اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الثقافوية، بإعطائها الأولوية للثقافة على السياسة والاقتصاد، تُعيق فهم السياسة وتُفضي إلى مأزق اجتماعي. يفحص هذا المقال تجليات هذا المنحى في إيران وينقد الثقافوية ذات النزعة الروحانية عند مصطفى ملكيان.

موضوع هذه المقالة هو أحد المآزق الكبرى في الممارسة السياسية، لا سيما في مجتمعنا وعصرنا. أُطلق على هذه الآفة أو المأزق أو المعضلة السياسية إجمالاً اسم «الثقافوية». إن الثقافوية لا تُعيق فهمنا للسياسة بشكل كامل وتُوقعه في مأزق فحسب، بل إنها تُفضي بنا عملياً أيضاً إلى نوع من الشلل السياسي ومأزق في الفعل الاجتماعي. يكتسب هذا النقاش أهميته من أنه، خصوصاً في السنوات الأخيرة، وبعد الصعوبات التي عاشها المجتمع في المجال الرسمي للسياسة والبنية الصلبة للسلطة، قد تهيأت أرضية خصبة جداً للتشاؤم من السياسة، وبالتالي لانتشار فكرة الهروب من السياسة وتجنبها. المقصود بالثقافوية في هذه المقالة هو رأي ومقاربة خاصان بالأمر الاجتماعي والأمر السياسي والعلاقة بين الفرد والمجتمع. وفقاً لهذا الرأي وهذه المقاربة، فإن للثقافة أصالة وأولوية ودوراً حاسماً بالنسبة لسائر المجالات والنطاقات في الحياة الفردية والجمعية، ليس فقط من الناحية الأنطولوجية والوجودية، بل في المستويات الثلاثة: الوصف والتحليل، والتعليل السببي، والتوصية. أي أنه وفقاً لهذه المقاربة، لا يمكن لأي تغيير أو استقرار ذي معنى ودائم في مجال السياسة والاقتصاد والمجتمع أن يتحقق إلا من خلال تغيير ثقافي. لذا، فإن الثقافوية في مجتمعنا، وعند معظم الثقافويين الإيرانيين، الناظرة إلى أوضاع إيران وأحوالها، هي فكرة تُعتبر الثقافة بموجبها أهم مجال في الحياة الفردية والاجتماعية؛ والثقافة هي التي تُحدد وتُفسر كينونةَ وظهورَ وتماسكَ ودوامَ وأحوالَ سائر مجالات الحياة الفردية والجمعية. تطرح الثقافوية، في بعض تفسيراتها القصوى، بالإضافة إلى ذلك، فكرة أن المواد والمكونات المُشكِّلة لمجالات الحياة الاجتماعية الأخرى هي جميعاً من طبيعة الثقافة، واكتسبت فحسب ترتيباً أو تعيناً سياسياً أو اقتصادياً. يقصد الثقافويون معاني مختلفة من الثقافة، وهذا ما يُميزهم عن بعضهم البعض. سنتناول في ما يلي دراسة الأنواع المختلفة للثقافوية ونقد هذه الرؤية والمقاربة وتشخيص آفاتها.
موضوع هذه المقالة هو أحد المآزق الكبرى في ممارسة السياسة، لا سيما في مجتمعنا وعصرنا. سأطلق على هذه الآفة أو المأزق أو المعضلة السياسية اسم «الثقافوية» إجمالاً. إن الثقافوية لا تعطل فهمنا للسياسة تماماً وتقوده إلى طريق مسدود فحسب، بل إنها تفضي بنا عملياً أيضاً إلى نوع من الشلل السياسي ومأزق الفعل الاجتماعي. يكتسب هذا النقاش أهميته من أنه، خصوصاً في السنوات الأخيرة، وبعد الصعوبات التي عاشها المجتمع في المجال الرسمي للسياسة والبنية الصلبة للسلطة، قد توفرت أرضية خصبة جداً للتشاؤم من السياسة، وبالتالي لرواج فكرة الهروب من السياسة وتجنبها. المقصود بالثقافوية في هذه المقالة رأي ومنهج خاص إزاء الأمر الاجتماعي والأمر السياسي والعلاقة بين الفرد والمجتمع. وفقاً لهذا الرأي والمنهج، فإن الثقافة تمتلك الأصالة والأولوية والقدرة على التحديد مقارنةً بسائر مجالات وحقول الحياة الفردية والجمعية، ليس فقط من الناحية الأنطولوجية والوجودية، بل في كل من المقامات الثلاثة: الوصف والتحليل، والتعليل السببي، والتوصية. أي أنه وفقاً لهذا المنهج، فإن أي تغيير أو استقرار ذي معنى ودائم في مجال السياسة والاقتصاد والمجتمع لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تغيير ثقافي. وعليه، فإن الثقافوية الناظرة إلى أوضاع إيران وأحوالها في مجتمعنا وعند معظم الثقافويين الإيرانيين، هي فكرة مفادها أن الثقافة هي أهم مجال في الحياة الفردية والاجتماعية؛ وأن الثقافة هي التي تحدد وتعلل وجود ومظهر وتماسك ودوام وأوضاع وأحوال سائر مجالات الحياة الفردية والجمعية. تطرح الثقافوية، في بعض تفسيراتها القصوى، علاوة على ذلك، فكرة أن مواد ومكونات مجالات الحياة الاجتماعية الأخرى هي جميعاً من جنس الثقافة، واكتسبت فحسب ترتيباً أو تعيناً سياسياً أو اقتصادياً. يقصد الثقافويون معاني مختلفة من الثقافة، وهذا ما يميزهم عن بعضهم البعض. سنتناول في ما يلي دراسة الأنواع المختلفة للثقافوية ونقد هذا الرأي والمنهج وبحث آفاته.
١. نمطية الثقافوية في إيران
الثقافوية في مجتمعنا ليست متجانسة، بل هي تيار متنوع يمكن ربما تحديد أربع شعب له على النحو التالي:
الشعبة الأولى: الثقافوية السلوكية التنموية
يعتقد حاملو هذه الشعبة من الثقافوية في مجتمعنا أنه إذا كانت هناك مشكلة في الأمر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فإنها تعود في المقام الأول وفي أعمق طبقاتها الجذرية، إلى الهياكل السلوكية لعامة الناس والنخب؛ ويجب تصحيح هذه الأنماط والهياكل السلوكية على نحو يحقق نوعاً خاصاً من التنمية السياسية والتنمية الاقتصادية. بعبارة أخرى، يجب أن تتغير الأنماط السلوكية للناس والنخب. يجب أولاً أن يتغير سلوك النخب ثم يقوموا هم بتغيير سلوك الناس في الشارع والزقاق، في البيت والأسرة، في المترو والحافلة. يرى أبناء هذه المجموعة من الثقافويين أنه ينبغي تأديب الناس، ويمكن من منظور وموقع نخبوي الجلوس وتقرير كيفية تغيير سلوك الناس بحيث يفضي مجموع هذه التغييرات إلى تحقيق التنمية. من أهم ممثلي هذا التيار والمتحدثين باسمه الأستاذ محمود سريع القلم.
