق المختلفة ستطل برأسها من جديد... إذا كان الكتاب والسنة هما كما كانا، وإذا كان البشر هم كما هم، فإن توقع تاريخ يختلف جوهرياً عن التاريخ الماضي سيكون توقعاً عبثياً" (عبد الكريم سروش، "العقيدة والاختبار. لف ونشر تاريخي للمذهب" (1371)، أسمن من الأيديولوجيا، ص 194-195).
وكذلك:
"ألم يكن من مقتضيات البسط التاريخي لهذا المذهب أن تنشأ فيه فرق مختلفة؟ ألم يكن ظهور الشيعة والسنة نتاجاً ومقتضى لذلك البسط التاريخي؟ المذهب الذي نشأ في خضم الصراع والأخذ والعطاء، يستمر ويتسع بالأخذ والعطاء والصراع ويزداد ثراءً بتجاربه، وهل هناك ما هو أكثر طبيعية من هذا؟ ألم يكن طبيعياً أن يستمر ذلك الأخذ والعطاء والتصادمات والتساؤلات الجديدة في غياب النبي وفي ظل الفراغ الذي خلفته شخصيته، وأن يؤدي إلى تعصب عقائدي وسياسي لدى المسلمين؟" (سروش، مقالة "بسط التجربة النبوية"، بسط التجربة النبوية، ص 26). ويقول في موضع آخر بشأن "الفرقة الملامتية": "كان ظهور الفرقة الملامتية رد فعل على رياء الصوفية" (سروش، مقالة "المسلمانية والعمران - الكفر وقلة الرشد"، أسمن من الأيديولوجيا، ص 308).
وفي موضع آخر أيضًا، يصف صراحةً ظهور الفرق المختلفة في الإسلام والمسيحية بأنه أمر طبيعي: ”وفي ظل هذين [المسيحية والإسلام] نشأت عشرات الفرق وكان هذا طبيعيًا“ (”الإسلام في التاريخ“، ديسمبر 2015، الدقيقة 68 فصاعدًا). وفي مناظرة حول التعددية الدينية، يدافع أيضًا عن ”تنوع الفرق والمذاهب“، وينتقد قول أتباع الفرق الدينية الذين يدّعون أنهم ”نحن وحدنا الطائفة المحقة وسائر الناس في العالم ضالون.“ ويقول سروش في تبرير نشأة الفرق الدينية في قلب الأديان الكبرى يقول:
”عندما صار دين الإسلام تاريخيًا تشكلت الفرق وظهر الأشاعرة والمعتزلة والسنة والشيعة والمالكية والحنبلية... وهكذا صار المسلمون لا 72 فرقة بل 72 ألف فرقة. لذا فإن النظر إلى منبع الدين ضروري ولازم دائمًا. قد تسألون إن كان الأمر بهذا الوضوح فلماذا لا يصدقه عقلاء العالم ولا يزيلون الخلاف؟ السبب هو أن الإنسان ليس عقلًا فحسب، بل له أبعاد أخلاقية وإنسانية مختلفة تجعله، كما يقول حافظ، يذهب بحرب الاثنتين والسبعين ملة لعدم رؤيته الحقيقة نحو 72 ألف أسطورة. ويذهب الناس بدل الحقيقة وراء نسج الأساطير... انشعاب دين الإسلام إلى سنة وشيعة هو أيضًا بسبب البشر. والخلاف بين الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت لا علاقة له بالسيد المسيح. لقد تحول هذا الدين بمروره عبر باطن الإنسان إلى فرق وجماعات مختلفة. وهذه الخلافات طبيعية في جميع الأديان والمذاهب. لن تجد شيئًا خالصًا في هذا العالم. الحق دائمًا ممتزج بالباطل. هذه الاختلافات هي خاصية هذا العالم والله ليس منزعجًا ولا غاضبًا من هذا الموضوع“.
لذا، أيًا كان المعنى الدقيق والعلمي لـ”الفرقة“، فمن الواضح أن
لقد انشغل سروش في ربع القرن الأخير ببناء فرقة دينية لا تروج فقط لفهم خاص للدين، بل يُفترض بها بالإضافة إلى ذلك أن تكون لها شعائرها وطقوسها الخاصة، وأن تتولى الهداية الفكرية والسياسية لأتباعها، وأن تقيم حدودًا قيمية بين ”نحن والآخرون“ مع الفرق الأخرى.
وهنا يُطرح سؤالان مهمان:
(1) لماذا كان سروش يرى ضرورة بناء فرقة دينية؟
(2) استنادًا إلى أي شواهد وقرائن يمكن تأكيد عملية بناء الفرق عند سروش؟
ضرورة بناء الفرق من منظور سروش: في الإجابة عن السؤال الأول، يمكننا أن ننظر من منظور مراقب خارجي إلى السجل الفكري والسياسي لسروش، وعلى هذا الأساس نعيد بناء ذهنيته ومشروعه بتقريب مقبول: لقد وجد سروش، بصفته مثقفًا دينيًا وسياسيًا، نفسه في مواجهة حكومة دينية تمارس السلطة والحكم باسم الإسلام. حكام الجمهورية الإسلامية مرتبطون أيديولوجيًا بالتشيع، بصفته إحدى الفرق الإسلامية، وفهمهم للإسلام قائم على رواية فقهية للإسلام الشيعي. لذا، كان سروش، في مقام نضاله ضد الحكام الدينيين في إيران، يسأل نفسه: ما الذي يمكن فعله لنضال هذه الحكومة وقاعدتها الاجتماعية؟ وأي استراتيجية أكثر فعالية في هذا النضال؟
كان بعضهم، في الإجابة على هذا السؤال، من دعاة الحلول السياسية. غير أن القائلين بالحلول السياسية كانوا بدورهم يتبعون نموذجين متنافسين. ففريق منهم لم يكن يفكر إلا في النضال الانتخابي والاستيلاء على المؤسسات الانتخابية وإصلاح الحكم، بينما كان فريق آخر يلتمس الحل في المجتمع المدني، أي أنهم كانوا يعتقدون بضرورة تمكين الشعب عبر المؤسسات المدنية، وإيجاد توازن قوى بين الدولة والمجتمع المدني، والإسهام بهذه الطريقة في ميلاد الديمقراطية في إيران. وفي غضون ذلك، كان بعض علماء الاجتماع الإيرانيين (مثل علي ميرسباسي) يعتقدون أن الثقافة والإصلاح الديني لا دور لهما في هذه العملية، وأن طريق الديمقراطية يمر عبر بناء المؤسسات – أي تشييد المؤسسات الديمقراطية.
لكن سروش لم يكن يوافق على هذا التقييم. لقد وجد نفسه في مواجهة حكومة دينية تسعى إلى تحقيق قراءة خاصة للإسلام، وقد حشدت حولها أنصارًا في هذا السبيل. وبتعبير آخر، لقد رأى نفسه في مواجهة "طائفة دينية". ولهذا السبب تحديدًا، يبدو وفق تحليل سروش أنه لمقابلة "طائفة دينية" ذات قاعدة اجتماعية، لا بد من بناء "طائفة دينية" أخرى تقدم قراءة جديدة وبديلة للدين، وتجد قاعدتها الاجتماعية الخاصة، وتتغلب بهذه الطريقة على الحكومة والقاعدة الاجتماعية المنافسة. وعليه، كان مقتضى مشروع سروش السياسي أن يتحول "التنوير الديني" رويدًا رويدًا وبهدوء، شيئًا فشيئًا، إلى "طائفة دينية".
أدلة بناء الطائفة عند سروش: لكن على أي أدلة يمكن إيضاح وتحليل عملية "بناء الطائفة" عند سروش؟ (السؤال الثاني)
يمكن دراسة عملية بناء الطائفة عند سروش على عدة مستويات مختلفة. سأقوم هنا بدراسة بعض المستويات المهمة لهذه العملية:
■ نفي الغيرية: إن بناء الهوية وبناء الطائفة الدينية هو في الواقع نوع من "بناء النحن"، ويقتضي ذلك تنقية حلقة "النحن" من الأغيار حتى تجد الطائفة هويتها المتميزة. وهذه العملية بالطبع لا تتسنى إلا بيدَي "قيادة كاريزمية" قديرة. إن ماهية "الطائفة" تجعل الانضمام إليها غير متاح لأي كان. لذلك، ترى "القيادة الكاريزمية" نفسها مكلفة بتحديد الجماعات غير المنتمية وتمييزها عن حلقة المنتمين.
وهو يبدأ عملية نفي الغرابة عن حلقة التنوير الديني أولاً من الساسة المجددين دينيًا، وبالأخص شخص محمد خاتمي. وهذا لا يعني بالطبع أن سروش لم يكن يضفي هوية سياسية على برنامجه الفكري. بل على العكس، لم يكن أبدًا يعتبر "التنوير الديني" مجرد تنظير محض. فمن وجهة نظره، التنوير الديني مشحون بالشؤون السياسية مئة في المئة. وهو يصرح في مقابلاته بأنه "حاليًا" لا يسعى للاستحواذ على السلطة السياسية: "حاليًا، مزاجي لا يروق له العمل السياسي"، وعندما يُسأل إن كان سيعقد العزم على ذلك في المستقبل، يجيب: "لا أعلم. أنا لا أعتبره أمرًا محرمًا لا أرتكبه أبدًا. بلغة الدين، يوم واحد من الحكم على المسلمين يعدل ستين سنة من العبادة، فلماذا يدير المرء ظهره لعمل كثير الثواب كهذا" (عبد الكريم سروش، آئین شهریاری و دینداری، صراط، ص ٤٠٤).
لكنه حساس تمامًا إزاء إبقاء هوية تيار التنوير الديني مستقلة عن الساسة الحداثيين الدينيين "غير المنتمين". وهو يصرح بأن محمد خاتمي وحركة الإصلاحات ليسا من مؤسسي التنوير الديني ومبتكريه، بل من أبنائه (سروش، آیین شهریادی و دینداری، ج ٢، صص ٤٢٣- ٤٢١)، ويعد وعدًا نبوياً بأن السلطة السياسية في إيران ستؤول في النهاية إلى أيدي التنويريين الدينيين. فمن وجهة نظره، التنويريون الدينيون هم الجماعة الوحيدة القادرة على بناء نظام ديمقراطي في إيران، حتى "التنويريون غير الدينيين" (الذين هم، بتصريحه، ليسوا "تنويريين" حقًا) لا يمكنهم جلب الديمقراطية لإيران. وهو يقول في هذا الصدد:
"ينبغي اعتبار خاتمي من منتجات التنوير الديني ومخرجاته، لا من مؤسسيه ومبتكريه… وقد قلت من قبل إن مستقبل هذا البلد بيد التنوير الديني، ومستقبل التنوير في هذا البلد، بل وحتى مستقبل السياسة في هذا البلد على ما أعتقد، هو بيد التنوير الديني. وسرُّ أن الجناحين قد تآمرا معاً، عن وعي أو عن غير وعي، باختيار أو بغير اختيار، لقمع التنوير الديني، هو أنه يحمل في طياته مستقبلاً واعداً، وهو ما قد ألقى الرعب في قلبيهما. لكنني، بالمصادفة، أقول لكلا الجناحين: لا داعي لأي خوف، لأنه لا مكان في التنوير الديني لديكتاتورية على الآخرين… أعتقد أن على الجميع أن يحسنوا استقباله وألا يقلقوا من تفوقه أو من إقبال العامة عليه… إن مثقفينا غير الدينيين، بسبب عدم إلمامهم بتقاليد هذا البلد، لن يتمكنوا من تأسيس حكومة ديمقراطية. ففي هذا البلد، الدين هو أكثر مكونات التقاليد بدانة، والذين لا يعرفون هذه التقاليد، في رأيي، لا يمكنهم حتى أن يدّعوا التنوير، وعلى أية حال، لن ينجحوا في مقام العمل، ولا سيما العمل السياسي الكبير. لذلك، ينبغي أن يفتحوا الباب حقاً أمام هذا النوع من الفكر" ( "الثورة الإسلامية؛ الفقه والتنوير الديني“).
يسعى سروش، بصفته قائد هذه الفرقة الناشئة، في الخطوة التالية إلى إقصاء سائر المفكرين والمنظرين التقدميين والمجددين في ميدان الفكر والثقافة الإسلامية عن حلقة التنوير الديني. فهو، على سبيل المثال، يشكك في إيمان محمد أركون، وبهذا الاعتبار يقصيه عن حلقة التنوير الديني. يقول في هذا الصدد:
"بالنسبة لبعض الباحثين، الإسلام هو مجرد موضوع للبحث. وأحد أبرز الأمثلة على هذه المجموعة هو السيد محمد أركون. فلم يبق فيه، على ما يبدو، أي عنصر من عناصر الانتماء الإيماني تقريباً. إنه ينتمي هويةً إلى مجتمع وتاريخ إسلاميين، ومن هنا تأتي معرفته الواسعة بهذه المدرسة. وعمله أيضاً ينحصر في إخضاع الإسلام للنقد والتحليل والتشريح الصارم. هذا كل ما في الأمر. إنه مجرد انتماء علمي. لكن المثقفين الدينيين في هذا المجتمع أثبتوا بما لا يدع مجالاً للشك أنهم، علمياً وعملياً وسياسياً وفي مواجهة أرباب السلطة، وقفوا إلى جانب مدرستهم وإيمانهم وكانوا وما زالوا على استعداد للتضحية والفداء من أجله" (سروش، "تقليد التنوير الديني"، مدرسه، بهمن ۱۳۸۵، ص ۱۸).
بعد أركون، يأتي الدور على علي شريعتي وأصحاب فكره. فهو يقصيهم هم أيضاً من حلقة التنوير الديني:
"التنوير الديني، بحكم كونه معرفياً وتجريبياً، ليس أيديولوجيا أيضاً، أي ليس أيديولوجيا انتقائية وحركية وصانعة للأسلحة. الأيديولوجيات، التي تفكر في الحركة والنهوض والنضال والاشتباك مع العدو القائم، قليلة الوفاء للحقيقة، ولها ميدان ضيق، ومع هزيمة العدو، تنكسر هي أيضاً وتتهاوى. والأسلحة التي صُنعت مؤقتاً بالتنقية والاستخراج الانتقائي، تفقد تناسبها وتصبح عديمة الأثر تماماً. الإمام الحسين واستشهاده، اللذان كانا استثناءً في سلسلة الإمامة، يتحولان في يدي شريعتي الانتقائيتين إلى قاعدة، ويُحط من قدر ابن سينا، فخر الثقافة الإيرانية، عند قدم أبي ذر، لكي يتوفر السلاح الأيديولوجي اللازم لقمع السلطنة، وينتصر الإسلام الثوري على العلمانية الملكية. أقل عيوب اقتران النية الصائبة بالمنهج الخاطئ هو أنه لا يدوم" ("ما ليس تنويراً دينياً").
