يمكن التعرّف إلى شيراز من خلال حافظ وسعدي، ومن خلال الرندية والتسامح، ومن خلال الاستمتاع بالحياة وفنّ الحوار. في هذه المادة نقرأ تقريرًا عن حوار «نارنجكاست» مع كاوه بهبهاني؛ حوارٌ حول الأفكار التي تصنع روح المدينة على مرّ الزمن وتؤثّر في أسلوب عيش ساكنيها.

«نارنجكاست» برنامج يروي شيراز على ألسنة الذين عاشوها، ويستعيدون حكايات عن أهل هذه المدينة وذكرياتها وأركانها. وتُخصَّص الحلقة الثانية من الموسم الأول من البرنامج لحوار مع كاوه بهبهاني.[1] بهبهاني، المولود عام ١٣٥٨ هـ.ش، مترجم وكاتب ومدرّس وباحث في الفلسفة المعاصرة. تتركّز أعماله في الغالب في تاريخ الفكر والأخلاق والجماليات، وكان له كذلك دور في نشر الفلسفة بين القرّاء من عامة الناس. ويُعدّ أرسطو وحافظ وهيوم ونيتشه وفتغنشتاين وراولز وهابرماس وسيرل من المفكّرين الذين أثّروا فيه. ومن مؤلفاته كتاب «من البحث الأخلاقي إلى الجماليات».
يدور الحوار حول سؤال: هل ثمّة مدينة تقوم الفلسفة أساسًا لها، وأيّ فكر تحمله شيراز في داخلها إذا نظرنا إليها نظرة فلسفية. ويجيب بهبهاني بأنّ شيراز مدينة بُنيت على نماذج أصلية مستمدة من حافظ وسعدي: قبول الآخر، والتمتّع بهذا العالم، والتيسير والتساهل، والحوار.
يرى بهبهاني أنّ جميع الناس فلاسفة بمعنى ما، لأنهم جميعًا يتساءلون من أين جئنا وإلى أين نمضي، لكنّ هذا لا يعني أنّ كلّهم فلاسفة جيّدون. وكلّ مدينة تُبنى كذلك على مجموعة من الأفكار، ولها بتعبيره «نحو» أو قواعد، وإن لم تكن هذه الأفكار كلّها فلسفية بالمعنى الدقيق للكلمة. والعلاقة بين المدينة وساكنيها ذات اتجاهين: نحن نبني المدينة على أساس فكرة، لكنّ المدينة بدورها تحلّ فينا وتشكّلنا.
ولتقريب هذه الفكرة يقسّم المدن إلى هندسية وعضوية. ويضرب مثلًا بسان بطرسبورغ، المدينة التي بناها أحد القياصرة بطرس في روسيا بعمارة بالغة الدقة والهندسية لتنافس المدن الأوروبية. ويتحدث دوستويفسكي في «ذكريات من بيت الأموات»… ، عن ساكنيها كأنهم يعيشون داخل كتاب هندسة. ويفسّر بهبهاني ذلك من الناحية العصبية النفسية بأنّ الجزء العاطفي من الدماغ يبقى جائعًا في مثل هذه المدينة ويتوق إلى الطبيعة والنسيج العضوي. ولهذا يفرّ سكان المدن الهندسية في العطل نحو مكان كالشمال. وفي رأيه أنّ شيراز ليست بعدُ مدينة هندسية خالصة، إذ يظهر النسيج العضوي في فضاءاتها الشبيهة بالمدن الحدائقية. كما يستذكر رواية «مدن لامرئية» لإيتالو كالفينو التي تتحدث، في هيئة حكايات قصيرة، عن أثر المدن في نفوس الناس.
يأتي جزء من الوعي الجمعي لأهل شيراز من حافظ وسعدي؛ شاعران بلغ من أهميتهما، بتعبير بهبهاني، أنهما غرسا في لاوعينا الجمعي ذوقًا وتصميمًا فكريًا ولغويًا خاصًا. ويعدّ نفسه ممّن إذا سُئلوا: حافظ أم سعدي؟ أجابوا: حافظ، وإن ذكّر بأنّ حافظًا مدين لسعدي. ولو انتزعنا هذين الشاعرين من شيراز لبقيت شيراز، لكنها ستفتقر إلى الكثير، كما لو انتزعنا دوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف من روسيا، فتبقى روسيا جغرافيا، لكنّ النماذج الأصلية والأفكار التي صاغتنا تتضرر.
