اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتحدث مصطفى ملكيان عن عدم الخوف من الشك وعن فكرةٍ لا تعرف التوقف. يرفض النسبية المعرفية ويرى في العقلانية ميزانًا مشتركًا لحسم النزاعات النظرية والعملية.

في الأيام الباردة من الشتاء الذي مضى، أيام كان حال الأستاذ مصطفى ملكيان الجسدي والروحي فيها أفضل مما هو عليه اليوم. جلست معه في حوار. كان لا يزال في تلك الأيام بكل هذه الحيوية، بحيث كان يذهب أسبوعياً إلى صف متاجر الكتب في ميدان الثورة، وأحياناً إذا مر بك الطريق إلى تلك الجهات، قد تفاجأ برؤية الأستاذ فجأة ممسكاً بالكتب، واقفاً مع ابتسامة على الشفاه يتحدث مع شاب أو في منتصف العمر رآه على رصيف شارع الثورة، وعرفه وأرسل إليه سيل أسئلته. لكن موضوع حوارنا كان مصطفى ملكيان نفسه وسيرة حياته الفكرية. يجب قراءة هذا الحوار لكي ندرك أن مصطفى ملكيان هو رجل لم يتوقف في سيره الفكري في أي موضع، ولم يخشَ من الشك في تفكيره بل سار قدماً. يتحدث الأستاذ في هذا الحوار عن فكره بالأمس واليوم معنا بكل يسر.
.
السؤال: بخلاف الدور الذي تحظى به العقلانية في نظريتك. يرفض بعض المفكرين العقلانية كميزان يمكنه أن يحل المشاكل النظرية ويرفع المشاكل العملية، أي أنهم يعتقدون أن العقلانية ليست ميزاناً محايداً. لكل ثقافة وجتمع وفترة تاريخية عقلانيتها الخاصة. العقلانية تنفع عندما كانت مصدراً معرفياً اتفق عليه الجميع، لكن العقلانية محكومة بالزمان والمكان والثقافة والجتمع وما إلى ذلك.
نعم، هذا النقد يطرحه بشكل أساسي ما بعد الحداثيون الذين لا يقرون للعقل بحجية خارج الزمان وخارج المكان وخارج الوضع والحال وخارج الثقافة وخارج التمدن وخارج المجتمع وخارج التاريخ؛ قوة أو مصدر فينا يستطيع في كل زمان ومكان وحال وثقافة وتمدن ومجتمع وفترة تاريخية أن يجمع بيننا جميعاً وأن نستطيع أن نفصل خلافاتنا واختلافات آرائنا مع الآخرين باللجوء إلى حكمته وعلاجه. ميزان محايد يكون وجه اشتراكنا نحن البشر جميعاً. هذا الرأي يجعل العقل أو العقلانية تابعة ومشروطة وموكولة بالمجتمع والثقافة والفترة التاريخية، وبالتالي يؤدي بطريقة ما إلى نسبية معرفية epistemological relativism. أنا أرد على هذا الاعتقاد بجوابين؛ أحدهما أن النسبية المعرفية هي أيضاً من الآراء والنظريات المطروحة في مجال الفلسفة وتماماً كأي رأي أو نظرية أخرى لها موافقون ومعارضون، وأنا واحد من معارضيها. مجرد أن يكون لشخص رأي يخالف رأيي لا يصرفني عن رأيي، إلا إذا كان لديه دليل قوي لآرائه، ولم أر مثل هذا الدليل القوي لصالح النسبية المعرفية. والجواب الآخر أنه حتى لو كانت النسبية المعرفية صحيحة، فإنها لا تحرفنا عن العقلانية، لأن مقصودي بالعقلانية هو الاستدلالية، وأستطيع، داخل المجتمع والثقافة والفترة التاريخية التي لا محالة أعيش فيها، أن يكون لي تعامل استدلالي مع الآخرين.
لماذا تعتقد أن العقلانية تتمتع بمثل هذه الفعالية؟
مجرد أن يجادل شخص معي ويريد، بمساعدة الدليل، أن يثبت نسبية العقل والعقلانية وتبعيتها للثقافة والمجتمع، فإن هذا يدل على أنه، في رأيه، توجد مقدمات مشتركة بيني وبينه، ويعتبر هذه المقدمات المشتركة بيني وبينه مادة يستخدمها لإقامة الدليل. هذه المقدمات المشتركة ذاتها يمكن أن تكون أساس استدلالي لي وله.
وأنت تسمي هذه الأمور المشتركة العقلانية؟
أنا أقول إن هذه الأمور المشتركة يمكنها أن تجعل عقلانيتنا مثمرة وتفصل في نزاعاتنا في المسائل النظرية والمشاكل العملية. لاحظت أنني كنت أريد أن أقول: إذا طلبت منا النسبية المعرفية والثقافية أن نعتقد برأيها دون أن تقيم لنا دليلاً، فإن اختيار النسبية أو عدم اختيارها سيكون مسألة ذوق وسليقة (a matter of taste). أحدهم يفضل النسبية بمقتضى ذوقه وسليقته، وآخر يفضل المطلقية، وليس لأحدهما أفضلية معرفية على الآخر، والمطلقي يمكنه أن يقول للنسبي: لماذا يجب أن أتبع ذوقك وسليقتك؟ ولماذا لا تتبع أنت ذوقي وسليقتي؟ وإذا طلبت منا النسبية، بمقتضى دليل تقيمه لنا، أن نلتزم برأيها، فعندها يجب أن تلجأ في استدلالها إلى مقدمات تقبلها هي وتقبلها نحن أيضاً، وهذه المقدمات المشتركة تنفي النسبية، على الأقل في حدود ذاتها.
على هذا الأساس، كيف يتحاور ما بعد الحداثيون مع المذاهب الفكرية الأخرى؟ هل يعتبرون الاستدلال تسليماً بعقلانية متعالية للزمان والمكان؟
بالطبع، هم أيضاً، من حيث القاعدة، يعلمون أن جميع من ينتمون إلى ثقافة وجتمع وفترة تاريخية واحدة لديهم أمور مشتركة يقبلها جميع هؤلاء، لكنهم يقولون: إذا التقينا بأشخاص يبعدون عنا مثلاً بألفي سنة وينتمون إلى ثقافة وجتمع آخر، فلن يكون لدينا شيء نقوله. أنا أقول: حتى في تلك الحالة كان لدينا أشياء كثيرة نقولها، لكن الأهم من ذلك، الآن وبما أننا لا نلتقي بهؤلاء، بل نلتقي بأشخاص ينتمون إلى ثقافتنا وجتمعنا وفترتنا التاريخية، فلماذا نعرض عن الاستدلال؟ هل يمكنني أن لا أستخدم أداة مفيدة جداً لتحسين حياتي من وجهة ما، بحجة أنني لو عشت قبل 500 سنة لما كان لدي هذه الأداة، أو لو عشت بعد ألف سنة لما كان لدي؟
لماذا تعتقد أن هناك عقلانية كهذه، وأن لديك في جتمع وثقافة وفترة تاريخية واحدة عقلانية مشتركة مع شخص يعيش في جتمع وثقافة وفترة تاريخية أخرى؟
لسببين: سبب تجريبي بعدي وسبب عقلي قبلي. السبب التجريبي البعدي هو أننا، حتى الآن، حتى بالرجوع إلى الماضي البعيد، لم نجد أشخاصاً لا يملكون أي وجه مشترك نظري وعقائدي معنا. بما أننا لم نجدهم، فلماذا ندعي أن هؤلاء الأشخاص موجودون، وبالتالي لا توجد ميزانية مشتركة تسمى العقلانية؟ لو وجدنا أشخاصاً بهذا الفاصل النظري والعقائدي عننا، لكان يجب أن نفكر. الثقافات والحضارات البشرية، رغم كل الاختلافات التي كانت وتوجد بينها، تمتلك أسساً مشتركة نظرية وعقائدية لا يمكن أن تكون مشتركة لجميع من يهتمون بالعقلانية والاستدلالية.