ويقوم سروش أيضاً بإقصاء مرتضى مطهري والفقهاء المجددين (مثل أصحاب آية الله منتظري) عن حلقة فرقة التنوير الديني:
“التنوير الديني ليس من هواة ترقيع الفقه بحيل شرعية مؤقتة. لقد حمل اليوم فقهاء لقب متنور ومبتكر، وهم يحاولون مثلاً، بالتوسل بغيبة الإمام الغائب، أو تجنباً لوهن الإسلام، إلغاء حكم الرجم وقلع العين وأمثالها. مع حفظ الاحترام للفقهاء، فإن هذا، أياً كان، ليس تنويراً ولا ابتكاراً، لأنه ليس وليد اجتهاد في الأصول. التنوير الديني يقول بالاجتهاد في الأصول، أي الاجتهاد في علم الكلام، وفي الأخلاق، وفي الفهم الجديد للنبوة والوحي والمعاد والله… بفهم جديد للإنسان والمعرفة والتاريخ والمجتمع يمكن مراجعة حكم المرتد والمبتدع، وإلا فإن ترك كل شيء على حاله السابق، وتعليق الحكم الفقهي مؤقتاً لمجرد ملامة الملامين، لا يتطلب جهداً ولا اجتهاداً. إنها مجرد مصلحة بسيطة وعابرة. والمطهري، المتكلم، حين يصل إلى قصة الخاتمية، يظن أن التحدي الوحيد الذي يواجهه الإسلام الخاتم من العالم الحديث هو التحدي الفقهي والحقوقي، ولذلك يسعى إلى نفض غبار التخلف عن ذيل الفقه، ويستعرض قدرة الفقه على حل مشكلات الحياة الحديثة بتذكيره بقواعد مثل ’لا حرج‘ و’لا ضرر‘. وكأن هذه النقطة قد غابت تماماً عن ذهن المطهري القوي، وهي أن الفقه لم يقم ولن يقوم على قدميه وحده، وليس لديه القدرة على تقوية نفسه أو الدفاع عنها بمفرده، وإذا لم يرتوِ من علم الكلام والأخلاق و… فسيحترق من ظمأ العطش. إذا كان لا بد من الابتكار في الفقه، فلا بد أن يتجدد إله الفقهاء، ونبي الفقهاء و… أيضاً. وهذا هو بالضبط ما يطالب به التنوير الديني، ولا يجده حتى في ذهن متكلم معتزلي مثل المطهري” (“ما ليس تنويراً دينياً”).
ويُخرج سروش سيد حسين نصر وأتباع المدرسة التقليدية من زمرة التنوير الديني. إنه يقدم سيد حسين نصر (الذي هو نفسه رئيس “الفرقة المريميّة”) باعتباره أكبر منادٍ بـ “الهوية الإسلامية” في العصر الحاضر، ويصفه بأنه شخص مناهض للحداثة يرى الغرب فاسداً برمته. يعتقد سروش أن انتشار العلوم التجريبية الحديثة من منظور نصر هو عين الانحطاط، ويصف نصر، على عكس سائر دعاة الهوية المسلمين، بأنه مدافع عن إسلام خالٍ من الجهاد. (“گفتمان مسلمانی معاصر- قسمت سوم“، الدقيقة ٩٧- ٨٧). وبرأي سروش، من الواضح أنه لا يمكن اعتبار شخص بهذا السجل الفكري ضمن حلقة التنوير الديني.
وعملية الإقصاء لا تنتهي هنا بالطبع. فلا ينبغي اعتبار مصطفى ملكيان وحلقة المقربين منه من مريدي فرقة التنوير الديني:
“أما التنوير الديني فلا يؤمن ولا يلتزم بـ روحانية متحررة من الدين. لقد كانت المناسك دوماً القشرة الحافظة للمعنى، وما أفضل أن نأخذ هذه المناسك الحافظة من معلمي التجارب الإشراقية ومن طياري جنان القدس، أي الأنبياء، الذين هم أمهر فرسان ساحة السلوك وفتّاحي آفاق التجرد” (سروش، “ما ليس تنويراً دينياً”).
وهكذا، يبقى السؤال: فمن هم إذن أعضاء هذه الفرقة الناجية؟ الحقيقة هي أن سروش يفصّل قميص التنوير الديني على قامته هو فقط. ففي الواقع، تختزل فرقة التنوير الديني في نهاية المطاف إلى شخص سروش وأتباعه. وهو في هذا الطريق لا يعتبر نفسه مديناً لأي مفكر، ويعتبر بضاعة التنوير الديني منتجاً حصرياً له، ويضاهي بها أفضل المنتجات الدينية في العالم. يقول في موضع آخر رداً على أحد منتقديه:
“هل يظن [ذلك الشخص الناقد] حقاً أن كل جهود المثقفين الدينيين في الذاتي والعرضي، والإقليمي والأكثري، والهوية والحقيقة، والقبض والبسط، والإمامة والخاتمية، والصورة واللاصورة، والببغاء والنحلة، والقراءات الدينية، والهرمنيوطيقا الدينية، وحقوق الإنسان... تتلخص في كيفية ’تحديث زكاة الإبل‘ وتدبيرها؟ يا له من أفيون، ويا له من سحر، ويا له من قول غير موزون. ويا لها من معرفة، ويا لها من إنصاف، ويا له من جوهر ناشناس ناصِراف! من الواضح أن ’طير الجار إوزة‘، وأن القبض والبسط مهما يفعل فلن يبلغ شأو بولتمان. جرمه أنه ذو نفس، وصهر البيت لا كرامة له. فحسبي أن أقول إني حين كنت أفكر وأكتب القبض والبسط لم أكن قد قرأت لا بارت ولا بولتمان، ولا غادامير ولا هيرش، ولا أركون ولا أبو زيد. والآن أيضاً حين أنظر إلى نفسي وإليهم أرى اختلافات كثيرة. ثمة أصول وفروع في القبض والبسط ليست موجودة في آثار أولئك العظام... لست مترجماً لهم ولا مديناً لهم. كانت لي أفكاري وهواجسي، وعرضت بضاعتي وحصاد فكري” (حضور بی رحم تیشه تخریب“).
وفي معرض الثناء على أعماله الفكرية، يكتب أن نظرياته في علم الدين “لا تقل شيئاً عن نظريات علم الدين الموجودة في الأكاديميات العالمية” (عبد الكريم سروش، سياسةنامه، صراط، ص ۱۸۱-۱۸۰). ويؤكد مدعياً أن “التنوير الديني في مجتمعنا قد نشط، إنصافاً، نشاطاً كبيراً، وإنتاجاته غذاء مناسب لشباب هذا الديار. وهذا التنوير الديني، أقولها بصراحة، هو المحطة الأخيرة للشباب، فإن تجاوزوها، فلا الكرمة تبقى ولا أثر الكرمة، وسيحترق الربح والرأسمال معاً” (عبد الكريم سروش، آئین شهریاری و دینداری، صراط، ص ۲۷۱).
وبالطبع، لا يقتصر الأمر على أن سروش قد أقصى الآخرين من حلقة التنوير الديني، بل إن كثيراً من أولئك الآخرين قد تبرؤوا هم أنفسهم صراحة من الانتماء إلى هذه الفرقة. وهكذا، لا يبقى في داخل هذه الفرقة إلا سروش وعدد من المنتسبين إليه – منتسبون يسعون إلى تعزيز دعاوى زعيم الفرقة والترويج لها، وصناعة قيادة كاريزمية ووجه أسطوري له – قيادة مفكر على المستوى العالمي، بل وأسمى من ذلك، ’ولي‘ من أولياء الله ومهبط للوحي.
■ رسالة الهداية الفكرية: يصرح سروش بأن فرقة التنوير الديني تختلف اختلافات جوهرية عن الدين التقليدي، وتنهض بنجاح بكثير من المهام التي عجز عنها الدين التقليدي. ومن جملة هذه المهام مسؤولية الهداية الفكرية للناس:
“لقد رسم التنوير الديني مساراً ووضعه يختلف بشكل جوهري عن ذلك الأسلوب في العمل والنظرة التقليدية إلى الدين. هذا البناء لا يتسع لذلك الأثاث، أي لتلك الآداب والرسوم؛ لقد حدث هنا تجديد جذري. ليس الحديث عن إدارة الظهر للناس أو للديانة. الحديث هو أن طائفة حين تضطلع بمسؤولية الهداية الفكرية، ينبغي أن يكون عملها مطابقاً لنظرتها” (عبد الكريم سروش، “سنت روشنفکری دینی”، مدرسه، بهمن ۱۳۸۵، ص ۱۹).
إذن، ثمة “طائفة” في طور التشكل تضطلع بمهمة الهداية الفكرية للناس، وتقوم بتجديد جذري للدين التقليدي، وتأخذ منه مسافة جدية.
■ مراجعة أساسية للمبادئ النظرية للدين التقليدي: ولكن ما الذي يعنيه سروش بهذا “التجديد الجذري”؟ يوضح أن على هذه الفرقة الجديدة أن تعيد كتابة جميع الأركان النظرية للدين التقليدي من جديد وبأسلوبها وسياقها الخاص: “ينبغي للتنوير الديني أن يكتب تاريخه الخاص للديانة والإمامة والنبوة ويقدمه. وما لم تُنزع الأسطرة عن هذا التاريخ، فإن تلك الآداب وتلك المراسم ستستمر وتتقوم وفقاً للفهم الأسطوري، وستبعدنا عن المقصد” (سابق، ص ۱۹).
■ مراجعة جذرية للمبادئ العملية للدين التقليدي: لكن هذه الفرقة الجديدة لا تقتصر على مراجعة المبادئ النظرية للدين التقليدي، بل يجب عليها بالإضافة إلى ذلك أن تقوم بمراجعة جذرية في المبادئ العملية، أي مجموعة الآداب والرسوم والمناسك والشعائر الدينية، وأن تخترع نوع الآداب والشعائر المناسب لها. أي أن معتقدات هذه الفرقة ليست وحدها المختلفة عن معتقدات الدين التقليدي، بل إن أعمالها ومناسكها تبتعد أيضاً عن آداب ومناسك الدين التقليدي:
"يجب على التنوير الديني أن يقيم طقوسه ومراسيمه ومناسكه الخاصة به، وأن يكون تميزه عن الآخرين في هذه الوجوه لافتاً للنظر" (سابق، ص ۱۹).
وأكثر من ذلك، يجب على هذه الفرقة أن تبتعد ابتعاداً جذرياً عن التيار الفقهي والحقوقي للتقاليد الإسلامية، وأن تبني فقهاءها وحقوقييها ونظامها الفقهي والحقوقي المستقل والخاص بها:
"عليهم [أصحاب فرقة التنوير الديني] أن يكون لهم فقيههم ونظرياتهم الفقهية الخاصة بهم. يبدو أن مقدمات وأسس هذه المسألة متوفرة أيضاً. على التنويريين الدينيين، تدريجياً، أن يقطعوا صلة تعلقهم برجال الدين التقليديين... العمل الإثباتي، أي امتلاك 'علم كلام جديد' و'فقه جديد' وكتابة تاريخ جديد للإسلام'" (سابق، ص ۲۰).
خلق مجتمع وتقليد خاص به: يجب على فرقة التنوير الديني أن تربي أصحابها الخاصين في جميع المجالات. أي يجب أن تتحول تدريجياً من صورة تيار متفرق وغير متماسك إلى مجموعة متماسكة بمؤسساتها ووكلائها الخاصين: "لم يتحول التنوير الديني بعد إلى تقليد، ويجب أن يتحول إلى تقليد. يجب أن يكون لهذه الحركة شعراؤها وكتابها وفنانوها ومخرجوها السينمائيون. التنوير الديني شجرة باسقة، وليس شجيرة صغيرة. من حقه ومن اللائق أن يُروى بجدول من الشعر... من حق التنويريين الدينيين أيضاً أن يكون لهم شعراؤهم وفنانوهم... لا ينبغي للتنوير الديني أن يبقى محدوداً في المباحث الكلامية والسياسية. يجب أن يُفتح بابه على الأدب والفن" (سابق، ص ۲۰).
ويعد سروش أتباعه في النهاية قائلاً: "وهكذا، بهذه الجهود والنضالات يمتد ظل التنوير الديني المبارك على مجتمعنا، ويمنح، كالبحر، الدرر للمقربين والمطر للأزمان" (سابق، ص۲۰).
في مرحلة بناء الفرقة، قد يخال المراقب المحايد أن سروش بصدد بناء "فرقة دينية" داخل التقاليد الإسلامية، وكما يصرح هو نفسه، فإن ظهور هذه الفرقة هو مقتضى طبيعي للنمو التاريخي لدين الإسلام.
لكن الشواهد والقرائن الكثيرة تدل على أن سروش قد تجاوز مرحلة بناء الفرقة، وهو في السنوات الأخيرة أكثر سعياً وراء اختراع أو تأسيس دين جديد. وكما سنرى، يعتقد سروش أن ثمة حاجة ماسة في أيامنا هذه لظهور دين جديد. وهذا الدين الجديد لا بد أن يتشكل حول التجارب الدينية، وفي المرحلة التالية، وللحفاظ على تلك التجارب الدينية، يجب أن تُنسج حولها طبقة من الاعتقادات والأخلاق والفقه والآداب العملية. وكما سنرى، يسعى سروش إلى أن يجعل من "أحلامه الرسولية" أساساً لتأسيس هذا الدين الجديد، وأن يربي حول هذه التجارب الوحيانية (أي أحلامه الرسولية) آراءه الاعتقادية، وأن يحافظ على النواة المركزية لهذه التجارب بتأسيس جملة من المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية، وكذلك باختراع مجموعة من الأخلاقيات والآداب والمناسك الدينية. وهو يعد بأن هذه الهوية الجديدة (التي أدق وصف لها هو "الدين") ستتفوق وتعلو على الهويات المنافسة.
