اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتحدث مصطفى ملكيان في حوار مع صحيفة «إيران» عن سنوات دراسته الجامعية؛ منذ تحويل تخصصه من الهندسة إلى الفلسفة متأثراً بمحاضرة للمطهري ووالده، وصولاً إلى كلية الإلهيات وأساتذة كمهرداد بهار الذين كان نهجهم الأخلاقي مثالاً يُحتذى.

النص الحالي هو مجموعة حوارات تحت عنوان «سنوات دراستي الجامعية» مع مصطفى ملكيان، نُشرت حول سنوات دراسته الجامعية ودراسته الحوزوية في جزأين – بتاريخ 5 إسفند 1393 و24 فروردين 1394 – في صحيفة إيران.
.
.
حوار فاطمة فرامرزي مع مصطفى ملكيان
صحيفة إيران، العدد 5875، الصفحة 17، الثلاثاء 5 إسفند 1393
ثمة حاجة لسنوات طوال كي تبلغ ما تريد، لكن «العشق» و«الجهد» في غضون ذلك هما أهم المقومات التي تعيننا على بلوغ الهدف الحقيقي. لعل هذه العبارات هي أفضل وصف للحياة العلمية لشخصية لم تقترب من مشاهير هذه البلاد لتنهل من فضائلهم المعرفية فحسب، بل تلمذت لديهم أياماً وساعات طوالاً مصاحبةً لأخلاق ومنهج العديد من المفكرين، لترث اليوم غاية وهدف أساتذة يمكن التعرف على ثقافة وتاريخ هذا البلد من خلال تصفح آثارهم. يُعد الأستاذ «مصطفى ملكيان» المولود عام 1335 في شهرضا، من الباحثين المرموقين في مجال الفلسفة. وقد وجد الشرارات الأولى للاهتمام بالمباحث الفلسفية لدى والده، فعزم على أن يؤسس دراسته على هذا الحقل المعرفي، رغم أن ظروف الزمان لم تكن تسمح بمثل هذا الاختيار الدراسي، فاضطر، رغم أنه تلقى قسماً من مباحث الفلسفة الإسلامية لدى والده الذي كان من رجال الدين البارزين، إلى أن ينتهي به المطاف في تخصص لا ينسجم مع روحياته. لكن هذه كانت البداية، وطالب بمثل هذه الخلفية الفكرية لم يكن ليقعد أبداً، ونتيجة لذلك، صنعت منه سنوات حضوره في الجامعة والحوزة العلمية شخصية يمكن القول بجرأة إنها من المؤثرين في مجال الفلسفة، ويرجع إليه العديد من طلاب هذا التخصص ليجدوا إجابات عن أسئلتهم التي لا تُحصى، وهو بدوره، وعلى غرار سيرة أساتذته، يجيب عن كل سؤال من أسئلتهم دون ضنّ في المباحث العلمية، حتى اشتهر عنه أنه لا يترك أي سؤال دون جواب دقيق وعلمي. جلست مجموعة الفكر في «إيران» هذه المرة بنظرة مختلفة للحوار مع الأستاذ ملكيان لتسمع عن سنوات دراسته الجامعية وسنوات حضوره في الحوزة العلمية، ويختص الجزء الأول من هذا الحوار بسنوات دراسته الجامعية. اقرأوا اليوم الجزء الأول من هذه الدردشة الودية. وسينشر الجزء الآخر من هذا الحوار في الأيام القادمة.
في عام 1352 بدأت دراستي الجامعية في تخصص «الهندسة الميكانيكية» في جامعة تبريز (آذرآبادگان)، لكنني غيرت تخصصي لاحقاً.
الحقيقة أنني كنت شديد الاهتمام بالرياضيات البحتة. ولهذا السبب، درست فرع الرياضيات في المرحلة الثانوية، لكنني لم أكن مهتماً بالهندسة التي هي في الواقع فن وليست علماً بحتاً، ومع ذلك، وتحت تأثير الجو السائد في المجتمع وإلحاح بعض أقاربي، اخترت تخصص الهندسة الميكانيكية. لكنني أدركت في الجامعة أن اهتمامي الرئيسي هو الفلسفة فغيرت تخصصي.
لا أتذكر بالضبط كم وحدة دراسية أنجزت في تخصص الهندسة، لكن مرت حوالي سنتين. على كل حال، انسحبت وشاركت في امتحان القبول مرة أخرى وقُبلت في تخصص الفلسفة في كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة طهران.
في هذا الصدد، ينبغي أن أوضّح ثلاث نقاط؛ الأولى، أنني منذ أن بدأت بالمطالعة كنت مهتماً بخمسة مجالات تشمل «الفلسفة»، و«علم النفس»، و«الأدب الإيراني والعالمي»، و«العرفان»، و«الدين والمذهب».