هل يمكن أن تكون هذه الأسس المشتركة خاصية غريزية في الإنسان للبقاء؟
يمكن أن تكون وقد لا تكون. ما يهمنا في هذا النقاش هو أننا لا نفتقر إلى أمور مشتركة عقائدية ونظرية، فسواء كانت هذه الأمور المشتركة ضامنة لبقاء نوعنا في الصراع على البقاء والبقاء الأصلح وفق داروين، أم لم تكن، فإن ذلك لا يضر بأساس نقاشنا.
أما بخصوص الروحانية، التي تشكل الجزء الثاني من نظريتك، فهناك تساؤلات. من بينها: لماذا تستخدمون كلمة الروحانية من الأساس؟
مصاديق مفهوم الدين، كلها، ديانات تاريخية ومؤسسة هي، مثل الإسلام والمسيحية واليهودية وديانة زرادشت وديانة الهندوس وديانة البوذيين وطاوية وشينتوية وكونفوشيوسية. ما يستحوذ على اهتمامي ليس الدين التاريخي والتديّن المؤسسي، أي أنني لا شأن لي بحفظ ورعاية معتقدات وطقوس جماعة دينية معينة بالإثبات والنفي، بل شأني مع الدين الفردي والتديّن التلقائي، أي التديّن الذي يكون عبارة عن السير في الطريق الفريد والمتفرد الخاص به، كما انكشف وتجلّى لديه الشخص بنفسه. مراراً وتكراراً في محاضراتي الجامعية والمقابلات والحوارات والندوات والمحاضرات والكتابات الخاصة بي، شددت كثيراً على أن التديّن الجماعي مختلف عن التديّن الفردي، وقد أشرت لتوضيح هذا الفرق إلى أعمال علماء نفس الدين العظام، مثل ويليام جيمس وجون ديوي وإريك فروم وولتر كلارك وناك وأبراهام ماسلو وغوردون ألبورت (للإشارة الموجزة إلى هذه الآراء يمكن الرجوع إلى إجاباتي على الاقتراح بشأن الدين والصحة النفسية). من هذه الجهة، أرى تعبير الروحانية أكثر ملاءمة لبلوغ مقصودي بكثير. من جهة أخرى، الحقيقة أن الإقبال على الروحانية يتزايد يوماً بعد يوم، شئنا أم أبينا، وسرّنا ذلك أم أغضبنا. تجاه هذه الظاهرة، بطبيعة الحال، يمكن أن يكون لدينا حكم قيمي إيجابي، ويمكن أن يكون لدينا حكم قيمي سلبي. لكي أذكر مثالاً من كل واحد من هذين الحكمين القيميين، يمكنني الإشارة إلى ويليام جيمس، عالم النفس والحكيم الأمريكي، الذي كان يصدر حكماً قيمياً إيجابياً على هذه الظاهرة، وإلى تشارلز تايلور، الفيلسوف الكندي العظيم، الذي كان يصدر عليها حكماً قيمياً سلبياً.
السؤال: لماذا؟
لأن الديانات التاريخية لديها افتراضات ما بعد طبيعية (وليس بالضرورة ميتافيزيقية) ومعرفية يصعب وثقل على فهم الإنسان الحديث والمتحضر هضمها واستيعابها. ليس الأمر أن الإنسان المعاصر لا يريد قبول هذه الافتراضات، بل حتى لو أراد قبولها، فإنه لا يجد في نفسه القدرة على قبولها. وإن اعتبر امتلاكها مطلوباً، فإنه يرى الوصول إليها مستحيلاً. نحن البشر، تماماً كما أننا لا نملك القدرة البدنية والجسدية لأداء بعض الأعمال، فإننا أيضاً لا نملك القدرة العقلية والنفسية لأداء أعمال أخرى. أؤكد أن الحديث ليس على الإطلاق عما إذا كانت هذه الافتراضات صادقة أم كاذبة وباطلة. الحديث يتعلق بأن هذه الافتراضات بحيث أن فهم وقبول بعض منها على الأقل ليس في طاقة الذهن والنفس لبعض أبناء عصرنا. إذا أمكن تحرير روح الكلام وجوهر رسالة جميع الديانات من الاعتماد والاستناد على هذه الافتراضات، فقد تمت معجزة وتحقق شيء لا يشكل فهمه وقبوله صعوبة لهضم فهم معاصرينا.
السؤال: لكن عدداً كبيراً من الناس في عصرنا يقبلون هذه الافتراضات أيضاً، وربما يكون المقصود بحديثكم فقط النخب.
صحيح أن عدداً كبيراً من أبناء عصرنا يقبلون هذه الافتراضات، لكن انتبه إلى أنك إذا قارنت البشر منذ ألفي سنة وخمسمائة سنة وماتين سنة ومائة سنة والآن مع بعضهم، ستجد أنه كلما أصبح الإنسان أكثر حداثة وحداثوية، قلت قدرته العقلية على قبول هذه الافتراضات. بعبارة أخرى، التطورات الفكرية للبشرية قادته إلى نتائج تعارضت مع هذه الافتراضات، وهذا بصرف النظر عما إذا كانت تلك النتائج صادقة وهذه الافتراضات كاذبة أو العكس أو كانت كلاهما من الفئتين الكاذبتين.
السؤال: في الواقع، أنت ترفض الانتقاد الذي يقول إن نظريتك نخبوية.
نعم، برأيي أنها ليست نخبوية على الإطلاق، بل تنفع كل من يخرج يوماً بعد يوم من جماعة قابلي هذه الافتراضات. دعنا نتغاضى عن أن كون رأي ما نخبوياً ليس علامة على عدم صحة ذلك الرأي، ودعنا نتغاضى أيضاً عن أن أكثر الآراء شيوعاً وعادية ورائجة، عندما أُعلنت لأول مرة، كانت مقبولة فقط من عدد قليل من الناس، وبعدها تدريجياً وبهدوء أصبحت مقبولة من الجميع.
السؤال: ما الفرق بين الروحانية التي تتحدث عنها والمادية؟
المعنويّة التي أدافع عنها تقول إن الله الذي تؤمن به الأديان والمذاهب التاريخية والمؤسسية هو إله متعيّن وشبيه بالإنسان، أي أولاً: متعيّن بمعنى أن كل موجود آخر غيره وهو غير كل موجود، مهما كانت الفسحة بينه وبين أي موجود آخر تمنحه تفوقاً عظيماً: فهو واجب الوجود والبقية ممكنة الوجود، وهو علة العلل والبقية معلولات بواسطة أو بغير واسطة، وهو غني عن غيره والبقية محتاجة إليه، وهو لا متناهٍ والبقية متناهية بنحو أو بآخر، وهكذا... لكن مع ذلك فهو شبيه بالإنسان، أي أنه يملك أحاسيس وعواطف وانفعالات وإرادات وقولاً وفعلاً نظير (أقول: نظير، لا عين) ما نملكه نحن البشر: له غضب ورضا، وله لطف وقهر، وله حب وبغض، وله ودّ وعداوة، يدافع ويثأر، يأمر وينهى، يثيب ويعاقب، يبدل رأيه، يهدد (وعيد)، يحبب (وعد)، وغير ذلك...