هنا أود أن أشرح العناصر الأساسية لهذا الدين الجديد باختصار:
أولاً- لماذا نحتاج إلى دين جديد؟ ينبغي أولاً أن نرى لماذا يعتقد سروش أننا بحاجة إلى ظهور دين جديد. يجادل سروش في نقده للقرآن، أو ما يسميه "رسالة الخوف الجهادية القائمة على فكرة العبودية" لمحمد، بالتفصيل أن كتاب محمد في تعارض جدي مع الحداثة ومعطيات الفلسفة والعلوم التجريبية الحديثة، وأن مضمونه غير مقبول لإنسان اليوم. وهو في المقابل يشير إلى "رسالة الحب غير الجهادية والقائمة على الحرية" لمولوي، أي المثنوي، التي نجحت في حل كثير من الثغرات والنواقص في القرآن. لكنه يضيف هنا أن عرفان مولوي كان متوافقاً مع ميتافيزيقا وكوسمولوجيا الأقدمين. ولذلك يضيف صراحة أننا بحاجة اليوم إلى عرفان يتوافق مع مقتضيات ومعتقدات العالم الحديث. فعلى سبيل المثال، في معرض نقده لـ"دين مولوي" يشير إلى عقيدة المعاد لدى العرفاء، التي بمقتضاها تقع الحياة بعد الموت في هذا العالم المادي نفسه. أي أن معاد العرفاء السابقين كان متوافقاً مع كوسمولوجياهم. ومن وجهة نظر مولوي أيضاً توجد روح تنتقل بعد الموت إلى الكون، أي هذا العالم المادي نفسه. ("الجلسة الثانية عشرة من دينشناسي مولانا"، الدقيقة ۸۰-۸۶). كذلك، يؤكد سروش في معرض نقده لدين مولوي (بل والتصوف كله) أن هذا النوع من العرفان جبري المسلك، معادٍ للهوية، ومعادٍ للفلسفة، ويدّعي أن الفلسفة والتدين القائم على المعرفة يُبعدان الإنسان عن الله أو يضلانه أساساً. يعتقد سروش أن دين مولوي يرى الإلهيات حقاً وقوعاً في وادي الحيرة، لكنه نتيجة لذلك يدّعي أن "السببشناسي"، أي اكتشاف العلاقات السببية في الطبيعة، يؤدي إلى إزالة الحيرة، ويُبعد البشر عن الله، أي أن مقتضى دين مولوي هو تشجيع الجهل. وهذا كله من منظور سروش هو جملة من النتائج والعواقب السيئة وغير القابلة للدفاع عن دين مولوي.
إذن، كما جاء دين مولوي وعوّض نواقص دين محمد، ينبغي أن يأتي دين جديد آخر ويعوّض نواقص دين مولوي.
ثانياً- آلية اختراع أو تأسيس دين جديد: يشرح سروش في أحاديثه وكتاباته الآلية التي يُصنع بها الدين من وجهة نظره. وفقاً لنظرية صناعة الدين عند سروش، يمر الفرد أولاً بتجربة دينية، ثم من أجل نشر هذه التجربة وحفظها، يضفي على تلك التجارب صورة اعتقادية، وأخيراً ينسج حولها نظاماً أخلاقياً وفقهياً:
"لقد وجد النبي بدايةً جوهراً في تجاربه (الإحساس بالخشية والمحبة والهيبة والخضوع والطاعة إزاء مبدأ أعلى، والحيرة في جماله وجلاله، وكشف أسرار العالم ومقصد حياة البشر...) ثم نسج بغيرة وتدبير صدفاً من الفقه والأخلاق حول هذا الجوهر ليصونه من تصرف غير الأهل وليدل أهله على طريق الوصول إليه" (بسط تجربه نبوي، صراط، ص ۱۷۸).
إذن، من وجهة نظر سروش، حقيقة الدين هي التجربة والكشف الذي يقوم به نبي. وهذه التجارب بالطبع ليست محصورة بشخص النبي. فأتباع محمد الحقيقيون يمكنهم، بل ينبغي لهم، أن يكرروا تلك التجارب نفسها: "يمكن من خلال القرب والاتصال الروحي به [محمد]، تكرار تجربته الآن، ومشاركته أذواقه ومواجيده، والذهاب إلى داخل العالم الذي وطئه، وذلك بعنايته ومدده وأخذه باليد" (المصدر السابق، ص ۱۷۲). وهو يقول هذه الأقوال في عام ۱۳۷۷ هجري شمسي. لكن الآن، في ضوء ادعاءاته بشأن كون الوحي حلماً وكون المثنوي وحياً، يمكن فهم عمق أقواله بشكل أفضل: لم تكن تجارب محمد الوحيانية سوى أحلام محمد (وهنا تُستخدم كلمة "حلم" بمعناها المتعارف عليه اليوم)، وتجربة مولوي الوحيانية وشأنه النبوي وتفوق رسالة حبه الوحيانية على رسالة الخوف الوحيانية لمحمد تُظهر أنه يمكن اليوم أيضاً لأناس أن يروا أحلاماً رسولية، وأن يؤسسوا، مثل مولوي، أساس دين جديد.
ثالثًا- الأحلام الرسولية لسروش: دين سروش بحاجة إلى "أحلام رسولية". وعليه، لا بد أن يضع حجر الأساس لدينه على أحلامه الرسولية، أي أحلام من جنس أحلام محمد. طبعًا، سروش، على عكس محمد الذي كان يعتبر أحلامه، خطأً، كلام إله متشخص وأنثروبومورفي وسلطاني، لديه فهم أدق وأصوب لماهية أحلامه الرسولية. أي أنه ليس فقط حائزًا على أحلام رسولية، بل إنه يفهم تلك الأحلام ويفسرها، رغمًا عن محمد، بشكل أفضل وأدق. إنه يدّعي أنه تلقى الوحي فعلًا ورأى الإله بلا صورة. الإعلان عن هذه التجارب هو الشرط الضروري لاختراع دينه الجديد. ولهذا السبب، فقد أفضى بهذه "الأسرار" إلى جمهوره مرارًا خلال السنوات الأخيرة في محاضراته العامة. سأشير هنا إلى بعض هذه التجارب أو الأحلام الوحيانية لسروش التي طرحها في المحافل العامة:
■ التجربة الأولى: يقول سروش بصراحة ووضوح إنه قد خوطب بالوحي. يقول في موضع ما إن نبي الإسلام ينبغي له أن يتعهد فردًا حتى يتمكن ذلك الفرد من المشاركة في تجارب النبي. يروي لجمهوره أن النبي جاءه في المنام، وأنه بهذه المناسبة قد نظم شعرًا في وصف النبي. يقول في صفحته الرسمية على فيسبوك (10 ديسمبر 2015) في شرح هذا الشعر يقول: "إظهارًا للتقدير والولاء الترابي للمقام السماوي للرسول الأكرم الذي جاء ليلة في المنام لسؤال هذا الفقير. [...]". طبعًا، إذا ما جعلنا نظرية سروش حول الحلم أساسًا، ففي هذه الحالة (بحسب اعتقاد سروش) لا يأتي أي موجود (سواء أكان إنسانًا أم روحًا) من الخارج إلى حلمنا، بل الفرد نفسه هو من يصنع أحلامه، وجزء من شخصيته يتحدث مع جزء آخر من شخصيته، ومرتبة من شخصيته تقوم بتصوير لمرتبة أخرى من شخصيته. إذن، وفقًا لنظرية الحلم التي يقبلها سروش، لم يكن نبي الإسلام قد جاء في منام سروش، لأن مثل هذا الأمر مستحيل أساسًا من منظور سروش. بل سروش نفسه هو من صوّر لنفسه في المنام وتجلى لنفسه في صورة محمد. من ناحية أخرى، ووفقًا لادعاء سروش، ينبغي على معبّري الأحلام أن يعبروا الأحلام. لذلك، ليس معلومًا على الإطلاق أن يكون معنى حلم سروش هو ما يدعيه (أي أن "النبي" قد جاءه في المنام). فربما يكون للمحللين النفسيين تعبير آخر لحلم سروش، لعل تعبير حلم سروش من منظورهم هو أنه (في أعماق ضميره) كان لديه شوق لأن يصبح نبيًا، فرأى نفسه في المنام متجسدًا في صورة النبي.
■ التجربة الثانية: يعتقد سروش أن القرآن نتاج أحلام محمد. ومن جهة أخرى، يدّعي أن أصحاب الكشف يعبّرون عن مكاشفاتهم بلغة الشعر، لأن النثر يعجز عن التعبير عن تلك الكشوف والتجارب. وفي هذا السياق يدّعي سروش أنه رأى أشعاره في المنام، أي أن تلك الأشعار قيلت له وأُلقيت على لسانه في المنام: "لستُ شاعراً، لكنني اقترفتُ بعض الأشعار أحياناً. أحياناً يأتي الشعر هكذا فجأة إلى ذهني، فأقوله، فجأة بسلاسة، فجأة عشرة أبيات، خمسة عشر بيتاً بهذه السهولة، وأحياناً أرى الشعر في منامي، بعض الأشعار التي عندي رأيتها في المنام، قالوها لي، والآن لا تذهبوا غداً لتقولوا إن فلاناً ادّعى النبوة" ("أسئلة وأجوبة مع الدكتور عبد الكريم سروش؛ جامعة تكساس"، الدقيقة ١٠٧ ). يدرك سروش جيداً أن ادعاءه في سياق فرضية "أحلام محمد" ليس سوى ادعاء للوحي والنبوة. ألهذا السبب يحاول دفع المقدّر؟ أم لعله يسعى، عبر السخرية الممزوجة بالمزاح في نهاية كلامه، إلى توجيه ذهن متلقيه بتواضع نحو احتمال كون أحلامه ذات طابع وحياني؟ ثمة تناقض واضح هنا يلفت الانتباه: لقد شرح سروش سابقاً وبإسهاب أن الله أو أي كائن آخر لا يتحدث إلى الإنسان في المنام (فالله، وفق رأي سروش، غير قادر على الكلام أساساً). لكنه الآن يدّعي بنفسه أن أشعاره "تُقال" له في المنام. لذا ليس واضحاً ما إذا كان هذا الإله اللامتجسّد واللاشخصي والصرف المحض قادراً، من وجهة نظره، على أن "يقول ويُري" أم لا.
■ التجربة الثالثة: يقول سروش صراحة لمخاطبيه إن فرضية "الرؤى الرسولية" قد رآها في المنام، وبتعبير آخر إن هذه الفرضية قد "أُوحيت" إليه: "في الواقع، كانت نظرية حلمية الوحي هاته حلماً بالنسبة لي أنا أيضاً. كانت وحياً بالنسبة لي أنا أيضاً. وبالتالي لا تقل كثيراً عن نفس الموضوع وصورة المسألة" ("أسئلة وأجوبة مع الدكتور عبد الكريم سروش؛ جامعة تكساس"، الدقيقة ١١٨ ). وفي صفحة سروش الرسمية على فيسبوك أيضاً – رداً على نقدي الأول – نُشر منشور ادُّعي فيه أن سروش قد شارك النبي في أذواقه عبر الشهود ومن هذا الطريق توصل إلى هذه الفرضية، وبالتالي لا يستطيع نقد مدعاه إلا من يمتلكون هم أنفسهم مثل هذه التجارب: "لفهم هذه النظرية، ينبغي، كما قال سروش مراراً في وصفه للتدين التجربتي، أن يشارك المرء النبي في أذواقه حتى يتسنى له فهم صحيح للوحي، كما ينشد هو نفسه في جذبة لقائه:
أنت اتخذتني خليلاً، فلمَ أشكو من الحظ؟
أنت بسطتَ لي جناحاً، فلمَ لا أنتفض على العرش؟
أيتها الليلة، من رؤياك الروحانية أضاءت رؤياك
فانظري إلى سوء حالنا وافتحي للنهار كوّة...
ذاك الذي لم يتذوق مثل هذا الذوق ولم ينل من حلاوته، كيف يريد وكيف يستطيع برجل من خشب، لا بقاعدة راسخة، وعبر استدلال لا أساس له (وهو ناقص أيضاً دون إحاطة كاملة حتى نظرية، فما بالك بالتجربة العملية!) أن يحكم على شهد تذوّقه آخر وشهود أدركه ويرفض تجربته الذوقية؟ آراء سروش الاستدلالية والفلسفية والعقلانية تتمتع بنفس القوة والمتانة التي تتمتع بها تجاربه الذوقية في شرح وصال الحق ونبوة النبي“.
لذا، فإن سروش في الواقع يُوحي إلى مخاطبيه بأنه، كما رأى محمد أحلاماً تحولت إلى قرآن، فإن سروش أيضاً يرى أحلاماً، ويشارك في تلك التجارب الوحيانية، ويتوصل إلى نظرياته وفرضياته من ذات قناة الوحي. أي أن آراءه حول ماهية الوحي وأحلام محمد ينبغي أن تُعتبر من جنس الوحي المُنزَل.
■ التجربة الرابعة: يدّعي سروش أنه في عام 1376 هـ.ش "شاهد" (؟) بنفسه الإله المحض عديم الصورة:
"دعوني أحكِ لكم حادثة. كنت في وقت ما أمارس تمارين اليوغا. وكانت مفيدة جداً. أتذكر تماماً أنني كنت في منزلنا، كان لدينا قبو تقع فيه غرفتي، وكانت فيه مكتبتي، كنت أذهب إليه نهاراً حيث الوحدة والخلوة، أدرس، وأقوم ببعض هذه الأعمال، مرة بينما كنت مستلقياً على ظهري، بعد تمارين التنفس وغيرها وعيناي مغمضتان، ظهر لي فجأة مشهد عجيب. وكان جزء من هذا المشهد أنني كنت أرى موجوداً لا شكل له البتة لكن أشياء كانت تتساقط منه باستمرار، تتساقط، تتساقط، وحدث هذا الموجود. لا أقول إلا هذا القدر. يُقال إنني حين فتحت عيني ظننت بداية أنه ليس بشيء عجيب، إنه كالحلم. لكنني حين فكرت فيه لاحقاً وجدت أنه لا بد أن يكون أكثر من ذلك بكثير. أول ما خطر ببالي بعد هذه الواقعة هو بيت المولوي: ’الصورة من اللا صورة خرجت/ وعادت، فإنا إليه راجعون‘. رأيتُ وكأن شيئاً ما تتساقط منه الصور باستمرار، وباستمرار على هيئة أمرين متضادين يمتطيان شيئاً ما، ينفصلان عنه واحداً تلو الآخر، وهذا الشيء يزداد خلوصاً فأخلاصاً، ويتعالى. كما لو أن الثياب تُنزع عن جسده تدريجياً. فيزداد عرياً، ويزداد عرياً. كنت قد قرأت بيت المولوي هذا مراراً، وواللهِ لم أكن أفهم معناه. في أعقاب تلك الواقعة فهمت هذا البيت فهماً عميقاً. ألقيتُ 5 محاضرات إثر تلك الحادثة. تحت عنوان ’الصورة واللا صورة‘... حين كنت لا أزال متقداً بتلك التجربة، كنت أفهم جيداً ما أقول، وأنجزت تلك المباحث عن ’الصورة واللا صورة‘." (عبادة الإله عديم الصورة“، الدقيقة 35-38 ).