ولتغيير تخصصي من الهندسة، ترددت بين اختيار «الفلسفة» و«علم النفس». لكن بدا لي لاحقاً أن الفلسفة أكثر جوهريةً مقارنةً بعلم النفس.
النقطة التالية هي؛ في الفترة ذاتها التي كنت فيها متردداً في اختيار أحد هذين التخصصين، حضرت مرةً في طهران محاضرة للأستاذ مطهري، وكنت قد قرأت كتبه قبل هذا اللقاء الحضوري. أتذكر أنه تحدث في هذه المحاضرة عن الفلسفة بلغة واضحة ومفهومة للجميع لدرجة أن الفلسفة بدت لي في تلك الجلسة حلوة المذاق، وبعد محاضرته تحولت الفلسفة بالنسبة لي إلى «رواية جذابة للغاية». وحتى الآن، عندما أقرأ كتاباً فلسفياً، أجد المتعة ذاتها التي أحصل عليها من الناحية الجمالية من قراءة النصوص الأدبية.
بالطبع، كانت هذه المحاضرة بحد ذاتها نقطة تحول في حياتي. فلو كنت قد حضرت محاضرة لمفكر آخر، لربما تغير قراري ومسار حياتي العلمية واتجهت نحو علم النفس.
أما النقطة الثالثة فهي أن والدي رجل دين، وكان من بين مختلف فروع العلوم والمعارف الإسلامية يشدد كثيراً على الفلسفة، ولهذا السبب، منذ أن بدأت الدراسة عنده في الرابعة عشرة من عمري، كنت أقرأ الفلسفة بشكل رئيسي.
نعم، كان لدي اهتمام، ولكن ليس بالقدر الذي اشتد عليه هذا الاهتمام لاحقاً. عندما كنت أودع تخصص الهندسة، كنت مفتوناً بالفلسفة. إضافة إلى أنني كنت قد قرأت سابقاً عند والدي أجزاءً من منظومة الحاج ملا هادي السبزواري والأنماط الثلاثة الأخيرة من كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا.
بصراحة، لم أجد في كلية الإلهيات بجامعة طهران شيئاً يبعث على التفاؤل باستثناء بضعة أساتذة. وفي هذه المرحلة بالذات تعرفت على المرحوم مطهري واستفدت من دروسه في مجال الفلسفة الإسلامية. وبالطبع كان هناك بضعة أساتذة آخرين، بالإضافة إلى أنني تعلمت منهم العلم بقدر طاقتي الذهنية، تأثرت بشخصيتهم وسلوكهم أكثر.
الشخص الذي تأثرت بسلوكه أكثر من أي أحد آخر هو الدكتور «مهرداد بهار»، ابن ملك الشعراء بهار. الحقيقة أن الدروس التي كان يلقيها كانت تدور غالباً حول تاريخ إيران القديمة ولغاتها وأديانها، ولم يكن لدي أي اهتمام تقريباً بهذه الموضوعات لأنني كنت مفتوناً بشدة بالفلسفة، لكنني رغم ذلك كنت أحضر صفه كمستمع حر فقط لأن شخصيته وسلوكه الأخلاقي والنفسي كانا يأسراني. أي أنني أقول بكل تأكيد إنني لم أرَ شخصاً يولي الأخلاق كل هذه الأهمية ويجسدها في سلوكه بشكل عملي.
الشخصية الثانية التي كانت أستاذاً في كليتي وكان لزاماً عليّ أن أجتاز وحداته الدراسية، لكنني كنت أذهب إلى صفه أكثر بكثير من الوحدات الإلزامية، هو الدكتور «أمير حسين يزدكردي» الذي كان من أبرز تلامذة «بديع الزمان فروزانفر»، ومنذ الشهر الثاني لدخولي الكلية، وبرغبة منه، توثقت صلتي به، وكنت أذهب أياماً متعاقبة، وعلى الأقل ثلاثة أيام في الأسبوع، إلى منزل الدكتور يزدكردي وأستفيد من مجالسته من الناحية العلمية، وخصوصاً في مجال اللغة والأدب الفارسي. وبالطبع، كان يتمتع بشخصية أخلاقية جداً، وفي الوقت نفسه كان حساس المزاج وسريع الانفعال، لكن إجمالاً، أثرت تصرفاته فيّ كثيراً. كنت أحضر عنده كتلميذ، فمثلاً إذا أراد أن يعرف إن كان بيت شعر معين موجوداً في ديوان الخاقاني أم لا، كنت أقلب له ديوان الخاقاني وأبحث عنه.