الشعبة الثانية: الثقافوية الدينية المحور
هذه الشعبة من الثقافوية في مجتمعنا هي التي ترى المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ناشئة عن التدين. ليس الأمر بالطبع أن جميع الثقافويين في هذه الشعبة الثانية ينطلقون هم أنفسهم من موقف التدين والتقيد والالتزام الديني في نقد السياسة والمجتمع. بل المسألة هي أن جميع ثقافويي هذه الشعبة الثانية، وعلى الرغم من تنوعهم الداخلي وخلافاتهم الواسعة والعميقة في ما بينهم حول صدق الدين وكذبه وحسنه وقبحه، يعدون التدين أهم مكون للثقافة. يمكن تمييز أربع مجموعات في هذا المذهب عن بعضها البعض.
المجموعة الأولى في هذه الشعبة هم المثقفون الدينيون أنفسهم الذين يعتقدون، من موقع التدين، أن ثمة قراءات مأزومة للدين سائدة في هذا المجتمع وهي منشأ المشكلات السياسية والاجتماعية والتخلف؛ ولو استبدلنا بهذه القراءات قراءات أخرى، كالقراءات الحقوقية البشرية أو القراءات الحداثية مثلاً، لانحلت أم المسائل في السياسة والمجتمع والاقتصاد.
المجموعة الثانية في هذا الفرع هم أولئك الذين لا تربطهم بالدين والتدين أية صلة، نظرياً أو عملياً، وهم شديدو الانتقاد للمثقفين الدينيين. وهم يعتقدون، خلافاً لرأي المثقفين الدينيين، أن المشكلة الأساسية لمجتمعنا ليست شيوع هذه القراءة أو تلك من الدين، بل المشكلة هي التدين نفسه، أو بتعبير السيد آرامش دوستدار، "التدين المزمن" لهذا المجتمع. وبرأيهم، إذا كان لا بد من إحداث تغيير جوهري ودائم وطويل الأمد في هذا المجتمع، فطريقه ليس الإصلاح الديني، بل اجتثاث الدين.
أما المجموعة الثالثة في هذا الفرع فترى الدين العامل الأهم والمحوري المحدد لوضع المجتمع، وتشدد على واجب الحكومة الدينية في تطبيق الأحكام الظاهرية للشريعة. وبرأي أنصار هذا التيار، ينبغي لقراءة محددة للدين أن تصل إلى السلطة. ولهذه المجموعة ممثلون متنوعون، منهم السيد مصباح اليزدي وأنصاره من جهة، وأصحاب أكاديمية العلوم الإسلامية في قم من جهة أخرى. فبينما تعتمد المجموعة الأولى على الفقه والاجتهاد الفقهي القائم، تحيل المجموعة الثانية إلى فقه حكومي سيتحقق، برأيهم، من خلال إعادة بناء منظومة المعرفة الدينية على أساس تقدم الإرادة والإيمان على العقل، وكذلك على أساس مفهوم خاص للولاية. ويمثل التيار الرابع مجتهدون تجديديون من داخل الحوزات العلمية، مثل أصحاب مجمع المحققين في قم. هذه التيارات الأربعة جميعها تضع الدين في بؤرة جميع قضايا المجتمع. لكن كل واحد منها يريد أن يعقد صفقة خاصة به مع الدين. والسمة المشتركة التي تجمع هذه التيارات الأربعة تحت مظلة واحدة، هي فكرة أنه ينبغي التلاعب بالدين لكي يتغير المجتمع.
الفرع الثالث: الثقافوية الأخلاقية
يعتقد الثقافويون الأخلاقيون أنه إذا كان مجتمعنا وسياستنا واقتصادنا يعانون من الاختلال، فإن طريق إصلاح جميع مجالات حياتنا الجمعية لا يمر عبر أي من ذينك المسارين اللذين اقترحهما الثقافويون السابقون. فلا ينبغي بالضرورة البحث عن قراءة جديدة للدين، بمعنى أن نذهب إلى النصوص ونوفقها مع شيء من العالم الحديث مثلاً، ولا ينبغي أن نسعى إلى الذهاب إلى مجال الثقافة السلوكي. بل ينبغي، في مجال الأخلاق الوصفية كما في مجال الأخلاق المعيارية، أن نكتشف نوعاً من الأخلاق الكونية من منظور الناظر المثالي؛ وأن نعيد بناء حياتنا كلها، بما في ذلك التدين، في إطار تلك الأخلاق؛ وإعادة البناء هذه هي عملية في مجال الثقافة. وبرأيهم نحن بحاجة إلى معرفة جديدة بالأخلاق. والسيد أبو القاسم فنائي هو من أهم المتحدثين والممثلين لهذا التيار.
الفرع الرابع: الثقافوية الروحانية
لعل الثقافوية ذات النزعة الروحانية تطرح الثقافوية وتتابعها على نحو أكثر وعياً من الفروع الثلاثة الأخرى للثقافوية. أي أنها، فضلاً عن كونها ثقافوية بحد ذاتها، تبرر الثقافوية نفسها بوصفها مقاربة معتبرة. هذه المقاربة للسياسة والمجتمع، التي يُعد أبرز منظريها في إيران الأستاذ مصطفى ملكيان، ليست ثقافوية فحسب، بل هي ثقافوية عن وعي، وتسعى من خلال تنظير الثقافوية إلى أن تشرح لنا لماذا الثقافوية أكثر اعتباراً من السياسوية، وطريقاً ينبغي أن نجده ونسلكه. توصية الثقافوية ذات النزعة الروحانية هي أنكم إن كنتم تعانون من مأزق سياسي أو اقتصادي أو تخلف على أي صعيد وفي أي مجال، فلا تظنوا أن لذلك صلة بالسلوك أو الدين أو القراءات المختلفة للدين. هذه كلها صياغات خاطئة للمسألة. إن كانت لدينا مشكلة، فمشكلتنا الرئيسية كامنة أولاً في كل فرد على حدة، وثانياً في الخصائص النفسية لكل فرد على حدة. أي أننا إذا ما انتظمت الخصال والخصائص الروحية والنفسية لكل فرد في المجتمع، فسيكون لدينا مجتمع مؤلف من أفراد منتظمين من الناحية النفسية، يفضلون مصالح عامة الناس على مصالحهم الخاصة والفردية، سواء في مقام التشريع وبناء المؤسسات وبناء الهياكل، أم في مقام التنفيذ. وبرأي أصحاب النزعة الروحانية، فإن مجتمعاً كهذا من الأفراد سيصبح، تبعاً لانتظام الحال الروحية والنفسية لكل فرد من أفراده، أكثر انتظاماً وتطوراً من الناحيتين السياسية والاقتصادية. وعليه، فإن هذه النزعة الروحانية لا صلة لها بالروحانية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بل هي عنوان خاص متجذر إلى حد كبير في إنجازات المحللين النفسيين وعلماء النفس من الموجة الثالثة في علم النفس، أمثال فيكتور فرانكل؛ وهي إنجازات تُقدم بعد تمازجها مع طائفة من التعاليم البوذية، لدى الأستاذ ملكيان، تحت عنوان النزعة الروحانية. وفيما يلي، سنقف قليلاً وقفة نقدية عند هذا الفرع الأخير من الثقافوية، أي الثقافوية ذات النزعة الروحانية.