التجربة المباشرة لـ"الإله المطلق عديم الصورة" الذي هو في حالة إنتاج للصور المتضادة، تبدو بالطبع تجربة غريبة. ألم يكن سروش يُعلّم مخاطبيه في مباحثه الفلسفية أنه ينبغي تجريد الله من الأنسنة، ومن الطبيعة، ومن التشخص للوصول إلى الإله المحض عديم الصورة؟ إذا كان الأمر كذلك، فكيف لشيء هو لا شيء، ولا يمكن حتى (بتعبير سروش نفسه) إطلاق مفهوم "الوجود" المتسم بالأنسنة عليه، أن يتشكل في قوالب صورية ويتجلى له؟
■ التجربة الخامسة: يقول سروش صراحة إنه قد اختبر الله كما اختبره مولوي، وصار شريكاً في أذواق مولوي، ومن هذا الطريق استطاع أن يفهم لاهوت مولوي:
"الحقيقة هي أن اكتشاف كيف كان إله مولانا، ليس بالأمر اليسير. أنا شخصياً، بعد سنوات من الألفة مع مولانا، وسنوات من التدريس، والتعمق في كلماته، وقراءة شروح كثيرة عن مثنوي مولانا وغزلياته، وبعد أن حدثت لي جملة من الظواهر، تمكنت إلى حد ما من التعرف على إله مولانا وفهمه للعالم الماورائي، وبلغة العرفاء أنفسهم، التجلي الذي تجلى به الله على مولانا، وكيف أظهر نفسه له، وكيف رآه مولوي من هذا الجانب ثم أودعه في أشعاره" (الجلسة الحادية عشرة من دينشناسي مولانا"، الدقيقة ٣-٤ ).
الحقيقة هي أن كثيراً من كبار المولويين (مثل نيكلسون، فروزانفر، زرين كوب، وغيرهم) يعتقدون أن مولوي لم يكن مطلقاً قائلاً بوحدة الوجود، بل ينبغي اعتبار لاهوته من جنس وحدة الشهود، لا وحدة الوجود. في كثير من أبيات مولوي يُصوَّر الله بوضوح إلهاً مشخصاً أنثروبومورفياً. وهنا يبرز السؤال: أي إله لمولوي شاهده سروش: الإله اللا أنثروبومورفي غير الشخصي عديم الصورة المحض لوحدة الوجود، أم الإله المتشخص الأنثروبومورفي المستتر في تجربة وحدة الشهود؟
■ التجربة السادسة: يرفض سروش بكل صراحة إله القرآن المتشخص الأنثروبومورفي، ويدافع في المقابل عن الإله غير الشخصي اللا أنثروبومورفي المطلق عديم الصورة في تقليد الأديان الشرقية/وحدة الوجود. الإله الذي يقبله سروش يخلو مطلقاً من أي صفة يمكن تجربتها وإدراكها بحواس البشر الظاهرة والباطنة. لكن سروش، وبكل دهشة، يدّعي أنه في تجاربه الوحيانية قد استنشق "رائحة الله":
"عندما اقترحت هذا العنوان [رائحة الله] للمحاضرة هنا، كنت في حال، كانت لي حال روحية خاصة تعود إلى ثلاثة أسابيع مضت، وكنت أظن في نفسي أنني أشم رائحة الله. كنت راغباً في أن أشارككم إياها. لكن الآن مضت ثلاثة أسابيع على ذلك الوقت. ولم أعد في تلك الأحوال. ولا أستطيع أن أشارككم ما مر بي والتجربة التي عشتها شخصياً وأن أوصل إلى مشامكم من ذلك البستان رائحة ندية منعشة. لكن ما أقوله هو تحليل وتبيين حول رائحة الله. دون أن أستطيع أن أشارككم تجربتي المباشرة التي بردت الآن وأصبحت في الماضي. لقد كانت لي قبل هذا أيضاً ومنذ سنوات تجربة أخرى حول الصورة واللاصورة دونتها في سيرتي الذاتية. في إحدى المرات بعد جملة من التمرينات كنت أرى بوضوح أن الصور تنهمر من اللاصورة. بعد ذلك فهمت معنى شعر مولانا الذي قال: 'الصورة من اللاصورة خرجت / وعادت، إنا إليه راجعون'. حتى ذلك الحين لم أكن أفهم معنى هذا البيت مطلقاً. بعد ذلك أدركت حقاً وجربت ما يقوله هذا العظيم، وعلى إثر ذلك ألقيت عدة محاضرات تحت عنوان 'الصورة واللاصورة' وهي موجودة الآن، وفي الحقيقة حاولت أن أبين كلامياً وفلسفياً ما انكشف لي" (محاضرة "رائحة الله"- في شهر يونيو ٢٠١٥- تورنتو، الدقيقة ٢-٤ ).
في الدقيقة ٧٨ من هذه المحاضرة نفسها، يقول أحد الحاضرين إنك قبل ثلاثة أسابيع شممت رائحة الله واختبرتها، "هل كانت هذه التجربة امتداداً للتجارب النبوية أم لا؟ وإن كنت قد هيأت ذيلاً، فعندما تصل إلى شجرة الورد، هدية الأصحاب [كذا]، أصحابك ينتظرون الهدية". يهتف الأصحاب الحاضرون في المجلس "أحسنت"، ويجيب سروش: "هديتي هي ما قدمناه، لم يبق شيء آخر، لقد فرغت... [بخصوص بسط التجربة النبوية]، لا، لست في هذا المقام وليس الكلام في هذا أصلاً، لكل إنسان في النهاية أحوال في هذا العالم. نحن لنا أحوالنا. وأنتم لكم أحوالكم. أنا آتي وأقولها وأنتم لا تقولونها. قيل: في 'عمل ماء الورد والزهر حكم أزلي كان هكذا/ ذاك الشاهد السوقي وهذا يكون مقنع الوجه'. أردت فقط أن أذكر سابقة المسألة وتاريخها. ولا ندعي بسط التجربة النبوية" (الدقيقة ٨٠-٧٨ ). ثم يقرأ أحد الأصحاب الآخرين قصيدة طويلة في وصف الأستاذ ويقول في النهاية إنك ستأخذنا إلى الجنة يقيناً. ويقوم سروش بالإشادة بـ"شعره الجنة".
■ التجربة السابعة: يدعي سروش، تبعاً لشلايرماخر، اللاهوتي البروتستانتي، أن أساس الدين هو تجربة خاصة كان الأنبياء الإلهيون يمتلكونها. ثم يصرح بأنه هو نفسه قد حظي بتلك التجربة النبوية الأساسية:
"يقول شلايرماخر إن أصل التجربة الدينية هو نوع من تجربة الاتكاء، حين تشعر أنك متكئ على شيء ما، وأنك قائم بأمر آخر، ولك مقوم، ولست واقفاً على قدميك، ما تحت قدميك خاوٍ، وهذه في الأساس وبشكل رئيسي تجربة عرفانية. عامة الناس في الحقيقة لا يفكرون هكذا، ولا يتأملون بهذا الشكل. ولكن، وألف لكن، من وجهة نظر شلايرماخر والذين يتفقون معه، فإن ظهور، أي ذلك النبي الذي جاء بدين، قد اختبر هذا في الأصل. لقد فهم فجأة أنه إن لم يتكئ على شيء، فسيقع أرضاً، وسيسقط، إنه ليس واقفاً على قدميه، ما تحته خاوٍ. أنا بالطبع مسرور، لقد كانت لي هذه التجربة والحمد لله. أحياناً يفهم المرء حقاً أن كل ما حوله فارغ ووهم وخاوٍ، وأنه إن لم يمسكه شيء بيده، ولم يحفظه، فسيسقط في الهاوية. من وجهة نظر شلايرماخر الذي ربما كان هو نفسه صاحب هذه التجربة، وهذه التجربة موجودة على الأقل في الأديان الإبراهيمية. هي موجودة في القرآن، وفي كلمات العظماء، وفي العرفاء، وهي كثيرة حيث ترى أنهم يخبرون عن هذه الحالة بأننا نظن في الظاهر أننا واقفون على أقدامنا... إنه يعتقد أن جذر التدين هو هنا، في مثل هذه التجربة. هذه التجربة هي التي تسببت في ظهور بقية الدين. أي أن الحقيقة هي أن هذه التجربة تحصل ابتداءً، هذا الاتكاء على الغير، وأن هذا العالم له مقوم، وبدون ذلك المقوم هو فارغ وبلا وجود، حينها ينشأ خلق في إثره، وهو أن أنا الذي لدي هذه التجربة وأعلم أن الواقع هكذا، أي سلوك ينبغي أن أتخذه في العلاقة مع مقوم الوجود وفي العلاقة مع الموجودات الأخرى. وفي إثره ينشأ فقه يكون ذلك الفقه هو الحد الأدنى من الأخلاق... وفي الأديان أيضاً الأمر هكذا. يضاء أولاً مصباح باسم التجربة الدينية والشعور بالاتكاء على الغير، وحول هذا ترص عدة حبابات، وهذه الحبابات لها دور الحافظ كي لا تطفئ الريح ذلك المصباح والنور، ولها دور ناشر النور. الأخلاق الدينية تحمل التجربة الدينية معها وتعممها، وتبسطها، وتوصل نفحة منها إلى المشام. الفقه الديني يهيئ الفضاء بحيث تصبح التجربة الدينية ميسرة" ( "السير التديني في العالم الحديث – الجلسة الثانية"، ٢٨ أبريل ٢٠١٦، الدقيقة ٤٣-٣٧ ).
وبناءً على ذلك، فإن سروش هو مهبط الوحي وصاحب التجربة النبوية، وهو نفسه يمتلك كل ما يلزم لتأسيس دين جديد.
■ التجربة الثامنة: سروش شديد التفاؤل بنجاح دينه. وهذا التفاؤل ليس نابعاً من حسابات عقلية فحسب، بل الأهم من ذلك أنه مؤيَّد بأحلام تبشّر بانتشار "الفرقة السروشية". في إحدى المحاضرات العامة، يُبدي الحاضرون قلقهم من تقدّم الجماعات الإرهابية الإسلامية كداعش ومن عدم سماع صوت أمثال سروش في العالم، ويطلبون منه أن يفتح لهم بصيص أمل. وفي ختام محاضرته، وردّاً على قلق الحاضرين هذا، يروي سروش ذكرى عن "حلم":
"والآن دعوني أخبركم بنقطة تذكرتها للتو. هناك طبيب اسمه أديب سلطاني وهو مترجم كانط. وهو رجل فاضل جداً. قبل سنوات، ربما قبل 15 سنة، قال لي: فلان، رأيت حلماً، رأيت فيه أن قاموساً أمامي، فتحت القاموس عند حرف السين، فرأيت مكتوباً الفرقة السروشية ، وكُتب أسفلها أنها فرقة وديانة يعتنقها معظم الإيرانيين. كان يقول لي: خلاصة القول إن كلامك سينتشر في العالم، وسينتشر في إيران. على كل حال، لا تخافوا كثيراً، فلو وثقنا بهذه الرؤى أيضاً، فلعل شيئاً يبقى في نهاية المطاف" (منهج تعبير الرؤيا الرسولية، ديسمبر 2014. الجزء الثاني، الدقيقة 107-106 ).
يبدو أن سروش هنا يخاطب، ضمناً، العقل الباطن لمستمعيه كي يطلق اسماً على دينه الجديد. فدينه، خلافاً لليهودية والمسيحية والإسلام، ليس ديناً لا يحمل اسم مؤسسه. دينه الناجي يحمل اسم مؤسسه: " الفرقة السروشية ".
■ التجربة التاسعة: علاوة على كل هذا، يدّعي سروش أنه مرّ أيضاً بتجربة الخروج من الجسد:
"بخصوص تجربة الخروج من الجسد هذه، نعم، لقد حدثت، أي كان لدينا أشخاص، أنا شخصياً مررت بها، مع أنني لم أكن من العلماء طبعاً، لكنني مررت بها. أي أن المرء يتخيل أنه خرج من جسده، ويذهب إلى ارتفاع ما، وينظر إلى نفسه من الأعلى، تقريباً مثل تجربة الاقتراب من الموت وأمثالها. وقد كان هناك عظماء نُقل عنهم ذلك، ولكن ليس بشكل أن يخبروا بشيء مثلاً، أو يذهبوا إلى مكان آخر، فيُنقل مثلاً عن الميرداماد أنه كان يمتلك موتاً اختيارياً، أي أنه جرد نفسه من الجسد مرة، وخرج من جسده، أظن أن شيئاً في هذه الحدود قد حدث" ("منهج تعبير (تفسير) الرؤيا الرسولية، الجلسة الثانية"، الدقيقة 108).
لكن سروش لا يوضح هنا ما إذا كانت تجربته في الخروج من الجسد كتجربة الموت الاختياري عند الميرداماد أم من نوع آخر.
■ التجربة العاشرة: من خلال روايته لأحلامه الرسولية، يشجع سروش أصحابه على رؤية ورواية أحلامهم الرسولية. أي أن بعض أتباع دين سروش يرونه أيضاً في أحلامهم في صورة نبي مخلّص. على سبيل المثال، سأشير إلى نموذجين من هذه الأحلام التلميذية لأصحاب سروش، وكلاهما منقول في ذيل الجلسة الحادية عشرة من "فهم دين مولانا":
النقل الأول:
“مع التحية لمصلح الدين وسيد الكلام والحكمة، السعدي الثاني، الدكتور سروش. لا بد أنكم تقولون وتتساءلون لماذا اخترت هذا اللقب لهذا الرجل الجليل؟ السبب واضح، وكما قال مولانا: الشمس دليل الشمس!! لكن ثمّة سبب أكبر وأعمق بكثير من هذا المفهوم التاريخي، وهو سبب شخصي للغاية، جذوره في إحساسي وإدراكي لأسرار وخفايا عالمه الداخلي عبر النوم والرؤيا، لعلي أستطيع يوماً أن أصوغ كل هذه الأحلام وأجسّدها بمعونة اللغة والقلم تصويراً دنيوياً، إذ لي سنتان وأنا أجلس معه في المنام للحوار مرة أو مرتين في الأسبوع، بقدرات زمانية ومكانية مختلفة، وهذه الأمكنة لا تنتمي إلى مكان بعينه، لكن الأشخاص قابلون للتمييز والمعرفة. وإن كان كثير من الأحلام انعكاساً ليقظة الإنسان. حسناً، هذا المفهوم والتصور للحلم بسيط جداً ومفهوم. لكن هذا العبد الحقير يتحدث عن حلم ومشاهدة صورة وسيرة وكلام، وينطق به، ما هو في حدّي ومقاسي، بل إن جنس كلامي ومشاهداتي يختلف كلياً عن المفاهيم المعرفية الخارجية واليقظة، وحين أستيقظ، تصيبني الدهشة فأقول: إلهي، هذه المفاهيم لا تسعها آنية فكري وشعوري، فإلى أين ألوذ؟ على سبيل المثال، أروي لكم هنا أحد هذه الأحلام، لعلكم تبلغونه مسامع ذلك الجليل: قبل يومين، كنت أستمع إلى الجزء الحادي عشر من كلامه حول البحث عن الله من منظور مولانا، ودائماً ما أستمع إلى أحاديثه بين الساعة الخامسة والسادسة صباحاً، وفي أثنائه غلبني النعاس، فرأيت فجأة السيد سروش في مكان يشبه الميقات في مكة أو صحراء منى وعرفات وهو يخطب. وآلاف مؤلفة من الناس يستمعون دون أن يكون هناك جهاز ميكروفون. شعرت أن الناس يستمعون بهدوء وهم يتمتمون في آذانهم بصوت خافت كي يفهموا: لبيك لبيك لا شريك لك لبيك. كانوا يرددون هذا النشيد عينه، حتى سقط فجأة على بُعد أمتار قليلة أمامي وأمام الناس السيد محسن[محمد؟] مجتهد شبستري أرضاً وأصيب بسكتة، وفيما كان يحتضر امتلأ وجهه كله بالدماء وتغيرت ملامحه كثيراً. وثبت لمساعدته فأفقت من النوم من شدة الهياج” (“الجلسة الحادية عشرة من معرفة الدين عند مولانا” ).