أما الشخصية الثالثة التي ربما كانت الأكثر تأثيراً فيّ من الناحية العلمية والأخلاقية فكانت الدكتور «عبد الحسين زرين كوب». كان يدرّس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، لكنني كنت أحضر محاضراته. لقد كان يتمتع بأخلاق إنسانية رفيعة، وكان نبيلاً وكريم المحتد بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولهذا ترك فيّ أثراً عميقاً، حتى أكثر من الأستاذين اللذين ذكرتهما آنفاً.
في رأيي، كان الأستاذ زرين كوب في تاريخنا المعاصر، أي منذ الدستورية (المشروطة) إلى الآن، أحد الأفراد القلائل الذين اتسم إحاطتهم بثقافتنا وإحاطتهم بالثقافة الغربية، في مجال الأدب والتاريخ معاً وفي مجال الفلسفة، بنوع من التعادل والتوازن. لذلك، أولاً كان ينظر إلى كل شيء من «جوانبه المتعددة»، وثانياً كان منصفاً حقاً في أحكامه. من بين الأساتذة الذين حضرت مجالسهم، لم أُعجب بإحاطة أي أستاذ بقدر إعجابي بإحاطة زرين كوب، حتى بعد أن التحقت بالحوزة العلمية في قم، لم يؤثر فيّ أي أستاذ هناك بقدر ما أثر فيّ الدكتور زرين كوب.
كان زرين كوب شديد التواضع، طيب القلب، وكان عوناً كبيراً لأهل المطالعة والبحث. لم أرَ في زرين كوب أي نوع من البخل العلمي، وكلما تذكرته امتزجت روحي بالحسرة؛ لأنني أقول لنفسي دائماً كان بالإمكان الاستفادة منه أكثر من ذلك بكثير. بالطبع، لقد استفدت من حضوره قدر استطاعتي، وشاركت في جميع المحاضرات التي كان يعقدها سواء في مرحلة الماجستير أو الدكتوراه. لكن رغم ذلك، لا تزال هذه الحسرة تراودني.
أقول بملء الفم إن أولئك المشهورين اليوم كأساتذة من الطراز الأول في اللغة والأدب الفارسي لم يكتبوا حتى الآن فقرة واحدة مثل الدكتور «زرين كوب»، لا من حيث الإتقان العلمي ولا من حيث البلاغة والفصاحة التي امتلكها في كتاباته.
بقي الأستاذ زرين كوب، على الرغم من شهرته، مجهول القدر، وأغتنم هذه الفرصة لأوصي أصدقائي الشباب بأن على أولئك الذين يريدون معرفة ثقافتنا حق المعرفة أن يقرؤوا بالتأكيد دورة من مؤلفات زرين كوب الكاملة، وألا يتجاوزوا أي نقطة ببساطة، لأن زرين كوب قد تأمل وقدم حصيلة تأمله، والآن بعد التأمل قد نقبل كلامه أو لا نقبله، لكن لا ينبغي الاستخفاف بكلامه أو تجاهله.
على الرغم من كل ما أُثير من أقاويل حول كتاب «قرنان من الصمت»، حيث قال البعض إن كتابة هذا الأثر كانت تحت تأثير العواطف بشكل أكبر، يجب أن أقول إنه على أية حال اعتذر هو نفسه لاحقاً. لم أره قط يتراجع عن «قرنان من الصمت». بالطبع، يجب دائماً أن نأخذ الضغوط بعين الاعتبار، لقد كان يتمتع دائماً بروح مسالمة ومحبة للهدوء في مواجهة هذه الضغوط.
بشكل عام، أعتقد أنه حتى لو قبلنا أن زرين كوب قد تراجع عن كتاب قرنان من الصمت، فإن الحقائق الموجودة في هذا الكتاب، أولاً، لا يمكن إنكارها. وفي المقام الثاني، إن من علامات طلب الحق والإنصاف العلمي، بالمناسبة، أن يعترف المرء إذا ما أدرك في مرحلة من عمره أن قولاً صدر عنه كان خاطئاً؛ كما فعل زرين كوب ذلك.
لكن، بغض النظر عن كل هذا، فإن سجل زرين كوب هو سجل ناصع حقاً، ويؤسفني كثيراً أن أرى أعماله لا تحظى بالاهتمام اللازم في هذه السنوات.
عندما كنت طالبًا في كلية الهندسة، كان لدي ثلاثة أصدقاء حميمين جدًا، وللأسف فقدت أثر أحدهم الذي كنت شديد التعلق به. أما الاثنان الآخران فقد أصبحا من المشاهير.