٢. عطاء الثقافوية ولقاؤها: الخلفية والعواقب في منظور تاريخي
كما مرت الإشارة، فإن أحد الفصول المميزة للثقافوية ذات النزعة الروحانية عن سائر فروع النزعة الروحانية هو كونها واعية بذاتها. فالثقافوية ذات النزعة الروحانية لا تدرك فقط كونها ثقافوية، بل تشرح بصياغة نظرية وتقدم الأدلة على لماذا يكون هذا النمط من الثقافوية، إزاء ما تسميه السياسوية أو التسييس، طريقاً أصوب لانتظام أمور الفرد والمجتمع وإصلاحها. ويعرّف هذا الفرع من الثقافوية سائر فروع الثقافوية، لا بالاسم والعنوان، بل بالإشارة إلى خصائص مشاريعها الفكرية، بوصفها مصاديق مختلفة للتسييس. لذلك، تعتقد الثقافوية ذات النزعة الروحانية أنه ﴿أولاً﴾ لتحسين أوضاع السياسة والمجتمع والاقتصاد وأحوالها، ينبغي اللجوء إلى الثقافوية، و﴿ثانياً﴾ أن النسخة الفاعلة من الثقافوية بين أنواع الثقافوية هي الثقافوية ذات النزعة الروحانية التي تتجه، في تقريرها الإيراني، بشدة وصراحة نحو نوع من المقاربة النفسانية. ومع هذه المقدمة، فإن السؤال الرئيسي هو: هل الثقافوية، ولا سيما من الطراز ذي النزعة الروحانية، أولى من السياسوية؟ ولماذا؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال، سنتطرق إلى بضعة مباحث تمهيدية.
جدال ماكس فيبر مع الثقافوية ذات النزعة الروحانية والفردانية
النزعة الثقافوية ليست ظاهرة اختُرعت في هذه الثقافة، أو في هذا المجتمع، أو في إيران. فالثقافوية بوصفها ضربًا من النهج المتجنب للسياسة، ونوعًا من الاستخفاف بالسياسة وإقصاء مجال الممارسة السياسية والانصراف إلى مجالات مثل الأخلاق والعرفان والروحانية بمقاربات وروايات مختلفة، لها سابقة وتاريخ طويل. فقبل نحو قرن من الزمان، في 28 يناير/كانون الثاني 1919، ألقى ماكس فيبر، بدعوة من اتحاد الطلبة الحر في ولاية بافاريا، محاضرتين بعنوانين متشابهين في جامعة ميونيخ، إحداهما عن العلم بعنوان «العلم بوصفه مهنة» والأخرى عن السياسة بعنوان «السياسة بوصفها مهنة». وقد توفي فيبر بعد بضعة أشهر من هاتين المحاضرتين. ولفهم هاتين المحاضرتين، فإن النظر في الظروف السياسية والاجتماعية لألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى (وبالطبع حالة فيبر الجسدية والنفسية والمهنية) يكتسب أهمية محورية. وهي ظروف تتشابه إلى حد كبير مع سياقنا السياسي والاجتماعي، ويمكنها في كلا السياقين أن تفسر لماذا وكيف تجد الأفكار القائمة على الزهد السياسي والثقافوية أرضية للنمو والظهور والنفوذ. كان فيبر نفسه في بداية الحرب العالمية الأولى من المادحين للحرب، وكان يعتقد: «لا يهم ما ستكون عليه النتيجة، هذه الحرب عظيمة ومذهلة». لكنه لاحقًا عندما انقلب مسار الحرب ضد ألمانيا، سُمع منه مرارًا وهو يقول: «لو تمكنت من الوصول إليه [فيلهلم الثاني، إمبراطور ألمانيا بين عامي 1888 و1918]، لكنت أنا بنفسي من يكسر عنق هذا الأحمق عديم الكفاءة». وعندما ألقى فيبر هاتين المحاضرتين، كان قد انضم منذ فترة، بصفته أحد الأعضاء المؤسسين، إلى «الحزب الديمقراطي الألماني»، وكان يلقي منذ عام محاضرات عديدة نيابة عن الحزب، وكان قد أصيب بالإحباط منذ مدة من الشأن الأكاديمي. وكان قد عبر، قبل تأسيس الحزب بفترة وجيزة، في رسالة مؤرخة في أكتوبر/تشرين الأول 1918، عن عدم رضاه عن وضعه كأكاديمي في الظروف المزرية لألمانيا ما بعد الحرب، وكتب في شكواه من أحواله من جملة ما كتب: «أشخاص مثلي في الظروف الراهنة
ويتبنى فيبر في هاتين المحاضرتين موقفاً في تعريف السياسة وفي نقد آراء فورستر، وهو الموقف الذي سيبسطه كارل شميت بعد ثلاث سنوات بالتفصيل في «اللاهوت السياسي» (1922) وبعد اثنتي عشرة سنة في «مفهوم الأمر السياسي» (1932). يعرّف فيبر في هذه المحاضرة الدولة الحديثة أولاً استناداً إلى الحق الحصري في ممارسة العنف و«القوة الفيزيقية» (Gewalt) في نطاق إقليم وطني. ثم يعرّف السياسة بأنها مجال السعي لنيل حصة من السلطة أو التأثير في توزيع السلطة، سواء في إطار دولة وطنية وإقليم سياسي أو بين الدول.
كان فورستر يطرح فكرة عبثية السياسة على الطلاب ويدعوهم إلى تجنب السياسة والزهد السياسي. كانت دعوة فورستر الأساسية للطلاب هي ألا يصرفوا أعمارهم بعد الآن في السياسة، وإن أرادوا أن يفعلوا شيئاً لأنفسهم أو لمجتمعهم أو للتاريخ أو لألمانيا، فالأفضل أن يتجهوا إلى شيء آخر. ذلك الشيء الآخر، في نظر فورستر، هو تنقية الأخلاق الفردية وشخصية كل فرد على حدة. كان يدعو الطلاب إلى أن يسعوا، كلٌّ على حدة، عبر العودة إلى الأخلاق الفردية المسيحية الزاهدة المتجنبة للسلطة والنابذة للدنيا، إلى أن يصيروا أناساً أفضل، وأن يتخذوا الزهد السياسي سبيلاً، وأن يلقوا الدنيا وراء ظهورهم، ويهتموا بأرواحهم ونفوسهم. كان فورستر يقول للطلاب إن الحرب التي نشبت والرماد الذي هطل على رؤوس الألمان كانا كلاهما نتاج التسيّس. فالأخلاق الفاسدة أضرمت النار في أوروبا والعالم، وهذه النار التي شبّت في حصيد ثقافة الأمة الألمانية وسياستها ومجتمعها واقتصادها وشعوب العالم كانت شعلة من نار مساوئ أخلاق الأفراد كلٌّ على حدة. كانت دعوته: تعالوا نركز، في مستوى آخر من الحياة التأملية، على إصلاح أنفسنا؛ فإذا صرنا، كلٌّ على حدة، أفضل، صار العالم أفضل. يحضر فيبر هذا الجمع الطلابي وهو على وعي بهذه الخلفية، ويتناول في المحاضرة الثانية من سلسلة المحاضرات تلك العلاقة بين الأخلاق والسياسة.