النقل الثاني:
“مع جزيل الشكر للأستاذ الذي يهدينا هداية تشبه هداية الأنبياء، شكراً لإيزد أني رأيت وجهك/ وجدت فجأة درباً نحوك. عيني الباكية صارت كالنبع من البكاء/ نالت نوراً من نرجستك الساحرة. قلت أين الوصال وأين النجاة/ أخذتني هذه الكوة إلى دربك. ألقيت في قلبي بحثاً/ حتى سالت روحي من بحثك في نهرك”.
تُظهر هذه الأقوال إلى أي مدى تغلغل سروش، بطرحه لأحلامه الرسولية، في ذهنية متلقيه الواعية واللاواعية، وكيف رسّخ في أذهانهم تدريجياً صورة نبي جديد.
ومن بين هذه التجارب جميعاً، أدّت تجربة الإله غير المتشخص واللاإنساني أو “الصورة المحضة بلا صورة” (أي التجربة الرابعة) دوراً أهم في منظومة سروش العقائدية. وفي موضع آخر، ينقل سروش صورة من هذه التجربة مرة أخرى، ويضيف هناك أنه من وجهة نظره كان مولوي وبوذا “متحدي الأفق”، أي أنه يعتقد أن مولوي كان شريك أذواق بوذا، وأن كليهما كانت له تجربة واحدة للإله (أي الإله بلا صورة):
«مثلاً هذه العبارة "الصورة خرجت من اللا صورة"، التي ترد في أبيات مولانا وهي من أهم تعاليمه أيضاً، أظن أنها مأخوذة من أشياء في البوذية. لقد رويت لكم مرة أنني بنفسي فهمت معنى هذا البيت بفضل تمارين يوغية. وأعتقد أن مولانا ربما كان كذلك. أنا لا أقيسه بنفسي، لا سمح الله، لكن ليس من المستبعد أن يمنحك هذا المسار الذي تسلكه أحياناً وصولاً إلى بعض المعاني والمضامين، هذه موجودة. من وجهة نظري، كان مولانا في أفق واحد مع أناس مثل بوذا. أي أنهم كانوا يتحدثون اللغة نفسها. كانوا في أفق واحد. وكانوا متحدثين معاً، تقريباً كانت أعينهم مصوبة إلى مكان واحد. المشكلة ربما يمكن القول إن أحدهم أخذ عن الآخر. في بعض المواضع يمكن القول -بتعبير عرفائنا- إنهم كانوا شركاء الأذواق» (شرح دفتر نخست مثنوی – جلسه چهارم، 5 يونيو 2016، الدقائق 83-81).
هذه التجربة هي في الواقع نقطة انطلاق سروش من التقليد اللاهوتي للأديان الغربية (الإسلام، المسيحية، اليهودية) إلى التقليد اللاهوتي للأديان الشرقية (خاصة البوذية).
رابعاً- دين سروش، القطيعة مع تقليد الأديان الغربية والانضمام إلى تقليد الأديان الشرقية: ينبغي اعتبار دين سروش الجديد قطيعته مع تقليد الأديان الإبراهيمية واستمراراً لتقليد أديان وحدة الوجود الشرقية. على سبيل المثال، أهم ركن في دين سروش هو صورته عن الله التي، كما رأينا، تختلف بتصريحه هو تماماً عن إله محمد في القرآن (أو إله التوراة والإنجيل)، وهي برأيه أقرب إلى إله البوذية. بالطبع في الأوبانيشاد وخاصة في الأوبانيشاد الأولى كان يجري التأكيد أكثر على الصفات السلبية، واللا كيفية، واللاتشخص، وتعطل ذات برهمن (والتر ترنس ستيس، العرفان والفلسفة، ترجمة بهاء الدين خرمشاهي، سروش، ص 167). على سبيل المثال، إحدى العبارات التنزيهية تماماً في الأوبانيشاد هي: "النفس الكلية بلا صوت، غير قابلة للتصور، غير قابلة للمس... وبلا طعم وبلا رائحة..." (المصدر السابق، ص 169). كان غاندي أيضاً يعتقد أن "الله بدون صورة" ويضيف: "تكمن قيمة الهندوسية في الإيمان بهذا الاعتقاد الحقيقي بأن جميع مظاهر الحياة (ليس فقط الكائنات البشرية، بل جميع الكائنات الواعية) واحدة، إن كل ظواهر الحياة تنبثق من مبدأ كلي واحد، لنسمه الله، أو الإلهة، أو باراميشوارا" أو "أنا أؤيد ذلك النوع من الاعتقاد أو الفلسفة الذي بمقتضاه تكون الحياة برمتها واحدة في جوهرها، وأن البشر يسعون، بوعي أو بغير وعي، لتحقيق ذلك الاتحاد والوحدة" (جون هيك، البعد الخامس، صص 331-330).
بالطبع كان هناك بين الفلاسفة المسلمين من قدموا، إما تحت تأثير الأديان الشرقية أو خصوصاً تحت تأثير الفلسفات الأفلاطونية المحدثة، صورة عن "الله" تختلف تماماً عن إله القرآن. لكن سروش لا يعتبر هذه الفلسفات "إسلامية" على الإطلاق: "فلاسفتنا الكبار، بدءاً من الكندي، مروراً بالفارابي، وصولاً إلى ابن سينا ومن بعده، فلسفتهم وإن كانت تُسمى فلسفة إسلامية، لكنها فلسفة يونانية." (سلوک دیندارانه در جهان مدرن- جلسه هشتم، 7 أغسطس 2016، الدقائق 29-26). لذلك، إذا كان إله الفلاسفة المسلمين "إلهاً غير مشخصن لاإنسانياً" (مثل الإله الذي يثبته ما يسمى بـ "برهان الصديقين")، كما يدعي سروش، فإن هذا الإله لم ينبثق من القرآن، بل وصل من الفلسفة اليونانية. لقد استعار الفلاسفة المسلمون صورة جديدة عن الله (على الرغم من الصورة القرآنية) من الفلسفة اليونانية وأدخلوها إلى ثقافة المسلمين.
صورة سروش عن الله مدينة للأديان الشرقية (الهندوسية والبوذية) والفلسفة اليونانية (خصوصاً الحكمة الأفلاطونية المحدثة).
خامساً- بناء نظام اعتقادي حول أحلام سروش الرسولية:
بعد أن يتحدث سروش عن تجاربه وأحلامه الرسولية، يأتي الدور على بناء "نسق اعتقادي" جديد حول هذه الأحلام. لكن سروش، لبناء النسق الاعتقادي لدينه الخاص، مضطر حتماً إلى تحرير نفسه من قيد مصدرين مهمين للمشروعية في اللاهوت الإسلامي. هذان المصدران هما الكتاب (القرآن) والسنة. لكن كيف يمكن لسروش أن يتجاوز هذين المصدرين المهمين للحجية في الإسلام ليجعل الأسس العقائدية لدينه مبررة وراسخة؟
■ تجاوز القرآن: كان سروش قد قال سابقاً إن القرآن هو صياغة أسطورية ألقاها محمد على الأمر اللا صوري (عبد الكريم سروش، أخلاق الآلهة، طرح نو، ص ۱۳۸). هذه الصياغة الأسطورية كانت بالطبع منتمية ومناسبة للسياق الثقافي لجزيرة العرب في زمن محمد. يعتقد سروش أن أولئك البشر النادرين (مثله) الذين يختبرون الأمر اللا صوري شخصياً، لا يبقون متمحورين حول النص (أي ملتزمين بالقرآن) على الإطلاق. يقولون: "إننا نخرج من التمحور حول النص، هذا هو الأمر بالضبط" (أخلاق الآلهة، ص ۱۴۰).
يسوق سروش أدلة على هذا التجاوز لـ "التمحور حول النص"، أي تجاوز القرآن، منها:
(۱) باعتقاده أن نظريته في القبض والبسط تحكم بتحول فهمنا وتجاوز الأفهام الماضية.
(۲) "تصوراً ومفهوماً يصعب القول إن صورة ما تتفوق على صورة أخرى. لأن نسبة ذلك اللا صوري إلى جميع الصور متساوية" (أخلاق الآلهة، ص ۱۴۱).
(۳) القرآن هو حصيلة تفسير محمد الخاطئ لأحلامه المضطربة، وهو ليس فقط في تعارض مع العلوم التجريبية والفلسفات الحديثة، بل مليء بالتناقضات. لقد ظن المسلمون على مر التاريخ خطأً أن هذا النص ينبغي "تفسيره"، لكن الحقيقة هي أن أحلام محمد ينبغي أن يعبرها المحللون النفسيون وعلماء الأنثروبولوجيا.
(٤) يعتقد سروش أنه يمكن تلمس أثر وجه الإله اللا صوري حتى في الآيات الأكثر نضجاً في القرآن (أي الآيات المدنية). باعتقاد سروش، كانت آيات القرآن مناسبة لشخصية محمد، وكلما نمت شخصية محمد، صارت الآيات القرآنية أكثر نضجاً. لقد صار محمد مع مرور الزمن "أكثر نبوة" وعلمه "أوفر". يرى سروش أن "محمد المدني" أكثر نضجاً بكثير من "محمد المكي"، ومن هنا يعتقد أن الآيات المدنية أكثر نضجاً وأفضل من الآيات المكية.
باعتقاد سروش، في الآيات المدنية، تفسح صورة "الإله المتشخص المؤنسن السلطاني المعاقب" لمحمد المكي المجال لـ "إله لاشخصي لا صوري محض". ويشير تحديداً في هذا الخصوص إلى الآية ۳۵ من سورة النور، ويعتبرها مؤيدة لصورة الإله اللاشخصي اللا صوري التي يقصدها. يقول:
«النبي، بعبوره المرحلة المكية ودخوله المرحلة المدنية التي تزامنت مع أواخر عمره، السنوات الأخيرة من عمره، قد ازداد نضجاً بالطبع. لقد صار أنبيّ أكثر. ولذا يمكنكم أن تجدوا بين الآيات المدنية، الآيات التي نزلت على النبي بعد الهجرة، آيات في غاية النضج، تدل على أن تجارب النبي النبوية قد رفعته إلى الصدر وأجلسته على نقطة عالية جداً. على سبيل المثال أقول لكم، هذه الآية اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌۖ…[النور، 35]، هذه الآية من الآيات المدنية. تبدو هيئة الآية مكية، لأنها من المعارف القرآنية، بل من المعارف الرفيعة، لكنها في الحقيقة تنتمي إلى العهد المدني وما بعد هجرة النبي. حسناً، انظروا، لدينا في القرآن عدة أنواع من الله. والآن، عفواً، لئلا يُساء فهم كلماتي، لدينا عدة أوصاف لله: الله الذي هو شارع، أي مشرّع. الله الذي هو مالك وصاحب العالم كله. الله الذي هو خالق. الله الذي هو كالملك، مليك. هذه الأوصاف كلها لله، لكن الله الذي هو نور، هذا التعبير عن الله ينزل على النبي في المدينة. أي أن معرفة النبي بالله قد تعمقت، وتجاربه الدينية قد قويت، والله يتجلى له بتجليات جديدة. تارة بصورة مليك، ملك، سلطان، وتارة بصورة مشرّع، شارع، وتارة بصورة- أي في نهاية الأمر- بصورة نور، ضياء يغمر الوجود كله. هذا الإله لم يعد إلهاً يحمل السوط بيده يريد معاقبة المجرمين. ليس ملكاً يريد أن يبسط سلطانه، إنه من طينة أخرى تماماً، إنه نور يريد أن يزيل الظلمات، كيفية تشمل الأكوان كلها وتنفذ إلى قلب أحلك الذرات لتنيرها. هذا الإله النوراني، إله النور هذا، هو نتاج تجارب النبي الأخيرة» (جواهر القرآن، فبراير 2016، الدقيقة 26-30).
يقر سروش بأنه لا توجد سوى «آية واحدة»، «فائقة» و«لا نظير لها» في القرآن في هذا السياق تصحح رؤيتنا عن الله وتقول إن العالم كله في الله. (جواهر القرآن، فبراير 2016، الدقيقة 63-67).
بهذا يحاول سروش أن يبين أن التخلي عن الإله الشخصي الأنثروبومورفي للقرآن هو في الواقع منسجم مع مسيرة تطور صورة الله في القرآن. لكن الحقيقة هي أننا إذا اعتبرنا مسيرة نزول الآيات القرآنية معتبرة، فإن صورة الإله الشخصي الأنثروبومورفي المعاقب كانت لا تزال مهيمنة على القرآن حتى نهاية حياة محمد المدنية. فعلى سبيل المثال، سورة التوبة التي تعتبر آخر سورة نزلت على محمد، هي دليل واضح ضد دعوى سروش، أي أنه خلافاً لدعوى سروش، لم ينتقل محمد قط من «الإله الشخصي الأنثروبومورفي التشبيهي السلطاني المعاقب حامل السوط» (بتعبير سروش) إلى «الإله غير الشخصي اللا صوري المحض».
