اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يروي سبعة مفكرين من ثلاثة أجيال مختلفة، من معاصريه إلى من تعرفوا على أفكاره بعد استشهاده، حكاية لقائهم الأول بشريعتي؛ إعادة قراءة لأثره الممتد من سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم.

نسيم بيداري: الاقتراح الذي بين أيديكم هو حصيلة تصميم أسئلة حول فكر الدكتور شريعتي الراحل ومنهجه والمفاهيم التي ابتكرها أو الموضوعات الأساسية في حياته الفكرية والسياسية، والتي صنعت عالماً مؤثراً لمخاطبيه ومرافقيه في الحقبة الزمنية الممتدة من خمسينيات القرن الشمسي فصاعداً، ولم تكن إعادة قراءة ذلك العالم القوي ومراجعته ممكنة إلا عبر طرح أسئلة تشمل من التعرف على شريعتي وصولاً إلى التخمين الافتراضي لحياته في زماننا الراهن. وقد طُرحت هذه الأسئلة على بعض أصحاب الرأي والأساتذة والمفكرين الدينيين المجددين لتُعرض الإجابات المتحصلة على القراء في نص متصل.
النص الذي بين أيديكم الآن يتضمن إجابات سعيد حنائي كاشاني، وعليرضا رجائي، وعزت الله سحابي، وبيجن عبد الكريمي، ومحمد مهدي مجاهدي، وعلي محمدي غرمساري، وحسن يوسفي أشكوري على الأسئلة التالية. إجابات ثلاثة أجيال مختلفة، إما كانوا معاصرين لشريعتي، أو كانوا شباباً ومراهقين من مخاطبيه وكان لهم حينذاك فهم خاص عنه، أو كانوا أطفالاً في زمان حياته لم يروا شريعتي، لكنهم انضموا بعد حين إلى جملة المفكرين فيه وشكلوا قوس قزح فكرياً تمضي أطيافه المختلفة الآن عقودها من الثالثة حتى الثامنة من أعمارهم.
١- كيف تعرفتم على شريعتي؟
يوسفي أشكوري: في عام ١٣٤٨ تعرفت أولاً على كتاب «إسلام شناسي» (مشهد) ثم على مؤلفه. لم يكن في تلك السنوات معروفاً كثيراً على مستوى البلاد، وربما كنت أنا لا أعرفه. لكنني رأيته لأول مرة حين استمعت إلى محاضرته «الهجرة والتمدن» في حسينية الإرشاد.
سحابي: أول معرفة لي بشريعتي حدثت في أواخر مارس ١٣٣٢، خلال رحلة استغرقت أسبوعاً إلى مشهد. في ذلك الوقت، كنت قد اجتزت فترة جمعية الطلاب الإسلامية، ودخولي الساحة الاجتماعية-السياسية والثقافية للعصر من عام ١٣٢٧ إلى ١٣٣٢. وخلال إصداري لمجلتين دوريتين باسمي «فروغ علم» و«كنج شايغان»، وكذلك الأنشطة الثقافية (الدينية-التنويرية والسياسية)، كنت قد خبرت الصراع مع أنشطة حزب توده في الجامعة ولم أكن حديث عهد تماماً. المرحوم علي شريعتي، في ذلك الوقت (مارس ٣٢)، كان لا يزال طالباً في المدرسة الثانوية ينعم بالبحر العلمي والإسلامي لوالده المرحوم الأستاذ شريعتي؛ لذا في ذلك التاريخ، كنا وشريعتي رفيقي فكر. من ذلك التاريخ حتى عام ١٣٣٦ حين ذهبت مجدداً إلى مشهد ومكثت هناك خمسة عشر يوماً، كان علي طالباً في جامعة مشهد. وبطبيعة الحال، كان مستوى التوافق الفكري وتبادل الأفكار يتركز أكثر في مجال الأفكار الإسلامية الأساسية، كالتوحيد والروحانية والإيمان بالآخرة، ولاحقاً بعد أن أمضى فترة السجن من عام ٤٢ إلى ٤٦ حين كان شريعتي عائداً من أوروبا، امتدت معرفتنا به إلى مستوى الأفكار الثورية المقتبسة من الجزائر بواسطته وأفكار قادة الثورة الجزائرية، مثل موعود فرعون وفرانتس فانون مؤلف كتابي «العام الخامس للثورة» و«المعذبون في الأرض»، وازداد مستوى التوافق الفكري عمقاً، ومع بدء دروس إسلام شناسي لشريعتي، وتألقه في جامعة مشهد ثم في طهران وحسينية الإرشاد، بلغت عملية التوافق الفكري والاتحاد مع شريعتي كمالها. كتاب آخر أرسله شريعتي لي، وكنت حينها في السجن، هو كتاب «أعظم الجهاد» تأليف «عمر أوزغان»، وقد بدأنا بترجمته في السجن بالتعاون مع الدكتور شيباني، وبقيت الترجمة غير مكتملة مع انتهاء فترة سجني، لكن الدكتور حسن حبيبي ترجمه لاحقاً في فرنسا ترجمة كاملة ونشره. كان هذا الكتاب أيضاً مؤثراً جداً في تربيتنا الثورية والاجتماعية، وفي الواقع كنت أدين بكل هذا لشريعتي.
عبد الكريمي: تعرفت على شريعتي عبر خبر استشهاده. في عام ٥٦، كنت طالباً في السنة الأولى من المدرسة الثانوية. في اليوم الأخير من شهر خرداد من ذلك العام، سمعت في أخبار التلفزيون نبأ وفاة أستاذ جامعي. وفي اليوم التالي، رأيت صورة هذا الأستاذ الجامعي على كتاب اسمه «عقيدة». أحد الطلاب، وكان قد تعرف على شريعتي أبكر بواسطة أخيه الجامعي، عرّفني به. ومن المحتمل أن أول كتاب قرأته له كان هو نفسه أول كتاب رأيته له.
محمديغرمساري: قبل الثورة الإسلامية، كنتُ مثل عدد لا يُحصى من الشباب الذين يسعون وراء المعرفة الدينية، أنتهز كل فرصة لأتعرف أكثر على الأفكار الجديدة وخصوصاً الاجتماعية. وفي خضم هذا السعي، صادفتُ أشخاصاً تقليديين ومتدينين كما يُقال، كانوا ينفون الدكتور شريعتي ويعتقدون أنه قدّم كفريات وسخريات لا تُحصى في مجال علم الأديان، وأنه يضلل جيل الشباب. كانوا يقولون إنه سني ومعارض للمرجعية الشيعية و... في ذلك الجو وتلك الحقبة، لم يتجاوز نقد الناس للمرحوم الدكتور هذا الحد؛ فإما كانوا ينقلون ما سمعوه، وإما التحريف وتزوير الأدلة. شكلت هذه المباحث بالذات نقطة التقائي بأفكار تلك الشخصية التي لا تُنسى، وجذبتني لأيام وليالٍ نحو آثاره؛ آثار مفعمة بالمعرفة والحكمة والعشق.
رجائي: أنا من مواليد عام 1341. لذا، مثل كثيرين من أبناء جيلي، تعرفت على شريعتي منذ أيام الثانوية، وبشكل سطحي وعابر جداً، وأعتقد أنني كنت متأخراً في هذا الشأن حتى عن أقراني الذين ربما كانت لديهم دوافع سياسية أكبر. أول كتاب اشتريته له كان «أجمل روح عابدة»؛ قبل عام أو عامين من ثورة 57. على غلافه رسم لوجه شريعتي مع قطرة دم نازفة، وهو أمر كان شائعاً جداً بالطبع في تلك السنوات. كنت أفهم الكتاب بصعوبة بالغة، أو ربما لم أكن أفهمه على الإطلاق. الصورة التي قُدمت عن الإمام السجاد (ع) في ذلك الكتاب لم تكن متوافقة مع ذهنيتنا التقليدية عن الأئمة، وخصوصاً الإمام الرابع.
حنائي كاشاني: كنت في السنوات الأولى من الثانوية، سنوات 49 وما بعدها. كان والدي من أهل السياسة والنضال. كان مصدقياً، وتعرف منذ شبابه على «مركز نشر الحقائق الإسلامية» في مشهد، وعلى الأستاذ محمد تقي شريعتي. كما كانت له معرفة برجال الدين المناضلين آنذاك، ومنذ عام 42 انخرط في النضال. كان يحضر إلى البيت كتب شريعتي التي كانت تنشرها حسينية الإرشاد. كان لشريعتي أيضاً كتاب للناشئة: واحد، ما لا نهاية له أصفار. لكن كتبه الأخرى كانت قابلة للقراءة أيضاً، وخصوصاً تلك التي كانت قليلة الحجم. أضف إلى ذلك أشرطة المحاضرات. كان والدي يرغب بشدة أن أصبح قارئاً نهماً، وقد صرتُ كذلك. تقريباً منذ أن تعلمت القراءة والكتابة.
مجاهدي: قبل أن أبدأ بقراءة شريعتي في مراهقتي، كنت قد تعرفت على العداء الذي كان يكنه له عموم رجال الدين، وكذلك العديد من المفكرين المدافعين عن التحديث العلماني لبنية الدولة. كانت حدة العداء وغضبه اللذان كانا يتفجران في معارضة رجال الدين، وكذلك النبرة الدفاعية عن كيان المؤسسة الدينية، يحملان لي على الأقل دلالتين: الأولى، أن نقوده كانت أعمق وأكثر جذرية من نقود سائر منتقدي المؤسسة الدينية التقليدية، وكانت تستهدف الهوية الاجتماعية لرجال الدين؛ والأخرى، أن هذه النقود كانت قد وقعت مؤثرة جداً في الفضاء الثقافي والاجتماعي لإيران في ذلك الزمان، مما أثار قلق المتولين الرسميين للدين. لاحقاً، عندما قرأت شريعتي، أدركت أن ما جعله مغضوباً عليه إلى هذا الحد من عموم رجال الدين لم يكن مجرد نقده الجذري للبناء الاجتماعي للمؤسسة الدينية، بل إن كل ذلك الغضب الذي كان ينهال عليه كان متجذراً في اكتشافه لطبقتين أعمق من ذلك البناء الاجتماعي المختل، كان قد رآهما بعين نافذة وأعلنهما بصوت عالٍ وكلام نافذ. الأولى، علاقة عضوية ومنهجية بين هذا البناء المختل ومخرجاته المعرفية، خصوصاً النزعة الشكلية في فهم الدين والنزعة الإخبارية في الفقه؛ والأخرى، ترابط تعاضدي بين المؤسسة الدينية المبنينة والبنية الاستبدادية للدولة في إيران. وكلما مر الزمن، ازددت علماً لماذا وكيف جعل هذا التشخيص من شريعتي، وإعلانه لهذا الترابط التعاضدي بين الوجه المختل لهذا البناء الاجتماعي والبنية الاستبدادية للدولة في إيران، هدفاً دائماً لعداء هاتين المجموعتين: الأولى، المدافعون الرسميون عن هذا البناء التقليدي، والأخرى، أتباع نموذج التحديث العلماني لبنية الدولة في إيران.
۲- أي شريعتي ألهمك أكثر، أو اعتبرته صورته الرئيسية: شريعتي الصحراويات؟ شريعتي الإسلاميات؟ شريعتي الاجتماعيات؟
يوسفي أشكوري: في هذا الصدد يمكن القول إنه لا يمكن الفصل والتفريق بشكل جاد ودقيق بين هذه النظرات الثلاث أو أنواع العمل الثلاثة لدى شريعتي، لكنني في البداية كنت أكثر تأثراً بإسلامياته الحداثية والتي كانت سابقة لأوانها على الأقل (من حيث اللغة والأدب وصياغة المفاهيم الدينية-العلمية والسوسيولوجية) في مجال الخطابات الدينية في عقدي الأربعينيات والخمسينيات، وكذلك بإسلامياته الشيعية الثورية، غير أن الاجتماعيات برزت لي لاحقاً في السنوات التي تلت عام 55 وحتى منتصف عقد الستينيات، وفي العقدين الأخيرين اكتسبت الكويريات بريقاً أوضح، ولعل هذا يتناسب مع الظروف والاحتياجات وإلى حد ما مع تقدم العمر. وفي الوقت نفسه أود أن أضيف أنني قرأت كتاب "كوير" في العام 48 نفسه واستمتعت به كثيراً وكنت أوصي الآخرين بقراءته، لكن عليّ أن أعترف أنني في ذلك الوقت كنت أفهم هذا الكتاب وعموماً أدبيات شريعتي الكويرية بوصفها أدباً أكثر مما أفهمها بوصفها أفكاراً عرفانية عميقة وتجارب شهودية ووجودية، إذ لم تكن لدي أية معرفة بالعرفان والمعارف العرفانية.