بالإضافة إلى هذا التصور عن الله، أي الله المتعيّن الشبيه بالإنسان، توجد تصورات أخرى: يمكن تصور الله متعيناً لكن غير شبيه بالإنسان، ويمكن تصوره أساساً غير متعيّن، كما في فهم وحدة الوجود التي يتمسك بها كثيرون من العارفين في أديان ومذاهب متنوعة. لذلك، إذا كان لشخص ما تصور مختلف عن تصورات الجمهور عن الله، ولم يعتبره متعيناً شبيه بالإنسان وافترض مثلاً أنه غير متعيّن، فلا يحق لنا بأي حال أن نعتبره منكراً لوجود الله. الفرق بين المعنوية التي أدافع عنها والنظرة المادية هو أنه في النظرة المادية كل حدث، في الأساس، يمكن تفسيره بالاستناد إلى قوانين العلوم التجريبية الطبيعية، أي الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء؛ أي أن القوانين الحاكمة للوجود مقصورة على قوانين الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء؛ بينما أنا لا أرى دليلاً على هذا الحصر. على هذا الأساس، في النظرة المادية لا يملك الكون نظاماً أخلاقياً، أي أن الخير غير محفوظ والشر غير محفوظ، والخير في النهاية لا ينال ثواباً والشر في النهاية لا ينال عقاباً، لأن الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء لا ترى فرقاً بين مثلاً القول الحق والقول الكاذب وبين مثلاً الصدق والرياء والتزييف والخداع، أي مثلاً القول الحق والقول الكاذب، من حيث الخصائص والنسب الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، لا يختلفان قيد أنملة. بعبارة أخرى، الوجود أعمى وأصم تجاه الخير والشر والصواب والخطأ وبالتالي يبدي تفاعلاً واحداً تجاههما، لأنه أساساً لا يرى فرقاً بينهما. أنا أعتبر نظام الوجود أخلاقياً وأعتقد أنه لا الخير قيد أنملة يضيع ولا الشر قيد أنملة يضيع.
السؤال: أليس هذا الاعتقاد منك مسلّمة لم تثبت؟ هل قبلت بأن الحق والباطل، من وجهة نظرك، غير متطابقين كمسلّمة أم أثبتّ ذلك؟
على أي أساس يعمل جهاز كشف الكذب؟ لماذا عندما يقال الكذب يفضح جهاز كشف الكذب الكاذب؟ أليس على هذا الأساس وللعلة نفسها أن الصدق والكذب يتركان آثاراً مختلفة حتى على جسم الإنسان وبدنه؟ طبعاً علم الأحياء لا يفهم الحق والباطل ولا يميز بينهما. الفيزياء والكيمياء كذلك. لكن على أي حال، أن يكون دليلي قوياً أم لا هذا كلام، وأن يكون موقفي مختلفاً عن الموقف الفكري للماديين أم لا هذا كلام آخر. بهذا البيان أظهرت أن طريقتي ليست طريقة مادية بحتة وأنني أختلف عن المادي البحت. أن يكون دليلي أقوى أم دليل الماديين، هذا بالطبع كلام آخر. قد يجد البعض دليل الماديين أقوى وقد يجد البعض الآخر دليلي أقوى. لكن هذا ذاته يظهر أن الطرفين يعتبران طريقي مختلفة عن طريقة الماديين.
السؤال: السيد ملكيان، هل لهذه النظرية لديكم عن العقلانية والمعنوية أي ارتباط بمجتمعنا وسياستنا؟ يبدو أنك تتحدث عن إنسانية وبشرية عامة. لا فرق سواء كان في إيران أم في أمريكا أم في أفريقيا. في إيران الحالية أم في إيران قبل ألفي سنة. هل يمكن استخراج حل لهذا المجتمع الراهن لنا من داخل مشروعك أم لا.
لماذا لا؟ نعم، في رأيي، يمكن ذلك. هل يقتضي الروح الأخلاقي والمعنوي أن لا نستخدم أي إنسان كأداة في السياسة؟ لا ضرورة في ذلك. هل يقتضي الروح الأخلاقي أن نحمل على الإيمان فقط عن طريق الحجة والاستدلال، في التعليم والتربية والسياسة؟ لا ضرورة في ذلك أيضاً. إذا اقتضت الروح الأخلاقية أن لا يكون اهتمامنا بالعمل قاصراً على الدخل الذي نحصل عليه منه، بل أن نهتم بالعمل ذاته، في حد ذاته وبذاته، فهل لا تترتب على ذلك نتائج واثار في اقتصاد الدولة والمجتمع؟ لو أعلنت الدولة اليوم أنه في هذا الشهر سيتقاضى كل موظف حكومي راتبه سواء ذهب إلى العمل أم لم يذهب، فكم في المئة من الموظفين تظن أنهم سيحضرون إلى العمل؟ نسبة قليلة جداً. لماذا؟ لأننا جميعاً نريد العمل فقط من أجل دخله، وحين يتحقق الدخل لا نعود مولعين بالعمل ذاته. لا يعتمد نمو اقتصاد الدولة على مواردها الطبيعية الباطنة والظاهرة وحدها، ولا على التخطيط الاقتصادي الدقيق والعلمي للاقتصاديين وحدهما، بل يعتمد، قبل كل شيء، على القوة البشرية للدولة ورؤيتها الكونية. الموارد الطبيعية لليابان أقل من موارد إيران الطبيعية، لكن نظرتهم إلى العمل تختلف اختلافاً كبيراً عن نظرتنا إليه، وبالتالي فإن اقتصادهم أكثر ازدهاراً من اقتصادنا بكثير. أريد أن أقول إنه طالما ننظر إلى العمل باعتباره شراً حتمياً، أي شيء سيء بطبعه لكننا لا حيلة لنا من قبوله للوصول إلى شيء جيد وهو الدخل، فإن حالنا ستبقى تقريباً كما هي، وإن النظر إلى العمل باعتباره خيراً مطلوباً بذاته هو نظرة روحية. على أي حال، مدعاي هو أن النظرة المعنوية والروحية إلى الوجود والعالم والإنسان يمكن أن تكون لها تأثير في جميع المؤسسات الاجتماعية، سواء الأسرة أو الاقتصاد أو التعليم والتربية أو السياسة أو القانون أو الأخلاق أو الدين والمذهب.
السؤال: فكرة أن يكون الإنسان مولعاً بعمله جميلة وصحيحة وروحية. لكن كيف يمكن للإنسان في المجتمع وفي الواقع أن يصبح مولعاً بعمله؟
لكل فرد من الناس، دائماً، عمل أو أعمال حقيقية وعميقة يكون مولعاً بها. لكن لماذا لا يسعى نحو العمل الذي يكون مولعاً به؟ لأن أحكام الآخرين وتقييماتهم، ونظام المكافأة والعقاب في المجتمع، لها أهمية بالنسبة إليه. الحل هو أن لا نعير اهتماماً وأهمية لأحكام الآخرين وتقييماتهم، ونظام المكافأة والعقاب في المجتمع، قدر الإمكان. فمثلاً، أنا مهتم حقيقياً بعلم النفس أو الفلسفة أو الأدب أو الرسم، لكن المجتمع يقدّر الهندسة والطب، فأسعى نحو الهندسة أو الطب، أي نحو تخصص لا أكون مهتماً به، لكي أحظى بمكانة اجتماعية. الآن، إذا سألتموني: ماذا نفعل حتى تصبح أحكام الآخرين وتقييماتهم، ونظام المكافأة والعقاب في المجتمع، بلا أهمية بالنسبة إلينا؟ سأعطيكم جواباً، وهذا الجواب سيثير في ذهنكم سؤالاً آخر، وجواب ذلك السؤال سيثير سؤالاً آخر أيضاً، وهكذا...