ويقول فيبر في تلك المحاضرة مشيراً إلى اليأس الثقيل المخيم على أجواء تلك الفترة: «لا يهم أي جماعة قد تنتصر في الظاهر الآن؛ إن ما ينتظرنا، على أية حال، ليس صيفاً مزهراً مثمراً، بل ليل قطبي، صقيع ظلمة وعناء. [...] ولكن حين ينقضي هذا الليل رويداً رويداً، فمن منكم، ممن يبدو ربيعهم نضراً ومزهراً إلى هذا الحد، سيبقى على قيد الحياة؟ وماذا سيحل بكل واحد منكم حتى ذلك الحين؟ هل ستنشغلون بمرارة بلقمة عيش؟ هل ستستسلمون ببساطة، وتأدية للواجب، للزمان وأعمال الحياة اليومية؟ أم سيكون نصيبكم هو الإمكان الثالث، وهو ليس بأقلها شيوعاً على الإطلاق: التعالي الصوفي على الواقع. وهذا الإمكان الثالث هو خيار أولئك الذين تكون طباعهم وأمزجتهم ومواهبهم أكثر توافقاً مع التصوف والعزوف عن السياسة، أو، كما أصبح رائجاً على نحو بغيض، خيار أولئك الذين يرغمون أنفسهم في كل حال على اتباع الموضة. وفي جميع هذه الحالات، فإن النتيجة التي أخلص إليها هي أن هؤلاء الأفراد لم يُخلقوا للعمل الذي يقومون به. إنهم ليسوا مناسبين للعالم كما يجري فعلاً في شؤونه اليومية. وإذا نظرنا إليهم بإنصاف وواقعية، فإنهم لم يدركوا حرفة السياسة بأعمق معانيها ولم يختبروها، بينما هم يحسبون أنهم يدركونها ويختبرونها. لكانوا أكثر نجاحاً لو اقتصروا على السعي وراء علاقات أخوية في صلاتهم الشخصية. أما بقية الناس فكان عليهم أن يمضوا بدهاء في تدبير شؤون حياتهم اليومية. أما السياسة فتعني عبوراً صعباً وبطيئاً عبر عقبات جسيمة وعسيرة؛ عبوراً مفعماً بالحماسة ومدروساً في آنٍ معاً. وهذا صحيح تماماً، وتشهد عليه تجربة التاريخ برمتها، أن ما هو ممكن اليوم ما كان ليصبح ممكناً أبداً لو لم يضمر أحد قبلاً بلوغ المستحيل ويسعَ إليه بصلابة. لكن على المرء من أجل ذلك أن يكون قائداً وطليعياً، وليس قائداً وطليعياً فحسب، بل يجب أن يكون أيضاً، بالمعنى الخاص والدقيق جداً للكلمة، بطلاً. وحتى أولئك الذين ليسوا قادة ولا طلائع ولا أبطالاً، يجب أن يتحلوا من الشجاعة والبسالة بما يكفي كي لا ترتجف قلوبهم حتى من انهيار كل الآمال. هذه الخصال ضرورية اليوم، وإلا فإن ما هو ممكن وفي المتناول اليوم لن يُحرز. ليس بأهل لممارسة السياسة إلا من يكون على يقين من أنه لن ينهار حتى لو بدا له العالم يوماً، ولما يصبو إليه، شديد الحماقة والدناءة. ليس بأهل لممارسة السياسة إلا من يستطيع، رغم كل هذه العقبات والدناءات والحماقات، أن يقول في مثل ذلك اليوم: رغم كل هذا. [...] إن أخلاق الغايات القصوى وأخلاق المسؤولية [السياسية] لا تتعارضان، بل تتكاملان، ولا تصنعان معاً سوى إنسان جدير حقاً يمكن أن تكون السياسة شغله المهني.»
تلك الجماعة الثالثة التي تنبأ فيبر بأنها ستتشكل في ظل ظروف اليأس الاجتماعي والسياسي الواسع والثقيل، هم أولئك الذين يديرون ظهورهم لواقع السياسة والمجتمع ويلوذون بالزهد السياسي، ويقبلون على العرفان والروحانية والسلوك الشخصي، وبنوع من التعالي المقامي والزهد السياسي يريحون كواهلهم وعقولهم من المسؤولية السياسية. إنهم يعتبرون حالهم أرفع من الانخراط في صراعات السياسة اليومية. ولا يعتبرون السياسة بالأهمية التي تستحق أن يصرفوا أعمارهم فيها. بل يصرفون وقتهم وطاقتهم في ما يسميه فيبر اصطلاحاً أخلاق الغايات القصوى. إن أخلاق الغايات القصوى هي التعبير الأكثر احتراماً وتنويراً عن الروحانية والأخلاق المسيحية الفردية الزاهدة، أي أن نكون شخصياً أناساً طيبين، وننشغل في مغارة التنزه وزاوية الزهد السياسي بتهذيب الأخلاق الفردية. يقول فيبر إني أرى هذه الجماعة، وعلى الأرجح فإن أغلبكم، أيها الأذكياء، ممن هم أصحاب نظر ولا تسعون إلى الخمول، ستكونون ضمن هذه الجماعة، لأنها تمنحكم شغلاً يهبكم حساً تنويرياً وبأنكم أرفع من ضوضاء العوام، وفي الوقت نفسه تلبي حاجتكم إلى الفاعلية، وذلك من أجل تحقيق الخير العام عبر تهذيب أنفسكم.
الكلام والنقاش هنا هو: ماذا كنتم تتوقعون من السياسة حتى أصابكم هذا اليأس الشديد منها؟ أي معجزة كان يُفترض بالسياسة أن تصنعها؟ هل كنتم تظنون أن ممارسة السياسة قادرة على تنظيم الأوضاع بسرعة فائقة وتماماً وفق مخططات مسبقة؟ إن يأْسكم هذا من السياسة ناتج عن توقع غير لائق ومستحيل التحقق. فالسياسة ليست بالأمر السهل أصلاً؛ وليست طريقاً ممهدة. إن ممارسة السياسة نشاط بالغ الصعوبة في أرض شديدة الوعورة، وتتطلب أُناساً يمتلكون العبقرية السياسية للتألق في المواقف الصغيرة والكبيرة. يقول فيبر إن من يمتلكون العبقرية السياسية هم أولئك الذين لا يقتصرون على إظهار خصال القيادة أينما كانوا، بل يحملون معهم أيضاً سمات شخصية البطل. الفرق بين القيادة والبطولة هو أن القائد يشبه سائق القاطرة، يسحب الناس خلفه على سكة محددة مسبقاً. عليه بالطبع أن يكون عارفاً بالمسار، وأن يعلم أين يخفف السرعة أو يزيدها، وأين يكون المنعطف خطراً، وأن يحذر من أي خطر أمامه. أما البطل فهو شخص لا يحاول فقط هداية الناس من نقطة إلى أخرى، بل يفتح أيضاً فضاءات جديدة وطرقاً جديدة. بطل فيبر يجب أن يكون قادراً على تجاوز المنحدرات والمدارات المحددة مسبقاً، والفضاءات المغلقة المسيطرة التي يبدو أنه لا مهرب منها، ويفتح طرقاً جديدة. يقول فيبر إننا نعيش في ظروف لا تنجح فيها ممارسة السياسة بمجرد امتلاك خصال القيادة. نحن بحاجة إلى أُناس لديهم الاستعداد لتحطيم حدود الخيال السياسي، وأن تكون لديهم أحلام جديدة، وأن يستنبتوا في عقولهم خيالاً جديداً للسياسة، ثم يعبروا عنه في العالم الواقعي ويحققوه.