صحابي: أكثر من أي شيء آخر شريعتي الاجتماعيات، لأنها كانت منسجمة مع حاجة ذلك الزمان وهمومه من جهة، ومن جهة أخرى كنا ندرك إسلاميات شريعتي وكويرياته في الجملة ضمن قالب الاجتماعيات.
عبد الكريمي: في رأيي لا يمكن تفريق هذه المجالات الثلاثة كثيراً لدى شريعتي. جمال شريعتي يكمن بالتحديد في هذا التوق إلى التوليف بين هذه المجالات الثلاثة إلى جانب بعضها البعض. ما جذبني نحو شريعتي في ذلك الزمان، بصفتي تلميذاً في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر، ليس مما يسهل وصفه. ينبغي النظر إلى هذا التعرف، مثل كثير من أحداث الحياة، بوصفه نتاج نوع من الحدثية. في الصحراء الثقافية لإيران، كان شريعتي شجرة وحيدة جميلة. في ذلك الزمان، وفي عالم تلميذ مثلي، لم تكن لشخصيات ثقافية أخرى مثل الفرديد، والمطهري، وسيد حسين نصر، وغيرهم أي حضور أساساً. كان شريعتي وحده هو الذي استطاع، بفضل الحركة الواسعة التي أوجدها بين الطلاب الجامعيين وطلاب الحوزة الشباب، أن يشق طريقه عبر جنوده العاشقين والمتيّمين إلى قلب تلميذ من الطبقة المتوسطة الدنيا مثلي، لم يكن ينتمي إلى طبقة رجال الدين أو الأسر التقليدية المرتبطة بهم، ولا إلى أسرة من الأعيان أو الطبقة المتوسطة العليا التي تتعامل بشكل من الأشكال مع الكتاب والجامعة والثقافة، وأن يكشف لي عن أفق أوسع من الحياة اليومية الفارغة. كانت القيم السامية جداً تتلاطم في آثار شريعتي، قيم تستطيع أن تفتح بسهولة الروح البكر وغير المتشكلة لطلاب جامعيين وتلاميذ مثلي. الإحساس بالالتزام والمسؤولية، محبة الآخر والتفكير فيه، وخصوصاً عبق الله، وكذلك قيم وعظمة الشخصيات الشيعية السامية، كلها تتلاطم في لغته الدفاعية الحماسية. كما أن لغته وأدبه كانا يتمتعان، بالمقارنة مع الأنظمة اللغوية والخطابية للآخرين، بجمال وقوة استثنائيين، لغة وخطاب يمنحان المتلقي في آنٍ معاً القدرة على فهم العالم الحديث والقدرة على النظر إلى عالمه التقليدي التاريخي.
محمدي غرمساري: لأقلها بجدية، لقد ألفت الصور الثلاث جميعها. كتاباته الكويرية عرّفتني على عالم من الثقافة والعشق والفن والشعر والأدب والأسرار العصية على المنال، وشكّلت خلوة وحدتي. أدركت أنه يمكن للمرء أن يكون متديناً، وواعياً بمسكوتات الهبوط، وأن يناجي الله بالشعر والموسيقى الأهورائية في آنٍ معاً. أما الإسلاميات؟ لأقلها دون مبالغة، إن معرفتي وفهمي للأديان، ولا سيما الإسلام ومفاخره وأعلامه، قد بدآ مع الدكتور. لقد ترعرعت معه، ونميت، وبقيت ثابتاً؛ وقد قلت مرة أخرى إنه في كثير من المضايق الوعرة التي كانت تُزيّن بنكهة "إزمات" مختلفة، وحين كان موضه الارتباط بالمدارس المادية قد استحوذ على كثيرين، وكانوا يتباهون أحياناً بشخصياتهم المصطنعة والحقيقية متباهين بها علينا في مقابل تديننا، كان أدب وفكر المعلم والمصلح الكبير المرحوم شريعتي هو ما يجعلنا منتصرين في الميدان. أما اجتماعياته، وهي مستمدة من إسلامياته، فقد ساعدتنا كثيراً في تشكيل نظرتنا السياسية والاجتماعية. لقد سعى إلى أن يُفهمنا أن الإسلام من دون المجتمع لا معنى له، فأنقذنا من مجرد التمجيد والعبادة، وعلّمنا أنه في المعادلات الاجتماعية للإسلام، تشترك معرفة المجتمع والنفس وحتى المناطق الجيوسياسية اشتراكاً مباشراً. لقد حدثنا في هذه الصور، نحن وجيلنا، عن ماهية التشيع، وعن حب آل بيت رسول الله المطهرين، وعن صورة من حقيقة الأئمة الأطهار وجوهرهم. أفهمنا أننا من سلالة أولئك الذين منحوا، بحياتهم الطاهرة والإنسانية، معنى ومفهوماً لكيف نحيا وكيف نموت. أظهر أن محمداً رحمة للعالمين، وأن علياً قطب عالم الإمكان، وفاطمة مظهر النساء العفيفات المناضلات اللواتي يسعين في عصر الجاهلية لإحقاق الحق، وأن أبناءهم كوثر الحياة ورمز لمعيار الحق والباطل والسلام والشهادة، وهكذا رأينا بيت فاطمة الطيني بعظمة التاريخ كله، ورأينا الشيعي تابعاً حقيقياً لهم، بلا ذرة من مكر أو حيلة أو رياء أو كذب أو بهتان...
رجائي: في الحقيقة، تأثرت بإسلامياته أكثر، لكنني لم أعتبرها صورته الرئيسية. لدى شريعتي في كل من الساحات الثلاث شغف روحي لا يوصف، ولذلك لم أعتقد أنه يمكن اختزاله في واحدة من هذه الساحات الثلاث فحسب.
حنائي كاشاني: حسناً، في ذلك الوقت الذي كنت أقرأ فيه آثاره، لم يكن هذا التقسيم موجوداً في ذهني، أو لم يكن هناك أصلاً مثل هذا التقسيم، مع أن هذا التقسيم منه هو. لكن يمكنني القول إن أكثر ما كان يجذبني هو مباحث شريعتي النظرية والفكرية، ولا سيما ما كان يقوله عن الكتّاب الغربيين أو الاقتباسات التي كان ينقلها عنهم. وكذلك التأويلات والتفسيرات التي كان يقدمها لموضوعات وشخصيات دينية.
مجاهدی: برأيي هذا التمييز، رغم أني أعلم أنه شائع على نطاق واسع، ليس تمييزاً تنويرياً، لا من أجل تحليل مفهومي ونقدي لبرنامجه الفكري ولا لتقييم مشروعه السياسي، برنامج ومشروع متشابكان بعمق. هذا التقسيم الثلاثي لآثار شريعتي ربما يمكنه بالطبع أن يُستخدم لتنظيم برنامج دراسة أعمال شريعتي الكثيرة والمتنوعة، لكن من أجل التمييز بين المتن والهامش في آراء شريعتي، وهو ما أعتقد أن الشق الثاني من سؤالكم يشير إليه أيضاً، ينبغي أن نسأل أولاً: ما هو أهم سؤال طرحه؟ وما هو دافعه الأساسي من متابعة ذلك السؤال؟ ما أعرفه من فكر شريعتي يقنعني بأن أهم سؤال عنده، والذي تدور حوله جميع أعماله بشكل ما، يمكن أن يكون شيئاً من هذا القبيل: «أي نحو من فهم ثقافة الشيعة وتاريخها ونصوصها، وأي نوع من ممارسة الإسلام، لا يسمح لنا نحن الإيرانيين بالتخلص من قبضة الأنظمة الاستبدادية والاستعمارية والاستحمارية للهيمنة، وكيف يكون فهم الدين وكيف تكون ممارسته معيناً لنا على هذا التحرر؟» برأيي، كرّس شريعتي كل طاقته وثروته المعرفية والنفسية والاجتماعية، وكل همته، للإجابة عن هذا السؤال المركب. بالنسبة له، لم تكن معالجة هذا السؤال مجرد مسعى معرفي وذهني. بل كان يواجهه مواجهة وجودية أيضاً. لا أريد أن أقدم صورة نسقية عن حياته وفكره وشخصيته، وكأن لا تعارض داخلي فيها أو كأنها لم تتعرض للتدرج والمد والجزر. على العكس، أعتقد أن هذا النموذج القائم على المسألة يساعدنا على رؤية وتحليل الأمور الثلاثة –أي تنوع تجارب شريعتي وتدرجها ومدها وجزرها– بشكل أفضل دون أن نقع في فخ بناء الأنساق. ما أشرق عليّ من شريعتي وظل يهيمن عليّ لزمن طويل، أكثر من أي شيء آخر، هو هذا السؤال الكبير بكل عظمته وصعوبته.
۳- إلى أي حد تتصور أن الصورة التي كوّنتها عن شريعتي وتصرفت بناءً عليها كانت صورة وتصوراً كاملاً وصحيحاً عنه؟
يوسفي اشكوري: أساساً، تقديم صورة كاملة عن شريعتي وشخصيات مثله ليس بالأمر السهل، ولا أستطيع حتى الآن أن أقول إن لديّ صورة جامعة مانعة عنه أو يمكنني تقديمها. فقط أعلم أنه في كل فترة، كان بُعد من أبعاد شخصيته أو أفكاره وأدبياته الخاصة يبرز في ذهني ولساني أكثر. وقد ذكرت مسار ذلك. شريعتي غني بما يكفي ليقود المحتاجين المتعددين بل والمتضادين في الفئات العمرية والفكرية والاجتماعية إلى مزيد من السمو والغنى.
سحابي: أولاً، في تلك الفترة التي تلقيت فيها تعليمي من شريعتي أكثر، كانت فترة تفرغه من الدراسة في فرنسا حيث حصل على درجة الدكتوراه في التاريخ. فرنسا آنذاك، كما هي اليوم، كانت قطبا رئيسياً لعلم الاجتماع في العالم. مستوى وعمق دراسة شريعتي وإدراكاته الاجتماعية، في ذلك الوقت، بلغ النضج والكمال. فهمه للمسائل الاجتماعية والثورية وجهاً لوجه، وتحليلاته للإسلام في فترة دروس الإسلاميات لشريعتي، في جامعة مشهد وحسينية إرشاد، منعكس تماماً. ثانياً: كما قلت في إجابة السؤال الثاني، في قالب الاجتماعيات لشريعتي، كنا نتعرف أنا وأمثالي على إسلامياته وكويرياته أيضاً. شريعتي في بلدنا وفي الظروف الثورية للأعوام ۴۰ إلى ۵۷، كان قد نهض كعالم اجتماع بومي من ظروف وبيئة إيران الاجتماعية.
عبد الكريمي: الواقع هو أننا لم نحصل، ولا نحصل، ولن نحصل على أي صورة ثابتة وصحيحة لأي حادثة أو شخصية أو نص. فالتصورات والصور تتغير بحدوث تجارب جديدة. تموت التصورات السابقة باستمرار وتُولد تصورات جديدة، ثم تعود التصورات السابقة، كالعنقاء، لتحيا من جديد مع أفهام وتفسيرات جديدة، وتصبح حاضرة بيننا. لا شك أن الثورة الإيرانية كانت تجربة تاريخية كبرى في بلادنا، أثرت على كثير من الصور السابقة لكثير من أحداثنا وشخصياتنا التاريخية، ومنهم شريعتي. إن شعوري تجاه شريعتي هو تماماً كأول تجربة شعور بالحب وجدها تلميذ في قلبه تجاه معلمه. وبعد سنين، وبلوغ سن الرشد، ومرور العمر، وتغير ذلك الشعور الأولي، فإن استذكار ذلك الشعور النقي بالحب لا يزال مثيراً للشغف وملهماً. علاقة كثيرين من أبناء جيلي بشريعتي هي تماماً كعلاقة طفل مضت عليه عقود من عمره ولم يعد يتغذى من لبن ثديي أمه، لكن لا ينبغي أن ننسى أن ذلك اللبن نفسه كان مقوماً لحياة هذا الطفل طوال عمره. الماضي لا يبقى في الماضي فحسب. الماضي حاضر معنا، بل إنه حاضر أمامنا في المستقبل أيضاً. وبهذا الاعتبار، فإن شريعتي معنا، وإلى جانبنا، وحاضر في مستقبلنا. ثمة نقطة أخرى، وهي أن علاقة المعلم بتلاميذه وطلبته لا تختزل في مجرد نقل طائفة من التعاليم وشذرات من الألفاظ والعبارات الباردة الخالية من الروح. فالمعلمون الحقيقيون يصوغون أسلوب الحياة ونمط النظرة إلى الحياة لدى مخاطبيهم في أعمق طبقات الروح الإنسانية وأكثرها عصياً على التغيير. لا يهم أن تتعرض عباراتهم وتعاليمهم لنقد جاد وعميق، المهم هو أن المعلمين الحقيقيين في كل مجتمع يواصلون حياتهم بالتغلغل في أعماق روح الحياة الثقافية والتاريخية لذلك المجتمع.
