اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كان العلّامة الطباطبائي يعلّم أن الإيمان لا بد أن يُروى بالتفكر وإلا انتهى إلى العنف؛ لقد غيّر المناخ الفقهي الجامد في قم لصالح العقلانية الفلسفية وفتح باب الحوار مع الفلسفات الغربية؛ نظرة على سيرة المعلّم الكلّ وفكره.

تعلمت منه أن «الإيمان» لا بد أن يُروى بـ«التفكر والتعقل» وإلا انتهى إلى العنف...
كيف لي أن أصرف بصري عنه / وقد صرت بنظرة أولى إليه بصيرًا (سعدي)
عندما تطلبون مني أن أكتب كلمة عن تلك الروح الجميلة، العارف الفيلسوف والمعلم الكلي، العلامة الطباطبائي، كيف لي ألا ألبي هذا الطلب وألا أكتب عنه وألا أتذوق لذة تذكره! ما زلت حتى الآن شديد التأثر بشخصيته وسلوكه وإفاضاته.
كان محمد حسين الطباطبائي، الذي ظل سنين طوالاً أستاذ الفلسفة والتفسير بلا منازع في حوزة قم العلمية، وجودًا مباركًا. لقد غيّر بتدريسه الفلسفة في تلك الحوزة المناخ الفقهي المتجمد تغييرًا ملحوظًا لصالح العقلانية الفلسفية. وبتدريسه التحليلي والمنهجي لتفسير القرآن أفهم الحوزويين أن أساس المعارف الإسلامية هو «القرآن»، لا المتون الفقهية والأصولية أو الحديث. وبإلقائه دروس أصول الفلسفة (في ليالي الخميس) تصدى لمادية الدكتور تقي أراني ورفاقه ومهّد لمقدمات علم الكلام الجديد في تلك الحوزة (وهو أمر لم يُتابع للأسف).
لقد فتح، بصفته فيلسوفًا مسلمًا، طريق «الحوار» مع الفلسفات الغربية في إيران. وبلا مبالغة أقول إن الشخص الذي هزّ التفكير الديني في الحوزات الشيعية في القرن الأخير وأدخلها إلى العصر الجديد إلى حد ما هو شخص الطباطبائي لا أي شخص آخر. البذور الفكرية الجديدة الكثيرة التي تنمو وتتفتح اليوم في هذه الحوزات، وإن تعددت عللها وعواملها، إلا أن بستانيها الأول كان الطباطبائي بلا شك. ولكن، إضافة إلى كل تلك الإفاضات العقلانية التي ذكرتها، كان الطباطبائي «نموذجًا مشرقًا» للعرفان الإسلامي الإيجابي. كان الحضور بين يديه يرتقي بروح الإنسان. وعندما كنت تستمع إلى كلماته العرفانية كنت تدرك أنه قد أخرجك من فضاء الزمان والمكان الكميين. كانت شخصيته فريدة تمامًا، شديدة التأثير ومثالية في آن. كانت حياته تدل على أن عرفانه لم يأتِ من كتاب. وكنت تشعر بالحسرة لأنك ليتك تستطيع أن تحيا مثله.
كان الطباطبائي ينجز جميع أعماله الكبيرة في منتهى التواضع ودون تطلعات مادية أو اعتبارية. يعرف تلامذته أنه كان يؤمن معاشه سنين عديدة من عائدات حقوق التأليف المتواضعة التي كان يجنيها من نشر «تفسير الميزان». وقبل ثورة عام 1357، في ضائقة سياسية حيث تعرض لضغوط لتوقيع بيان، قال: «لا أملك من الآخوندية سوى هذا الثوب، وإن لزم الأمر فسأخلعه أيضًا». وكان كذلك حقًا. كان يُظهر بحياته أن الحديث عن الإيمان لا ينبغي أن يتحول إلى مهنة، وإذا حدث ذلك فسد الإيمان. كان يُظهر أن الإيمان لا بد أن يُروى بـ«التفكر» و«التعقل» وإلا انتهى إلى العنف. وكان يُظهر أن اللغة المبتذلة وغير المنضبطة والخالية من التأمل والتعمق ينبغي أن تُترك جانبًا في تعلم المعارف الدينية أو تعليمها، وإلا أصيب الدين بآفة العوام.
كاتب هذه السطور، الذي حضر جلسات تفسيره للقرآن مدة بشوق وافر ونال منها بهرة وافرة، وارتشف أحيانًا جرعة من لذة مصاحبته الشخصية، عندما أتأمل في ماضيَّ أراني أجد أن الطباطبائي قد أثّر في مسار حياتي الفكرية أكثر من أي شخص آخر. طوال 18 عامًا قضيتها في الدراسة بالحوزة العلمية في قم، وبين كل أولئك الحاملين لمختلف الألقاب، كان الطباطبائي وحده هو الذي كان، بتدريسه وسيرته وسلوكه، يدعو الشباب في مثل سني إلى التفكير ويصدهم عن الجمود على الظواهر والوقوع في خط السعي وراء الألقاب والتصدر والترؤس مدى الحياة.
هنا يطيب لي أن أنقل ذكرى جميلة عنه. لم أكن قد بلغت العشرين من عمري بعد، وكان ثمة هاجس فكري لا يفارقني ويؤرق ذهني. ذات يوم، أقدمت على تصرف أخرق وغير مدروس لحل تلك المشكلة. دون أي مقدمة، ذهبت في إحدى ساعات العصر إلى منزل الطباطبائي. طرقت الباب، فجاء هو بنفسه وفتحه، وبعد التحية والسلام قال لي: تفضل، ماذا تريد؟ قلت: سيدي، منذ مدة يراودني هذا السؤال: كيف يمكن الإيمان بإله هو غير العالم ومنفصل عنه؟ أنا لا أستطيع قبول إله كهذا، وهذه المسألة تؤرقني. ابتسم الطباطبائي ابتسامة خفيفة وقال لي، أنا الشاب الغض لكن الباحث عن الحقيقة: نعم، الأمر كذلك، فالإله المنفصل عن العالم لا معنى له، والإله ليس منفصلاً عن العالم، وقدم بعض الإيضاحات. هذا الجواب منه أراحني، فودعناه وانصرفت. لكنني شعرت بالخجل من نفسي لاحقاً، إذ كيف أقدمت على هذا التصرف الأخرق وغير المدروس، وذهبت إلى منزله دون مقدمات وأزعجته. وفي السنوات التالية، عندما درست الفلسفة الإسلامية وأكملت ما درسته بمطالعاتي الشخصية، فهمت بشكل أفضل إيضاحاته المختصرة التي قالها لي عند الباب.
________________
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.