اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
معظمنا ينظر إلى الخارج غافلًا عن الداخل، مع أن طبيعة كل إنسان فريدة. لا يمكن استعارة السعادة من آخر؛ بل ينبغي أن يصير المرء ما لا يستطيعه سواه؛ وكما لا يُسأل سوسيا: «لِمَ لم تكن موسى؟» بل «لِمَ لم تكن سوسيا؟»

1
في الحفلات أو لقاءاتنا مع أصدقائنا نتحدث عن أمور شتى؛ الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لبلدان العالم، أسعار المساكن، فريق كرة القدم الذي نشجعه، الأشياء التي اشتريناها، ظروفنا الوظيفية، زواج وطلاق أقاربنا. نبحث في الإنترنت والمجلات والكتب عن معلومات عن حياة النباتات والحيوانات، أوضاع المجرات، وجود كائنات فضائية، الحوادث المروعة أو الوقائع العجيبة والغريبة، سِيَر المشاهير، كيفية التأثير في الآخرين. انزعاجنا هو لماذا يتساقط شعرنا، لماذا لم يسأل فلان عن أحوالي بحرارة، وأسباب أخرى كثيرة. يبدو أن حكاية عمومنا نحن البشر هي هكذا، أي أن تفكيرنا وكلامنا ينصرف في الغالب إلى موضوعات ومسائل من هذا القبيل. القاسم المشترك بين هذه الأفكار والأقوال هو أنها متجهة إلى خارجنا لا إلى داخلنا. بعبارة أخرى، إذا كان لي ولكم داخلٌ وخارجٌ، واعتبرنا داخلَنا مجموعَ أفكارنا ومشاعرنا ورغباتنا وأقوالنا وأفعالنا، واعتبرنا خارجَنا أمورًا عدا هذه مما أشير إليه أعلاه، فإن معظم وقتنا وطاقتنا في التفكير والكلام يُستهلك في الخارج. بتعبير آخر، معظمنا "خارجيّ النظرة" لا "داخليّ النظرة"، وكأن عين أذهاننا وضمائرنا محدّقة في المناظر الخلابة لساحة الجار! 1
2
عندما تكون نظرتنا في معظم الأوقات إلى خارج أنفسنا، فإن الالتفات إلى الداخل ورصد الأبعاد والساحات الداخلية يحتاج إلى إشارة وتذكير وتنبيه، وتكتسب "معرفة الذات" شأنًا ومكانة رفيعة، كما كانت عند سقراط، أحد أعظم معلمي البشرية، حيث "اعرف نفسك" هي أصل الحياة الإنسانية وأساسها المتين، وتقترب منها أبحاث علماء النفس ومساعي المعالجين النفسيين.
يقول سعدي، لتفهيم أحوال عمومنا نحن البشر الغافلين عن دار ذواتنا:
دخل منجّم إلى بيته، فرأى رجلًا غريبًا جالسًا مع زوجته. فانطلق بالشتائم والكلام البذيء وقامت الفتنة والضوضاء. فقال صاحب قلب واعٍ كان مطلعًا على الأمر:
ماذا تدري ما في أوج الفلك، وأنت لا تدري من في دارك[1]
ويقول مولوي أيضًا في وصف الآدميين الغافلين عن أحوال ذواتهم، العارفين بأحوال الزمان وأنواع المعارف الخارجية:
يعرف مئة ألف فصل من العلوم، ولا يعرف ذلك الظلوم نفسه
يعرف خاصية كل جوهر، وفي بيان جوهر نفسه كالحمار
يقول: أعرف يجوز ولا يجوز، ولا تدري أنت أجائز أنت أم عجوز
تعرف قيمة كل بضاعة ما هي، ولا تعرف قيمة نفسك، أحمق أنت
عرفت السعود والنحوس، ولا تدري أنت سعيد أم شقيّ [2]
إذن فالحديث عن شخص تحققت معرفته بخارج نفسه على حساب جهله بداخلها، ولم يستطع (أو لم يرد!) على الأقل، بين الفينة والأخرى، أن يستخبر عن ذاته.
3
بالتفاتنا إلى أنفسنا ورجوعنا إلى ذواتنا نكتشف أن تاريخ حياة كل واحد منا يختلف عن الآخر، أي أن الأروقة التي عبرنا منها كانت خاصة وفريدة. بالتدقيق في المصادر والمنابع التي رسمت كوني أنا وكونك أنت، يمكن تمييز ثلاثة منها؛ الوراثة، والتنشئة والتربية، والتجارب. بعبارة أخرى، البرنامج الجيني الذي ورثناه عن آبائنا وأجدادنا، وطريقة التنشئة والتربية التي تلقيناها في طفولتنا، والتجارب والأحداث الجيدة والسيئة والصغيرة والكبيرة التي مررنا بها غالبًا بعد الطفولة، هي التي شكلت طبيعة وشخصية كل واحد منا. من الواضح أن خلفية وتاريخ حياتنا يختلف من هذه الجهات الثلاث؛ فلا يوجد فردان لهما برنامج جيني وتنشئة وتربية وتجارب متماثلة، ولهذا السبب، لا يوجد فردان لهما طبيعة وشخصية متشابهتان. إذن، أنا وأنت، كل واحد منا عالم بذاته؛ عالمي، عالمك. وهذا يعني تفرّد كل واحد منا. لي في مجموعة الوجود، وجود فريد، وكذلك أنت.