محمدي كرمساري: أعتقد أن ما لديّ من حصيلة ومكتسبات يحكي عن صورة واقعية وكاملة لإنسان عشت معه أكثر من ثلاثين عاماً. أعتقد حقاً أنه كان معجزة القرن، وأن الله نشر بواسطة قلمه وبيانه الإسلام الحقيقي بين جيل الشباب والمتعلمين، بل إنه أيقظ حتى بعض شيوخنا. قد لا يمتلك البعض الآن الجرأة والشجاعة لتكريمه، مع أنه ليس بحاجة إلى هذا الفعل، لأن الصالحين وجيل الشباب بإقبالهم على آثاره قد أسهموا إسهاماً بالغاً في بقائه، وما زال حياً. وفي الوقت نفسه، أعتقد بشدة أن نقد فكره وآثاره ليس عديم التأثير في خلوده هذا، لأن دارسي شريعتي وناقديه اكتشفوا في كل حقبة من الزمن جوانب مجهولة كثيرة في شخصيته.
رجائي: لا يمكن لأحد أن يمتلك صورة قطعية وصحيحة بشكل مطلق عن آخر، كما أنه لا يمتلك حتى صورة كهذه عن نفسه. لكن كما قلت، لا يمكن اختزال شريعتي في ساحة واحدة، وفي الوقت نفسه لا يمكن فهمه بدون شغفه الديني والروحي العميق. فمثلاً، القول بأن شريعتي كان إيديولوجياً لنوع خاص من الإيديولوجيا الدينية لا يتناسب مع كليته. كان شريعتي بالطبع مفكراً ثورياً، لكن الثورة التي كان ينشدها كانت مسبوقة بتحرر فكري وثقافي عظيم، بحيث تكتسب الثورات السياسية جانباً فرعياً إزاءها. وللأسف، فإن تلامذة شريعتي، استمراراً لنفس ذلك الاختزالية، ترجموا ثورة شريعتي المنشودة إلى ثورة سياسية محضة، وقد جرى هذا الأمر على نطاق واسع بحيث إن كثيراً من أبناء الجيل التالي فهموا شريعتي بناءً على تلك الترجمة الخاطئة.
حنايي كاشاني: حسنًا، لا أدري كيف يمكن القول ما هو التصور الصحيح عن شريعتي؟ على أية حال، لدى أي كاتب، وبالنظر إلى تحولات حياته، ثمة فترات وأقوال متناقضة كثيرة. وربما يحذف الكاتب أو المتحدث نفسه في مرحلة ما الكثير مما فعله أو قاله. على أية حال، لم أكن يومًا «شريعتيگرا» (Shariatist) ، كما أنني لم أكن مهتمًا بأي «گرا» أو «گرايي» (ist، ism) أخرى ولست كذلك. أحب «الفلسفة» لهذا السبب تحديدًا، لأن المرء يستطيع حقًا أن يتحرر من كل «انتماء». لم يكن شريعتي الوحيد الذي قرأت أعماله في شبابي. فقد كنت منذ بدايات شبابي وبداية المرحلة الثانوية على دراية بأعمال كتّاب كبار آخرين في العالم. قرأت المسرحيات اليونانية في السنوات الأخيرة من المدرسة (لم أكن قد تجاوزت العاشرة أو الحادية عشرة من عمري)، وكنت أقرأ الروايات والقصص والمسرحيات والشعر، كما كنت شغوفًا جدًا بمشاهدة الأفلام والقراءة عنها. كنت مهتمًا أيضًا بالمباحث النظرية والفلاسفة، وقرأت أعمال أفلاطون وسارتر ونيتشه وهايدغر منذ ذلك الوقت، ما كان متوفرًا منها باللغة الفارسية. لذا، لم يكن شريعتي مرجعي الوحيد. ومع ذلك، كان شريعتي في تلك السنوات مرجعي في مجال الدين، وكنت أستحسن نظرته إلى «الدين» كثيرًا، وما زلت أعتقد أن لديه الكثير ليقوله من هذه الناحية. حسنًا، من الناحية الشخصية، أعتقد أن شريعتي كان مؤثرًا في حياتي بقدر تأثير والدي، وقد شكّل في شخصيتي نوعًا من «النزعة النضالية» و«طلب التنزه» و«الفردانية».
مجاهدي: كانت لدي صور عن شريعتي، لكنني نادرًا ما جعلت صورة منه أساسًا وقدوة لعملي. من ناحية أخرى، لا أعتقد أننا نستطيع تداول معايير قابلة للاتفاق أو موثوقة لقياس كمال أو صحة أي صورة من هذا القبيل. لهذين السببين لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال.
٤- هل كان علي شريعتي معلم الثورة؟
يوسفي اشكوري: من دون أي تردد (كما يعترف بذلك مخالفوه أيضًا)، كان لشريعتي، لأي سبب كان، دور بارز في التمهيدات الفكرية والاجتماعية للثورة، ولهذا وُصف بحق بأنه «معلم الثورة»، لكن إذا ما انتبهنا إلى أفكار شريعتي ومشاريعه ومثله العليا، وأخذنا «مطلوباته» بعين الاعتبار، فلن أرى فقط عدم وجود نسبة بين هذه الثورة وتلك المطلوبات، بل سألاحظ على الأقل في حالات كثيرة تعارضات جوهرية بينهما. وهذا من عجائب شريعتي، بل ويمكن القول إنها من مفارقاته. لو استطاع الأتباع الفكريون لشريعتي (بمن فيهم أبناؤه الأكفاء) تحليل هذه المفارقة المهمة وتفسيرها باستخدام مناهج بحثية ولغة مقبولة، لكانوا قد خطوا خطوة كبيرة وقدموا خدمة جليلة لذلك العظيم نفسه ولطريقه ومدرسته.
سحابی: مئة بالمئة. كانت الحركة الوطنية الإيرانية متشعبة إلى عدة فروع: ١- الجبهة الوطنية، التي عُرفت خلال الأعوام ٤٢ إلى ٥٧ بالجبهة الوطنية الثانية، وكانت حاملة لإرث حركة مصدق الوطنية، لكنها تخلفت عن التيار الاجتماعي السياسي الإيراني وانسحبت بأمر من مصدق وظلت خافتة أو صامتة حتى عام ٥٧. ٢- حركة حرية إيران: التي كانت حاضرة ونشطة على الساحة السياسية بين عامي ٤٠ و٥٧، وصمتت بعد إدانتها في المحكمة العسكرية عام ٤٣، لكنها لم تخمد، وانتقل نشاطها في الغالب إلى خارج البلاد. وفي الداخل، بقيت فقط كوجه لا يقبل المساومة مع النظام السابق، ولم يكن لها من آثار أخرى سوى المطبوعات الثقافية والدينية، مثل «شعاع من القرآن» (طالقاني) و«الذرة اللامتناهية» و«العشق والعبادة» و«سير تحول القرآن» (بازركان) و«خلقة الإنسان» (الدكتور سحابي). ٣- الحركات الماركسية التي ابتعدت في العقدين الرابع والخامس عن حزب توده المتهم بالتبعية للاتحاد السوفيتي السابق، لكنها كانت تستلهم وتتغذى، في الغالب بل بالكامل، من المعارف الماركسية العالمية، وكانت أقل محلية ووطنية. ٤- الحركة الدينية بقيادة رجال الدين وخصوصاً السيد الخميني، التي ظهرت على الساحة منذ عام ٤٠ وبلغت ذروتها حتى عام ٥٧. هذه الحركة، رغم أنها كانت المحرك النشط جداً للحركة الوطنية خلال أعوام ٤١ إلى ٥٧، وذات طابع داخلي ومحلي، إلا أنها كانت مجهزة ومشغولة في الغالب بتحريك المشاعر الدينية. ٥- منظمة مجاهدي خلق التي كانت مؤثرة على نطاق واسع في المجتمع الإيراني التواق للتغيير والثوري في فترة ما بين ٥٠ و٥٤، لكنها فقدت موقعها المؤثر في المجتمع الثوري الإيراني بسبب خضوعها للتدريبات الثورية الماركسية، وخصوصاً بعد أن تعرضت لانقلاب ماركسي ابتداءً من عام ٥٤. وأخيراً ٦- حركة الدكتور شريعتي، خصوصاً في الفترة ما بين عامي ٥٠ و٥٦، التي نفذت فعلاً التعليم النظري والثقافي للثورة، والذي كان ذا وجه محلي وداخلي تماماً. لقد تجاوز نطاق تأثيره وأدواره جيل الشباب ليشمل متوسطي العمر وحتى كبار السن. وفي ثورة عام ٥٧، كانت أكثر الأفكار نشاطاً وتأثيراً هي هذه التعاليم الشريعتية تحديداً. ولهذا السبب أدعي أن شريعتي كان معلماً للثورة مئة بالمئة.
عبد الكريمي: بلا شك. لم يمنحه أي مقام أو شخصية هذا المقام، ولم يسعَ أي سلطة سياسية إلى تتويجه بهذا اللقب بمساعدة أموال النفط والدعاية والحقن الإعلامية، ولا يمكن لأي سلطة أو مقام أن ينتزع منه هذا اللقب. لقد لُقب بـ«معلم الثورة» بشكل طبيعي جداً من قبل قطاع واسع من حملة الثورة الأساسيين، أي الطلاب والمثقفين وطلاب الحوزات العلمية وعامة الناس.
محمدي كرمساري: لقد كان معلماً؛ كان يعلمنا كيف نتعامل مع مظاهر الظلم والجور؛ كان يعلمنا على أي قامة تليق أثواب الذهب والقوة والخداع. كان يعطي الدرس دون أن يريد تعريفنا بجراثيم الفساد والانحطاط. كنا نعرف نحن من هم. كنا نهتف في شوارع تلك الأيام: «معلمنا الشهيد، كان قد وضع روحه على كفه، إنها بداية اليقظة، بداية الوعي، إنها مناهضة للاستعمار.» سواء قُتل أم مات ميتة طبيعية، فقد كان معلم جيلنا. ولربما لهذا السبب، وبحسب قول الإنسان الصادق والنزيه في هذا العصر، السيد دعائي العزيز، فإن مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الإمام الخميني، تأسف لأن الدكتور رحل مبكراً ولم تنتشر دعايته على نطاق واسع.
حنائي كاشاني: نعم، بلا شك. لا أشك في أنه لولا شريعتي لما استطاع أحد أن يتغلب على الفجوة التاريخية بين «الأكاديميين» و«رجال الدين» و«موظفي الدولة» و«البازاريين». لقد استطاع أن يقرب الجميع من بعضهم، وأن يظهر أنه «مثقف» و«متحضر» و«محب للإنسان» و«محب للوطن»، وفي الوقت نفسه لا ينظر بازدراء إلى ما يعرفه من تاريخ وتقاليد بلاده. لقد أقدم على «استخراج» التراث وأضاف رأسماله الذهبي، كالنفط، إلى ثروة البلاد. ومع ذلك، فوا أسفاه أنه لم يبقَ ليكمل عمله، أو لم يستطع أن يكون له تلاميذ يواصلون عمله. لقد تركه «التاريخ» غير مكتمل، وربما أتمه بالفعل. لقد حققت «الثورة»، على نحو يخالف المألوف، أمنية شريعتي، لكنها لم تُبقِ عليه، وسلمت «إرثه» لأعدائه.