أحدهما هو «حسين علائي» الذي أصبح لاحقًا من كبار قادة الحرس الثوري. كان رجلاً أخلاقيًا للغاية، بسيط العيش، ومتدينًا بالطبع. والصديق الآخر الذي صار من المشاهير لاحقًا هو الدكتور «مهر علي زاده» الذي تولى رئاسة منظمة التربية البدنية في البلاد لفترة، وقد كنت على علاقة حميمة جدًا به. أما الشخص الثالث، فصورته عالقة في ذهني، لكنني نسيت اسمه للأسف.
أما عن السنوات التي قضيتها في كلية الإلهيات، فلعل أقرب أصدقائي إليّ في تلك الفترة كان «محمد مسجد جامعي»، وقد تعرفت من خلاله لاحقًا على «أحمد مسجد جامعي» ونشأت بيننا صداقة تعود إلى عام 1354، أي أن صداقتي بهذين الأخوين تمتد لأربعين عامًا بالضبط. وبالطبع، بعد قيام الثورة، ابتعدت فكريًا وعاطفيًا إلى حد ما عن محمد مسجد جامعي، ولكن على أية حال، كان كلا الأخوين إنسانين طاهرين ونزيهين. وبعد تعرفي عليهما، تواصلت مع والدهما الجليل، وكذلك مع أصغر الإخوة وهو «علي رضا مسجد جامعي»، وما زلت أذكر تلك السنوات دائمًا باعتبارها من أفضل فترات حياتي. في الواقع، كانت صداقتي بهم من أجمل أحداث فترة دراستي في كلية الإلهيات بجامعة طهران.
أما صديقي الآخر خلال دراستي في كلية الإلهيات، فكان الابن الأكبر للمرحوم مطهري. لقد قُبل في الجامعة في نفس العام الذي نجحت فيه أنا في امتحان القبول، وأصبح زميلي في الصف، وهكذا فإن معرفتي بـ «مجتبى مطهري»، شقيق علي ومحمد مطهري، زادت من قرابتي بالمرحوم مطهري.
الحقيقة أنني في فترة دراستي الجامعية لم أكن طالبًا سياسيًا قط، ولم أنتمِ إلى أي جماعة أو حزب طلابي. بل لم أكن من هواة الضجيج الطلابي حقًا، ولم أشارك في أي نشاط سياسي طلابي. بالطبع، كان لدي أصدقاء ناشطون على الصعيد الطلابي، لكن تعاملي معهم كان في الغالب لأجل المطالب العلمية، وإن تحول الحديث إلى السياسة، كنت أغادر الجمع.
كما ينبغي أن أشير هنا إلى ملاحظتين: الأولى، أنني بحكم نشأتي الأسرية لم أكن موافقًا على نظام بهلوي، لكن عدم الموافقة هذا كان امتعاضًا قلبيًا لم يترتب عليه أي نشاط في الخارج. والملاحظة الثانية، أنه منذ عام 1356 حين بدأت الانتفاضة الشعبية، كنت أشارك في المظاهرات، لكن مشاركتي كانت من قبيل «مشاركة الأكثرية الساحقة من الناس»، ونهضت «مع الجميع»، لا أن أنهض قبل الجميع كعلامة احتجاج.
نعم، عندما أراجع الماضي الآن، أرى أن ما ألتزم به في السنوات الأخيرة كان معتقدي في تلك السنوات أيضًا؛ «السياسة من منظوري فرعٌ عن الثقافة». لطالما اعتقدت أن المشكلة الوحيدة لأي مجتمع، أو علة العلل لمشكلته، هي ثقافة أبناء ذلك المجتمع، وأن السياسة هي الثمرة التي تظهر على شجرة ثقافة المجتمع. فإن كانت هذه الثمرة غير ناضجة، أو كريهة الرائحة، أو سامة، فسببها جذر شجرة الثقافة هذه. ولهذا السبب، أولي المسائل الثقافية أهمية دائمًا، ولعل أصدقائي الذين كانوا زملائي في الصف آنذاك يعرفون أنني كلما تحول النقاش إلى المسائل الثقافية، كنت أدخل فيه بنوع من الحماسة والغيرة، وأتناوله بجدية، وأكون متابعًا للنقاش، وحتى بعد انتهاء الجلسة كنت أقرأ الكتب حول ذلك الموضوع. لكن بمجرد الدخول في المسائل السياسية، كنت أغادر، ولم تكن لدي أي رغبة في المباحث والمسائل السياسية قط.
كنت في سكن أمير آباد الجامعي. وكان النظام آنذاك أن تُمنح في السنة الأولى من الليسانس غرفة لأربعة أشخاص، وفي السنة الثانية غرفة لثلاثة، وفي السنة الثالثة غرفة لشخصين، وفي السنة الرابعة غرفة فردية.