السؤال: يبدو أن أكثر استشهاداتك تتعلق بمفكرين غربيين. يبدو أنك لم ترث شيئاً من تراثك الثقافي الخاص. لماذا؟
لا أقبل وجهة نظرك. أنا نفسي قلت مراراً وتكراراً إن العلم والمعرفة لا زمان ولا تاريخ لهما، ولا مكان ولا جغرافيا. وبما أنهما لا يمتلكان زماناً وتاريخاً، فإننا لا نستطيع أن نقول إن فكراً ورأياً صحيح لأنه قديم، أو خاطئ لأنه قديم، أو صحيح لأنه جديد؛ وبما أنهما لا يمتلكان مكاناً وجغرافيا، فإننا لا نستطيع أن نقول إن فكراً ورأياً صحيح لأنه شرقي، أو خاطئ لأنه شرقي، أو خاطئ لأنه غربي، أو صحيح لأنه غربي. إخلاقية الاعتقاد تقتضي ألا نولي اعتباراً على الإطلاق لتاريخ الفكر والرأي أو جغرافيتهما. إذا كان الفكر حقاً وصادقاً، فيجب أن نقبله، سواء كان قديماً أم جديداً، وسواء كان شرقياً أم غربياً؛ وإذا كان باطلاً وكاذباً، فيجب أن نرفضه، سواء كان قديماً أم جديداً، وسواء كان شرقياً أم غربياً. على هذا الأساس، إذا وجدت رأي مفكر غربي أصح من رأي مفكر شرقي، فإنني لا أستطيع أن أتابع رأي المفكر الشرقي وأدافع عنه. إذا كان ديفيد هيوم قد قال في مسألة ما شيئاً أصح برأيي من قول ابن سينا أو الشيخ الإشراقي أو صدر الشيرازي، فإنني لا أستطيع أن أقول إنني لأن هؤلاء من تراب بلادي وينتمون إلى ثقافتي، فإن قولهم أصح من قول هيوم. الفيلسوف الحقيقي، في الأساس، ليس من أهل الحكم المسبق والجمود والتعصب، وبالتالي إذا لم يكن لديه تعصب ديني، فإنه لا يملك تعصباً ضاداً للدين. يستمع إلى كلام حق من أي شخص، ويتحقق من صحته بميزان عقله، فيقبله ويضمنه في نظامه الفكري. الحكم المسبق والجمود والتعصب يتناقضان بالكامل مع مقتضيات إخلاقية الاعتقاد، وبالتالي هما قبيحان، ولا فرق ما إذا كان هذا الحكم المسبق والجمود والتعصب لصالح أحد ما أو ضد أحد ما. إذا كان التعصب ضد ماركس سيئاً، فإن التعصب ضد علي بن أبي طالب سيء أيضاً.
السؤال: أي أنك في سبيل إثبات نظريتك تستخدم كلاً من المصالح الدينية والمصالح غير الدينية؟
على كل إنسان فيلسوف ومفكر ومؤمن بالعقلانية والاستدلال أن يفعل ذلك. قلت مراراً وسأقول مجدداً إن النصوص المقدسة للأديان والمذاهب في العالم تشكل جزءاً بارزاً وغاية الأهمية من الثقافة الإنسانية، ولا يمكننا أن نتجاهل هذا الكنز العظيم، الذي هو جزء من تراثنا الثقافي الإنساني، بسبب الأحكام المسبقة والجمود والتعصبات ضاد الدين. ألا يمكننا أن نغض الطرف عن الكنوز التي خلفها لنا العارفون والفلاسفة والعلماء والشعراء والروائيون والأخلاقيون؟ صحيح أنه ليس كل ما في هذه الكنوز حقاً وصحيحاً، لكن لا يمكننا أن نستنتج من هذه النقطة أن كل ما فيها باطل وخاطئ، ويمكننا ويجب أن نتجاهله أو نتظاهر بتجاهله. أكرر أن رجوع الفيلسوف والعقلاني إلى النصوص المقدسة الدينية والمذهبية يختلف عن رجوع من يقول: أنا أقبل هذا القول حتى لو لم أفهمه، لأنه صدر عن فلان. الفيلسوف والعقلاني، أولاً: لا يقبل ولا يرفض أي قول قبل أن يفهمه، وثانياً: القول الذي فهمه، لا يقبله بناءً على أساس أن فلاناً قاله، بل يطرقه بمحك عقله.
السؤال: يا سيد ملكيان، لماذا تختزل كل مسألة تُطرح عليك إلى علم النفس والأخلاق؛ مثلاً إذا طُرحت عليك مسألة سياسية، فإنك تحللها أيضاً من منظور علم النفس والأخلاق وتجيب عنها؟
لأنني معتقد تماماً بأن جميع مشاكلنا ومسائلنا لها جذور نفسية وأخلاقية. حتى لو لم تكن مؤسساتنا الاجتماعية تمتلك النظام الذي يجب أن تمتلكه، فذلك لأن الأشخاص العاملين في تلك المؤسسات يعانون من خلل نفسي أو أخلاقي أو كليهما. كلما بحثت وفتشت، رأيت أنه لا توجد أي مشكلة اجتماعية، بما فيها السياسية، إلا وتؤدي بواسطة وسيط واحد أو اثنين أو ثلاثة أو عدة وسائط إلى مشكلة نفسية أو أخلاقية. من هذا المنطلق، بالنسبة لي، فإن موضوعي الصحة النفسية والكمال الأخلاقي هما الأكثر أهمية.
السؤال: ألا يؤدي هذا الاعتقاد منك إلى جعل تفكيرك فردانياً وتفقده البعد الاجتماعي؟ لأنك في كل مشكلة اجتماعية تُطرح عليك، تحولها بواسطة عدة وسائط إلى مشكلة فردية؟
أنتم محقون. تفكيري فردي وأعارض الجماعية (collectivism). أرى كل شخص إنسان فرداً (individual) يمتلك فردانيته (individuality) الخاصة به، لا عضواً (member) في جماعة ومجتمع يكون الاهتمام منصباً على عضويته (membership) فقط. من هذه الناحية، أنسب نفسي إلى أمثال كيركغور لا إلى أمثال هيغل وماركس. أريد الإنسان فرداً وأراه فرداً لا عضواً. لا أرى الإنسان كخلية في جسد كبير جداً اسمه المجتمع والجماعة، حتى أكون مستعداً لأن أضحي بهذا الجزء إذا اقتضت مصلحة الكل برأيي الموهوم ذلك، بحجة وذريعة أنه أحياناً لا سبيل لسلامة جسد إلا بقطع عضو منه. الإنسان ليس جزءاً أو عضواً حتى يمكن أن يكون قرباناً لكل أو جسد وهيكل. الإنسان فرد وينبغي أن تزهر فرديته. والنتيجة أنني أعتبر الفردية أيضاً وردّ كل مسألة ومشكلة إلى المسائل والمشاكل النفسية والأخلاقية من لوازم رأيي، لكنني لا أرى أياً منها عيباً أو نقصاً في رأيي. إنهما لواحق لكن اللواحق ليست فاسدة. إنهما نتيجة رأيي لكن ليستا نتيجة سيئة.
السؤال: ألا يحدّ هذا المنظور الفردي لديكم من تقديم حلول للمسائل الاجتماعية والكبرى؟
بخصوص المسائل الاجتماعية لا يمكنني تقديم رأي سطحي ولا أقدمه، لكن لماذا أقدم رأياً عميقاً وجذرياً. وبالطبع هذا الرأي الجذري ليس ابتكاري الخاص، بل شيء تعلمته من علماء النفس والمحللين النفسيين والفلاسفة العظماء. أولئك الذين يرون جذر كل الآلام والعلة الأساسية لكل الشفاء في داخل كل فرد منا أي البشر، أي في معتقداتنا مشاعرنا وعواطفنا ورغباتنا واحتياجاتنا.
السؤال: هذا تأكيد منكم من جديد على أنكم محور ثقافي لا محور سياسي مثل الليبراليين أو محور اقتصادي مثل الاشتراكيين. في الواقع تعتبرون علة العلل في مشاكل المجتمع ثقافية. سؤالي هو: إذا كان الأمر كذلك وأنتم محور ثقافي، وحتى تعتبرون المشاكل السياسية معلولة بالمشاكل الثقافية، لماذا لا تعالجون دائماً العلة التي هي الثقافة ذاتها، وأحياناً تذهبون إلى المعلول أي السياسة؟ لماذا تتدخلون أحياناً في السياسة؟ ألا يناقض إدلاؤكم برأيكم في المسائل السياسية ادعاءكم بأنكم محور ثقافي؟
لأكون صادقاً: لم أبدِ رأياً في المسائل السياسية برضاً واختيار وانجذاب قلبي وباطني، وإنما فعلت ذلك فقط حين رأيت نفسي ملزماً أخلاقياً بإبداء رأي، وذلك عندما تكون لمسألة سياسية آثار ونتائج ظاهرة على النفس والأخلاق الشعبية. مثلاً العنف أو الخداع يستهدفان جلياً صحة المواطنين النفسية والأخلاقية. لكن بعيداً عن العنف، الذي هو أبشع شكل من الاعتداء على حرية الناس. والخداع، الذي هو أقبح لعبة بعقل الناس النظري، أترك كل شيء آخر تجاوزه عالم السياسة لأهله.