مجاهدی: نعم ولا. لقد كان معلّم النزعة الثورية الشيعية في إيران. لا شك أن القراءة التي قدّمها للتشيع والأسلوب الملحمي والفني الذي اختاره لبث مقاصده لا في عقول مخاطبيه فحسب، بل في نفوسهم وأرواحهم، قد رفعه إلى مقام معلّم النزعة الثورية الشيعية. لكن إن كان مرادكم من هذا السؤال هو أن الثورة الإسلامية تشكلت وتقدمت وأثمرت فقط أو بشكل رئيسي على أساس أفكاره، فلا، لم يكن الأمر كذلك برأيي. مع أن هذا النفي لا يعني إنكار دوره القوي والملهم والعميق التأثير على الأشخاص والتيارات والتشكيلات الثورية، حتى على رجال الدين الثوريين. لقد كانت ثورة 1357 حصيلة تلاقي قوى فكرية وسياسية-اجتماعية في ظرف من تحولات الدولة في إيران وأحداث إقليمية ودولية. إن الثورات لا تتشكل أساساً على أساس تصميم وبرنامج للثورة، لذا فإن فعل الثورة ليس موضوع تعليم وتعلّم في الأساس حتى يكون له معلم وتلاميذ، لكن لكي يقدم أشخاص أو جماعات في وضع مشرف على تحول ثوري على المخاطرة والدخول في النضال، فإن الأمر يحتاج إلى تعبئة. إن آلية تعبئة قوى المجتمع الأكثر تثقفاً تختلف عن آلية تعبئة الآخرين، ففي حين لا يستطيع تعبئة الفئة الأولى سوى مثقف ثوري، يمكن لكثيرين غيرهم أن يتولوا تعبئة الآخرين. لقد أظهرت تعاليم شريعتي، بوصفه معلّم النزعة الثورية الشيعية، في ظرف من التحولات السياسية والاجتماعية، طاقة تعبوية لدى بعض مثقفي المجتمع.
5- هل كان شريعتي يفكر في ذهنه بـ"حكومة إسلامية"؟
يوسفي أشكوري: يمكن القول بشكل قاطع إن شريعتي لم يكن يفكر بالحكومة الدينية، لا في ذهنه فحسب، بل وفي لسانه أيضاً. إن أنثروبولوجيا شريعتي وأيديولوجيته ونظرته للتاريخ لا يمكن أن تتوافق مع أي نوع من الاستبداد والأمرية، حتى إن بعض أقواله تقترب أحياناً من الفكر والأدب الأناركي. من هنا، حتى لو قال شيئاً في مكان ما، صراحة أو تلميحاً، بخصوص الحكومة الإسلامية، فمنطقياً ينبغي إما أن تُفسر في ضوء أصول أفكاره ومحكماتها، وإما أن تُهمل بوصفها حالات تناقض.
سحابي: نعم ولا. نعم من جهة أن شريعتي ونحن في نهضة الحرية ومنظمة المجاهدين كنا نفكر في تلك الفترة بفكرة "الحكومة الإسلامية" كبديل ومغاير للحكومة الشاهنشاهية، لكن "لا" من جهة أن مفهوم الحكومة الإسلامية كان يتلخص في الحكومة العلوية التي لم تكن تابعة ومداهنة للمال والقوة والخداع، لا تلك الحكومة الإسلامية التي كانت رائجة ومقبولة لدى الفقهاء وعلماء الدين أو رجال الدين التقليديين، أي حاكمية الأحكام الفقهية الصورية وتغلب رجال الدين على أفكار الناس وعواطفهم ومشاعرهم. هذا النوع من الحكومة الإسلامية لم يكن في ذهن شريعتي. حتى في عام 57، كان الإمام الخميني الراحل، بعد هجرته إلى باريس، يوصي أصدقاءنا الذين كانوا يقترحون شعار الحرية، الاستقلال، الحكومة الإسلامية، بألا يقولوا "حكومة إسلامية" لأن للحكومة الإسلامية في الفقه مقررات ليست عملية اليوم ولا في المصلحة، بل قولوا الحرية، الاستقلال، الجمهورية الإسلامية، وهذا الشعار بالذات هو الذي ترسخ كشعار قطعي لثورة عام 57. وفوق كل هذا، فإن أشهر المراجع الثلاثة الكبار في عصر الدستورية، وهو المرحوم الآخوند ملا كاظم الخراساني، صاحب كتاب كفاية الأصول، يصرح في آثاره أيضاً بأنه ليس لدينا في الإسلام حكومة إسلامية، بل لدينا حكومة جمهور المسلمين. (بمعنى الجمهورية الإسلامية نفسه) إذن ما ترسخ في ذهن شريعتي هو نفس جمهور المسلمين الذي ليس موروثياً (لا توريث عائلي ولا توريث لطبقة معينة هي رجال الدين) ولا تابعاً صرفاً للمقررات الفقهية التقليدية.
عبد الكريمي: على الإطلاق. لم يكن أحد يفكر بـ"حكومة إسلامية" بالمعنى الذي نعيشه اليوم في إيران. لم تكن الحكومة الإسلامية فكرة قبلية تحققت، بل إن هذه الحكومة، أكثر مما هي نتيجة تنظير واضح -طبعاً لا أقول إنها تخلو من أي أسس نظرية وتاريخية- هي نتاج عملية تاريخية بالغة التعقيد، وهي نتيجة لنمط معيشتنا وتاريخنا الحيوي أكثر من أي شيء آخر.
محمدي غرمساري: كانت كل حركات الدكتور وسكناته وأفكاره تهدف إلى تبيين الأيديولوجيا الإسلامية وإحياء القيم الدينية، ومن الطبيعي أن يحبذ مثل هذا الشخص أن يحكم أفضل حكومة. قد يمكن أن نفهم ما كان يميل إليه في رحاب عقله الباحث والمبدع من نوع الحكم، أي أنه كان يهمه أن يُعلى في الحكم من شأن الإنسانية وألا تُداس الكرامة الإنسانية، وأن ترتحل عناصر الخبث والجهل واللاوعي من مجتمع المسلمين، وأن يزول الكذب والبهتان والفكر الخبيث وروح الرياء، أي أن تسود الإنسانية. لكن النقطة المهمة التي لا ينبغي إغفالها بشأنه هي نظرة الدكتور المثالية إلى الدين والتعاليم الدينية، حتى إنه كان مستعداً لبذل روحه في سبيلها، وكان يرى أن تبيين المواضيع الدينية وتحليلها، بل وحتى تحقيق الأيديولوجيا التي يحبها، لا يتوقف على صنف أو جماعة معينة.
رجائي: بالمعنى الدقيق للكلمة، لم يكن شريعتي يفكر في الحكومة الإسلامية. لقد كان في الأساس مفكراً مناهضاً للسلطة، وكان يرى أن شعلة التحرر التي اكتشفها في الإسلام والتشيع لا يمكن تعريفها في قبضة البنى المتصلبة للحكومات واحتكارها. وبشكل عام، كان مفكر تغيير لا مفكر استقرار. وهذا يتعارض مع طبيعة أي حكومة، تحت أي مسمى.
حنائي كاشاني: حسناً، نعم ولا معاً. يعتمد ذلك على ما نعنيه بالحكومة الإسلامية. من المؤكد أن شريعتي لم يكن يفهم الحكومة الإسلامية بمعنى «حكومة رجال الدين». ومع ذلك، كان شريعتي، بصفته شيعياً، يتصور حكماً ناتجاً عن تاريخ المذهب الشيعي وتقاليده. لم يفكر شريعتي قط في الإمكانات المفهومية المتناقضة لما يتوقعه التشيع عادة من الحكومة. كان شريعتي، شأنه شأن سائر الشيعة، يؤمن بـ«المثل الأعلى الأفلاطوني»، أي أنه كان يظن أن أفضل حكومة هي حكومة «العلماء» / «الصلحاء» أو «المعصومين». ومع ذلك، كان يعتبر نموذج حكم الإمام علي (ع) وتعاطيه مع المخالفين نموذجاً للديمقراطية، لكنه لم يستطع أن يرى كيف يتناقض هذان الأمران تاريخياً. ولكي يفعل ذلك، كان ينبغي أن يبقى حياً ليرى تجربة «الثورة الإسلامية».
مجاهدي: استناداً إلى آثاره، يمكن الحكم بأنه كان يمضي قدماً نحو تطوير نموذج حكم بديل. آثاره الصريحة في هذا المجال قليلة وتدل على أنه كان لا يزال في الطريق ويفكر بصوت عالٍ. ومع ذلك، ورغم أنه لا يمكن القول إلى أي نموذج حكم كان يمكن أن يؤدي تيار فكره في هذا الشأن في نهاية المطاف وبالتحديد، يمكن الحديث بقدر أكبر من اليقين عما لم يكن يمكن أن يسفر عنه نموذجه المقترح للحكم. في رأيي، وبالنظر إلى فهمه لمؤسسة رجال الدين، لم يكن نموذجه في الحكم ليتضمن حكم رجال الدين بوصفهم جماعة أو طبقة أو ناطقاً رسمياً باسم الدين. كذلك، وبالنظر إلى فهمه لمكانة الفقه بين العلوم والمعارف الإسلامية، لم تكن حكومته المنشودة لتكون حكومة فقهية أو حكومة الفقهاء. أود هنا أن أشير باقتضاب إلى نقطة أخرى. في رأيي، كان شريعتي معنياً في الغالب بالتحدي والتغيير والعبور، لا بالاستقرار والتعاقب والاستتباب. المشروع الذي يتشكل حول سؤال العبور لا يدور بسلاسة ويسر حول سؤال الاستقرار، ولا يقدم إجابات محكمة لأسئلته، حتى لصاحب المشروع وصانعه الأصلي نفسه.
٦- هل كان شريعتي معارضاً للديمقراطية، بمعنى الحكم الشعبي؟
يوسفي أشكوري: رغم أن شريعتي، لأسباب واضحة تظهر بكثرة في أعماله، لم يكن على وفاق كبير مع الديمقراطية السائدة في الغرب (على الأقل في زمنه) وكان يُعد من النقاد الجديين والراديكاليين لسيادة الديمقراطية في خدمة الرأسمالية المتوحشة والإمبريالية، إلا أنه في الوقت نفسه لم يكن ينفي مبدأ الديمقراطية (بمعنى السيادة الشعبية للسلطة السياسية على أساس السلطة العرفية والديمقراطية) فحسب، بل كان يدافع عنها بشدة، ويمكن العثور بكثرة على هذا النوع من الدفاعات والتأييدات في أعماله، والرجوع إليها متاح للجميع. ومن ذلك أنه في نهاية كتاب «الأمة والإمامة» ذاته، يُصرح بالديمقراطية كمبدأ إسلامي في عصر الغيبة. وفي هذا الشأن أيضاً يجب أن أقول إنه في الحالات المتعارضة، يكون الأصل هو المحكمات، والمتشابهات تُفسر بالضرورة في ضوء المحكمات.
سحابي: لم يكن شريعتي يقبل الديمقراطية بمعنى حكم أفراد الأكثرية، أو بتعبيره هو حكم أكثرية الرؤوس، أي أنه لم يكن يجد الديمقراطية متجلية فقط عند صناديق الاقتراع، بل كان يراها متضمنة لحكم العقلاء ومعارف عموم الناس، الذين يبلغون، في عملية اجتماعية سياسية مع الوعي بجميع العلوم والإنجازات الاجتماعية، نوعاً من اليقظة الوطنية والاجتماعية.
عبد الكريمي: كما أوضحت قبل نحو ربع قرن، في مسودتي المعنونة «نظرة أخرى إلى فلسفة شريعتي السياسية أو تأمل في مفارقة الملتزم»، يواجه شريعتي في حقل الفكر السياسي مفارقات وتعارضات وتناقضات لا تُحصى. لقد أراد أن يكون وفياً للفلسفة السياسية الكلاسيكية والسياسة القائمة على مفهومي الحقيقة والفضيلة، ولانتقادات الفلسفة السياسية الكلاسيكية للديمقراطية منذ أفلاطون وحتى عصرنا. ومن ناحية أخرى يريد أن يؤمن بالفلسفة السياسية الحديثة، وحق الناس في التصويت، والديمقراطية، والحريات الفردية. وهذه الأمور لا تتوافق معاً. فحين يدافع عن قيم الفلسفة السياسية الحديثة، تكون له نزعات ديمقراطية تماماً، لكنه في دفاعه عن الفلسفات الكلاسيكية يتخذ اتجاهاً مناهضاً للديمقراطية. لذا فإن الفكر السياسي للمرحوم شريعتي لا يمتلك نظاماً مؤسساً، وهو محروم من الانسجام الداخلي.