أذكر أنني في السنة الرابعة، حين صارت لدي غرفة فردية، كنت أذهب فأشتري طبقاً أو طبقين من البيض، مع دلو كبير من اللبن، وعشرين رغيفاً من الخبز، وأحياناً قليلاً من الطماطم والخيار، ثم أدخل غرفتي وأغلق الباب من الداخل بالمفتاح لكي يظن الأصدقاء أنه لا أحد في الغرفة، ولن تصدقوا أنني كنت أمكث هناك حتى تنفد جميع المؤن!
طبعاً، بصرف النظر عن هذا، كنت في السكن أيضاً وحيداً مع نفسي، ولم أكن أختلط كثيراً بالآخرين، كما أن طبعي الآن أيضاً يميل إلى العزلة والانزواء، رغم أنني بحكم مهنتي أحتك كثيراً بالمجتمع. لكن أفضل أوقاتي في اليوم والليلة هي الساعات التي أخلو فيها إلى نفسي.
.
.
حوار فاطمة فرامرزي مع الأستاذ مصطفى ملكيان
صحيفة إيران، العدد 5903، الاثنين 24 فروردين 1394 - صفحة 17
في الخامس من شهر إسفند من العام الماضي، نُشر في "صفحة الفكر" حوار مع الأستاذ مصطفى ملكيان بعنوان "جذور خلاص المجتمع تكمن في الثقافة"، حدثنا فيه ملكيان عن أيام دراسته الجامعية؛ منذ عام 1352 حين بدأ دراسة "الهندسة الميكانيكية" في جامعة تبريز، وكيف تغير مساره الدراسي إلى "الفلسفة" بعد حضوره محاضرة للأستاذ المطهري، فالتحق بكلية الإلهيات في جامعة طهران، حيث حضر دروس أساتذة مثل "مهرداد بهار" ابن ملك الشعراء بهار، وأمير حسين يزدگردي، وعبد الحسين زرين كوب، ونهل من علمهم، وروى لنا عن صداقته مع عائلة مسجد جامعي والابن الأكبر للأستاذ المطهري. لكنه، ولأن ما كان يصبو إليه لا يزال بعيد المنال، ترك الجامعة أيضاً وقصد حوزة قم العلمية، حيث أمضى قرابة عشرين عاماً من مسيرته الدراسية في هذا الفضاء. في تتمة هذا الحوار، الذي تقرؤونه اليوم، يتحدث الأستاذ ملكيان عن سنوات طلبه للعلم في حوزة قم العلمية، ومن خلال تجربته في الدراسة في الجامعة والحوزة العلمية، يقيّم ويقارن بين النظام التعليمي في الحوزات العلمية والنظام التعليمي في الجامعات. تابعوا قراءة خلاصة هذا الحوار الودي:
رأيت أنه ينبغي لي أن أتعمق في معرفة تراثنا الثقافي من جانبه الإسلامي، وكنت أرى أنني لم أحصل في الجامعة على معرفة كافية بهذا الشأن، ومن هذا المنطلق توصلت إلى نتيجة مفادها أن أذهب إلى حوزة قم العلمية وأواصل دراستي هناك.
طبعاً، ظل اهتمامي الرئيسي حتى بعد دخولي حوزة قم العلمية منصباً على الفلسفة والحكمة والعرفان الإسلامي، ولكن رغم هذا الاهتمام، لم يكن لي بد من أن أدرس "الفقه" و"الأصول" كغيري، لأنهما أهم علمين يُدرَّسان ويُتعلَّمان في الحوزة. أعني أن حوزاتنا العلمية، خاصة في القرون الأخيرة وبالأخص بعد سيطرة الصفويين على إيران، تسعى أساساً إلى أن تصنع من طالب العلم "فقيهًا"؛ ونتيجة لذلك، ينصب كل تركيزها على الفقه وأصول الفقه، وتصبح الفلسفة والحكمة والعرفان، بمعنى واضح، على هامش الفقه وأصول الفقه.
من هذا المنطلق، درست أصول الفقه أيضاً، وبلغت، كما يقول الحوزويون، مرتبة "خارج درس الفقه" و"خارج درس الأصول".
الحقيقة أنني بدأت أستمتع تدريجياً بعلم الأصول، وجذبتني بعض تدقيقات الأصوليين لدينا، التي تشبه إلى حد كبير دراسات وأبحاث فلاسفة اللغة في الغرب، وما زلت مهتماً بأصول الفقه. لكن في تلك الفترة، كان اهتمامي الأكبر منصباً على الفلسفة والعرفان.