(۵) أساسًا، يعتقد سروش أن محمدًا لم يحظ في القرآن إلا ببضعة كشوف مهمة، وأن بقية النص ليست سوى حاشية على تلك الاكتشافات القليلة: "هذا القرآن نفسه إن نبشتم فيه تجدون سبعة أو ثمانية أو عشرة كشوف كبرى لنبي الإسلام. والباقي ليس إلا شرحًا لها" ("جلسه سوم از سلسله دروس اقبال شاعر"، الدقيقة ۴۰). كان سروش في عام ۱۳۸۷ شمسي يرى على ما يبدو أن "سوره حدید" (وهي من السور المدنية) كافية للمسلمين، ولهذا خصص عدة جلسات لتفسير (تعبير رؤى؟) تلك السورة. لكنه في فبراير من عام ۲۰۱۶ الميلادي، أي بعد نحو ثماني سنوات، اختزل "سقف وستون مسلماني" أو "جواهر القرآن" إلى ۱۰ آيات (الإسراء ۷۰، النساء ۱۶۵، الشمس ۷ و ۸، النجم ۳۹ و ۴۰، الأنعام ۹۴، النور ۳۵، الإسراء ۴۴، آل عمران ۹۲، الأحزاب ۷۲، هود ۴۴، الحديد ۳). وكأن سروش يدّعي أن مجمل اكتشافات محمد في القرآن يمكن العثور عليها في هذه الآيات المحدودة فحسب. وعليه، فإن سقف الإسلام وعموده يختزلان في هذه الآيات القليلة، ولو أن أحدًا التزم بهذه الآيات العشر وتجاوز عن بقية الآيات الهامشية، لما ارتكب أمرًا مخالفًا.
■ تجاوز السنّة: لا يتجاوز سروش القرآن فحسب لبناء منظومة عقائد دينه الجديد، بل يرى أن الاستناد إلى سنّة النبي غير ضروري بل خاطئ أيضًا. يعلن سروش صراحة أنه يعتقد أن جميع الأحاديث موضوعة، ويجب اعتبارها نتاجًا للتنافسات القبلية وحرب المصالح بين تلك القبائل. ويقول في شرح رأيه:
"أولى السير الذاتية التي كُتبت عن النبي كانت بعد ۱۵۰ عامًا من وفاته، وكل ما كان قد تُنقل صدرًا عن صدر، وكثير منه مما يتعلق بالنبي، سواء من حيث السيرة ومسائل حياته، أو الأقوال المنقولة عنه والمنسوبة إليه، كل هذا موضع شك. أنا شخصيًا، فكرتي وفلسفتي ومنهجيتي هي أني أعتبر جميع الروايات باطلة ما لم يثبت عكسها" (جلسه دوم از سلسله دروس “اقبال شاعر”، الدقيقة ۳۲).
ويضيف في موضع آخر:
"نظريتي وأطروحتي كانت ولا تزال، وقد عبّرت عنها: الروايات المنقولة عن النبي وعن أئمة الشيعة، الأصل فيها أنها كلها باطلة، ما لم يثبت عكسها. بينما يقول رجال الدين وعلماؤنا عكس ذلك" ("شرح دفتر نخست مثنوی – جلسه چهارم"، ۵ يونيو ۲۰۱۶، الدقيقة ۵).
وعليه، يدّعي سروش أن مبدأه التوجيهي في التعامل مع السنّة هو هذا الأصل: كل رواية موضوعة، ما لم يثبت عكسها. وهذا الرأي له جذوره بالطبع في آراء بعض المستشرقين الغربيين البارزين أمثال غولدتسيهر وشاخت.
لكن الحقيقة هي أن الأصل المنهجي الذي يستخدمه سروش فعلاً وعملياً هو أصل آخر. فسروش، وفي مناسبات مختلفة وبشكل متكرر، يستشهد بالروايات والأحاديث بسهولة لتدعيم آرائه، دون أي نقد أو تمحيص تاريخي. وشرطه الوحيد لاستخدام هذه الأحاديث والروايات هو أن يكون مضمونها مؤيداً لنظرياته الشخصية. بعبارة أخرى، فإن الأصل الذي يوجه سروش في تعامله مع التراث عملياً هو في الواقع: كل الروايات باطلة وكاذبة، إلا ما يؤيد آرائي. فعلى سبيل المثال، وكما أوضحت في مقالات سابقة، يستشهد سروش دون أي نقد تاريخي ودون التحقق من وثاقة الروايات التي تعتبر محمداً مصاباً بحالات صرع، بل ويجعل تلك الروايات الأساس التاريخي لفرضية "أحلام محمد". أو كمثال آخر، يعتبر سروش الروايات المتعلقة بتفاصيل المعراج الجسدي للنبي، طالما أنها تؤيد فرضيته، مفترضة ومقبولة. ("محمد راوی رویاهای رسولانه (۵): شبی بر نشست از فلک در گذشت")- رغم أنه هو نفسه يقر بأن هذه القصة ربما دخلت إلى الثقافة الإسلامية من الأدبيات المتعلقة بالديانة الزرادشتية:
"لقد عرج جميع الأنبياء تقريباً... حتى أنه كان موجوداً في الزرادشتية. هناك نص يسمى اَردا ویراف نامه بقي، يذكر فيه أحد الموابذة الزرادشتيين حالة معراجية لنفسه، وتفاصيلها تشبه إلى حد كبير معراج النبي. أي أنه رأى امرأة معلقة من ضفائرها، وأشياء من هذا القبيل، وهو أمر يثير التساؤل حقاً. هذه الأمور موجودة طبعاً، أعني أنها موجودة، وليست واحدة أو اثنتين، وفي شأنها التصور الذي يمكن أن يخطر ببال المرء، مثلاً عن الزرادشتيين يقولون كان هناك شيء يشبه عصارة نباتة كانت مسكرة نوعاً ما. كانوا يتناولونها ثم يعرجون بعد ذلك. أعني هذا هو، أي كانت تنتابهم حالة ذهنية خاصة ويشاهدون رؤى ثم يعودون. هذه الأمور يمكن القول إنها قابلة للتكرار بمعنى ما. ويمكن للآخرين أن يفعلوها أيضاً. كما قال مولانا: "به معراج بر آیید چو از آل رسولید"، أنتم أتباع النبي، هو عرج فاعرُجوا أنتم أيضاً، لكن لا تكونوا مثل ذلك الدرويش [عبد القدوس الكنكهي] الذي تسكع هناك وقال "لو كنت أنا والله لما عدت"، لا بد من العودة في النهاية والأخذ بيد الآخرين أيضاً" ("روش تعبیر رویای رسولانه، دسامبر ۲۰۱۴. بخش دوم"، الدقيقة ١١٢-١٠٩).
بطبيعة الحال، فإن تفسيرات القرآن حول تجربة المعراج موجزة جداً وقائمة على الإشارة: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا" (الإسراء، ١). بعبارة أخرى، فإن سروش يستخدم بسهولة حتى الروايات التي يعتبرها هو نفسه باطلة وكاذبة بيقين، كشاهد معتبر لنظريته.
انظر إلى هذه الحالة أيضاً. يُسأل: هل رأى النبي الله في المنام أيضاً؟ فيجيب سروش:
“نعم، كان يرى. وبالصدفة لدينا عدة روايات. يقول النبي: “رأيت ربي في أحسن صورة: رأيت الله في أجمل صورة”. أو “لي مع الله حالات: أخلو مع الله أحيانًا”. “يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي” يبسط لي مائدتي، يطعمني، ويسقيني، كل هذا موجود في الروايات. “چون ابیت عند ربی فاش شد/ یطعم و یسقی کنایت ز آش شد”[ ۱، ۳۷۴۶]، هذا أيضًا في شعر مولانا. النبي نفسه كان يقول في بعض الليالي نجلس أنا والله معًا، نسهر، “أبيت عند ربي” أُبيّت الليل معه حتى الصباح، ثم يقول مولانا: “چون ابیت و عند ربی فاش شد/ یطعم و یسقی کنایت ز آش شد”. يقول إن قول النبي “يطعمني ويسقيني”، هذه تفاصيل الأمر، إشارة إلى أصل المعنى، لكن بالطبع ليس ثمة ليل، ولا نهار، ولا سهرة، ليس أيًا من هذا. لكن، لكن. في ساحة خيال النبي، أو في مرتبة من مراتب الوجود، نعم. يعقدون المجالسة مع الله” (شــرح مثنــوی – دفتــر نخسـت – جلسه ششم“، ۱۷ يوليو ۲۰۱۶، الدقيقة ۹۵- ۹۳).
ولأن هذه الأحاديث تؤيد دعوى أحلام سروش، فهي إذن معتبرة.
شرحت حتى هنا كيف يحرر سروش نفسه من قيود القرآن والسنة النبوية ليتمكن من تشييد بناء منظومة عقائد دينه بيد مبسوطة. لكن ماذا يمكن أن يقال عن مضمون منظومة العقائد الجديدة هذه؟ هنا أريد أن أركز فقط على بضعة مفاهيم محورية في منظومة عقائد دين سروش: مفهوم الله، مفهوم الوحي، مفهوم النبوة، ومفهوم المعاد.
■ مفهوم الله: كما شرحت بالتفصيل في كتاباتي السابقة، فإن الجهد الأساسي لسروش هو استبدال الصورة “الرعوية” التي يقدمها القرآن/محمد عن الله بصورته هو عن الله. فهو يستعيض عن الإله الشخصي المتجسد، ذي الطابع السيد العبدي المعاقِب في القرآن، بصورة إله غير شخصي لا صورة له من أديان الشرق. (راجع: الإشكال الأول- “الإله المتشخص المتجسد” أم “الإله المحض بلا صورة”؟ مقال “سروش – تفسير سخنان خداوند أو تعبير خوابهاي محمد” والسابع- الإله غير الشخصي اللامتجسد مقال “قرآن سروش: “خوابنامه بريشمان محمد” “).
■ مفهوم الوحي: لقد شرحت أيضًا بالتفصيل في كتاباتي السابقة آراء سروش حول هذا الموضوع. يعتبر سروش صراحة “الوحي” من جنس “الحلم” بمعناه المتعارف عليه، أي “مثل المشاهد التي نراها أنا وأنت في المنام.” بل إنه يتجنب حتى استخدام تعبير “الكشف” بشأن تجربة الوحي، يتجنبه، لأن المفاهيم العرفانية مثل الكشف تحمل عبئًا ميتافيزيقيًا ثقيلًا. لكن مفهوم الحلم قريب جدًا من الواقع (“بوي خدا- برسش و پاسخ“، يونيو ۲۰۱۵ ). وهو يقول في شرح نظريته عن تجربة محمد الوحيانية، أي القرآن:
«كل قرآن هو حلم النبي من وجهة نظري… لقد رأى النبي حقاً في الرؤيا إنساناً، ومَلَكاً، وشيطاناً، وأمراً، ثم امتناعاً وعصياناً، وطاعةً، كل هذا لاحظه بسهولة مثل مشاهد نراها أنا وأنت في المنام. لكن حلمه بالطبع حلم قدسي، حلم مهذَّب، طاهر، ويُنبئ عن حقائق العالم، كما أن لهذه القصة برمتها عمقاً، ولها أثرها اللازم، وتكشف النقاب عن حقيقة وجودنا… يقول في القرآن إن ذلك الحلم الذي أريته إياك "وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْیَا الَّتِى أَرَیْنَکَ إِلَّا فِتْنَهً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَهَ الْمَلْعُونَهَ فِى الْقُرْءَانِ" [الإسراء، 60] والشجرة الملعونة في القرآن. قال كثير من المفسرين إن المقصود بالشجرة الملعونة التي رآها النبي في المنام هم بنو أمية الذين سيأتون لاحقاً. وقد رأيت مؤخراً أحد المفسرين المعاصرين قال قولاً حسناً، قال إن هذه الشجرة الملعونة هي ذاتها الشجرة الممنوعة التي كان ينبغي ألا يأكل منها آدم، ويقول الله إننا أريْناك هذه الشجرة الملعونة في المنام… وهذا المعاد أيضاً سفر فكري، لقد رأى النبي تلك المشاهد، وقصة آدم كذلك سفر فكري، أي أن حقائق قد صُوِّرت له بهذه الهيئة، حيث ثمة مشهد، وثمة إله، وشيطان وملائكة وغير ذلك، تماماً. وعلينا الآن بتفسير هذه الرؤى وهذه القصص وتعبيرها أن نصل إلى الحقائق الكامنة وراءها» ("شــرح مثنــوی – دفتــر نخسـت – جلسه ششم"، 17 يوليو 2016، الدقيقة 90-93).
■ مفهوم النبوة: وفقاً لتصور سروش، تبدأ النبوة أيضاً برؤية المنام. لكنه بالطبع يدّعي في مقالة "بسط التجربة النبوية" أن النبوة لا تختم بشخص محمد، وأن التجارب الوحيانية النبوية قد استمرت حتى أيامنا هذه وحتى شخص سروش. لكن سروش يسعى إلى إحداث تحول آخر في مفهوم النبوة وعلاقة الإنسان بالله. من منظور سروش، لا يمكن للإله غير الشخصي الذي لا صورة له أن يقيم أي علاقة ذات معنى مع الإنسان. شأنه الوحيد هو الخالقية (لكن الخلق أيضاً مفهوم أنثروبومورفي وطبيعاني!!!). بعد ذلك يبدو أن هذا الإله لا يمكنه أن يؤدي أي دور واضح وذي معنى آخر في حياة البشر. لذلك، لا يمكن بناء الحياة الدينية على أساس العلاقة مع كائن يستحيل الارتباط به هكذا. لحل هذه المشكلة، يدّعي سروش أولاً أن النبي في منظومة عقائد دينه يحل محل الله ويتبوأ الدور والمكانة المحورية والأساسية في الدين. لكن مركزية محمد كانت فقط بفضل أحلامه الرسولية. وعليه، فإن السؤال المطروح هو: إذا امتلك شخص أو أشخاص آخرون مثل محمد أحلاماً رسولية، فهل يمكنهم أن يشغلوا المكانة المحورية ذاتها التي لمحمد في بنية الدين وفضائه؟ جواب سروش إيجابي. إنه يستخدم في كلامه تعبير "الولي" بدلاً من النبي، وينقل كل الدور المحوري والأساسي الذي كان من المقرر أن يُعطى لمحمد (بدلاً من الله) إلى "الولي". وهكذا، ففي دين سروش، "الولي" هو الذي يحل محل "الله". ويقول في شرح هذا المعنى:
“إذا أردتم الاقتراب من الله، فجالسوا أولياء الله. إذا أردتم أن تقوم القيامة فيكم، فجالسوا أولياء الله. إذا أردتم أن تخوضوا التجربة النبوية، فجالسوا أولياء الله. إن الله قد تجسّد، قد هبط (land) في وجود أوليائه. إنهم مطار الله، هناك نزل تماماً، وهناك كل شيء. حقاً. أي أن أولياء الله في هذا العالم هم الله نفسه وقد صغُر، وتنزّل، وجاء إلى الأرض. القيامة في وجودهم، والله في وجودهم، هم طائرون منه، طائرون من القيامة، هم قيامة، بل باعثو القيامة. هم واجدون للتجارب الروحية، ويلقون كل هذا إلى جلسائهم. كبحر عظيم يجذب الآخرين في جوفه... أولياء الله هم نموذج كامل من هذا العالم. الله هناك، والقيامة هناك، والنبوة هناك أيضاً. في موضع واحد تجدون الله والنبوة والقيامة عندهم. ولهذا السبب قلت إن عمر الإنسان يضيع إلا إذا نال نصيبه من هذا العالم بصحبة ولي من أولياء الله” (الجلسة الأخيرة من دينشناسي مولانا“، الدقيقة ٨٥-٨٢).