محمدي كرمساري: في تعاليم ذلك المعلم الكبير ومعجزة الربوبية، لم تكن لمعارضة الديمقراطية معنى أو مفهوم. لقد علّم كيف يمكن للبشر، وخصوصاً المجتمع الشيعي، أن يكونوا ديمقراطيين وكيف يعيشون أحراراً. كيف يمكن لفرد أن يتحدث عن نضالات البشر الاجتماعية من أجل الحرية، وأن يكون أفضل قدوة له حكم مولى الموحدين أمير المؤمنين لخمس سنوات، ثم يكون معارضاً للحكم الشعبي؟! إن كتابه «الأمة والإمامة» يُظهر عمق تعلقه بالديمقراطية، وقد لا يفهم البعض ذلك منه. لا يهم، المهم أن أطروحته طُرحت في سن (الأربعين) حيث كان الطريق لا يزال أمامه ليكتمل، وكم كان محتملاً لو بقي حياً أن يُظهر نقده الذاتي بخلق أعمال أخرى. الخلاصة أن المقصود هو أن كثيرين في هذا السن يكونون في بداية تشكلهم، وبعد أمد طويل من الدراسة والبحث يصلون إلى التجديد الفكري والإبداع، أما هو فكأنه لم تتح له فرصة ليواصل طريقه، فاكتفى بطرح الأفكار وإصلاح وإحياء القيم والرموز الدينية، وحصّننا ضد مختلف المذاهب. لقد كان عاشقاً للإسلام، ويرى التشيع تجلياً للمظلومية والشجاعة ومهداً للحرية، وكان يعتقد أنه ما دامت هناك فرصة، فيجب القيام بإصلاحات أساسية، ولم يكن عبثاً قوله: لو بقيت حياً، لأحييت فقه محمد وآل محمد. هذه علامات على شغفه ووعيه، ونابعة من معرفته الدينية.
رجائي: كان شريعتي يرى الديمقراطية مرحلة من مراحل النضال من أجل الحرية، لكنه لم يفسرها على أنها النقطة النهائية ونهاية التاريخ. لذلك لم يكن مفتوناً بالديمقراطيات الغربية، لأن الانعكاس القطعي لإرادة التحرر ليس موجوداً في الحكومات الديمقراطية. وبشكل عام، كان شريعتي مناهضاً للحكومة، وبالطبع كانت هذه المناهضة تتخذ شكلاً أشد حدة تجاه الحكومات الاستبدادية.
حنایی کاشانی: لا. لم يكن معارضًا لـ«الديمقراطية». لكن «ديمقراطيته» لم تكن هي ما نعرفه اليوم. كان يعتقد دائمًا أن شعبنا «شيعة» وسيظلون «شيعة»! لم يأخذ في الاعتبار إمكانية أن «التجربة التاريخية» يمكنها أن تدمر «المذهب» و«الدين». في نظره، إذا كان الشعب «شيعة» و«ثوريين»، فحكم الديمقراطية جيد، أما إذا لم يكونوا كذلك، فلا. كان ينظر إلى الدين والمذهب والأيديولوجيا بوصفها اعتقادات قائمة بذاتها، صوابها وخطؤها يحددان فقط بناءً على مفاهيمها الأولية. لم يأخذ في الاعتبار أن حكم الديمقراطية، على الأقل في فترات من التاريخ، يعني سيادة أشياء كثيرة لا نحبها ونعدها «سيئة». كان شريعتي، بناءً على التعاليم الشيعية، يظن أن الحكم الحق هو الحكم القائم على «العقيدة» الحقّة. كان، مثل كثير من مثقفي ذلك الزمان، لا يحب «الديمقراطية» إلا حين «يفهم الناس ويتصرفوا» بالطريقة التي يحبونها هم أنفسهم. بعبارة أخرى، كان «نخبويًا» من هذه الناحية. في حين أن «الديمقراطية»، على الأقل في السياسة، تعني حكم العاديين، وأناس قد يتقلبون كل يوم، وحكام قد يكونون بعيدين جدًا عن المُثُل، لكنهم «منتخبون» و«مرغوبون» من الشعب. كان شريعتي، مثل كثير من مثقفي القرن العشرين، يفكر بـ«يوتوبيا» أو «المدينة الفاضلة» وكان يسعى وراء المدينة المثالية.
مجاهدي: كما تعلمون، كان يزدري حكم الأكثرية بالأصوات باستعارة مهينة هي حكم الرؤوس. ومع ذلك، إذا عرّفنا الديمقراطية بالقيم الأخلاقية التي ينبغي لنظام ديمقراطي أن يضمنها ويصونها، فلا أعتقد أن أفكار شريعتي السياسية تتعارض معها، قيم مثل الشفافية، وضمان مصادر متنوعة للمعلومات والتحليل، وإمكانية عزل الحكام دون عنف في إطار قواعد منصفة ومعلنة، وإمكانية التنافس العادل للأفكار والمجموعات البديلة، وعدم تركز الثروة والموارد، وسيادة القانون والرضا العام. لكن الديمقراطية على أي حال تتعلق بالعمليات والآليات. أما شريعتي فكان مشغول البال بالمحتوى أكثر من الشكل. كان يعتقد بوجود رؤية كونية أسمى، وأيديولوجيا أسمى، وبالتالي نظام سياسي-اجتماعي واقتصادي أسمى. هذه الأحادية أو المونيزم القيمي، تستدعي نوعًا من الأحادية المنهجية، إن لم نقل تستلزمها، وأستبعد أن يكون بالإمكان جمعها بسهولة مع أسلوب ديمقراطي في مقام الحكم. أقول أستبعد، لأنني أعلم وتعلمون أنه يمكن أن تكون هناك حكومة ديمقراطية بمعنى «حكومة شعبية»، ومع ذلك تُضحى بقيم الديمقراطية في سبيلها أو على الأقل لا يُكترث لتلك القيم.
٧- رأى شريعتي ألم المسلمين والإسلام في هذه الأمور: المتولون الرسميون للإسلام. الاستعمار، والاستحمار، والاستثمار. التفشي الخرافي والانحراف عن الإسلام الأصيل. هل كان تشخيصه صائبًا؟
يوسفي اشكوري: على الرغم من أنه يمكن الإضافة إلى هذه القائمة استنادًا إلى آثار شريعتي، إلا أنني أرى أن تشخيصه في المسائل المطروحة كان صائبًا ومتوافقًا تمامًا مع المستندات التاريخية. إن تطورات العقود الثلاثة الأخيرة في بلدنا وانتشار الأصولية في العالم الإسلامي هي ختم تأييد على هذه الأقوال. بطبيعة الحال، الواقع هو أن سائر المصلحين المسلمين المعاصرين قد أشاروا أيضًا، كل بطريقته وبلغته وتحليله، إلى هذه الأمور. ومنها مسألة المتولين والتفشي الخرافي والانحراف عن الإسلام الأصيل والنقي، وهي مما يُرى في أقوال جميع المصلحين.
سحابی: برأيي لم يخطئ شريعتي في هذه الأمور الخمسة، وقد أصاب في تشخيصها، غير أنه أغفل أمراً آخر أدركناه في تجربة ما بعد ثورة عام 57، وهو من جملة آلام المسلمين اليوم، ألا وهو أهمية العمل والكد والإبداع في المجالات المادية (الاقتصادية) والثقافية (الفن والفكر والعلم) وضرورة الدفاع الاجتماعي. ففي التجربة الاجتماعية السابقة لانتصار الثورة، لم تكن هذه الأمور التي ذكرتها قد تجلّت بالقدر الكافي، ولم تصل إلى (وعي) أهل الفكر والغيورين. واليوم تعاني جميع الأمم المسلمة، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط والمغرب (شمال أفريقيا)، من هذا الداء، أعني انعدام الإبداع والابتكار وتقليد النماذج الغربية من جهة، وانعدام الجد والكد والإنتاجية من جهة أخرى. ولهذا السبب تتسع الهوة بمرور الزمن بين المجتمعات غير الإسلامية، كأوروبا وأمريكا والصين وشرق آسيا، وبين الأمم الإسلامية، رغم وجود حركات تحررية بين المسلمين، إلا أن مجموعها لا يحقق تقدماً ولا سرعة في التقدم المادي والمعنوي.
عبد الكريمي: ينبغي الانتباه إلى نقطتين أساسيتين في هذا الصدد: أولاً، إن هذه كانت جزءاً من آلامنا وليست كل الآلام. ثانياً، إن تشخيص الألم ليس أهم جزء من القصة، أو على الأقل ليس القصة كلها. لقد شارك شريعتي في هذا التشخيص كثيرون، منهم مطهري وطالقاني وبازركان ونخشب وشريعت سنجلجي وغيرهم... المسألة المهمة والأساسية هي: على أي أساس نسعى إلى مداواة هذه الآلام؟ فقد تؤدي حلولنا أحياناً إلى تأجيج الألم نفسه، أو حتى إلى ظهور آلام جديدة، أو أن الانتباه إلى بعض الآلام يصرفنا عن فهم آلام أخرى أعمق والالتفات إليها.
محمدي كرمساري: إن ما عددتموه هو الألم الكبير للمسلمين، ألم بدأ تحليله مع المرحوم السيد جمال واستمر حتى اليوم، ولو تم تتبع هذه الموضوعات بدقة لوجدتم أن الناس يتوقعون من القيمين الرسميين على الدين مسؤولية ورسالة تفوق هذا بكثير. فإذا أدت قراءة للدين والمذهب إلى استحمار الجماهير المسلمة واستغلالها، واختُلِق ما ليس من الدين، وحُرِّفت التعاليم الدينية، فهذا هو عين الاستخدام الأداتي الذي يروّج له الكثيرون اليوم. لقد صرخ المرحوم الدكتور قبل نحو نصف قرن بمسألة تفشي الخرافة والانحراف عن الإسلام، لكننا نرى اليوم أن كثيراً من مفكري المجتمع ومثقفيه يصرخون بها. نحن مسؤولون أمام الجيل المسلم، والجيل اليوم في عالم تحول إلى قرية كونية لا يمكنه أن يقبل أمراً بلا دليل ومنطق، ولا يمكن إبقاؤهم في الجهل والخرافة؛ إنهم تواقون إلى الوعي والإدراك، وليس عبثاً أن عنصر الزمان والمكان كامن في الفقه الشيعي، وأن على الفقيه الشيعي أن يبادر بتشخيص صحيح إلى تحليل الأسئلة والشبهات الجديدة، ويثبت أن الإسلام ينطوي على إبداع وابتكار لكل زمان ومكان.
رجائي: إن تشخيص شريعتي للمسلمين والعالم الإسلامي وتحليله لآفاتهم، قد أظهر صوابه التاريخي اليوم أكثر من أي وقت مضى. فهو في فهمه الديني لم يكن نصياً في العموم، وقد أصاب في تشخيصه كيف تتشكل حول النص بنية سلطة واقعية تخفي نفسها أو تظهرها تحت غطاء الاعتقاد أو الشريعة. ولهذا حاول، بتركيزه الشديد على التاريخ، أن يحطم البنى المتصلبة حول «النص والمفسر»، وقد وفق في هذا السبيل إلى حد كبير. وهذا في الواقع هو الوجه الأكثر ثورية لشريعتي في مجال الإسلاميات.
حنائي كاشاني: حسناً، في الشعار نعم. ولكن ما هو هذا الإسلام «الأصيل» وكيف ينبغي فهمه؟ «فهم» من وكيف؟ على أية حال، كان بوسع فهم شريعتي نفسه للإسلام أن يُتّصف بمثل هذه الصفات! كيف يمكننا أن نميز «الإسلام الأصيل» من غير الأصيل؟ هذا الأمر، فضلاً عن المنهجية، يحتاج إلى فضاء ينبغي أن تفتحه «السياسة»! حينما لا تستطيع أن تعرض فهمك لـ«الإسلام» بوصفه «غير أصيل»، فكيف يمكنك أن تنقد «الإسلام الحاكم» أو حتى تنفيه؟ هذه الأقوال يمكنها دوماً أن تأتي بنتائج «عكسية».
مجاهدی: كما ذكرت في إجابتي عن السؤال الثاني، فإن ذلك السؤال المركب والمعقد والصعب، ظل لسنوات هاجساً محورياً ومرشداً للبحث الفكري والانتماء الوجودي والروحي لي وللكثيرين من أبناء جيلي، ولعل ذلك الدافع والسابقة السابقة، قد دفع الكثيرين حتى اليوم في المسار ذاته. لكن بالنسبة لي، تغيرت أجزاء من ذلك السؤال تدريجياً. لقد كان ينظر خصوصاً إلى التشيع، وكان توقعه من الدين أن يقدم رؤية للعالم وأيديولوجيا ونظاماً سياسياً لجميع الأوضاع البشرية. كان انتماؤه للدين، أيضاً انتماءً في قالب هوية جمعية ذات مهمة سياسية. علاوة على ذلك، كان يظن أن التغيير السياسي والاجتماعي تابع لتغيير النظام الثقافي، وكان يرى تغيير النظام الثقافي رهناً بتغيير علاقة المجتمع بالدين، وكان يرى أن تغيير هذه العلاقة يستلزم تنقية الدين معرفياً وتمكينه من النضال وأداء دور اجتماعي وسياسي فاعل. تدريجياً، فقدت هذه الافتراضات المسبقة الأكثر خفاءً في مقاربة شريعتي لذلك السؤال الكلي بريقها عندي، وتحول ذلك السؤال إلى أسئلة جديدة.