السؤال: هناك نقاش آخر أود أن أطرحه وهو رأيكم حول التنوير الديني وأنكم تعتبرونه متناقضاً وتناقضياً.
لا أحب أن أكرر من جديد أن جوهر التنوير يقوم على العقلانية وجوهر التديّن يقوم على التعبّد، وأن التعبّد والعقلانية غير متوافقين معاً؛ وبالتالي فإن التنوير الديني يعاني من نوع من عدم التوافق الداخلي. العقلانية تقتضي أنه إذا ادّعيت أن «ألف هو باء» وطلب مني أحد الدليل، أن أقول «ألف هو باء لأن ألف هو جيم، وجيم هو باء» لكن مقتضى التعبّد أن أقول «ألف هو باء، لأن فلاناً قال إن ألف هو باء». من الواضح أن هذين النمطين من الاستدلال لا ينسجمان معاً. لا يمكنك أن تكون متديناً بدين ما إلا إذا قبلت بلا تحفّظ أقوال الشخص أو الأشخاص الذين هم من مؤسسي ذلك الدين أو قادته. هل يستطيع أحد أن يدّعي أنني بوذي لكنني لا أقبل أقوال بوذا بلا تحفّظ؟ هذا الشخص بأي حال ليس بوذياً. في نقد كلامي قيل إنه لو كان لدينا دليل عقلي لتعبدنا فماذا؟ في هذه الحالة لن يكون تعبدنا غير متوافق مع العقلانية وأرد بقولي إنني أولاً: هاتوا دليلكم العقلي لتعبّدكم لشخص معين، وثانياً: إذا أصبح التعبّد مستند إلى دليل عقلي، فإنه إذن لن يكون تعبّداً بالمعنى الذي نقصده، بل هو أمر عقلي بحت. في رأيي، وهذا الرأي مثل سائر آرائي قد يكون خاطئاً – فإن التنوير الديني لا يكون وفياً للتنوير ولا للتديّن، لا يبقى وفياً للتقليد ولا للحداثة، لأنه ليس كاملاً في عقلانيته وليس كاملاً في تعبّده. إنه يجمع بين متناقضات. وبالطبع هذا لا يعني البتة إنكار الخدمات العظيمة التي قدمها أولئك الذين يوصفون بأنهم أصحاب تنوير ديني لثقافة الدولة والمجتمع، وللدول والمجتمعات الأخرى.
السؤال: إذا أردت أن تبحث ظهور ظاهرة تسمى التنوير الديني من المنظور الذي يهمك، أي من منظور علم النفس، فما العوامل التي تسميها بوصفها أسباباً لنشوء هذا النوع من التنوير؟ هل كان التيه بين التقليد والحداثة هو السبب في نشوء هذا النوع من التنوير في إيران؟
أعتقد أن ظهور التنوير الديني له عدة أسباب ترتبط جميعها بعلم النفس الاجتماعي. السبب الأول هو أن إنسان العالم الثالث، مثلاً الإنسان الإيراني، من جهة يحتاج إلى الغرب لحل المشاكل الموضوعية ومن جهة أخرى يحتاج إلى الدين لحل المشاكل الذاتية. لذلك يريد قلبه أن يجمع بينهما معاً. عندما يتعلق الحديث بالطرق والسيارات والبنوك والطائرات والصحة والعلاج فهو يحتاج إلى الغرب، وعندما يبحث عن السلام الروحي والأمل والرضا الداخلي وحياة ذات معنى فهو يحتاج إلى الدين لأن الدين يحل له هذه المشاكل الذاتية الداخلية. يريد أن يملك الله والتمر معاً. مصلحنا الفكري الديني أيضاً، بوصفه مصلحاً اجتماعياً – وأنا لا أشك في هذه الخاصية لديه البتة – يقول عندما تكون رغبة جمهوري هذه، فإن عرضي يجب أن يكون مطابقاً لذلك. النقطة الثانية هي أنه قد يكون معتنقاً للتنوير غير الديني بنفسه، لكنه لا يرى من المصلحة أن يهمل الدين تماماً. لأنه قد يتعرض لضغوط كثيرة ولا يريد أن يدفع ثمناً غالياً. قد يكون التنوير الديني في أعماق قلبه فعلاً تنويراً علمانياً أو لائكياً. لكن لأسباب ترجع عادة إلى أنه يريد مواصلة الحياة يبدو له أنه إذا أراد أن يهمل الدين فقد يتعرض لمضايقات من جماعات اجتماعية، لذلك يضيف بعضاً من البريق الديني إلى مشروعه. وهناك شكل ثالث أيضاً وهو أن المصلح الفكري الديني قد يحمل صبغة وطابعاً سياسياً أيضاً. عندئذ قد يكون منافساً للتيار السياسي الحاكم على مجتمعه؛ وفي مسألة السياسة ليس الحق والباطل هما المهمان بل النجاح والفشل. عندها يرى أن منافسه يملك سلاحاً يُدعى الدين في يده فيقول لنفسه لن أحرم نفسي بيدي من هذا السلاح. إذا كان منافسي يتكلم باسم علي (ع) فأنا أيضاً سأتكلم باسم علي (ع) لكن بتفسير أحبه أنا. لن أترك هذا السلاح من يدي. أي أنه يقوم بنوع من المصلحية السياسية ويظهر نفسه كمؤيد للحديث والقرآن والنبي. حتى لا ينزع عنه السلاح جزافاً.
السؤال: في الواقع أنت هنا توافق المصلحين الفكريين العلمانيين وأيضاً الرجعيين الذين يتهمون التنوير الديني بنوع من الازدواجية.
أقول إنه يكون أحد هذه الأقسام الثلاثة. بالطبع أنا لا أريد أن أتهم مصلحاً فكرياً دينياً معيناً بأحد هذه الأقسام الثلاثة. هذه الأسباب الثلاثة قد تدفع المصلحين الفكريين الدينيين نحو مثل هذه الحالة.
السؤال: يا دكتور، لماذا تم طرح مشروعك الفكري بصورة متفرقة في المحاضرات والحوارات والندوات، ولم تقدمه أبداً في شكل تأليف محدد وموحد قابل للنقد؟
النقطة الأولى أنني، بخلاف معظم رجال الثقافة، لا أرى فرقاً بين المكتوب والمنطوق. لاحظت أن رجال الثقافة إذا كانوا سيكتبون شيئاً ما فإنهم يجمعون أنفسهم كثيراً ويتحرون الدقة والحساب. وعندما تجري معهم مقابلة وتسجل أقوالهم، فإن كلامهم يكون أقل جودة من كتابتهم، لكنه لا يزال مصقولاً. وإذا لم تسجل أقوالهم فإنهم يتحدثون بدقة أقل بكثير. وذلك لأن هذه الثلاث عمليات مختلفة بالنسبة لهم. لكنني حقاً لست هكذا، وهاجسي متساوٍ في كل هذه الثلاث. لذلك إذا أراد شخص ما أن ينتقدني فليحرر أقوالي التي نُشرت أيضاً، فنقده سيكون صحيحاً. لا أحتاج بالضرورة إلى أن أكتب شيئاً. لذلك إذا انتقد شخص ما أقوالي فلن أقول أبداً: هذا شيء قلته في مكان ما الآن، فلماذا تركزون عليه؟ كتابتي ليست كذلك. لا! أنا أولي نفس الاهتمام لكتابتي وأقوالي المسجلة وغير المسجلة. لذلك فإن أي شخص يحصل على الصورة الصوتية أو المكتوبة للمقابلات والحوارات والدروس والندوات والمحاضرات التي ألقيتها ويضعها موضع النقد فإن ذلك مثل النقد الموجه إلى كتاباتي. بالنسبة لي لا فرق. السبب الثاني أن مشاغلي كثيرة جداً حقاً. والسبب الثالث أنني يجب أن أعترف حقاً بأنني لست معصوماً عن الكسل والخمول. لدي كسل وخمول. وأنا أقبل هذا أيضاً. أنا حقاً أعاني من قدر من الخمول في اتجاه الكتابة. لكنني لا أمانع إذا انتقد شخص ما أقوالي.