أعتقد أن حوزاتنا العلمية، حتى لو كانت أهدافها هي ذات الأهداف التي سعت إليها الحوزات العلمية الشيعية في الـ 400 عام الماضية، فلا يزال بالإمكان تحقيق تلك الأهداف بوسائل أفضل بكثير في مجالات التعليم والبحث والتربية.
قبل سنوات، (أظن في إحدى الذكرى السنوية لوفاة الأستاذ مطهري في كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة طهران، وكنت أدرّس هناك آنذاك)، ألقيت محاضرة حول مقارنة النظام التعليمي في الحوزات العلمية والنظام التعليمي في الجامعات، وسردت فيها نقاط القوة والضعف لكل منهما مقارنة بالآخر، ولا أرى حاجة لتكرارها الآن؛ لكن يجب أن أقول إنني أعتقد جازماً أنه حتى أولئك الذين لا يزالون يرون أن أهداف الحوزات التعليمية والتربوية والبحثية هي ذات أهداف القرون الماضية، يمكنهم تحقيق تلك الأهداف بوسائل أكثر عقلانية وأسهل وأكثر ضماناً وأقل مضاعفات.
على كل حال، دخلت حوزة قم العلمية في شهر مهر (سبتمبر/أكتوبر) من عام 1358 هـ.ش (1979م) وتركتها في عام 1377 هـ.ش (1998م)، علماً أنني قررت في عام 1372 هـ.ش (1993م) الخروج من نظام الحوزة، حتى أنني اشتريت منزلاً في طهران وكنت على وشك الانتقال، لكن بعض أساتذتي أصروا على بقائي في الحوزة وأقنعوني بالعدول عن القدوم إلى طهران. لكن على أية حال، بعد خمس سنوات من هذه الواقعة عدت إلى طهران مرة أخرى.
نقدي موجه في آنٍ معاً إلى "الكتب الدراسية" التي تُدرّس في الحوزة وإلى "طريقة تدريس" هذه الكتب، كما أن نقدي موجه إلى البحث الذي ينبغي على الطلاب القيام به أثناء التعليم وبعده. أعتقد أنه يمكن اتباع نهج وأسلوب آخر في هذا الصدد.
هذه القصة مفصلة، لكن دعوني أذكر نقطة واحدة، وهي أنه في حوزاتنا العلمية، ومنذ القدم، لم يتم التمييز بين الكتاب المدرسي (Text book) والكتاب المرجعي (Hand book). في الواقع، جميع كتبنا في الحوزات العلمية تقريباً هي كتب مرجعية (Hand book) بدلاً من أن تكون كتباً مدرسية (Text book).
أحياناً أعبر عن الكتاب المدرسي (Text book) بـ "المنهج الدراسي"، وأعتقد أنه يجب مراعاة عدة نقاط في "المنهج الدراسي"؛ أولاً، يجب أن يكون واضحاً تلاميذ أي صف هم المخاطبون بهذا الكتاب المدرسي، فلا يمكنك تدريس كتاب الصف الأخير من المرحلة الثانوية لطلاب الصف الثاني من المرحلة المتوسطة. للكتاب المدرسي دائماً مخاطبون محددون ومعينون.
ثانياً، في الكتاب المدرسي، لا ينبغي افتراض معرفة مسبقة بأي مطلب، بمعنى أنه إذا كان كتاب الفيزياء للصف الأخير من المرحلة الثانوية يفترض معرفة مسبقة بمطلب ما، فيجب أن يكون هذا المطلب قد ورد في كتب السنوات السابقة؛ لا يمكننا أن نعتبر نقطة ما مسلّماً بها وأن طلابنا وتلاميذنا يلمون بها بالتأكيد، بينما هم لم يواجهوها من قبل في السنوات الماضية ولم يتم تدريسها لهم؛ بعبارة أخرى، يجب مراعاة "مبدأ التدرج" في الكتب المدرسية.
أما السمة الأخرى لـ "المنهج الدراسي" فهي أنه يجب طرح جميع الآراء والنظريات حول كل مسألة وموضوع ومشكلة، لا أن يُذكر فقط رأي ونظر مؤلف الكتاب المدرسي نفسه.
بمعنى أنه إذا كنت أكتب كتاباً مدرسياً في الفيزياء وكان هناك خلاف في الرأي حول بحث ما، فيجب أن أعرض آراء الآخرين، مثلاً إذا كان الموضوع حول ما إذا كان الضوء يتحرك "كموجة" أم "كجسيم"، فقد أعتقد أنا المؤلف، افتراضاً، أن الضوء يتحرك كموجة، وهناك من يعتقد أنه يتحرك كجسيم، وآخرون يعتقدون أن الضوء يتحرك بشكل ثالث.