۸- كان حل شريعتي هو «العودة إلى الذات». لماذا وما هو فهمك لما كان يعنيه؟
يوسفي اشكوري: لقد تحدث شريعتي نفسه بالتفصيل عن فكرة العودة إلى الذات الإسلامية – الشيعية ولا حاجة لإعادة ذكرها أو لزيادة أو توضيح، لكن يجب الانتباه إلى أن «العودة إلى الذات» لديه لا يمكن فهمها وتحليلها إلا بالارتباط مع فكرته عن «الاغتراب الثقافي». كان يقول إن المسلمين في تاريخهم (بما في ذلك عبر الاستعمار في العصر الحديث) قد أُفرغوا من حقيقتهم الدينية وهويتهم الإنسانية والثقافية الإيجابية الماضية أو ابتعدوا عنها، ومن ثم يجب عليهم العودة إلى ذلك الإيمان وتلك الأفكار المحركة الأولى لديهم ليبلغوا اليقظة والوعي الذاتي الإنساني والإسلامي، وبعد ذلك، يستعدوا للحرية والعدالة والعلوم والفنون وخلق حضارة جديدة وأصيلة. لم يكن المقصود من هذا الشعار دعوة إلى الرجعية الدينية أو القومية، ولا بهدف العودة إلى حياة وشريعة صدر الإسلام المؤمنة، ولا إلى فكر وتقليد القرون الأخيرة الفقهي لدى المسلمين. في ذلك الوقت، لم أكن (ولا غيري) أتصور غير هذا. وفي الوقت نفسه، يحمل هذا الشعار غموضاً يجب إزالته أو إصلاحه اليوم.
سحابي: طُرحت العودة إلى الذات في عقد الثلاثينيات، أولاً من قبل المرحوم المهندس بازركان، في محاضرة «الانبعاث الذاتي». هناك، وبالإشارة إلى كتاب وجه آسيا (dafacede، ssie) يدّعي أن طريق تقدم البلدان الآسيوية، ليس في تقليد التعاليم والمدارس الغربية واتباعها، بل بالإلهام والاستفادة من استعداداتهم الحضارية والثقافية الذاتية لتطوير المجتمع وتقدمه بشكل سليم، حيث يمكنهم تعويض تخلفهم عن الغرب، بل وتجاوزه. لكن في عقد الخمسينيات، كان النظام البهلوي وبعض المثقفين والكتّاب المرتبطين بالنظام يفسرون ويروجون لهذه العودة إلى الذات بمعنى العودة إلى قيم وتقاليد الشاهنشاهية أو الأخمينية أو الساسانية. في مقابل موقف النظام السابق هذا، طرح شريعتي العودة إلى القيم المعنوية الإسلامية المتعالية وعدالة التشيع العلوي ونزعته الشعبية. وهكذا، كانت العودة إلى الذات، وفقاً لرأي المهندس بازركان في «الانبعاث الذاتي»، ضرورة للخلاص من التخلف، ووفقاً لاكتشاف شريعتي لمفهوم العودة إلى الذات (البهلوية) وانحطاطها، كانت تُطرح العودة إلى الذات القومية والإسلامية.
عبد الكريمي: منذ أمد بعيد ومنذ أزمنة غابرة، كان «الذات أو النفس» في جميع التقاليد التاريخية تُعتبر أحد أهم منابع الوعي والوعي بالذات. في التقليد العبري وفي الأديان الثلاثة الكبرى لهذا التقليد التاريخي (اليهودية والمسيحية والإسلام) كانت معرفة النفس نقطة الانطلاق في طريق معرفة الله: «مَن عَرَفَ نَفسَهُ فَقَد عَرَفَ رَبَّهُ». وفي تقليد الميتافيزيقا اليونانية أيضاً، كان شعار سقراط الأهم: «اِعرِفْ نَفسَكَ». وفي التقاليد الهندية والشرق الأقصى وحتى في ثقافات الهنود الحمر والإفريقية، كانت «الذات أو النفس» تُعتبر أحد المنابع الأصيلة للوعي الذاتي والقوة الباطنية. لكن، في التقليد الميتافيزيقي، أُهمل شعار سقراط شيئاً فشيئاً إلى أن جرى في العصر الحديث ومع ظهور العقلانية الحديثة، اعتبار الإنسان مجرد حيوان ناطق، أو ذات عارفة (سوبژه) فحسب، وجرى إهمال الأعماق الباطنية للإنسان إهمالاً تاماً كاملاً. وقد تعرض هذا الإهمال لاعتراض شديد من مفكر مثل كيركغور، إلى حد أنه جعل رسالته كلها توجيه الإنسان الغربي إلى حقيقة الإنسان، أو بتعبيره الخاص، الإكزستنس. كما اعتبر هايدغر معرفة حقيقة الإنسان (الدازاين) نقطة انطلاق بحثه حول معنى الوجود ونقطة البدء لمواجهة السؤال عن الوجود، وتابعاً لكيركغور طرح إمكانيتين أساسيتين، نمطين لوجود الدازاين، أي نمطي الوجود الأصيل وغير الأصيل. أما شعار «العودة إلى الذات» عند شريعتي، الذي كان متأثراً إلى حد كبير بمفكرين مثل فرانتز فانون وإيميه سيزير وغيرهم، فكان شعاراً سياسياً واجتماعياً وثقافياً، وكان في الأغلب رد فعل تجاه ظواهر التغرب (بمعناه الاجتماعي والسياسي لا الأنطولوجي والفلسفي) والتشبه بالإفرنج (الاستيعاب). «الذات» التي كان شريعتي يدعونا إليها هي «الذات الإيرانية ـ الإسلامية ـ الشيعية»، وبتعبير أدق، ذات تاريخية (إيرانية) وثيولوجية (إسلامية) وإيديولوجية (شيعية). ولهذا السبب، أي محدودية معتقدات شريعتي التاريخية والثيولوجية والإيديولوجية، فإن «الذات» التي دعانا إليها هو وكل أصحاب الثيولوجيا والإيديولوجيا، فقدت لونها تماماً بعد مرور عقد أو عقدين فقط من انتصار الثورة وبتغير الظروف السياسية والاجتماعية، ولم تستطع أن تبدي مقاومة جدية جداً أمام مسار التغرب العالمي، واليوم صار المجتمع بأكمله، وخاصة الجيل الشاب، ضعيفاً وعاجزاً تماماً أمام العواصف الهوجاء من الاغتراب والاقتلاع في الحقبة الجديدة. لم يستطع شريعتي أن يتجاوز حدود المعتقدات التاريخية والثيولوجية والإيديولوجية، وأن يُظهر جذور ذاتنا في صميم تربة «الوجود»، وأن يُظهر ذاتنا الأصيلة لا بحسب نسبتنا إلى القومية والثيولوجيا والإيديولوجيا والسياسة، بل على أساس نسبة الإنسان إلى «الوجود»، إلى واقع العالم، إلى الحقيقة وإلى الحقيقة المتعالية الوحيدة للعالم. الإنسان والذات الحقة التي كان شريعتي يسعى للوصول إليها، كانت كسائر الأنماط الاجتماعية، إنساناً مقتلعاً لم يجد التربة الحقة لنمو نمط وجوده وازدهاره.
محمدي كرمساري: العودة إلى الذات هي عودة إلى الذات الإنسانية، عودة إلى الهوية والإرث القيم الذي نفتخر به. عودة إلى زمن نبي الرحمة والإنسانية وزمن عدالة وتقوى علي الكبير؛ إذا أردنا أن نحمل هدية لجيلنا وأن ندافع عن الحاكمية الدينية المنبثقة من دماء الشهداء وتضحيات الشباب، فيجب أن نعود إلى هويتنا وبإحياء تلك القيم، نضيف إلى تماسكنا وتضامننا الوطني.
رجائي: «الذات» عند شريعتي كانت خروجاً من حصرية ونطاق التفسير المسيطر على النص. الذات المتحررة من السلطة، توضع في مواجهة مباشرة مع الشور المعنوي والديني. هذا هو ما كان يفعله نبينا الكريم في إسلام عصر البعثة، وكان أحياناً دون أي كلام أو حديث، يضع الآخرين في شعاع وجوده، لكن محمداً كان عظيماً لدرجة أنه كان يخلع نفسه أيضاً عن مقام «كونه نواة ذلك الشعاع» بحيث كان مخاطبه يحضر في المحضر المباشر للحق، وإلى ذلك كان شريعتي يدعو.
حنایی کاشانی: هذا من أكثر أقوال شريعتي إثارةً للجدل، ولا أظن أنه يمكن شرحه كما ينبغي في بضعة أسطر. لقد حاول هو نفسه كثيراً أن يشرح هذا المفهوم، لكن هذا الرأي لا يزال يعاني من مشكلاته. حين طُرح هذا المفهوم في وقته، فُهم بمعنى «معاداة الغرب» وإحياء «التقاليد القديمة». لكن قصد شريعتي ربما لم يكن هذا بالضبط. في تقديري، إنه لم يكن يستسيغ «الانفعال» و«الاستسلام» أمام القيم السائدة، أياً كان مصدرها، غربيةً أم شرقيةً أم إسلامية. لقد كان ينشد الاختيار والانتقاء والتنقية. ومن وجهة نظره، لم يكن هذا ممكناً إلا إذا تعرفنا أولاً على إمكانياتنا «الواقعية» (factical)، بتعبير «الفلاسفة الوجوديين». كانت «العودة إلى الذات» عند شريعتي، في تقديري، إدراكاً لهذه الإمكانيات الواقعية، أي الرجوع إلى تاريخنا وتقاليدنا ومواجهتها. الآن، وبوساطة وقوع «الثورة»، ربما نكون قد واجهنا هذه «الإمكانيات» رغماً عنا، وربما صرنا الآن أقدر على معرفة «ذاتنا» التاريخية بشكل أصح.
مجاهدي: كان شريعتي، بتناسب مع ذلك السؤال الكبير، الذي كان سؤالاً هوياتياً في الوقت نفسه ومنظماً لحياته السياسية وفكره، يطرح أيضاً إجابة هوياتية. كانت العودة إلى الذات إجابةً على سؤال يتعلق بتيه الهوية لدى قوم، أو ما كان يسميه هو نفسه، متأثراً بالفكر اليساري والنقدي، بالاغتراب أو الاستلاب. الأولوية الضمنية التي كان يمنحها للسؤال الأنطولوجي على السؤال الإبستمولوجي كانت تدفعه إلى أن نستعيد أولاً موقعنا الوجودي للإجابة عن أي سؤال. علينا أن نجد إحداثياتنا الواقعية. في هذا المجال، لم يكن متأثراً بالفكر اليساري فحسب، بل كان أكثر تأثراً بكثير بإقبال اللاهوري الذي تلقى تربية عرفانية من جهة وهيغلية من جهة أخرى. هذه المصادر الثلاثة كانت، في رأيي، منابع نزعته الهوياتية.
۹- لماذا «علي»؟ كيف كانت صورة شريعتي عن علي بالنسبة لجيلكم؟
يوسفي اشكوري: كان أحد أساليب شريعتي التعليمية والتوعوية بغية الوصول إلى التحرر والحرية، هو إحياء الرموز التاريخية والإسلامية – الشيعية. وبالنسبة له، بصفته شيعياً كامل الإيمان، كان إحياء نماذج كعلي وفاطمة والحسن والحسين وأبي ذر وسلمان وغيرهم، ممن تلوثت شخصياتهم وحياتهم عبر التاريخ بأنواع الخرافات، أو نُسيت على أية حال وأُفرغت من خاصيتها الطبيعية، بل وتحولت، بتعبيره هو، إلى «أفيون». هذا الأسلوب مهم جداً من حيث المبدأ لاستنهاض الهمم والتوعية، ومن سوء الحظ أن المفكرين الإيرانيين الجدد اليوم محرومون من هذا الأسلوب، ولهذا السبب لا يستطيعون التحدث بسهولة إلى عامة الناس ودعوتهم إلى الحركة. على أية حال، بالنسبة لجيلنا، كان علي بن أبي طالب، برواية شريعتي، رمزاً إنسانياً للإيمان والحرية والحسم في المطالبة بالعدالة، وتجسيداً للمساواة. يجب أن أضيف أن شريعتي صنع من علي أسطورة جديدة ربما كانت بعيدة إلى حد ما عن الحقائق التاريخية، لكنها كانت فعالة، كما أنه ربما كان يعيد، عن وعي، بناء شخصية علي بن أبي طالب في شخصيته هو، أي علي شريعتي. محاضرة «علي وآلامه» مثال على هذا المسعى.