ومفهومه المحوري هو «الرندية»، وهي من ابتكارات حافظ ولا وجود لها عند سعدي. ففي الأدب الكلاسيكي كان الرِّند يُطلق أولًا على الأراذل والأوباش؛ كما في «تاريخ البيهقي»، حين شُنق الوزير حسنك، إذ استُؤجر نفر من الرنود بالفضة ليرموه بالحجارة والطين. ثم نرى لاحقًا في رباعية تُنسب إلى الخيام الرِّند الذي ليس كافرًا ولا مسلمًا، لا يطلب الدنيا ولا الدين؛ إنسانٌ لا يتشبّث بشيء تشبّثًا شديدًا. ويضع حافظ هذه الشخصية في مقابل الزاهد، أي من اكتفى بالطبقة الأولى من الدين، وتمسّك بجملة من المعتقدات تمسّكًا صلبًا، وهو عبوس لا يرى إلا العيوب. أما الرِّند، في المقابل، فليس متعصبًا، ويعلم أنّ لهذا العالم أسرارًا قد لا يفهمها أبدًا؛ فهو لا يحمل الحقيقة في جيبه.
ويُقرّ بهبهاني بأنه لا يمكن الإمساك بتلابيب أحد والقول له: أنت الرِّند الذي يقصده حافظ، لكنه يرى هذه الرندية في المدينة على هيئة روح من التسامح، روح يقلّ وجودها في كثير من المدن الأخرى. ويقول إنه إذا لم تتدخل السلطة ومنابرها الرسمية في شؤون الناس، عاشوا جنبًا إلى جنب على اختلاف هيئاتهم ونظراتهم وأديانهم أو لا دينيتهم، واحتمل بعضهم بعضًا. وشيراز اليوم تتّسم كذلك بالتعدد الثقافي؛ ففي بازار وكيل تسمع اللهجات التركية واللورية وغيرها جنبًا إلى جنب. وكان سعدي أيضًا ينصح الحاكم في زمانه بأن يرفق بالغريب والسائح، لأنّ السائح يصنع للمدينة سمعة طيبة، والبلد الذي يُؤذى فيه الغريب لا يدوم طويلًا.
يسأل المضيف لماذا لا يزال أهل شيراز يستخيرون حافظًا في أهمّ قراراتهم. ويفهم بهبهاني التفاؤل على نحوين. فالفهم السيئ له أن يخبرنا حافظ عن مستقبل علاقة أو عمل تجاري، وهذا ما لا يستطيعه أي كتاب. أما الفهم الحسن فهو أنّ الأدب والفن يمنحاننا معرفة، وهي من النوع الشامل للنفوس كلّها، أي الصادقة في كل زمان ومكان. فحين يصف حافظ هذه الدنيا بأنها «سفلة»، فهو يذكّر بحكمة مفادها أنها تسترد كل ما وهبتك إياه، من جمال وعلم وثروة ووالدين صالحين. ولهذا قد يكون فتح ديوان حافظ علاجيًا ومهدّئًا.
وللتوضيح يشير إلى المقاربة المعرفية السلوكية في علم النفس: مثلث أحد أضلاعه الأفكار والآخر العواطف والثالث السلوك. وكانت العواطف تُسمّى في الأدب الكلاسيكي «الانفعالات»، لأنها تأتينا ولا نذهب إليها. لا نستطيع بضغطة زر أن نحوّل الاكتئاب إلى فرح، لكننا إذا غيّرنا الفكر أو السلوك تغيّرت العاطفة أيضًا. وبيت من شعر حافظ قد يغيّر الأجواء فجأة. وهذا ما كان يفعله الرواقيون كذلك؛ فمارقس أوريليوس يذكّر نفسه في خواطره الشخصية بأنه سيلقى أناسًا سيئي الخلق، وأنّ هذا من جهلهم، فلا ينبغي أن يكون لعبة في أيديهم. وحافظ أيضًا يقول أن تتجاهل قدح الحسود. ويقول بهبهاني إنه يخلو إلى الأبيات باستمرار، وإنه يكتشف أحيانًا بعد سنين طبقة جديدة من المعنى.