ويشير في موضع آخر، بمزيد من الصراحة، إلى الدور المحوري والإلهي للولي الإلهي:
“دعوني أكشف لكم هنا سراً: إن الله لا يفعل شيئاً في هذا العالم إلا عبر قلوب الناس وأرواحهم. إذا كان لأثر أن يظهر في هذا العالم، في العالم الفيزيقي الخارجي، فسيصدر عن نفس إنسان. أي أن إنساناً يُبعث ليدعو بدافع من ألم، أو ليلعن، أو ليصرخ، يد الله في هذا العالم تنبسط عبر أرواح أوليائه... يد الله في هذا العالم مبسوطة عبر أرواح الناس، لا يأتي مباشرة في هذا المضمار، يأتي مباشرة لأنه خلقنا، ولكن إذا أردتم أن تبحثوا في مجاري العلية والمعلولية للأمر وتدركوها فالأمر هكذا. وكما أن الملائكة وكلاء في هذا العالم، فإن نفوس أولياء الله أسمى من الملائكة. الأولياء الأحياء منهم أو الذين رحلوا عن الدنيا، وهم أحياء أيضاً، أولئك يبذلون همة فيحدث تغيير في هذا العالم. في هذه الدنيا كل شيء يتحقق عبر مسار نفوسنا وأرواحنا وقلوبنا وما شابه. بالدرجة الأولى بالنسبة لأنفسنا، وبالدرجة الثانية إذا كنا أصحاب نفس قوية فقد نؤثر خارجنا أيضاً. لذا فالنتيجة الأخيرة التي أخلص إليها، أسمى من هذا، أيتها المضيفة، لا يحق للعبد أن يقول، لقد قلت في الواقع أشياء من قبل. قلت ربما كان ينبغي ألا أقولها. لكن لا يمكن الذهاب إلى أبعد من هذا. اذهبوا أنتم إذن، واكتشفوا” (سر الدعاء“، رمضان ١٣٩٥، الدقيقة ٥٢-٤٩).
يدّعي سروش أن القوة في هذا العالم هي لأولياء الله. وأن التغييرات الناجمة عن قوتهم تسري إلى كل مكان. لذا، ينبغي للناس أن يتبعوا أولياء الله.
لكن قد يسأل أصحاب سروش المتلهفون هنا: أين هم "الأولياء الأحياء" وينبوع القدرة في هذا العالم؟ كيف يمكن العثور على ولي حي للوصول عبره إلى النجاة والخلاص؟ لقد أعطى سروش أصحابه مفاتيح ذلك بلطف من قبل: "الولي الحي" هو من يكون مهبط الوحي، أي معرضاً للأحلام الرسولية، "الولي الحي" هو من رأى الصورة بلا صورة، "الولي الحي" هو من تُلهمه أشعاره وآراؤه في المنام، "الولي الحي" هو من استنشق "رائحة الله"، إلى آخره. فهل يمكن إعطاء أوصاف "ولي حي" أوضح من هذه؟ الجواب نعم! بل إن سروش يذهب إلى ما هو أوضح وأصرح من هذا الحد فيقدم شخصه باعتباره ولياً من أولياء الله. فعلى سبيل المثال، قبل سنوات، نظم سروش شعراً في وصف نفسه ونشره رداً على أحد منتقديه. وهو في هذا الشعر (الذي أوحي إليه به في المنام وفقاً لادعائه) يصف نفسه صراحة بأنه من زمرة "الأولياء" و"سروش قدسي الأفلاكيين": "الحذر أيها البنجيون عديمو الحياء/ من هول قبض وبسط الأولياء...". ("سنة التنوير الديني"، مدرسه، بهمن ۱۳۸۵، ص ۲۱)..."أيها السروش القدسي للأفلاكيين/ هلا تصحو من هجمة الأفيونيين" ولنتذكر أن سروش كان يستدل على نبوة مولوي بأنه نبي لأنه قال ذلك عن نفسه. فهل يمكن الاستدلال على هذا الأساس بأن سروش أيضاً نبي أو "ولي حي" لزماننا لأنه يقول ذلك؟ يبدو أن جواب سروش على هذا الأساس هو نعم.
وهكذا يتضح أمر الأصحاب: إن أردتم أن تشموا رائحة الله فاتبعوا سروش: "التعرض لرائحة الله، يعني اذهبوا إلى الذين تفوح منهم رائحة الله. هذا خلاصة الأمر. قد تقولون الآن من هم الذين تفوح منهم رائحة الله. ليس عليّ أن أحل كل المسألة" ("بوی خدا"، يونيو ۲۰۱۵، الدقيقة ۱۰۲). لكن الحقيقة أنه في بداية الجلسة ذاتها كان قد "حلّ" المسألة لجمهوره- حين أخبرهم بوضوح وصراحة أنه هو نفسه قد استنشق رائحة الله، وبالتالي فهو متضمخ بها.
وعلى هذا القياس، إن أراد الأصحاب رؤية القيامة فعليهم المثول بين يدي الولي الإلهي (سروش): "في الواقع أولياء الله هم أصلاً صحراء المحشر. هم أصلاً القيامة نفسها. الجلوس إلى جوارهم كأنك دخلت القيامة. فإما تدخل الجنة وإما تدخل جهنم. تصل إلى نفسك..."في بواطنهم مئة قيامة نقداً/ أقلها أن يصير الجليس ثملاً"[۶: ۱۳۰۱] ("جلسه آخر از دین شناسی مولانا"، الدقيقة ۶۰- ۵۸]. وإن كان الأصحاب يرغبون في إجابة دعائهم فعليهم الاتصال بالولي الإلهي (سروش)، وهلم جرا.
وهكذا، في منظومة عقائد دين سروش، يحل النبي محل الله، ويحل الولي محل النبي، وأخيراً يزيح "ولي الزمان" النقاب عن وجهه ويتجلى للأصحاب المتلهفين: سبيل الخلاص يمر عبر الإرادة والتوسل بـ"السروش القدسي للأفلاكيين"!
■ مفهوم المعاد: يستبعد سروش صراحةً الحياة الشخصية بعد الموت والمعاد (بما في ذلك المعاد الجسماني). في دين سروش، المعاد ليس حدثًا خارجيًا آفاقيًا، بل هو حدث داخلي أنفسي. يقول في هذا الصدد: "لقد اعتبرت الأديان الإبراهيمية الأمور الأنفسية من جحيم وجنة وقيامة وبعث... إلخ أمورًا آفاقية. في الواقع كل هذه الأمور تحدث في وجود النبي/ ولي الله. ولأنه لا سبيل لوصف 'الإله المحض عديم الصورة' سوى إضفاء صورة عليه، فقد صوّر محمد كل ما حدث في شخصه ورآه في منامه على هيئة قيامة وبعث وجنة وجهنم واعتبرها أمورًا آفاقية. لكن الموت ليس سوى الانضمام إلى الأمر المحض عديم الصورة." (الجلسة الأخيرة من دينشناسي مولانا"، الدقيقة ٨٥- ٦٠]. إذن، يبتعد سروش في مسألة المعاد أيضًا عن تقليد الأديان الإبراهيمية ويقترب من الأديان الشرقية.
القطرة الإنسانية الصغيرة تنضم بالموت إلى بحر وجود الله اللامتناهي وتدوم من خلاله: "الموت دان آنک اتفاق امتست/کاب حیوانی نهان در ظلمتست. مرگ او آبست و او جویای آب/ میخورد والله اعلم بالصواب. جوی دیدی کوزه اندر جوی ریز/آب را از جوی کی باشد گریز. آب کوزه چون در آب جو شود/ محو گردد در وی و جو او شود. وصف او فانی شد و ذاتش بقا/زین سپس نه کم شود نه بدلقا"[ ٣ : ٣٩١٣- ٣٩٠٦].
سادسًا- بناء نظام أخلاقي حول أحلام سروش الرسولية: لا يدافع سروش في دينه عن نظام أخلاقي معين. لكنه يعتقد أنه إذا أصبح الدين أقصويًا، أي إذا أراد أن يشمل جميع المجالات، فسيصبح علمانيًا لا محالة. ولهذا السبب، فهو يدافع عن دين أدنوي. في نظر سروش، الأخلاق مستقلة أساسًا عن الدين. يعتقد سروش أنه إذا تم تأمين الحياة المادية للناس، فسيعملون هم أنفسهم بأخلاق. (سلوك دیندارانه در جهان مدرن، الجلسة السابعة"، ٢٥ يوليو ٢٠١٦). إذن، ليس لدين سروش أخلاق خاصة به.
سابعًا- بناء نظام حقوقي-فقهي حول أحلام سروش الرسولية: أكد سروش مرارًا أننا بحاجة إلى فقه جديد، ويدّعي أنه يمتلك بنفسه جميع الأجزاء النظرية اللازمة لتأسيس فقه جديد. أكتفي هنا بطرح عدة نقاط مهمة حول النظام الفقهي في دين سروش:
■ النقطة الأولى هي أنه في دين سروش تُعطّل جميع الأحكام غير العبادية لدين محمد. من منظور سروش، أحكام باب المعاملات التي هي الأحكام الاجتماعية لدين محمد، هي بأكملها أحكام إمضائية وانعكاس لحياة العرب في عصر محمد، وبتغير تلك الظروف تسقط جميع تلك الأحكام عن الاعتبار، ما لم يثبت خلاف ذلك. يقول في هذا الصدد: "المتيقن منه هو أن أحكام الشرع، الواردة في القرآن وحديث النبي، كلها مؤقتة ومحلية وتنتمي إلى العالم ما قبل الحديث، ما لم يثبت خلاف ذلك... للسياسات والجزائيات والاقتصاد و... يجب الرجوع إلى العلم الحديث والأخلاق" (محمد راوي الأحلام الرسولية (٤): انتفاء الشريعة وامتناع الرسالة. الحاشية ٣٢).
■ النقطة الثانية، أن سروش يعتقد أن بالإمكان الحفاظ على جزء من عبادات دين محمد. فهو يقول على سبيل المثال: "المناسك والشعائر العبادية كالصلاة والصوم والحج والزكاة والكف عن الخمر والخبائث، هي أكثر أجزاء الفقه بقاءً وجاذبية. إنها القشرة الحافظة للأخلاق وجوهر السلوك النبوي، وبإمكانها إلى الأبد أن تكون مُعدّة للروحانية ومانحة للهوية للأمة الإسلامية." (محمد راوي أحلامه الرسولية (٤): انتفاء الشريعة وامتناع الرسالة. حاشية ٣٢).
■ أما النقطة الثالثة فهي أن سروش يعتقد أنه حتى في الحالات التي يمكن فيها الحفاظ على عبادات دين محمد، فإن تطبيق تلك الأحكام والعبادات مع مقتضيات العالم الحديث يستلزم "اجتهاداً مبدعاً". (المصدر السابق)
■ النقطة الرابعة، أن لسروش اقتراحات أيضاً لإصلاح الأحكام العبادية الموجودة في دين محمد وتطبيقها مع مقتضيات الحياة الحديثة. فعلى سبيل المثال، حين يصل إلى حكم الحج، يؤكد أنه ينبغي في مراسم الحج تقليص عدد الحجاج من مليوني شخص حالياً إلى حوالي خمسين ألف شخص، لأنه في الظروف الراهنة ومع هذا العدد الهائل من الحجاج، لا توجد إمكانية للعبادة، كما أن هذا الاكتظاظ يجعل بيئة الحج غير آمنة - فعلى الأفراد مثلاً أن يحترسوا دوماً من الوقوع ضحية للسارقين والنشالين.
يعتقد سروش أن محمداً كان رجلاً شديد التفكير في الهوية، ولذلك كان يُدخل في الدين، عند تأسيسه للآداب والمناسك الدينية، عناصر يكون لها دور في منح الهوية، ليتمكن المسلمون من إيجاد هوية متميزة ومغايرة لجماعة اليهود والمسيحيين في المنطقة. وبالتالي، فإن الكثير من عناصر دين محمد ليس لها دور سوى منح الهوية. ("خطاب التمسلم المعاصر" – الجزء الرابع، الدقيقة ١٥- ٣ ). يعتقد سروش أنه ما دامت عناصر منح الهوية في دين محمد لا تتعارض مع جوانب حياتنا المختلفة، فيمكن الحفاظ عليها. أما إذا سببت إزعاجاً لحياتنا، فيمكننا تغييرها: "أي ما دمنا نستطيع الحفاظ على شهر رمضان ويصوم المسلمون جميعاً، فليصوموا. وما دمنا نستطيع أداء الصلاة بالكيفية التي اختبرها النبي وعلمنا إياها، وما دامت لا تسبب لنا مشكلة، ولا تتعارض مع منفعة أو مصلحة أهم، فلا داعي لأن نتركها. ذلك لأن هذه أركان هوياتية وهذه الأركان الهوياتية، كأن نعطل يوم الجمعة وأشياء من هذا القبيل..." ("خطاب التمسلم المعاصر" – الجزء الرابع، الدقيقة ٩٦- ٩٢).
■ أما النقطة الخامسة، فيعتقد سروش أن عبادات دين محمد ليست كافية، وينبغي إضافة عبادات أخرى إلى تلك المجموعة. فهو على سبيل المثال، وعلى خطى مولوي، يوصي بإدخال السماع والموسيقى كعبادة دينية. أو يرى أن ممارسة تمارين اليوغا مفيدة كجزء من العبادات الدينية. فهو يقول على سبيل المثال:
“أما إمكانية أن نضيف أشياء أخرى إلى هذه [أي إلى العبادات والأحكام التعبدية لدين محمد] أم لا؟ انظروا، بالطبع في هذه المواضع، انظروا الآن، هنا قلنا إن يأتي أحد ويضيفنا قليلاً بمداعبة الموسيقى… لقد أدخل متصوفتنا السماعَ أساساً بوصفه عبادة، وعارضهم الفقهاء بشدة، ولا يزالون يعارضون حتى اليوم، ولكن شخصاً مثل مولوي، وشخصاً مثل أبي سعيد أبي الخير، كان الرقص والسماع بالنسبة لهم عبادة حقاً وكانوا ينتفعون به. ولنغضّ الطرف عن أن بعضهم كان يقول إنه كان في السماع، فجاءوا وقالوا له: يا سيدي، لقد تأخرت صلاتك، فقال: نحن في صلاة… على أية حال، في إمكانية إضافة طقس آخر أم لا؟ من حيث المبدأ لا ينبغي أن تكون هناك مشكلة. لكن هذا يعود إلى أن تكون هناك شخصية ذات سلطة تقف وراءه لتتمكن من ترسيخه ويتبعه الأفراد” (“خطاب التمسلم المعاصر” – الجزء الرابع، الدقيقة ٩٦-٩٢).