سحابي: الإمام علي، في نظر جيلنا، أي شباب عقدي العشرينيات والثلاثينيات الهجرية الشمسية، كان شخصية لم تكن فقط أول المؤمنين بدين محمد (ص)، مما يدل على عقل شديد الفاعلية وقلب مضاعف النقاء والصفاء، بل كان يُعرف أيضاً بأنه ديمقراطي بكل ما في الكلمة من معنى (الخطبة ۲۰۷ من نهج البلاغة)، وفي الوقت نفسه، مقاتل وبطل، وفوق كل هذا، مناهض صميم للظلم الاجتماعي، وحاكم لا مثيل له في اليقظة والعشق للناس والمحكومين. هذا هو الدور الذي قدمه لنا شريعتي عنه.
عبد الكريمي: «عليّ» ذلك الذي ربّاه نبي الإسلام العظيم، هو نموذج عظيم وبارز للإنسان من الطراز الأول الذي سعى التقليد التاريخي العبري إلى خلقه. كان شريعتي واعياً بهذا الأمر تماماً وأظهره في أبهى صورة. لكن شريعتي لم يصل إلا إلى ثمار وأغصان نمط وجود علي بن أبي طالب، أي القيم والفضائل كالشجاعة والوفاء والنضال من أجل المذهب والوحدة والعدالة... ولم ير جذور نمط الوجود هذا في أعماق تربة «الوجود». إن جميع قيم وفضائل علي بن أبي طالب، بكل محدودياته البشرية، كانت بسبب جذور نمت من أعماق كيانه في قلب «أرض الوجود» وأسكنت نمط وجوده في صميم الوجود. لم يكن «علي» كالبشر الثوريين أو اللاهوتيين أو الأيديولوجيين أو المسيّسين كما يُقال، «إنساناً بلا مأوى».
محمدي كرمساري: المولى علي (ع) هو هويتنا كلها. اسم جميل عشنا به، وبمناجاته العاشقة وعدالته الإنسانية واجهنا الخصم، وسمّينا أنفسنا أتباعاً وشيعة له. كانت صورته وتصورنا له نعمة وقيمة. حين كان إخوتنا وأخواتنا في سجون الماضي يلمسون سوط الاستبداد الأسود؛ حين كان أبناء جيلنا المناضلون والمطالبون بالحرية يُزجّون في غياهب السجون بتهمة أدنى احتجاج أو انتقاد؛ حين كانوا يريدون إرغامهم على الاعتراف إرضاءً للسلطة وإذلالهم بشتى أنواع التعذيب اللاإنساني، كان اسم وذكر علي، وذكر عمار وياسر وحجر وبلال وعشرات الشخصيات والمفاخر في العالم الإسلامي، غنيمة تمنحنا السكينة. كانت صورة شريعتي صورة جميلة ومهيبة، وبلا شك فإننا بفضل الاقتداء بهؤلاء العظماء، انتصرنا على كل ذلك الخداع والمكر والتعذيب، وصرنا، كما يقول الأستاذ حكيمي، «مغنّي العشق»، وأتمنى أن تبقى هذه الصورة حية لنا ولجيلنا.
رجائي: الصورة التي رسمها شريعتي لعلي كانت النموذج المطلق للإنسان الكامل. كامل لدرجة أن كليته تُكتشف في عملية بناء ذات عظيمة، وفي الخطوة الأولى تكون مواجهتنا له كمواجهة شخص جالس على سفح الجبل للجبل ذاته. حصيلة هذه المواجهة صورة صغيرة لكلية عظيمة. من ناحية أخرى، تعرض علي وأبناؤه لأعظم المصائب الاجتماعية، ورغم ذلك لم يحيدوا عن الطريق قط. وهذا يعني، كما يقول شريعتي، أن علياً كان الإنسان الأسمى لا الإنسان الخارق.
حنائي كاشاني: الإمام علي (ع)، كما يروي لنا التاريخ، هو ممثل «فهم» لـ«الإسلام» و«الإنسان» و«العالم» قلّما نجد مثيله بين غير الفلاسفة. استطاع شريعتي، بـ«قراءاته» العبقرية للشخصيات الدينية، والتي تعلمها باعترافه من المثقفين الأوروبيين و«اشتغالهم» على الأسطورة، أن يحول هذه «الشخصيات» مجدداً إلى معاصرين لنا. الإمام علي (ع)، بهذه الطريقة، تحول بالنسبة لنا إلى رجل رأى أن مهمة «المثقفين» هي محاربة «الظلم»، والتزامهم تجاه «الله». بالنسبة لنا، لم يكن أحد مثل «علي» قادراً على إنارة هذا الطريق.
مجاهدی: به نظر من، علاوه بر اینکه شریعتی شخصاً به امام علی عشق میورزید، علی چنان که شریعتی چهرۀ او را ترسیممیکرد، برای پروژۀ او یک انتخاب و بلکه یک ضرورت استراتژیک بود. تصاویر مخدوش و جعلی از علی به نظر شریعتی همان سرچشمۀ گلآلودی بود که سراسر رودخانۀ تشیع را آلودهبود. آب از سرچشمه باید صفا مییافت. شریعتی دست به لاروبی منشأ این رودخانه برد. میخواست با اصلاح تصاویر کهنه و فرسوده و مرده، قشری، ظاهرگرایانه، خرافی، فرقهتراشانه و تخدیرکننده از یکسو و نیز اصلاح تصاویری که علی را فوقبشری و غیرقابل تأسی و دور از دسترس مینهادند، تصویری را در ذاکرۀ تاریخی و دینی مخاطباناش از آن امام، جایگزین کند که زنده باشد و الهامبخش مبارزه، به عدالت بخواند و شیعیان خود را هر روز نو به نو علیه کسانی که سهم امام را خرج نام و نان میکنند و از روحانیت، بیش از تسبیح و دستار و ادعا چیزی با خود ندارند، بشوراند. علی، چنان که او معرفی میکرد، هم مرجع هویتی و معرفتی و تاریخی تشیع بود، هم پیروی از او مستلزم شهادتطلبی، اخلاص، حکمت، فراغت از پیوندهای طبقاتی، حساسیت به گرسنگی فرودستان و فقر بیچارگان، گریز از مصلحتاندیشی و عافیت طلبی، و خلاصه عدالتطلبی مدام و حقجویی مستمر بود.
۱۰- آیا «ابوذر» تنها نماد عمل و اندیشه شریعتی بود؟
سحابی: از آنجا که شریعتی به ظلمستیزی و عدالتجویی در جامعه بسیار دلبستگی و تأکید داشت و «ابوذر» غفاری چنین شخصیتی بود که در برابر ستمهای اجتماعی دوران عثمان، تاب تحمل نداشت و صراحت و صداقت هم داشت، در برابر عثمان ایستاد تا اینکه به (ربذه) تبعید شد، چنین شخصیتی ایدهآل شریعتی بود و لذا او را به عنوان نماد اندیشههای پاک خود برگزید، اما نمیتوانم ادعا کنم که (ابوذر) تنها نماد عملی اندیشه شریعتی بود، زیرا پیامبر اکرم در مقایسه سلمان به ابوذر میفرماید اگر آنچه را که سلمان میدانست، ابوذر هم میدانست هرآینه کافر میشد. سلمان هم مورد علاقه شریعتی بود، چنانکه کتاب سلمان پاک، اثر لویی ماسینیون را به فارسی ترجمه کرد و منتشر ساخت. بنابراین سلمان هم نماد اندیشه و عمل شریعتی بود. میدانم که پیامبراکرم (ص) در میان سایر اصحاب خود که همگی نخبگان زمان خود بودند، با سلمان و علیبن ابیطالب جلسات خاص داشت و به آنها شمه-ای از معارف عالیه توحید و خداشناسی را باز میگفت. بنابراین سلمان مزیت علم و معرفت به معارف توحید را هم اضافه بر سایر اصحاب داشت.
عبدالکریمی: «علی» و «حسین» نیز همچون «ابوذر» نمادهایی بودند که شریعتی برای بیان افکار و اندیشههای خویش در باب نوع آگاهیایی که در پی آن بود و نیز برای بیان رابطة عمل و نظر در نگاه خودش از آنها بهره میجست. اما «ابوذر» و «ابوعلی»، هم به دلیل نوع شخصیت آندو و هم به جهت جناس آنها در قسمت نخستین ترکیب اسامیشان (ابو)، سبب شد تا شریعتی بیشتر از «ابوذر» به منزلة نمادی برای بیان اندیشههای خویش بهره گیرد.
محمدیگرمساری: نمیشود شریعتی را با آن تصویر منشوروار که از او میشناسیم فقط به ابوذر فروبکاهیم. ابوذر یکی از ابعاد مهم و تأثیرگذار و الگوساز دکتر است، اما او تصویرها و الهامات دیگر هم دارد. روش علمی و تلاش تحقیقی خستگیناپذیر مرحوم دکتر او را از قالب ابوذر صرف و عملزدگی سیاسی فراتر میبرد.
رجایی: ابوذر، نماد همان گرایش ضد متن شریعتی بود. انسان موجود با پوست و گوشت که بیابانگردی صحرانشین بود، درسی نخوانده بود، فرهنگی نیندوخته بود، اما نسیم رهاییبخش پیامبر چون بر جان او وزید، چنان فربه از دانش شد که عالمان رسمی در مقابلش بیرونق گردیدند. شریعتی بیش از متنشناسی، به انسانشناسی توجه کرد و ابوذر، نماد همان انسان آزاد و انباشته از دانش الهی بود که سنت مرسوم و ارتجاعی ادیان سلطهطلب را به چالش کشید.
حنایی کاشانی: مسلماً، نه. شریعتی از شخصیتهای بسیاری سخن گفته است. اما، چشمگیر بودن «ابوذر» شاید این باشد که «ابوذر» شدن، دستکم در سنت دینی، آسانتر باشد تا «علی» یا «حسین» شدن! وظیفه ابوذر را به دوش کشیدن، فروتنانهتر است.
مجاهدی: مطمئن نیستم منظور شما را از «تنها نماد عمل و اندیشۀ شریعتی» درست فهمیدهباشم. بههرحال میدانید که او خود ابوذر را بسیار برجسته میکرد. او برای آنکه از شیعۀ مورد نظرش نمونهای بیاورد از میان همۀ اصحاب امام علی، ابوذر را برگزیدهبود و این، انتخابی بسیار هوشمندانه بود. ابوذر تا پیش از شریعتی جایگاهی در آموزش و پرورش دینی متداول خانوادههای مذهبی و نیز میان روحانیان و اهل منبر و وعظ و خطابه و اساساً در گفتار دینی مرسوم نداشت، هنوز هم ندارد. اطلاعات تاریخی مُعتنابه هم در مورد او چندان زیاد در دست نیست، حتی تصویری که از ابوذر در نهجالبلاغه آمده است بهعنوان فردی عمیقاً و عمدتاً در حال تفکر و ملازم صوم و صمت و سکوت چندان با آن تصویری که شریعتی از ابوذر برجسته میکند بهعنوان یک انقلابی حرفهای و مادامالعمر منطبق هم نیست، البته نمیگویم ناسازگار است، میگویم آن شخصیت جامعی که در تصویر نهجالبلاغه از ابوذر هست در نگاه شریعتی یکسره به چهرهای انقلابی تحویل میشود، اما برای او ابوذر بههرحال ظرفیتی داشت الهامبخش تشیعی که او میپسندید: شیعهای وظیفهگرا، ایستاده بر عهد و پیمان، بیذرهای منفعتطلبی و مصلحتاندیشی شخصی و خانوادگی، پاکباز، صبور و مقاوم، اما چندان شجاع که تندترین انتقادها را در برابر خلیفه و کارگزاران نزدیک او، با صدای بلند و در میان جمع ابراز کند و عواقب آن را هم بپذیرد. به نظر من، تیپسازی «شیعۀ ابوذری» دربرابر «شیعۀ ابوعلی» نشان میدهد شریعتی از الگوی ابوذر چه انتظاراتی داشت.