وفي هذا السياق يبرز دور الأستاذ شجريان الذي أعاد، بتلحينه لشعر سعدي وحافظ، كتابة الطريقة التي نرجع بها إليهما، ونقلهما إلى دوري آخر. ويقول إنّ حافظًا نفسه كان موسيقيًا، إذ إنّ له بيتًا كلّه مصطلحات موسيقية، ويلعب في موضع آخر بمصطلحات الطب والفلك، ما يدلّ على تمكّنه من علوم عصره.
أول تقليد يطرحه المضيف هو الطعام في شيراز: لماذا يهمّ الطعم والعطر والرائحة أهل شيراز إلى هذا الحد؟ ويبحث بهبهاني عن الجواب في تقليد فكري. ففي تقليد عرفاني تسرّب إلى ديننا وعرفاننا، يُعدّ هذا العالم رخيصًا وثانويًا، والعالم الحقيقي في مكان آخر. ويعود أصل هذه النظرة إلى أفلاطون الذي كان يرى هذا العالم ناقصًا زائلًا، ويفضّل عليه عالمًا آخر هو عالم المفاهيم العقلية. وفي أدبيات الأديان السامية صار ذلك العالم الآخر «الجنة»، واعتُبر الجسد سيئًا والروح حسنة. ويشرح بهبهاني من الناحية النفسية أيضًا أنّ جذر هذه النظرة هو النزعة الكمالية. ولا يرى أنّ الخطاب المهيمن في ذلك العصر، أي الحرب والمرض والموت المبكر، كان بلا أثر في نشأتها، ويقول إنه ليس وراء ذلك بالضرورة مؤامرة.
وفي مثل هذا الإطار لا قيمة للطعام ولا للذائقة. ومولانا ينظر إلى الطعام نظرة احتقار، ويسمّي الجسد «مزبلة». أما حافظ وسعدي فهما النقطة المقابلة، وهذه الدنيا عندهما أصيلة. ويشير بهبهاني إلى الحكاية المنسوبة إلى سعدي التي يزور فيها مع بعض رفاق السفر شيخًا مسنًّا يعرفونه، سالكًا للطريق، في بلاد الروم، فيذكر ذلك الشيخ الله من الليل إلى الصباح ولا يأتي بطعام، بل يكتفي بالقُبَل. فيقول أحد الرفاق، مداعبًا بين «القبلة» و«الزاد»، إنّ الزاد للدرويش خير من القبلة. وهذا بتعبيره نوع من النقد الساخر لنظرة مولانا إلى الجسد والغذاء. وحافظ كذلك لا يعير كبير اهتمام للجنة الموعودة وراء الموت: «أنا الذي أنال اليوم جنة نقدًا، فلماذا أصدّق وعد الزاهد بالغد». ومعشوق مولانا في السماء، أما معشوق سعدي وحافظ فهو هذا الإنسان من لحم ودم في هذا العالم. بل إنّ حافظًا في لعبته الفقهية يعلن تحريم الخمر، لكن فقط حيث لا يكون نديم ولا صاحب. ومن هذه النظرة، في رأي بهبهاني، يؤخذ الأكل والشرب والتفنّن في النكهات والذائقة بجدية في شيراز. ويتأسف لأنّ علامة «شراب شيراز» حيّة في حانات العالم، ولا يُستفاد منها في السياحة.
يضيف بهبهاني ملاحظة عن سعدي. ففي الغزو المغولي لم يسلك سعدي الشيرازي طريق الحرب، بل دخل من باب الصلح ودفع الخراج لتبقى المدينة آمنة، ويُبنى فضاء ثقافي، ويتشكّل فكر يعيش قرونًا؛ حتى إنّ مسلسل «سربداران» يصوّره بوجه متملّق. ويقول بهبهاني إنّ كثيرًا من المثقفين الإيرانيين، من شريعتي وآل أحمد إلى شاملو، خاضوا مع سعدي «قتلًا للأب» واتهموه حتى بالترويج للكذب، لأنه قال إنّ الكذب المصلحي خير من الصدق المثير للفتنة؛ وهي عبارة يعدّها بهبهاني بالغة الحكمة.