النقطة الأساسية في هذه التغييرات هي الجملة الأخيرة ذاتها، أي أن هذه التغييرات تستلزم وجود شخصية كاريزماتية تدفع الآخرين إلى اتباعها – شخصية من طينة نبي أو ولي إلهي. وهو يعتقد أن التقليد والاتباع لمرجع حجي كهذا في العصر الحديث بالغ الأهمية ومصيري. ويقول في شرح هذا المعنى:
“لإقبال اللاهوري أبيات مطولة تحت عنوان أن التقليد في عصر الانحطاط خير من التحقيق. كلامه بالطبع ينتمي إلى العصر الجديد. أي أنه لا يتكلم في ذلك الإطار الصوفي والعرفاني للسابقين، لكن خلاصة كلامه هي أنه إذا كان العصر عصر انحطاط، وكان مجتمع ما متراجعاً ثقافياً، وإذا اعتبر كل شخص نفسه مصلحاً ومحققاً وقال إنني بلغت الحقيقة، فسيزيد من الشتات. ولعل التقليد في تلك العصور، أي الإصغاء إلى كلام شخص واحد أو بضعة مراجع، يكون أنسب وأكثر تفتحاً للطريق وأشد إنقاذاً” (“الجلسة السادسة في دين شناسي مولانا“، الدقيقة ١٧-١٥).
وعليه، فإن توصية سروش هي أنه في العصر الحديث، ومن أجل النجاة من أزمة الانحطاط، من الأفضل للمسلمين أن “يقلدوا” مرجعاً واحداً أو بضعة مراجع معدودين. ولكن من يمكن أن يكون هذا المرجع المقتدر والمنقذ؟ ليس ضرورياً أن يجيب سروش نفسه عن هذا السؤال. يمكن استنباط جوابه بناءً على الأسس التي طرحها بوضوح: القطب الذي ينبغي للمسلمين أن يلوذوا به للنجاة من الانحطاط، هو ولي من أولياء الله الذي هو نفسه مهبط الوحي. على الأقل، فإن تكليف أصحاب “الفرقة السروشية” واضح في هذا الشأن: واجبهم هو تقليد “وليهم الحي”.
كما أوردت في بداية هذه الكتابة، فإن مدعاي في هذه المقالة بسيط: يرى سروش نفسه حائزاً لجميع شؤون نبي وولي صاحب وحي، ومن ثم، وبصفته “الولي الحي” للزمان وباعتبار أحلامه الرسولية، فقد أسس أو اخترع ديناً جديداً، ويبشر مخاطبيه بأن طريق النجاة من الانحطاط هو بالتحديد تقليد “سروش قدس الأفلاكيين” واتباع “الفرقة السروشية”، الفرقة التي ستصبح في النهاية “عالمية الانتشار”. “انتهى هذا الدفتر والحكاية باقية بعد”.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١٣ تعليق
سلام من تمام سخنان آقای سروش را همیشه گوش می دهم نه یک بار نه دو بار بلکه صدها بار هیچ یک از مواردی که در بالا از قول آقای گنجی نقل شده است درست نیست. آقای سروش به دنبال ساختن دین یا فرقه جدید نیست حتی در یکی از سخنرانی های خود اشاره نمود که دیگران چنین ادعایی در رابطه با ایشان کرده اند و خود آقای سروش به عنوان لطیفه این موضوع را بیان کرد سخنان آقای سروش آن است که نگاه به دین را باید عوض کرد، دین اسلام اموی؛ عباسی و فقهی خشک را باید با نگاهی عاشقانه نگریست نه با دید فقیهانه و خشک همان طور که حافظ و مولوی و صدها بزرگ دیگر چنین دید درستی داشتند نمی دانم آیا واقعا آقای گنجی حرف های بالا را زده است یا خیر اما به هر حال هر فردی این سخنان را گفته گزینشی سخنان آقای سروش را نوشته است و در پاسخ به ایشان ضمن توصیه وی به سرلوحه قراردادن اخلاق یک جمله می گویم خطاب به جناب آقای سروش که ناراحت نباشند، زیرا به قول حافظ گر بدی گفت حسودی و رفیقی رنجید گو تو خوش باش که ما گوش به احمق نکنیم
باسمه تعالی با سلام بله به نظر می رسد که نظام فکری مستقل از اسلام و تشیع را دنبال می کند. چه آن را یک آیین و فرقه بدانیم یا نه ولی ای کاش شهامت داشت و مثل سید علی محمد باب و کسروی که بیانگذاری خود را با افتخار اعلام وتبلیغ می کردند ایشان هم همین کار را بکند.
آقای گنجی مخاطبان آثار سروش مردمان باسواد و تحصیل کرده هستند و خودشان شعور،درک و فهم استنباط مطالب را دارند. شما مطالبی را از قول سروش بیان کردید با لحنی که معلوم است آنها را قبول ندارید ولی معلوم تر است قدرت علمی رد آنها را هم ندارید. شما بفرمایید نظر خودتان راجع به دین، وحی، نبوت و فرقه های دین چیست؟ جایگاه دین و دینداری در دنیای مدرن و در برابر مکتب های انسان گرا چیست؟
سلام دکتر سروش دریافتهای عارفانه و عاشقانه ای دارد که آنها را در تریبون و منبر عمومی میکند و این خود منبع برداشتهایم مختلف منجمله برداشت آقای گنجی است.بقولی: هرکه را اسرار حق آموختند مهر کردند و دهانش دوختند این دهان مهر و دوخته نشده بدان سبب مستحق تکفیر و تکذیب است. بگذاریم اینها به نشر «صحبت دوست» مشغول باشند بر آن آستان ملکوتی و بر آن اولیای الهی گردی نمی نشیند.
سلام خدمت دوستان و دشمنان ... افکار برخی از مردم کشور ما انقدر دچار تزلزل شده که با کوچکترین فشار تغییر جهت میده . بعضی ها دانسته و بعضیها ندانسته بار این فشار رو بیشتر میکنن . این آقای به ظاهر پیامبر خدا ( شرم دارم حتی از نوشتن کلمه مقدس پیامبر خدا برای چنین شخصی ) از ندانسته های مردم برای پیشبرد اهدافش استفاده میکنه . گاه دیوانگی ، گاه کسب شهرت و گاه بصورت برنامه ریزی دقیق توسط عوامل مخالف دین باعث تولید اینگونه فرقه ها میشود . تنها چند دقیقه ای فکر کردن نیاز است تا فرق میان تباهی و درستی را فهمید . خواهش میکنم در این عصر رنج دیده با اعتقادات مردم بازی نکنید ...
آقای گنجی نمیدانم دنبال چه هستید، اما مطمئنا یقین کرده اید که خدا و معادی نیست و اخلاق بی معناست و شما میتوانید با بیان گزینشی نظرات دکتر سروش و خراب کردن وی به اهداف خود برسید.بنده بیش از ۲۰۰ ساعت از سخنان ایشان را گوش کرده ام و این نتیجه گیریهای شما حتی از ذهنم نگذشت. ممکن است و حتما ایشان اشتباهاتی دارند، اما تهمت شما با هیچ چسبی به ایشان نمی چسبد. ناموفق باشید!!!
باور کردنی نیست . سروش همین یک دین چاق و چله ای هم که هست داره لاغرش می کنه . حالا موسس دینی بشه که چه اتفاقی بیفته . واقعا آدم شاخ در میاره ، سروش انبوهی نوشته داره ، هرکسی دنبال کنه واقعا ستایشی می کنه چون که سروش نبض فکر و اندیشه ایران معاصر رو گرفته و بهترین تجویز برای رسیدن به حکومت فرادینی رو پیش روی بیمار خودش می زاره
خود اقای گنجی هم به صراحت می گوید...که سروش نزدیک سی سال است که در حال برنامه ریزی برای ساخت یک دین یا فرقه است...خدایا چه تیوری توطیه ای...یعنی هرچه که سروش در این سالها گفته برای این بوده که اخر عمری یا بعد از مرگش بگویند پیامبری بود به نام سروش رسول الله...الله اکبر...از این همه تدقیق...سروش تا همین اواخر فرد بسیار محبوبی بود چه نیازی به این کار ها داشت که هر کس و ناکسی بیاید برایش صفحه بگزارد...اگر نظریه رویاهای رسولانه یا هر چیز دیگری کفته حالا درست یا غلط حتما فکر کرده که گرهی از کار دین و خلق دیندار باز می کند...بعدش هم اگر سروش اینقدر مهیب است که ممکن است بعد از مرگش کسانی به او گمان پیامبری ببرند -که نیست...چه باک بگزار ایندگان جز فرقه سروشیه شوند...شما بر دین سکولار خودت باقی بمان...از کی تا حال دلسوز دین شدی شما؟
"خوف نامه جهادی" خواندن قران از ناحیه استاد سروش هم جای بحث دارد ، بسیاری از علمای سنتی هم جهاد ابتدایی را از ایات قران استنباط نمیکنند و لزوم یا وجوب جهاد دفاعی هم مقبول اکثریت قریب به اتفاق جوامع بشری است !
باید از اقای گنجی پرسید که این چه دینی است که اخلاق ندارد و در مورئ فقه آن هم " باید به علم مدرن و اخلاق مراجعه کرد” ؟! بف فرض که اگر سروش نیتی هم داشته باشد ، تاسیس یک فرقه است که در حال حاضر فراوان وجود دارد ، ما مردم ایران چیزی که زیاد داریم " اولیاءالله " که طبق گفته یکی انان اقای جوادی آملی منظور خداوند از قرار دادن خلیف بر روی زمین هم همین اولیاءالله از سنخ جوادی آملی است و بقیه انسانها خلیقه الله هستند و نه خلیفه الله !
آفرین بر قلمت گنجی... بنظر من اینگونه اظهار نظر گنجی درباره سروش واقعا شجاعت می خواست، گنجی همیشه سعی میکند مستند بنویسد، (برخلاف خیلی ها از جمله بسیاری محققینی که در همین نیلوفر مطلب می نگارند و لیست های مختلف می دهند !) اکنون هم تمام گفتارش از سخنرانی و کتب سروش جمع کرده است، پس کسی نمی تواند ادعای خلاف اخلاق بکند، تنها کاری که کرده است، که همه محققین میکنند، جمع آوری دیتا، و سپس نتیجه گیری و برآیند آنهاست... حقیقتا سروش دیگر با سروش دهه 50 و 60 و حتی 70 خیلی فرق کرده است، بیاد دارم ملکیان جایی می گفت به تلویح، که امثال سروش، با اینکه دیگر به آثار و عقاید گذشته خود اعتقاد ندارند، اما این را صادقانه اعلام نمی کنند! چون می ترسند مخاطبان انبوهشان کاسته شود! دکتر سروش عزیز باید صادقانه به الحاد خودش اعتراف کند، شتر سواری که دولا دولا ندارد، اینکه بخواهیم همان حرف های ملحدانه را با رنگ و لعاب عرفان، بخورد دینداران بدهد،اخلاقا کار صحیحی نیست...البته من شک ندارم بعد این نظریه بی سابقه اش در عالم اسلام، مخاطبان دیندارش به تدریج کاسته می شوند، و تنها ملحدین را با خود هم افق خواهد دید! سروش دیگر نه بخدای اسلام معتقد است، نه به نبوت، نه بوحی نه به معاد، بصورت قرآنی کلمه... من نمی دانم چرا هنوز خود را مسلمان نشان می دهد!؟ بهترین کاری که در این آخر عمری می تواند بکند اینست که صادقانه بیاید و تکلیفش را با مخاطبانش مشخص کند! مانند ملکیان اگر دین را نمی تواند بپذیرد، خب بگوید، این همه پنهان کاری و گمراه کردن مخاطبانش برای چیست؟ جز برای مرید جمع کردن و شهرتش، و شاید به تعبیر گنجی فرقه ای که می خواهد تشکیل دهد!؟ من هیچوقت یک ملحد که صادق است آزارم نمی دهد، ولی مسلمانی که الحاد را در پرده دارد اما رنگ و لعاب عرفان و مثنوی را در دست نشان دهد،بیزارم می کند، چه خوش گفت شمس تبریز: «کافران را دوست می دارم از این وجه که دعوی دوستی نمی کنند،می گویند آری کافریم،دشمنیم،اکنون دوستیش تعلیم دهیم،یگانگیش بیاموزیم،اما از اینکه دعوی می کند که من دوستم و نیست پر خطر است.»
نفاق و کفر هر دو بجز سرانجام تباهی نتیجه ای ندارند.فریب خوردگان با فرار از حقیقت و نگاه نکردن به آثار خدا در جهان با چه امیدی زندگی میکنند؟ . آنها عقیده پوچ و بدون دلیل ، زندگی پوچ وبی هدف و آینده ای با پشیمانی وعذاب همیشگی را برای خود انتخاب کرده اند. کفر و نفاق هر دو مردود هستند.
بنام خدا - نزاع شهرت طلبان در نمونه ای که ارائه شده کاملا دیده می شود.ملاحظه نمایید که روشهای گمراهی وفریب دادن متفاوت است هر چند خود انها هم با یکدیگر مخالف باشند. دربعضی از انها نبوت بدون دلیل انکار می شود و دربعضی دیگر توحید یا عدل یا معاد ویا امامت مورد انکار بدون دلیل قرار می گیرد. در طول تاریخ از این نوع جریان های گردابی موقت تشکیل می شده که پس از به دام انداختن و فریب دادن عده ای معمولا منقرض گردیده و از بین می روند ویا انحراف وپوچ بودن ادعا های انها اشکار گردیده است . پس از محو شدن حباب ها اب زلال باقی می ماند. حقیقت اسلام پس از چهارده قرن به بر کت قران و عترت همچنان می درخشد.الگو های اسلام که بر گزیدگان خدا هستند یعنی چهارده معصوم(ع) را هنمایی های لازم را بطور عملی و نظری ارائه فرموده وحجت را بر همه تمام نموده اند. دیگر هیچ عذر و بهانه ای برای فریب خوردن وگمراهی وجود ندارد.