قد يبدو كلام فيبر هذا عاطفياً بعض الشيء للوهلة الأولى. لكن كلامه في الواقع يعود إلى التصور الذي شاركنا إياه عن السياسة في كتبه وأعماله السابقة. أحد أكثر الأوصاف عملية للسياسة في العالم الحديث هو ما طرحه فيبر: السياسة هي السعي وراء المصالح العامة والمُثُل العليا في هذا العالم الواقعي نفسه. المُثُل "العليا" بحكم تعريفها، تكون مثالية حين لا تكون موجودة في العالم الواقعي فحسب، بل يبدو تحقيقها مستحيلاً. يقول إن السياسة تعني السعي وراء هذه المُثُل العليا نفسها، في هذا العالم الواقعي نفسه. هذا التعريف الذي يقدمه لنا للسياسة هو تعريف متناقض. فهو يقول إن السياسي هو شخص يسعى، في عالم المقدورات والحقائق القائمة، ودون أن يقع في وهم إمكانية شق سقف السماء بين ليلة وضحاها وطرح مخطط جديد، وراء مُثُل عليا يعتقد الجميع أن تحقيقها مستحيل. ثم يضيف أن العالم من حولكم مليء بظواهر كانت تبدو في يوم ليس ببعيد مستحيلة للجميع، لكن ظهر أُناس قالوا رغم أنها تبدو مستحيلة، فإننا سنسعى وراء هذه المُثُل. يعتقد فيبر أنه لولا وجود أُناس قبلنا سعوا وراء مستحيلات زمانهم وكأنها قابلة للتحقيق حقاً، لما كان عالمنا اليوم على ما هو عليه الآن. في الواقع، السياسة تعني إزاحة حدود اللاممكن أو إزاحة عتبات الإمكان. بتعبير آخر، وبتعبير فيبر، ممارسة السياسة تعني معرفة حدود إمكان الأمر السياسي والاجتماعي وإزاحتها. يجب أن نرى ونفهم ونعلم بواقعية ما هو ممكن وما هو مستحيل. لكن علينا أن نسعى مثالياً لإزاحة عتبة اللاممكن، بحيث يصبح ما يبدو مستحيلاً اليوم، بعد فترة، جزءاً من الإمكانات العادية والطبيعية من حولنا. هذا يحتاج إلى ممارس للسياسة. وكل هذا في خدمة الخير العام.
هذا هو نهج فيبر للسياسة الحديثة، وهو نقد للنزعة الروحانية والثقافوية، خصوصاً السياسة بعد الفاجعة، السياسة التي أصابها العسر والمأزق والانسداد، السياسة التي هي كما يقول فيبر كبرودة و ظلمة وطول شتاء قطبي. في مثل هذه الوضعية، برأيه، تتوفر أرضية قبول الأفكار الروحانية، ومن قبيل الصدفة، في مثل هذه الوضعية نكون بأمس الحاجة إلى ممارسة السياسة أكثر من أي وقت مضى. وضعية انخفضت فيها عتبات اللاممكن كثيراً، وبدا فيها كل عمل مستحيلاً تقريباً. هنا يجب أن يدخل ممارسو السياسة ليغيروا حدود اللاممكن ويدخلوا مزيداً من الأمور إلى دائرة إمكانات حياتنا. بتعبير آخر، السياسة تعني فتح الانسدادات على المستوى الجمعي.
التشخيص الذي قدّمه فيبر في ذلك اليوم من عام 1919، يبدو تشخيصاً صالحاً بدرجات متفاوتة في كل مجتمع مرّ بتجارب انغلاق حادة وعنيفة ومتراكمة. الفهم اليائس للسياسة، أي اعتبار السياسة مأزقاً مسدوداً وشاملاً لا مخرج منه، هو فهم ليس غريباً ولا غير مألوف بالنسبة لنا اليوم. إنه شديد الشبه، بل مطابق تماماً، لتشخيص الثقافويين ذوي النزعة الروحانية الذين يرون طريق السياسة مسدوداً من حيث المبدأ وفي الممارسة على حد سواء، ولذا يوصون باللجوء إلى النور الداخلي وإدراك أن كل هذا الظلام في حياتنا الجمعية هو تراكم للظلمات المنبعثة من داخلنا والمنعكسة إلى الخارج. برأي الثقافويين ذوي النزعة الروحانية، ينبغي لنا أن نرجع إلى داخلنا وننمي نورنا الباطني ونشع به إلى الخارج حتى يستنير العالم الخارجي أيضاً. وهذا، بالمناسبة، هو نفس التصور الذي يطرحه علينا في إيران الثقافوية من النمط الرابع، أي الثقافوية ذات النزعة الروحانية.
الثقافوية على نهج برنارد لويس
إن عبثية السياسة، خصوصاً في المجتمعات المسلمة في الشرق الأوسط، وضرورة الرجوع إلى الثقافة في هذا الجانب من العالم، أي الثقافوية في إيران وسائر البلدان ذات الأغلبية المسلمة، ليس تشخيصاً غير مسبوق. فقد نشر برنارد لويس في عام 2001 كتابه "أين الخطأ؟" الذي كان ثمرة تطوير لإحدى مقالاته في مجلة الأطلنطي. كان الكتاب قد أُعد للنشر بعد بضعة أشهر من وقوع حادثة 11 سبتمبر، لكن فكرته الأساسية كانت قد تشكلت وطُرحت قبل حادثة 11 سبتمبر. لذلك، كان هذا الكتاب يحمل في طياته أثناء كتابته نوعاً من التنبؤ: صدام الحضارة الغربية مع العالم الإسلامي. تنبؤ يبدو أنه، لسوء الحظ، كان قد تحقق قبل نشر الكتاب. سؤاله في ذلك الكتاب هو: لماذا انحدرت حضارة المسلمين إلى هذا الفقر والبؤس والعنف؟ إنه يحلل أوضاع اليوم من خلال مراجعة الإخفاقات منذ أواخر عهد الإمبراطورية العثمانية وما تلاها، وانهيار الإمبراطورية العثمانية وتفكك العالم الإسلامي كحضارة عالمية شاملة. كلامه الوصفي، باختصار، هو أننا نحن الذين نعيش في الحضارة الغربية المسيحية، قمنا في وقت ما بتصفية الحساب مع العنف الكامن في ديننا، في المسيحية. قمنا بترويضه وأمسكنا بزمامه بلجام من العقلانية والدولة العلمانية. يقول لويس، بناءً على هذا المنهج الذي سنشير إلى تبعاته ومخاطره لاحقاً، إن المسلمين لم يفعلوا هذا بدينهم، والآن لم يعد لديهم الوقت ولا القدرة للقيام بذلك. هذا الرأي لا يكتفي بالوصف، بل يتجاوزه إلى التوصية قائلاً: بما أن أمر المسلمين قد فات، فإن من واجبنا الأخلاقي والتاريخي نحن الغربيين أن نقوم بهذا العمل نيابة عنهم! وهو يعتقد أن هناك بالطبع قوى داخل العالم الإسلامي تريد القيام بذلك، قوى تنويرية، لكنها لا تستطيع. برأيه، المشكلة ليست سياسية، وكل ما هنالك يعود إلى الثقافة، ثقافة مركزها التدين القائم على النص. يقول إن القصة هي وجود نوع من القصور الثقافي في المجتمعات المسلمة. وقد أوضح في مناسبات أخرى، وكذلك تلامذته الذين قدموا استدلالات مفصلة، أن ما سيحدث بين الغرب والمسلمين بهذا الشكل هو أمر أشبه بحرب حتمية. وماذا ينبغي أن تكون نتيجة هذه الحرب؟ إصلاح الموروث الديني وتغيير نسيج وبنية التدين الاجتماعية التي أبقت المسلمين في وضعية وفي موقع ممارسة العنف! هذا التحليل ينسجم مع اعتقاد استشراقي شائع جداً مفاده أن الخلل يكمن في الشيفرات الثقافية للمجتمعات ذات الأغلبية المسلمة في الشرق الأوسط، والتي يجب التلاعب بها جذرياً وإصلاحها. عندما يصبح المرء ثقافوياً، فإنه ينظر عندها إلى الإصلاح السياسي والممارسة السياسية الإصلاحية بوصفها إصلاحاً لنقش الإيوان. أما برأي الثقافويين ذوي النزعة الروحانية وغير الروحانية، فإن البيت مدمر من أساسه. من وجهة نظر هؤلاء الثقافويين، فإن الذين يسعون في المجتمعات المسلمة، ومنها إيران، إلى العمل السياسي من طريق الإصلاح، إنما يصلحون نقش الإيوان. الثقافوية تعلن أولاً أن السياسة مستحيلة في هذه المجتمعات، وثانياً تراها عبثية حتى لو كانت ممكنة. ووصفة الثقافويين وتوصيتهم هي أنه يجب عليكم هدم هذه المجتمعات من الأساس وبنائها من جديد والنهوض بها مرة أخرى. هذه ليست مشكلة نقش وزخرف سياسي يمكن حله بالإصلاحات، بل هي مشكلة في عمق الخصائص الجينية الثقافية.