السؤال: لقد قطعت طريقاً طويلاً قبل وصولك إلى مكانتك الحالية، أي أنك انتقلت من التقليد الديني الأصيل إلى هنا، وسجلك كمتتلمذ على الآية الله مصباح وسنوات من الدراسة الحوزوية بارز جداً في سيرتك. هل كان هناك حدث معين تسبب في هذا التحول في مسارك أم تدركت تدريجياً أنك تنجذب إلى هذا الاتجاه؟
منذ أن كنت أدرس العلوم الإسلامية في قم، كان لدي عدة أساتذة، سواء في الفقه وأصول الفقه، وفي الفلسفة والحكمة، وفي العرفان، ولم أكن تلميذاً لآقا مصباح فقط. كنت تلميذاً لآقا جوادي آملي، وآقا حسن زاده آملي، وآقا أنصاري شيرازي أيضاً (أذكر هؤلاء كأمثلة في فرع الفلسفة والحكمة فقط)، وفي الواقع تلمذتي عند آقا مصباح كانت أقل من التلمذة عند الثلاثة الآخرين الذين ذكرتهم. بطبيعة الحال أنا لا أنكر تلمذتي عنده. قرأت عنده علم النفس من الأسفار لصدر الدين الشيرازي، وجزءاً من إلهيات الشفاء لابن سينا. لكن كان يجب أن أذكر شيئين آخرين. أولاً أنني كنت أدرّس لسنوات في المؤسسة التعليمية والبحثية التي أسسها آقا مصباح. والثاني أنني قمت بإعداد عدد كبير من الآثار المنشورة لآقا مصباح للنشر. فلنفترض أن آقا مصباح ألقى تسع محاضرات عن موضوع ما. تم تدوين هذه المحاضرات، وبعدها قمت أنا بتحقيقها، وتوثيقها، وإيجاد مراجعها. لذلك كنت متعاوناً في نشر الكثير من آثاره، وكذلك كنت أدرّس في مؤسسته. بطبيعة الحال أنا على الإطلاق لا أريد أن أنكر أنني كنت تلميذاً لآقا مصباح، لكن فيما يتعلق بسؤالك عما إذا كان مروري عبر هذه المراحل نتيجة حدث معين أم لا، لا يمكنني أن أقول إنه كان نتيجة حدث معين. بمعنى أنه لم يحدث لي حدث صادم يغير مساري الفكري فجأة. حدث ذلك بشكل تدريجي جداً. في الواقع، الانتقال من الفكر التقليدي إلى الفكر الحديث لم يكن هو الانتقال الوحيد. لقد مررت بعدة حقب فكرية. الفهم الذي كان لدي للدين في أيام مراهقتي كان فهماً يمكنني الآن، عندما أنظر إلى الوراء، أن أؤكد أنه كان فهماً أصولانياً للدين. إلا أنني بكل إنصاف، بدون العنف الذي يوجد في الأصولانية. أي شخص يعرف شخصيتي يعلم أنني بالفعل لا يمكن أن أكون عنيفاً. بعد فترة، اتجهت إلى فهم تقليدوي للدين، فهم أشخاص مثل رينيه غينون وجون غويينار وغيرهما، والسيد حسن نصر الذي هم في الغالب من المسلمين. في تلك الفترة نفسها، شجعت عدداً من طلابي على ترجمة أعمال التقليديين، وربما كنت محرراً لبعض هذه الأعمال بنفسي. بعد فترة من الزمن، شعرت تدريجياً أن التقليدية الدينية أيضاً لم تكن ترضيني على الإطلاق، فاتجهت نحو ما يسمى بالتجديد الديني. وأنا أسميه التنوير الديني، وهذا ما يطلق عليه اليوم روح التنوير الديني. أي اتجهت نحو أفكار أشخاص مثل الدكتور علي شريعتي والدكتور عبد الكريم سروش والدكتور مجتهد شبستري وغيرهم من مفكري العالم الإسلامي الناطقين بالعربية، والعالم الإسلامي الناطق بالتركية، والعالم الإسلامي الناطق بالإنجليزية (باكستان وبنجلاديش وماليزيا). في تلك الفترة، كانوا يعتبرونني أنا أيضاً مفكراً دينياً. لكن تدريجياً اكتشفت أن التنوير الديني لم يكن يرضيني. لم أره مقنعاً. في الواقع، اتجهت إلى مشروع أطلق عليه بنفسي اسم التنوير الروحي.
السؤال: هل يرضيك هذا المشروع الجديد الآن؟
هذا المشروع يرضيني الآن بين العقلانية والروحانية، وأستطيع أن أقول إنني منذ سنة 76 إلى الآن (آخر 14 سنة) منشغل بالتأمل والتدبر في هذا المشروع ذاته. لكن في الوقت نفسه، إذا سألتني: لماذا لم يحدث هذا الانتقال لكثير من الأفراد الآخرين؟ إذا أردت أن أجيب بصدق، يجب أن أقول شيئاً قد تعتبره أنت وأكثر المخاطبين لك من قبيل الثناء على النفس. أنا أتابع كل شيء أعتبره حقيقة. طالما أعتبر X حقيقة، فأنا ملتزم به. وعندما أدرك أن X ليست حقيقة وأن Y هي الحقيقة، أتركه وأتمسك بـ Y. أنا أعتبر الحقيقة فوق كل مذهب وطائفة وأيديولوجية. هذا الالتزام بطلب الحقيقة كان موجوداً في دائماً. دائماً أحببت أن أكون وفياً للحقيقة وليس لمدرسة معينة. كان هذا يحول دون أن أستقر على شيء ما. الآن أيضاً، وأنا في هذا المشروع، قد أخطئ، لكن لأنني لم أدرك خطأه حتى الآن، فأنا معتقد به حالياً. أنا دائماً أضرب هذا المثال لطلب الحقيقة: تصور أم أُخبرت أن ابنها الذي غاب منذ 30 سنة قد عُثر عليه ونزل من الطائرة في مطار طهران. هذه الأم، من شدة انفعالها وعاطفتها، قد تحتى تتجاوز جميع المعايير الاجتماعية. قد تركض نحو ابنها بدون حذاء وبدون ملابس مناسبة. قد تركل شخصين حتى وتسقط آخر أرضاً. لأن هذا الهيجان والاضطراب الناشئ عن الإحساس والانفعال والعاطفة يُنسيها حتى مراعاة المعايير الاجتماعية. تركض في أحضان ابنها. الآن، إذا كانت في أحضان ابنها وتأكدت فجأة أن هذا الرجل ليس ابنها وأن به قنبلة موقوتة أيضاً، هل تفكر في نفسها قائلة: جئت بهذا الانفعال، لذا فمن الآن فصاعداً من السيء أن أنحدر من جسد هذا الرجل، وحينها سيقول الناس جميعاً: لقد ركضتِ بدون حجاب وبدون حذاء وبدون عباءة؟ هل تقول لنفسها: إذن إذا أردت أن أنحدر فيجب أن أفعل ذلك تدريجياً؟ لا، الأمر ليس على هذا النحو إطلاقاً. بنفس السرعة التي ألقت بنفسها في أحضان هذا الرجل، تنحدر منه بنفس السرعة. يجب أن تكون الحقيقة هكذا أيضاً. طالما نعتبر شيئاً ما حقيقة، يجب أن نحتضنه بكل صدق. لكن بمجرد أن نعلم أنه ليس حقيقة، يجب أن ننأى عنه بنفس السرعة والصراحة ونعلن ذلك. لم أربط شخصيتي وطبيعتي بأي نظرية معينة ولا أنا مرتبط بمصيرها، بحيث لو شعرت أن تلك النظرية قد فشلت، فكأنه انتقاص من شخصيتي وطبيعتي. بمجرد أن أدرك أن نظريتي فاشلة، أنتقل فوراً إلى نظرية بديلة أعتقد أنها أقرب إلى الحقيقة. ما يجب أن يكون مهماً لنا هو عملية طلب الحقيقة ذاتها وليس الناتج الذي نعتبره في كل لحظة حقيقة. يجب أن تكون لديك عملية طلب الحقيقة، وفي أي لحظة قد يكون منتج هذه العملية شيئاً معيناً.