۱۱- شما با شریعتی زیستهاید و بالیدهاید؛ اگر او امروز در میان ما بود، مهمترین پروژه فکری خود را چگونه تعریف میکرد؟
یوسفی اشکوری: ارائه پاسخ دقیق و مقرون به حقیقت به این پرسش، کار آسانی نیست، زیرا نه من شریعتی هستم و نه زمانه، زمانه شریعتی است و نه طبعا شرایط و نیازها کاملا با چهل سال پیش یکی است. در عین حال میتوانم بگویم که اگر شریعتی اکنون در زمان و زمانه ما میزیست، قطعا همان پروژة «بازسازی اندیشه دینی» به روایت اقبال و یا در سطح عامتر همان «اصلاح دینی» را با جدیت بیشتر دنبال میکرد، زیرا امروز سخن معروف او «هر انقلابی قبل از آگاهی فاجعه است» به حقیقت پیوسته و این مدعا را بیش از هر زمانی اثبات کردهاست. اما درباره اینکه این اصلاح چگونه و با چه اولویتهای پژوهشی و گفتمانی و با چه ابزارهایی انجام می-شد، هیچ نمیتوان گفت. به نظر میرسد که در زمان شریعتی بیشتر «روشنگری» صورت گرفته بود، اما اکنون بیشتر «روشنفکری» یعنی تعمق در بنیادها و نظریهپردازیهای جدی و تحول آفرین «درکل دستگاه مسلمانی» (به تعبیر اقبال) نیاز است که رسالت بنیادین پیروان فکری اوست.
سحابی: مع معرفتي بأسلوب شريعتي وطريقة بيانه، أعتقد أنه لو كان حاضراً اليوم في مجتمعنا الإيراني الراهن، لكان مفهومان أو نقطتان تتبلوران في ذهنه بشكل أكبر ويؤكد عليهما أكثر: ١- مفهوم الأمة والوطن: أعتقد أن شريعتي لم يكن لديه شك في مفهوم الأمة والقومية. فالقرآن هو الذي يقول: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم. بعد خلق آدم في قالب رجل وامرأة أو آدم وحواء، كان أول مخلوق خلقه الله هو الشعوب و(الأمم) القبائل، وهي الشكل الأولي للأمة، لكن هذه الأمم استقرت في موقع مكاني سُمي "الوطن"، والوطن في ثقافة الإسلام ومحمد (ص) لم يكن شيئاً فارغاً وباطلاً، لأن النبي (ص) نفسه قال: حب الوطن من الإيمان. في هذا الزمان الذي نحن فيه، لو كان شريعتي موجوداً لوجد واجبه الإنساني ومسؤوليته التنويرية في السعي لإنقاذ وبقاء هذا الوطن الذي يبلغ عمره ٤٠٠٠ عام. ٢- مفهوم التنمية: إذا كان الوطن هو الوعاء المادي والمكاني للأمة، فإن التنمية هي مسيرة الأمة في طريق التقدم والتكامل التي تحدث في وعاء الزمان. إذا لم تكن هناك تنمية، فإن الأمة والوطن يتجهان باستمرار نحو الانحطاط والفقر والموت، وهو ما يخالف سنة الرب في مخلوقاته. ما عندكم ينفد وما عند الله باق. ما يميزكم أنتم البشر أو كل المخلوقات هو السير نحو الموت، وما يميز الله هو البقاء والحياة الدائمة الأبدية. إذن، التنمية المادية (الاقتصادية- السياسية) والتنمية الثقافية هي اتباع لصفة الرب أي البقاء والتكامل، كما في سورة النحل حين يقول الله لنحلة العسل: كلي من الثمرات وطرق السماء والأرض والبنايات البشرية، فاسلكي سبل ربك: أي اسلكي طريق ربك، أي تكاملي وتعالي حتى تصلي إلى سماء ربك وتفني فيها. التنمية هي هذا التكامل والتعالي نحو الله والتأله.
عبد الكريمي: الإجابة عن هذا السؤال مستحيلة. لأن الحياة والتفكير والتاريخ أمور لا يمكن التنبؤ بها. أي إجابة عن هذا السؤال هي في الواقع حكاية عن المخططات الذهنية للمجيب نفسه. من جهة أخرى، سؤالك يقوم على هذا الافتراض الضمني بأنه "إذا كان كل شيء بعد الثورة قد جرى كما جرى حتى الآن، فحينئذ لو كان شريعتي اليوم بيننا وفي هذا الموقف بالذات، ما هي المشاريع التي كان سيسعى إليها؟" لكن هذا الافتراض خاطئ تماماً. لم يكن شريعتي فرداً عادياً ومألوفاً في عداد كثيرين غيره. لقد كان شخصية تاريخية وذا قدرة على التأثير التاريخي في تاريخ ثورتنا. لقد ارتقى بشكل طبيعي إلى مقام "معلم الثورة"، لذا لا يمكن القول إلا استناداً إلى عنصر الخيال وبشكل غير قابل للإثبات أو التفنيد إنه لو كان شريعتي حياً، لربما سارت الثورة في مسار آخر بسبب قاعدته الجماهيرية العظيمة. ربما كنا نشهد بشكل طبيعي في المجتمع، بسبب حضوره وأتباعه، نوعاً من التعددية، وما كنا لنسير في مسار أحادية الصوت واحتكار السلطة في المجتمع. لربما مع حضور شريعتي، ما كانت منظمة المجاهدين لتسلك أبداً مسار المواجهات العنيفة والدموية التي سلكتها. لربما مع شريعتي كان تعبير "الجمهورية الإسلامية" ليقترن بكلمة أقل أو أكثر. لربما... لكن لا أحد يستطيع أن يتحدث بشكل قاطع عن هذه اللربمات. على أي حال، لو كان شريعتي حياً وحاول بشكل متعصب ودون أي جهد للمراجعة أن يدافع عن معتقداته، لكان بلا شك قد حُذف من مسار حياتنا الاجتماعية، كما أن أنصاره الأرثوذكس والمتطرفين اليوم منزوون على أنفسهم، وليس لديهم أي انفتاح على المستقبل أو تأثير في مسار التحولات السريعة والمتسارعة في فترتنا التاريخية هذه. لكن شريعتي الذي نعرفه بعيد جداً عن هذا التعصب والجمود الفكري. في هذه العقود الثلاثة الأخيرة، غيّر الجميع بمن فيهم أكثر الناس تعصباً وجهات نظرهم اضطراراً. بلا شك، لم يكن لعقل شريعتي المتوثب السيال الباحث عن الحقيقة أن يبقى بمنأى عن هذه التحولات. حسب ظني، لو كان شريعتي بيننا اليوم، لسعى إلى التقليل بشدة من الصبغات الثيولوجية والأيديولوجية لأفكاره، ولبحث عن إجابة لتعارض العقلانية التقليدية مع العقلانية الحديثة وما بعد الحديثة في خطاب غير ثيولوجي وغير أيديولوجي. لو كان بيننا، لربما أدرك ذاتية العصر الجديد بعمق أكبر، وسعى إلى حل تعارض النظرة التاريخية والإيمان بما فوق التاريخ بعمق وأصالة أكبر.
رجايي: المشروع الفكري لشريعتي لا يزال حياً، وسبب بقائه هو موت شريعتي قبل الثورة. كان موت شريعتي موتاً غامضاً، وفيه أثر من تدبير الحق، لبقاء فكر وروح توحيدية.
حنايي كاشاني: أعظم ما يميز شريعتي، شأنه شأن كل رجل تاريخي عظيم، هو امتلاكه "حاسة تاريخية" نافذة. إن أشخاصاً مثل شريعتي يتحسسون نبض الأرض، ويسمعون هبوب الريح، وبخطى الحمامة يثيرون "العاصفة". أن تكون شريعتياً يعني أن تكون قادراً على سماع "نداء العصر" أو "صوت الوجود". الآن، قد يصير أحدهم في غضون ذلك هيغل ونيتشه، وآخر هايدغر، وثالث شريعتي. أما من يصغي على نحو صحيح وماذا يفعل، فهذا أمر لا يمكن التنبؤ به. على أية حال، في رأيي ربما لم يعد عصرنا يحتمل شخصاً مثل شريعتي، لكنني أظن أن شريعتي لو كان بيننا اليوم لكان "عدواً شرساً لشريعتي": لكان ينقض كل ما نسجه شريعتي.
مجاهدي: على الرغم من أنني لا أعتبر نفسي مصداقاً لمقدمة هذا السؤال، إلا أنني أظن أنه لو كان بيننا اليوم لأمعن أكثر من ذي قبل في نقد ما يجري على الدين والتدين، وباسم الدين على مجتمع المتدينين، من قبيل تغلب الظاهر والتظاهر الديني على الباطن والإخلاص في التدين، وتغلب المصلحة والمنفعة على الحقيقة. لو كان موجوداً لاكتشف علاقات جديدة بين أضلاع وزوايا مثلثات الذهب والقوة والتزوير، أو السيف والذهب والتسبيح، وربما اكتشف أصلاً روابط ومضلعات جديدة وأظهر كيف أن الحكومات القائمة على أسبقية العقيدة على الإنسانية والمكلفة بحراسة رؤية كونية أحادية وأيديولوجيا حصرية، يمكنها بسهولة ورخص أن تنتهك قيمها الأساسية وتتحول إلى نقيضها، فتركب في البداية جهاز الدولة الحديثة بطمع توظيفه لأغراض أيديولوجية عليا، ثم تدريجياً تدخل هي نفسها في خدمته وتنفق رصيدها التاريخي من قيمها الأساسية يوماً بعد يوم وقوداً لنفس الآلة التي كان من المفترض أن تخدمهم وقيمهم. شريعتي، الذي كان هو نفسه ناقداً لنظام الليبرالية الديمقراطية والاقتصاد الرأسمالي وكذلك الآليات الاستعمارية وإعادة إنتاج الاستبداد القديم، كان يغفل عن نقطة حساسة، وهي أن الاستبداد يمكن أن يرتقي إلى الشمولية أو ما يشابهها أو يغير شكله، لأن الشمولية، كما أوضح جون غراي، الفيلسوف السياسي المعاصر، هي قبل كل شيء نظام حارس لرؤية كونية حصرية يعتمد على تكنولوجيا الدولة الحديثة للتسليط على جميع مناحي الحياة. لو كان شريعتي بيننا الآن لكنت توقعت منه أن يخضع أفكاره وتصوراته للنقد من هذا المنظور في ميزان تحققها التاريخي، وأن يدعو محبيه أيضاً إلى هذا الاعتبار، وكنت آمل كثيراً في حقيقته وإنصافه أن يلبي هذا التوقع. إنه ليس بيننا، ولكن ثمة إرث من الجهد النظري والتجربة العملية باقٍ لنا منه. نحن مدينون له. ولأداء هذا الدين، يمكننا بل ينبغي لنا أن ننظر بدقة إلى انعكاس آرائه في مرآة تحققها التاريخي في إيران، وأن ننهض باحثين عن الحقيقة ومنصفين لقياس فكرة التشيع السياسي والثوري بميزان التجربة المعاشة للمجتمعات المسلمة في العقود الأخيرة.
محمدي غرمساري: لعل أهم مشاريعه الفكرية في هذا العصر والزمان، كان التفكير. فإذا تحقق ذلك، أدرك الجميع أين يريدون الذهاب وإلى أين يريدون الوصول، لأن التفكير يجلب المسؤولية والوعي. ومن جهة أخرى، ينبغي تهيئة المجتمع والأرضية لتحقق "الدعاء" الذي لا يزال يُستخدم بين الحين والآخر: اللهم امنح علماءنا المسؤولية، وعوامنا العلم، ومؤمنينا النور، ومثقفينا الإيمان، ومتعصبينا الفهم، والمتفهمين منا التعصب، ونساءنا الوعي، ورجالنا الشرف، وشيوخنا الإدراك، وشبابنا الأصالة، وأساتذتنا العقيدة، وطلابنا... العقيدة أيضاً، وغافينا اليقظة، ويقظانا الإرادة، ومبلغينا الحقيقة، ومتدينينا الدين، وكتابنا الالتزام، وفنانينا الألم، وشعراءنا الشعور، ومحققينا الهدف، ويائسينا الأمل، وضعفاءنا القوة، ومحافظينا الجرأة، وقاعدينا القيام، وراكدينا الحركة، وأمواتنا الحياة، وعُمياننا البصر، وصامتينا الصراخ، ومسلمينا القرآن، وشيعتنا علياً، وطوائفنا الوحدة، وحسادنا الشفاء، ومعجبينا بأنفسهم الإنصاف، وشتّامينا الأدب، ومجاهدينا الصبر، وشعبنا الوعي الذاتي، وأمتنا جمعاء، همة القرار واستعداد الفداء وجدارة النجاة والعزة...
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.