لذا، فإن الثقافوية تمتلك خلفية وسياقًا استشراقيًا واسعًا، وليست وليدًا مجهولاً. أحدهم يتحدث بلغة استشراقية، وآخرون يتحدثون تارة بلغة الثقافوية ذات النزعة الروحانية، وتارة سلوكية، وتارة تنويرية دينية، وتارة تنويرية غير دينية، وتارة تنويرية معادية للدين، وتارة أخلاقية، بل وتارة داخل-دينية. الثقافوية هي النظرة الاستشراقية العامة والسائدة للمشكلات القائمة في المجتمعات المسلمة. وهكذا، فإن الثقافوية لغة مألوفة وذات خلفية راسخة تستتبع سياستها الخاصة، تمامًا كما تُرجمت أفكار برنارد لويس وتلامذته الثقافوية، في عهد بوش الابن، إلى مهمة عالمية تقضي بأن يضطلع الغربيون، من موقع ومنظور حضاري، بمهمة كبح هذا التوحش الذي يزعمون أنه يُعاد إنتاجه باستمرار في صورة سياسة داخل الثقافات المسلمة. كانت هذه المهمة العالمية هي ذاتها التي تتحول، في إحدى صياغاتها ضمن نظريات العلاقات الدولية عند هنتنغتون، إلى فكرة صراع الحضارات، والتي ينتهي بها المطاف لاحقًا، مع متابعة هذه الفكرة في جهاز بوش الابن، إلى هذا الشرق الأوسط المدمَّر. للثقافوية مظهر أليف وودود وقليل الخطر، غير مؤذٍ وهادئ للغاية، لكنها في الواقع بالغة العنف. لأنها تعلن استحالة السياسة وعدم جدواها. وكما أوضحت حنة آرندت بالتفصيل، فإن العنف يبدأ تحديدًا في اللحظة التي تُعتبر فيها السياسة مستحيلة أو غير مثمرة وثانوية وطفيلية.
٣. نقد الثقافوية الروحانية عند السيد ملكيان
ما مضى حتى الآن هو، أولاً، بيان للخلفية والسياقات المهيئة لتقبل الثقافوية، وثانيًا، تحليل لبعض التبعات الفاسدة لاتخاذ الموقف الثقافوي. إن الانتباه إلى سياقات تقبل الثقافوية ورواجها وعواقبها ومضاعفاتها، يضاعف من دافعنا لأخذ الثقافوية على محمل الجد، ولقراءتها من جديد قراءة نقدية تقييمية لنرى ماذا تقول لنا الثقافوية وماذا تفعل بنا.
الكلام في الشعبة الرابعة من الثقافوية، والتي تصاغ خصوصًا في بيان السيد ملكيان، هو أن معظم المصطلحات المستخدمة في حقل السياسة هي، اصطلاحًا، عناوين مشيرة تحيل إلى بعض اعتباراتنا، مثل المؤسسات والموجودات والهويات التي هي جميعًا اعتبارية محضة ولا وجود خارجيًا لها في الواقع. فمثلاً، حين نقول الأسرة، فالأسرة ليست شيئًا يمكن الإشارة إليه في الخارج والقول هذه هي الأسرة. ما يوجد حقًا في الخارج هو الرجل والمرأة وربما أطفالهما البيولوجيون. الأسرة كلمة تشير إلى أحد اعتباراتنا الاجتماعية، أي إذا كانت العلاقات بين عدة أشخاص خاضعة لمجموعة من القواعد والقوانين، نسميها أسرة؛ لكن الأسرة ليست موجودًا حقيقيًا وليس لها وجود خارجي وعيني مستقل عن اعتبارنا. وعلى هذا القياس، فالمجتمع والدولة والأمة هي كذلك. كل مؤسسات الدولة، كل المؤسسات الاقتصادية، كل ما نسميه اصطلاحًا في العلوم الاجتماعية وعلم الاجتماع والعلوم السياسية مؤسسة وبنية، هي اعتباراتنا؛ واعتبارية هذه المؤسسات والبنى تعني أنها لا تملك وجودًا خارجيًا وعينيًا ومستقلاً عن معتبريها.