أنا، كمؤلف للكتاب المدرسي، ولأنني أريد تدريس الفيزياء لتلاميذي، لا ينبغي أن أقدم الفيزياء من منظوري الخاص فقط، بل يجب أن أخصص مكانة لآراء ونظريات الآخرين أيضاً وأن أدرس آراءهم ونظرياتهم.
ومن السمات الأخرى أنه ينبغي دائمًا في الكتاب المدرسي مراعاة سيكولوجيا التعليم والتعلم. لأننا نعلم في أي سن وفي أي مرحلة يوجد مخاطبونا الآن من حيث العلم والفهم وقدرة التفكير والتجارب الذهنية، لذا يجب أن نضع هذا الأمر في الاعتبار عند طريقة عرض المادة.
أما الموضوع الآخر، فهو بخصوص «الدليل» أو Hand book. «الدليل» ليس كتابًا دراسيًا على الإطلاق، بل على سبيل المثال، آتي أنا المؤلف بوصفي عالمًا في أحد العلوم وأعرض آرائي ونظرياتي حول موضوع ما وأدافع عنها، ثم أؤيد الآراء والأدلة التي تصب في صالحي وأرفض في مقابلها الآراء المخالفة لرأيي.
عندما يُكتَب «الدليل» فإن افتراضي أنا المؤلف هو أنني أكتب لأقراني لا لتلامذتي، والافتراض هو أن مخاطبي الكتاب يعرفون بقدر ما أعرف أنا المؤلف، وأنا في هذا الأثر أعرض رأيي فحسب. الآن إذا جئنا وقمنا بتدريس الدليل فحسب، فيجب أن أقول إننا لم نفعل شيئًا سوى تضييع الوقت واستنزاف طاقة المخاطبين.
ما يجري هو أنه في حوزاتنا العلمية يُفترض أن كل ما كتبه عالم أو فقيه يجب أن يُتخذ كتابًا دراسيًا بحذافيره، مع أن أيا من هذه الآثار لا يُعتبر كتابًا دراسيًا.
تصوروا كم من الطاقة يبذلها الطلاب لتعلم هذه «الأدلة». إنني أقول هذا عن حسن نية حقًا؛ ساعات كثيرة تُقضى في حوزاتنا العلمية وكم من طاقة ومواهب دماغية وذهنية للطلاب تُستنزف في هذه القضية، في حين أنه لا يُلتفت كثيرًا إلى هذه النقطة المهمة وهي أنه حتى لو كان الطرف الآخر أهم مؤلف في حقل معرفي ما، فهذا لا يعني أن علينا تدريس كتابه، بل ينبغي لنا أن نؤلف كتابًا دراسيًا.
بالطبع كانت هناك استثناءات قليلة، خاصة في السنوات الأخيرة، مثل الآثار التي كتبها المرحوم «المظفر»، فقد ألف كتابًا في المنطق، وهو المنطق الأرسطي التقليدي نفسه بالطبع، وألف أيضًا كتابًا دراسيًا في أصول الفقه يُعدان حقًا «كتابين دراسيين»، ويستخدمهما الطلاب بسهولة أكبر، رغم أنه بالرغم من المساعي الكبيرة للمرحوم «المظفر»، فإنه لم يراعِ جميع خصائص الكتاب الدراسي. لكن مع ذلك، يستفيد الطالب أكثر بمراجعته لكتابه لأنه أكثر انسجامًا مع أصول الكتاب الدراسي والتعليمي.
منذ عام 1358 حين دخلت حوزة قم العلمية، وحتى عام 1368 خاصة، أي لمدة 10 سنوات، كنت أتعاون عن كثب مع آية الله مصباح يزدي، لكنني في هذه المدة قرأت عنده فقط جزءًا من «الأسفار» لصدرا الشيرازي، وهو «علم النفس» لصدرا الشيرازي.
بعض الأشخاص، ولأهداف خاصة، اعتبروا فترة حضوري وتعاوني مع آية الله مصباح يزدي بمثابة علاقة أستاذ وتلميذ، ويجب أن أقول إن الأمر لم يكن كذلك.
لقد تتلمذت أكثر عند آية الله جوادي آملي. من حيث تعلم الفلسفة الإسلامية، قضيت معظم وقتي عند آية الله جوادي آملي. لقد تعلمت الفلسفة والعرفان عنده.