4
ما عادةً نرى الفروق الفردية بيننا على مستوى العادات والأذواق والسلوكيات، فمثلاً أحدنا يفضّل المشاركة في الحفلات الودّية والمساهمة في القرارات الصعبة والحوار مع الآخرين والتنزّه، وفي المقابل، يفضّل آخر أن يكون مجرى حياته أكثر هدوءاً. أو يفضّل البعض مواجهة أحداث الحياة وتقلّباتها بالتحليل المنطقي والمواجهة العقلانية وبأقل قدر من تدخّل المشاعر والعواطف، بينما لا يرى آخرون في أنفسهم القدرة على التخلّي عن مشاعرهم وعواطفهم عند مواجهة الأحداث.
لكن بالتأمّل الذاتي والتعمّق في طبقاتنا الداخلية نرى أن هذه ليست سوى الطبقة السطحية وتجلّيات من طبيعة وشخصية كلّ واحد منا الفريدة. لاكتشاف وتعريف وجهنا المتفرد، علينا أن نصير غوّاصي الباطن ونسافر إلى أعماق دواخلنا! هذا السفر الداخلي هو الذي يأخذنا للقاء أنفسنا ويغيّر ويحوّل تصوّرنا عن أهدافنا، وعن طريقة عيشنا، وعن حدودنا، وعن قدراتنا، وعن طريقة العيش التي تناسبنا وأسلوب الحياة الغريب عنا.[3]
5
إذا كنّا غير مبالين بعالمنا الداخلي وبقيت أرض وجودنا الفريد غير مكتشفة، فكأننا طيلة العمر، دون أن ندري، ننشغل ببناء بيت لا يخصّنا، وعندما نريد السكن فيه، نكتشف أننا لسنا مالكيه. يقول مولانا مشفقاً بنا:
في أرض الآخرين لا تبنِ بيتاً اعمل عملك أنت، لا تعمل عمل الغريب[4]
لذا يجدر بنا أن نسأل أنفسنا:
"هل أدركتَ الحياةَ على وجه الكمال؟... هل عشتَ حياتَك أنت؟ أم كنتَ حيّاً بها؟ هل اخترتَها؟ أم أن حياتَك هي التي اختارتك؟ هل تحبّها؟ أم أنك نادم عليها؟ هذا هو معنى إدراك الحياة على وجه الكمال. ... هل ... جلستَ في حسرةٍ على حياةٍ لم تعشها قطّ؟"[5]
6
إن تفرّدنا هو ما يجعل طريقة وجودنا وشكل حياتنا خاصاً بنا، وهذا يعني أنني لا أستطيع، أي ليس بمقدوري، أن أصير مثلك تماماً أو شبيهاً بك، وأنت كذلك. إن وصفة سعادتنا وهنائنا وكمالنا ورضانا الداخلي لا نجدها في أي مكان من العالم، فهي غير موجودة لدى أي فرد ولا في أي كتاب أو محاضرة. هذه كلها بمنزلة علامات تدلّ على المقصد (ولا يمكن إنكار أهميتها) وليست المقصد نفسه. لنتذكّر أن كلّ واحد منا، فرداً فرداً، فريد لا نظير له.
لنستمع إلى سوسيا، الحاخام اليهودي:
"عندما أصل إلى الجنّة، لن يسألوني ’لماذا لم تكن موسى؟‘ بل سيسألون ’لماذا لم تكن سوسيا؟ لماذا لم تصر ذلك الشيء الذي كنتَ وحدك قادراً على أن تصيرَه؟‘" [6]
.
.
[1] كلستان سعدي، الباب الرابع، في فوائد الصمت، الحكاية 11
[2] المثنوي المعنوي، الدفتر الثالث؛ 2653-2652-2650-2649-2648
[3] من هذه النقطة ندخل في مبحث أساسي وشيّق هو "أنماط الشخصية" الذي يبدو أنه الخطوة الأساسية في معرفة الذات وعيش الحياة الطيبة. آمل أن أنشر قريباً مقالاً حول هذا الموضوع بالأسلوب والمنوال نفسه.
[4] المثنوي المعنوي، الدفتر الثاني؛ 263
[5] يالوم، إرفين، عندما بكى نيتشه، ترجمة سبيده حبيب، الطبعة الثالثة عشرة، نشر قطره، ص 365
[6] نقلاً عن يالوم، إرفين، العلاج النفسي الوجودي، ترجمة الدكتورة سبيده حبيب، الطبعة الثانية، نشر ني، ص393
.
.
الكاتب: مهدي غفوريان (حاصل على دكتوراه في الفلسفة)
.
.
علم النفس
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الأدب
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.