انطلاقاً من هذه المقدمة، فإن خلاصة قول الثقافوية ذات النزعة الروحانية هي أن أولئك الذين يصوغون لنا في مجال السياسة أو الاقتصاد صيغاً لتغيير المجتمع، أو لتغيير المؤسسات، أو لتغيير القوانين واللوائح أو طريقة تنفيذها، يعتقدون أن مشكلتنا تكمن إما على مستوى بناء المؤسسات، وأن هياكلنا ومؤسساتنا معطوبة، أو أن الأشخاص الذين ينبغي لهم في هذه المؤسسات والهياكل أن يكونوا منفذين لمجموعة من القواعد والقوانين لا يؤدون دورهم على الوجه الصحيح. وخلاصة قولهم هي أن إصلاح كلا الأمرين يتطلب في نهاية المطاف وجود أشخاص ينسون مؤقتاً أنانياتهم عند تنفيذ القوانين أو عند سنّها، ويفضّلون الخير العام على خيرهم الشخصي. وبالنسبة للثقافويين ذوي النزعة الروحانية كالسيد ملكيان، ينبغي لهؤلاء الأفراد أن يكونوا ممن أصلحوا أنفسهم أولاً على صعيد الشخصية، أي أن يكونوا بشراً تغلبوا، بتعبيره، على أنانيتهم وذواتيتهم ونزعتهم الفردية. فهؤلاء الأفراد هم من يستطيعون أن يصبحوا سياسيين جيدين، وأن يعيدوا تعريف المؤسسات وترتيبها من جديد بحيث تتحول إلى مؤسسات جيدة. أما إذا لم نتوفر على هؤلاء الأفراد، فبرأي السيد ملكيان، حتى لو منحنا كل الصلاحيات لمجموعة من الأفراد ليعيدوا تصميم مؤسسات السياسة والمجتمع والاقتصاد، فسيصممونها على نحو يضمن في النهاية مصالحهم ومصالح أصدقائهم؛ وهكذا تطل المشكلات السابقة برأسها من جديد في ثوب جديد. وأيضاً، حتى لو بنينا المؤسسات، لكننا وضعناها بأيدي أنانيين لا يملكون نفساً مهذبة ومروّضة، فسيتلاعبون بالقواعد والقوانين وينفذونها على نحو يضمن مجدداً مصالحهم ومصالح أصدقائهم. وبالتالي، لا يصلح الإصلاح السياسي إلى نتيجة. لذا، فإن السبيل الوحيد المتبقي، برأي السيد ملكيان، هو أن نغسل أيدينا من وهم أولوية السياسة وإصلاح المؤسسات والهياكل، ونتوجه إلى الأفراد؛ أفراداً إذا ما تبوؤوا موقع القرار أو التنفيذ، اتخذوا قرارات يكون فيها الخير العام هو المعيار الأساس، لا أنانياتهم. هذا هو لب استدلال الثقافويين ذوي النزعة الروحانية، ولا سيما في بيان السيد ملكيان. لكن:
أولاً. على عكس المنجزات المتراكمة للعلوم الإنسانية والاجتماعية في المئة والخمسين عاماً الماضية، تفترض هذه الثقافوية ذات النزعة الروحانية أن المجتمع هو مجرد المجموع الجبري لأفراده. إننا اليوم في علم الاجتماع السياسي والعلوم السياسية وفي علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية نفسه، نعتبر هذا المنجز المشترك للمعرفة البشرية أمراً مفترضاً، وهو أن المجتمع ليس المجموع الجبري للأفراد؛ فلكي نصف مجتمعاً معيناً، علينا بالإضافة إلى التعريف بأعضائه مجتمعين، أن نبين تحت أي علاقات قوة يعيش هؤلاء الأفراد معاً؛ وعلاقات القوة هذه هي ذاتها المقومات البنيوية والمؤسسية. وبتعبير آخر، لو أن نفس الخمسين مليون نسمة الذين يعيشون داخل مجتمع بعلاقات قوة معينة، وبنفس خصائصهم النفسية والمعرفية، وُضعوا معاً في علاقات قوة أخرى، لكان مجتمعهم مجتمعاً مختلفاً. هؤلاء الأفراد أنفسهم، إذا ما تغيرت علاقة القوة بينهم، فسيُظهرون سلوكيات وأحكاماً وقرارات وأفعالاً أخرى. إذن، المجتمع ليس المجموع الجبري لأفراد المجتمع. فالمجتمع، بالإضافة إلى كونه المجموع الجبري لأفراد المجتمع، يتكون من هياكل ومؤسسات تعبر عن علاقات القوة في ذلك المجتمع.
ثانيًا. إن علاقات القوة في مجتمع ما ليست مجرد علاقات القوة الحاكمة فيه. ففي علم الاجتماع السياسي، وخصوصًا في السنوات الخمسين الماضية، تمت دراسة وتحديد أبعاد جديدة للقوة. منها مثلًا أن للقوة وجهين. ففي السابق، كنا لا نعرف سوى ذلك الوجه من القوة الذي كانت مهمته وضع القواعد. وهو الوجه الوحيد للقوة الذي يحظى باهتمام ونقد السيد ملكيان، حين يقول: لنفترض أن القواعد تغيرت، ولنفترض أن واضعي القواعد بدّلوا القواعد، فهل سيعود أولئك الواضعون أنفسهم أو منفذو تلك القواعد إلى وضع القواعد أو تنفيذها بدافع أناني؟ نحن نعلم الآن أن للقوة طبيعة ذات وجهين، وهي حصيلة لتنافسات تيارين أو مصدرين: أولًا، التيارات واضعة القواعد، وهي ذات القوة الحاكمة القادرة على تقديم المؤسسات والبنى الرسمية وترسيخها وإسنادها إلى ضمانة التنفيذ؛ وثانيًا، تيارات القوة التي نسميها اصطلاحًا بالتيارات الخارقة للقواعد أو المقاومة، وهي بمعنى القوة من الأسفل، أو القوة الاجتماعية، أو القوة النقدية، أو القوة الأنثوية، أو القوة الناعمة، أو القوة الثقافية، تُعدّ مصدرًا «غير رسمي» للقوة. إن حاصل العلاقات بين هذين التيارين، مضافًا إليه المجموع الجبري للأفراد، هو ما يشكل المجتمع.
ثالثًا. من الموروثات المشتركة الأخرى في العلوم الاجتماعية والإنسانية، والتي تتجاهلها الثقافوية الروحانية، هي أن المجتمع عبارة عن مجموعة من البنى والمؤسسات والأفراد، ولكن ما يربط هذه العناصر ببعضها هو مجموعة من الفاعليات النشطة (Agency). إنها فاعلية ليست منفعلة، أي أنها ليست مجرد تابعة للتعليمات وخاضعة للأوامر ومنفذة لإرادة الآخرين، بل هي قائمة بذاتها، ذاتية التوجيه، محققة لذاتها، بل وخالقة لها. إنها ليست مجرد عامل ومنفذ، بل تمتلك نوعًا من التلقائية النشطة وسعيًا حثيثًا لإرادة خلاقة. إن التفاعل بين العلاقات البنيوية والمؤسسية من جهة، والفاعليات النشطة الفردية والجماعية من جهة أخرى، سواء داخل بنية القوة أو خارجها في المجتمع، هو ما ينظم هيئة المجتمع. هذه الفاعلية النشطة تمتلك قدرة على الفعل وتؤثر في معادلات القوة، لكن تأثير هذه الفاعلية النشطة تحده حدود الإمكان، وهنا بالتحديد تولد السياسة. فعندما تصطدم الفاعلية النشطة بجدران الإمكان، فإن تحريك جدران الإمكان هذه هو ذلك المجال الذي نسميه اصطلاحًا بالسياسة التأسيسية.
رابعًا. للحكم على الثقافوية والتسييس، بالإضافة إلى تعريف الثقافة وتعريف السياسة، يجب علينا أيضًا أن نوضح ما هي «نظرية الفعل» الخاصة بنا؟ أي بأي نظرية للفعل نعتقد أنه إذا ما انتظم الأفراد كلٌ على حدة من الناحية النفسية، فإن مجتمعنا المنشود سيصبح في مجموعه مجتمعًا منتظمًا. هذا الرأي والحكم يحتاجان إلى نظرية فعل خاصة يتم فيها تقديم فهم معين للفاعلية النشطة وللعلاقات بين الفاعلين النشطين بعضهم ببعض ومع المؤسسات والبنى. إن ربط مستوى التحليل الجزئي بمستوى التحليل الكلي في الثقافوية الروحانية هو مهمة نظرية فعل خاصة، قادرة على أن تشرح بطريقة منهجية لماذا إذا تحسنت الحالة النفسية والروحية للأفراد كلٌ على حدة في مجتمع ما، وبصرف النظر عن المؤسسات والبنى، فإن حال المجتمع يتحسن أيضًا. ليس واضحًا أي نظرية للفعل يتبعها الثقافويون الروحانيون حين يقولون: أولًا، من الممكن أن تتحسن حال أفراد المجتمع كلٌ على حدة دون أن يحدث شيء على المستوى الكلي، وثانيًا، إذا تحسنت حال الأفراد هنا على المستوى الجزئي، فسيحدث أمر مماثل على المستوى الكلي. نحن نحتاج هنا إلى جسر نظري. جسر هو في رأيي مفقود، ولا يبدو أنه يمكن توفيره بهذه السهولة.