طبعًا، إشاراتي إلى هذه المسائل لا تعني أمرين: أولهما أنني أنكر تعاوني وتتلمذي عند آية الله مصباح، بل أقول فقط إنني كنت عنده في كتاب واحد، وتعلمت حجمًا كبيرًا من آثار الفلسفة والعرفان الإسلامي عند آية الله جوادي آملي. والنقطة الأخرى هي أن ذكر هذه المسائل لا يعني أنني بهذه الطريقة أتبرأ من آية الله مصباح وأتولى آية الله جوادي آملي، كلا على الإطلاق.
أما بخصوص سؤالك عمّن جذبني إليه في الحوزة العلمية بقم، فينبغي أن أقول إن أحد الأساتذة، وهو بالمناسبة ليس أستاذاً مشهوراً، كان يجذبني بشدة من الناحية الأخلاقية، وقد قرأت بحضرته أجزاءً كثيرة من «منظومة» الملا هادي السبزواري و«الإشارات والتنبيهات» لابن سينا. إنه فقيه يُدعى «أنصاري شيرازي»، وكان بالمناسبة من أصدقاء والدي. ما تعلمته منه هو الأخلاق النقية والطاهرة والمتدينة، ولهذا أحمل ذكرى طيبة عنه.
الشخصية الأخرى هي الأستاذ «ستوده»، الذي درست الفقه عنده، وكان يتمتع بتمكن ممتاز جداً من الدرس، وقد أمضيت بحضرته قسماً كبيراً من «مكاسب» الشيخ الأنصاري. كنت شديد الافتتان بأخلاقه، لأنه كان بلا تكلف ولا تصنع حريصاً حقاً على الطلاب، وكنت أحبه.
هناك ثلاث نقاط أود ذكرها، إحداها مسألة أراها في كثير من الحوارات الشفهية والصحف، وهي مقارنة طلاب سنوات 1355 مثلاً حتى قيام الثورة بطلاب الوقت الحاضر. تُقال في هذا الباب أمور كثيرة.
حين انتصرت الثورة كنت شاباً في الثانية والعشرين من عمري. عندما أقارن نفسي كشاب في الثانية والعشرين عام 1357 بشاب في الثانية والعشرين عام 1393، أرى بينهما فارقين بارزين. فارق يُشار إليه أحياناً بشكل غير دقيق، وفارق آخر قلما يُلتفت إليه.
انظروا، من حيث المثل الاجتماعية والسياسية، كان لشباب تلك السنوات مثل اجتماعية وسياسية أسمى وأبرز بكثير. لكن ما أعنيه بالمثل الاجتماعية-السياسية هو في الواقع العدالة، والقضاء على الفقر، والقضاء على نوع من الجهل العام.
هذا ما أعنيه بالمثل الاجتماعي والسياسي. كان شاب تلك السنوات يرى نفسه أكثر التزاماً بالسير في طريق «بسط العدالة» و«إشاعة الحرية» في المجتمع واجتثاث الفقر، والسعي في طريق تنمية الثقافة العامة. أما اليوم فشبابنا أقل حساسية بكثير، لكن هذا لا يعني أنهم بلا مثل، فقد أصبحت مثل شبابنا اليوم أخلاقية، غير أن هذه المثل الأخلاقية هي في الغالب مثل الأخلاق الفردية لا الأخلاق الاجتماعية.
الشاب اليوم، قياساً بشاب ذاك الزمان، أكثر فردانية وذاتوية، لكن في الاتجاه الآخر، وهو العلم والفهم وقوة التفكير، لا أشك مطلقاً في أن شبابنا اليوم متقدمون كثيراً على الشباب الذين كانوا من جيلي أو الذين أمضوا سني دراستهم الجامعية في سنوات ما قبل الثورة. شبابنا اليوم أكثر تفكيراً وأعمق نظراً، وهم أكثر إلماماً ومراساً بثقافة العالم والثقافة الغربية.
لكنني في هذا المقام أود أن أجري مقارنة أيضاً بين شباب إيران اليوم وشباب العالم الإسلامي اليوم، سواء في المنطقة الناطقة بالتركية أي تركيا، أو المنطقة الناطقة بالعربية أي البلدان العربية، أو المنطقة الناطقة بالإنجليزية مثل إندونيسيا وماليزيا والهند وباكستان، والذين كانت لي بهم مواجهة عن قرب.
أرى اليوم أن قوة التفكير وعدم الانخداع لدى شبابنا، وكذلك ممارسة الاستدلال والنزعة الفلسفية لدى شابنا اليوم، هي أكثر بكثير من سائر أقرانهم في بلدان العالم الإسلامي الأخرى، وهذا الأمر يسعدني ويملؤني أملاً، وقد رغبت في أن أشير إليه في هذا المقام.

علم الاجتماع
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.