السؤال: لكن عندما نعتقد أننا توصلنا إلى الحقيقة، نصل إلى السكينة والهدوء. هل يجب أن نغمض أعيننا عن هذا الهدوء والسكينة ونبقى دائماً بلا استقرار ونتابع عملية طلب الحقيقة بلا انقطاع؟
برأيي، نعم. لقد قلت في مقالتي "الوجوه التراجيدية للحياة الفكرية" إنه يجب أن يكون لديك مثالان: أحدهما تقرير الحقيقة والآخر تخفيف الألم. يجب أن تبلغ كل حقيقة تكتشفها طالما تعتبرها حقيقة إلى علم جميع أبناء نوعك. والمهمة الأخرى هي تخفيف الألم والمعاناة عن الآخرين. لدينا هاتان الوظيفتان.
السؤال: لكن هاتان المهمتان متناقضتان أحياناً. بمعنى أنني قد أبلغ الناس حقيقة معينة وقد يترتب على ذلك زيادة ألمهم ومعاناتهم، وقد أريد من جهة أخرى أن أخفف آلامهم ومعاناتهم فأضطر إلى كتمان حقيقة معينة. فماذا يجب أن أفعل؟
في الحقيقة، لم يستطع أي فيلسوف أخلاقي أن يأتي بحجة مقنعة قاطعة على أساس أيهما يجب أن يُفضّل على الآخر. أنا نفسي ليس لدي دليل. شخصياً، أعتبر تقرير الحقيقة أهم من تخفيف الألم. للأسف، معظمنا يفضل الأوهام الجميلة على الحقائق المرة، لكنني أقول إن الحقيقة المرة أثمن من الأوهام الجميلة.
السؤال: ما أكبر مصدر قلق لديك في هذه الأيام؟
أقول بصراحة: معاناة الناس وآلامهم. لهذا السبب أنا في حالة كبت وضيق شديد. أنا شخص عاطفي جداً وحساس الشعور. من حيث النوع النفسي، أنا انطوائي. لدي اهتمام بعلم النفس والأخلاق. عندما تتحد هذه الثلاث في الإنسان، تجعل الحياة قاسية جداً عليه. انشغالي الفكري بمعاناة الناس لا حدود له. ليس لدي حضور سياسي وأنا سعيد بأنني لم أملكه أبداً، لكن لدي قلق عميق على شؤون الناس.
السؤال: نظريتك عالمية جداً وليست تحديداً عن الإنسان الإيراني. تحدثنا عن هذا أيضاً في الأسئلة السابقة. سؤالي هو: لماذا بقيت في إيران؟
لدي مشكلة أساسية: عندما أغادر البلد، يستحوذ عليّ الحنين إلى الوطن بدرجة بحيث أنني لا أصل إلى أي عمل ذهبت من أجله. بمجرد نزولي من الطائرة، أشعر برغبة في العودة إلى إيران. السبب الثاني هو أنني أدرك عيوبي وقصوري أكثر من أي شخص آخر، وأعلم أنني شخصية ذات شأن صغير. لكن في الوقت ذاته أعلم أنني بنظر أشخاص مثل بعض الطلاب والناس، شخصية لها قيمة، وإن لم تكن كبيرة فليست بتلك الصغر التي أعتقدها عن نفسي. الآن، عندما يعلم هؤلاء الأشخاص أنني في إيران، فإن هذا يعطيهم قوة قلب وأملاً. إذا اكتشفوا في يوم من الأيام أن ملكيان قد رحل، فإنهم يشعرون وكأن ظهرهم قد أصبح خالياً، يشعرون بأن أشخاصاً جرّوهم إلى الساحة العامة، أشخاصاً فتحوا عيونهم، وعندما انفتحت عيونهم وقاموا بتحركات وردود أفعال، الآن وهم يرون عواقب هذا الانفتاح، الأشخاص الذين فتحوا عيونهم ليسوا موجودين. صدقني، في هذه السنوات الأخيرة، أكثر من مائة مرة، وأنا أتصفح الكتب في المكتبة بالقرب من جامعة طهران، التقى بي شخص وقال: هل أنت إيراني؟ قبل فترة سأل رجل كردي: هل أنت ملكيان؟ قلت: نعم! قال: أنا وكثيرون من أصدقائي في كردستان كنا نعتقد أنك رحلت. ثم مد لي هاتفه إلى شخص بجانبنا وقال: خذ صورة لي وللسيد ملكيان حتى أذهب وأريها لأصدقائي كإثبات. هذه ليست مسألة بلا أهمية. أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً لتقليل العوامل الموضوعية للمعاناة. لكن يمكنني أن أفعل شيئاً لتقليل العوامل الذاتية للمعاناة عند الآخرين. يمكنني أن أكون بجانب الناس لزيادة قدرتهم على تحمل مشاكلهم وحتى لا تطرحهم معاناتهم أرضاً. السبب الثالث هو أنني في أي بلد غربي أذهب إليه، توجد أساتذة ومفكرون وعلماء وباحثون أقويائي كثيراً مني. لذلك المجتمع في ذلك البلد لا يشعر بفراغ من عدم وجودي، وليس لديه الكثير من الفائدة من وجودي. هناك في جميع المجالات التي عملت فيها يوجد شخصيات أقوى بكثير مني. إذن إذا لم أكن هناك فلن يصابوا بضربة. وإذا كنت هناك فلن أملأ فراغاً كبيراً. لكن عندما أكون في بلدي، وهو لا يملك بنفس كمية العلماء والمفكرين التي تملكها البلدان الأخرى، فإن الناس يتجهون إليّ. الطالب الذي يناقش رسالة الدكتوراه أو الماجستير، المترجم الذي يترجم، الباحث الذي يقوم بالبحث، يتجهون إليّ ويمكنني أن أحل عقدة عمل ما. نتيجة لذلك أشعر بأن لي مردوداً وأثراً. أشعر بأنني أعطي ثماراً دون أن أكون مغروراً بقيمة تلك الثمار. لم أكن أبداً قومياً بالمعنى الخاطئ للكلمة بحيث أقول إن الأمة الإيرانية لأنها أمتي هي أفضل من الأمم الأخرى. لكنني كنت أعتقد أن على الإنسان أن يعيش دائماً حيث يكون مطلوباً أكثر.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٨ تعليق
نقد واستدلالی که اگر در پی بنیان ان بر اییم حتما به نقاط تضاد وحتی نفی ان خواهیم رسید ( مانند تعریف عقل واستدلال ویا روشنفکر دینی و..) اما از سویی دیگر برای ایحاد یک رنسانس فکری که در ایران نبوده است بسیار مفید خواهد بود وپیشنهاد میشود که اینگونه مصاحبه ها توسط فردی اگاه بر مسیله باشد تا مصاحبه شونده را به چالش علمی بکشاند تا وقت برای نقد توهم های تجربه شده تلف نشود
با سلام و تشكر از صدانت برداشت و نگاه بنده نسبت به دين تغييري نكرده است ، حدااق ١٠ سال است كه تغيير نداشته و البته كتابهايي كه فرموديد رو بنده نهج البلاغه را يك بار و قران را بيش از ده بار مطالعه كرده ام ، و دوباره از شما قضاوت بدون دليل ديدم ، دوست عزيز وقتي مطلبي را مي بينيم و قصد پاسخ داريم ، بايد به خود مطلب پاسخ دهيم و نبايد در مقام نصيحت سخناني را روانه شخصيت شخص گوينده كنيم، البته از اين سخنان پيداست كه قصد گفتگو وجود ندارد و بنده هم سخني ندارم، نميدانم شما از كجا متوجه شده ايد كه بنده چه اساتيدي را تجربه كرده ام با اين حال در پاسخ به سخن مصداقهاي عقلانيت از طرف شما ، دوست داشتم ارجاعاتي از قران بدهيد كه در آن مصداق عقلانيت امده است ، چون دوست دارم بيشتر اين مصداقها را بدانم و آيا شما مصداقهاي عقلانيت از ديدگاه فلسفه و منطق غربي را هم پيشنهاد مي دهيد يا خير ، بسيار ممنونم
بحث بنده در ارتباط با سخنان اقای" ملکیان "بود که در گفتگوی بالا امده است.