هذه النقاط الأربع هي العناوين الرئيسة لنقدي للثقافوية، وخصوصًا الفرع الرابع منها، أي الثقافوية الروحانية النفسية. وآمل أن أتمكن في فرص قادمة من تفصيل هذه العناوين الأربعة أكثر، وبسط ما فيها من إجمال إلى تفصيل.
العلوم السياسية
علم الاجتماع
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٥ تعليق
نقدی منصفانه و دقیق بود.
چونک گنجی هست در عالم مرنج هیچ ویران را مدان خالی ز گنج چون ترا آن چشم باطنبین نبود گنج میپندار اندر هر وجود حاصل این آمد که یار جمع باش همچو بتگر از حجر یاری تراش زانک انبوهی و جمع کاروان رهزنان را بشکند پشت و سنان شکاف میان فرهنگ و سیاست را شاید فقط جامعه شناسی پر کند. در سده معاصر چیزی که شاهدش هستیم رقابت شاق و سخت میان سواره با پیاده ست، بخاطر تکنولوژی های پیشرفته، حتی یک نفر هم براحتی قادر به کنترل و تسلط به توده های میلیونی ست. درسته که در گذشته عیسی نامی توانست با تئوری صلح مطلقش، بر یهودیان غلبه کرده و خود سلسله جنبان آیینی نو شود، اما امروزه حتی امثال گاندی و ماندلا و .... نتوانستند زیرا امروزه براحتی میتوان کشوری را خالی کرده و از مهاجران غریبه، دوباره پر نمود. لذا تنها راه حلی که میماند تئوری پردازی بنفع طبقات متوسط جامعه ست تا طبقه حاکم را قانع ساخت که سرمایهگذاری کلان درازمدت بنفع همه ست مثلا امروزه بورسیه برای برگزیدگان و نخبگان تصویب میشود تا در سطوح عالی با فراغ بال به تحقیقات و کشفیات سرعت ببخشند، یا در سطح نازلتری، یارانه همگانی توزیع میشود تا حدالامکان آمار جرایم و امراض کاهش یابد. و ... بدین ترتیب میتوان با یک تیر معنوی، چندین نشان عقلانی زد. باید ثابت کرد که مطابق هرم نیازها، معنویت نیز نوعی عقلانیت ظریف و رقیق ست که حتی احتمالات ریز را نیز در نظر دارد تا ضمن پیشگیری از هرگونه رخنه ای، مکمل و تمام کننده همه نیازها نیز باشد. مثل روانکاوان که روی همه جزییات نیز حساسیت می ورزند تا نتیجه درمانی بهتری بگیرند. باید مثل مولوی اثبات کرد تا بدنبال گنج ها, روی همه ویرانه ها سرمایهگذاری کرد. باید نشان داد که حقیقت وجودی هر کسی فقط در جای واقعی خودش رهایی بخش خواهد بود ( نه بیشتر و نه کمتر ). لذا فرصت مساوی رقابت ( بدون رانت و تحزب و ایدولوژی و ... ) بتدریج همگان را سرجایش خواهد نشاند و فقط در چنین محیطی شاهد پدیده های اعجاب انگیز خواهیم بود، که گویا فقط چشمان حافظی، میتوانست آن پارادوکس های ظریف را ببیند: که کاندر این کشور گدایی رشک سلطانی بود !! دمی با غم به سر بردن جهان یک سر نمیارزد زهی سجاده تقوا که یک ساغر نمیارزد شکوه تاج سلطانی که بیم جان در او درج است کلاهی دلکش است اما به ترک سر نمیارزد چه آسان مینمود اول غم دریا به بوی سود غلط کردم که این طوفان به صد گوهر نمیارزد که شادی جهان گیری غم لشکر نمیارزد که یک جو منت دونان دو صد من زر نمیارزد
نویسنده مدعی اند : « ربط دادن سطح خُرد تحلیل به سطح کلان تحلیل در فرهنگگرایی معنویتگرا کار یک نظریهی کنش ویژه است، که به نحوی روشمند بتواند توضیح دهد چرا اگر تکتک افراد یک جامعه وضع و حال روحی و روانی بهتری پیدا کردند، فارغ از نهادها و ساختارها، وضع و حال جامعه هم بهتر میشود. » ؛ در حالی که بنا بر تعریف آقای ملکیان از « فرهنگ » ، هم اقتصاد و هم سیاست عناصر و اجزایی دارند که مصداق فرهنگ به شمار می روند . به سخن دیگر ، ایشان می گویند « در درون آدمیان سه چیز بیشتر وجود ندارد : یک سلسله باورها ، یک سلسله احساسات و عواطف و هیجانات ، و یک سلسله خواسته ها . رفتار انسان- چه رفتار گفتاری و چه رفتار کرداری- از مجموع باورها به علاوه احساسات و عواطف و هیجانات و به علاوه خواسته ها ، ناشی می شود . من به این سه ، عناصر درونی فرهنگ می گویم . » با این تعریف از فرهنگ ، اقتصاد و سیاست دارای عناصر فرهنگی هستند و توجه به « حال و وضع روحی و روانی افراد » سازنده جامعه ، فارغ از نهادها و ساختارها نیست . در مجموع ، بنا بر تعریف ملکیان از فرهنگ ـ سوای این که خود او این تعریف را در چه بافتی می گنجاند ـ ، با باور به اهمیت ساختار سیاسی و تعیین کنندگی بافتار اقتصادی ـ اجتماعی منافاتی ندارد .
با سلام نگاه جالبی بود. بنده از علاقه مندان رویکرد جناب ملکیان و آقای سریع القلم هستم به این معنا که باور دارم ساختار ها بر ساخته افراد هستند و تغییر ساختار بدون توجه به افراد بی معناست. این نوشتار فایده اش فهم این بود که تغییر مردم هم بدون توجه به نهاد ها و ساختارها که میتواند خروجی سیاست باشد، کار صحیحی نییت. برای توسعه باید هم افراد و هم ساختار مورد توجه قرار گیرند اما هنوز باید بپذیریم که فرهنگ گرایی اگر حتی به تنهایی موجب توسعه نمیشود اما اولویت دارد و البته باید توجه کنیم که فرهنگ گرایی بدیل سیاست زدگی نیست بلکه بدیل سیاست زدگی سیاست ورزیست و مکمل آن فرهنگ گرایی.
سلام نقد خوبيست .خسته نباشيد. مهم نوع ارتباطيست كه ميتوان در سطح كنش فردي و كنش اجتماعي برقرار كرد. اگر عقلانيت در كنار معنويت را ناديده بگيريم اين خلا وجود خواهد داشت ولي عقلانيت ارتباطي و نوع ساماندعي رفتار فردي در جهت خير عمومي توسط اين عقل ارتباطي ميتواند نقد مورد نظر را پاسخ گويد.بيافزاييد كه تفكيك انتزاعي عقل سياست معنويت نيز اگرچه براي. بحث مناسب است ولي در عرصه ي عيني اجتماع ارتباط ان ها ناگزير است و بايد در نقد و تحليل جايي داشته باشد