یک پیشنهاد سازنده : آیا بهتر نبود قبل از اینکه برداشت خود و نگاه خود نسبت به دین را تغییر دهید اساتید دیگری را هم تجربه می نمودید؟ آیا بهتر نبود اصل را قرآن و روایت های متواتر مانند غدیر ، منزلت ، ثقلین و... قرار می دادید؟ آیا بهتر نبود عبارت های نهج البلاغه بخصوص در موضوع توحید را بادقت مطالعه ودر آنها تحقیق می نمودید؟ آنگاه مصداقهای عقلانیت ، حجت ، و استدلال را مشاهده ، و حقیقت را در اسلام قرآن و عترت پیدا می کردید.
با عرض سلام با تشکر از پیاده کردن این مصاحبه ، فکر میکنم یک جمع بندی کلی به نظریات و رویکرد استاد ملکیان بود اگرچه من ایشون رو از سایر اندیشمندان و هم صنفان معاصرشون جلوتر ، کامل تر ، مستدل تر و فرهیخته تر میدانم ، اما نقد های زیادی به نظریات ایشان دارم ، یا شاید بهتر بگم پرسش های زیادی . ولی در حال حاضر قصد مطرح کردن تمام آنها رو ندارم فقط دو سوال دارم 01. اینکه آقای ملکیان واقعا معتقد به خدای متشخص و انسان وار هستند ؟ چون من در جاهای دیگری از ایشان باب های اندیشه ای مثبتی در تلقی خدای غیر متشخص شنیده بودم البته نگفته بودن که نظر خودشون هست ، اما در تبیین اینکه اگر خدا را غیر متشخص در نظر بگیریم و اورا مساوق و حتی مساوی با هستی و هستی بخش در ذات هر مخلوقی توامان در نظر بگیریم ، چقدر موجب افتتاح در ذهن در مورد معقوله خالق و خلق و ماهیت هستی میشود ، بسیار سخت گفته بودند بعد برام جالب بود که اینجا ذکر کرده اند در باب معنویات منظورشان خدای متشخص انسان وار هست حال میخوام بدونم من دچار اشتباه شدم ؟ یا ایشان واقعا خدا رو یک شخص انسانی قلمداد میکنند ؟؟ انقدر در سطح برداشت کردن مفاهیم کمی عجیب اومد برام از ایشون سوال دوم : ایشون خیلی مصرانه تاکید بر پذیرش هر حرفی مبتنی بر استدلال دارن آیا ما با اینمه اضداد در آرا و نظریه ها ، شیوه استدلالی واحدی داریم ؟ اگه بله ، اون چه شیوه ای است ؟ یعنی چطور بفهمیم داریم مستدل حرف میزنیم یا غیر مستدل ؟ البته ایشون گفته بودن که شروع صحبت بر مبنای تشابهات و اشتراکات ، خود مقدمه ای بر دیالکتیک مستدل هست اما من بیشتر میخوام بدونم شیوه ای در بحث یا دلیل آوری هست که اگر آنرا رعایت کنیم آگاه باشیم که در حال مستدل حرف زدن هستیم ؟ ممنون از زحمتی که میکشید استاد ملکیان واقعا ارزش این وقت و تلاش رو دارند ...
بنام خدا. این نقد فقط مربوط به یک بخش از موضوعاتی است که در مصاحبه بالا آمده است. از شما بعنوان یک فیلسوف انتظار نمی رود که برای تمام مسا یل یکجا حکم صادر کنید که براساس آن یا باید برای همه چیز استدلال نمود ویا همه چیز را تعبدی پذیرفت. اصول دین استدلالی است، مثلا آثار خدا در جهان دلیل بر توحید است ، ودلایل دیگر که در ارتباط با اصول دیگر است. در مسایل فرعی و جزییات زندگی فردی و اجتماعی نمیتوان تنها با دو وسیله استدلال و معنویت بدون دین به حقیقت که مورد نظر شما هم هست، رسید.مثلا چگونه می توان حدود ومعیار های مالکیت ، تمام معیارهای اخلاقی ، مسایل پیچیده حقوقی ، وغیره را فقط با استدلال و معنویت حل نمود و به حقیقت رسید. به این تر تیب همان عقلی که شما آنرا قبول دارید حکم می کند که انسانها بیش از هر چیز به خالق خود نیاز مند هستند. البته آموختن علوم و فنون وبکار بردن آنها در زندگی مورد سفارش وتاکید دین است. احکام علمی در حوزه خود تضادی با احکام دینی ندارند. در ضمن، اصطلاح روشنفکری دینی گمراه کننده است، زیرا آنرا در مواردی بکار برده اند که از آن نوعی مقابله تفکر با دین به ذهن می رسد.
با سلام ، نقد شما معقول و مستدل نيست، اگر منظور شما قسمت روشنفكري ديني باشد ، كه ايشان براي همه مسايل يكجا حكم صادر نكرده اند و البته نظر خود را چه بسا كه نادرست باشد گفته است و در ضمن مگر مسايل توحيد و خداشناسي كه شما مطرح مي كنيد و مي گوييد اصول دين استدلالي است ، دلايل و استدلالي براي انها داريد يا خير، اگر استدلالي داريد كه در ان استدلال ، نمي گوييد چون فلان شخص گفته ، و ان استدلال قانع كننده باشد و اين حق را هم به من بدهيد كه اگر قانع شدم مي توانم قبول كنم ، بله اين مي شود استدلال و اگر به فلان شخص ارجاع دهيد كه مي شود تعبد ،
همان عقلی که شما از آن صحبت می کنید: اولا اصلا نمی تواند اثبات کند خالقی وجود دارد. ثانیا نمی تواند ثابت کند که این خالق عالم مطلق،قادر مطلق و خیرخواه علی الاطلاق است. ثالثا نمی تواند ثابت کند که اختصاصا برای انسان تشریع داشته باشد و برای دیگر موجودات نداشته باشد رابعا برای این تشریع الزامی به ارسال شخصی به نام پیامبر داشته باشد و وجدان کافی نباشد. خامسا نمی تواند ثابت کند شخصی به نام موسی یا عیسی یا محمد واقعا این رسالت را دریافت کرده باشندو مثلا سید علی محمد باب دریافت نکرده باشد سادسا این افراد بی کم وکاست یا بدون زیادت و نقصان به طور کامل این پیام را ابلاغ کرده باشند.