يرى المضيف أنّ شيراز مدينة الحوار، ويسأل لماذا خفت هذا التقليد. ويذكر بهبهاني أيام شبابه حين كانوا يذهبون إلى بيت فريدون توللي، أحد شعراء الصف الأول، وكانت زوجته بعد وفاته تواصل المجالس الأدبية، ويجتمع فيها شعراء كثيرون. ويرى أنّ شعراء شيراز من الطراز الأول، من الكلاسيكيين والحداثيين، كثيرون، لكنهم يبدون خافتين في ظلّ حافظ وسعدي.
وعن الحاضر يتحدث عن «أزمة وطنية في الحوار»: يستقطب الجو فورًا، ولا يتحاور طرفا القطبين، بل ينصرفان إلى العنف اللفظي والنزاع. ويذكّر بهبهاني، الذي يتناول جانب من عمله الأفعال الكلامية، بأنّ من الأمور التي نفعلها باللغة أن نجعلها بديلًا من الهراوة والسوط والبندقية. وهدف الحوار الوصول إلى فهم مشترك، والعنف اللفظي ينفّر بعضنا من بعض. ويرى أنّ حافظًا وسعدي وسائر الشعراء صنعوا فضاءً فكريًا يمكن فيه الحوار وإيجاد مسلّمات مشتركة. والتحدي هو كيف يمكن أن نسمع منطق الآخرين، حتى دون أن نقبله، ونرى العالم من منظورهم، دون أن نخمش وجوههم بالكلام.
وردًّا على سؤال آخر للمضيف عن سبب كون الكلمة والشعر، لا الرسم أو السينما، أداة نقل الفكر في إيران، يجيب بأنّ اليونانيين سمّوا الكلام «لوغوس»، وهو الفكر والقول وأصل «المنطق» معًا. وكان أفلاطون على خلاف مع الشعر والرابسوديين، ويعدّ الشعر خاليًا من القيمة المعرفية، لكنّ بهبهاني يخالفه ويرى للفن قيمة معرفية. وفي ثقافتنا حمل الشعر عناصر فكرية، وكان للنثر جمالياته الخاصة، من البيهقي والگلستان إلى أسرار التوحيد. ويحتمل أنّ لمعارضة الإسلام للتصوير والنحت دورًا أيضًا. ومع ذلك ففي السينما والرواية أمثلة كبيضائي وكيارستمي وهدايت ممن استطاعوا محاورة العالم.
يسأل المضيف عن تقليد التساهل في شيراز. ويميّز بهبهاني ثلاثة معانٍ. الأول التيسير في حلّ المسألة، أي تبسيط المسألة المعقدة إلى أجزائها، ويجد له سندًا في بيت لحافظ: «متى يقبل خاطرك نقش الفيض، هيهات، إلا أن تمحو الورق من النقوش المتناثرة». والثاني التجاوز السهل عن أمور كبيرة عند غيرنا، وهو روح «الدنيا تشتد على الذين يشتدون عليها»، ويرى أنها آتية من حكمة حافظ وسعدي الدنيوية الرواقية: لا يمكن تغيير الواقع، لكن يمكن تغيير تفسيرنا له. الدنيا مأساة لا كوميديا؛ تقتل الجميع في النهاية، فلا تشتدّ. والثالث الكليشيه الساخر عن كسل الشيرازيين، وهو مبالغة؛ وإن كان حافظ وسعدي قد لعبا في الأدب أيضًا بلفظة «العمل» والبطالة.
يقول بهبهاني إنّ شيراز ليست مكانًا للزراعة لأنه لا ماء فيها، ولا للصناعة لأنها تجلب التلوث؛ فشيراز مدينة سياحة وضيافة. وسندها الفكري ليس حافظًا وسعدي وحدهما؛ فقد كان الشيخ روزبهان وملا صدرا أيضًا في هذه المدينة. ويتحدث بأسف عن مقبرة الشيخ روزبهان التي لا يليق حالها بمقامه، في حين تحوّل بيت كيركغارد في الدنمارك إلى وجهة سياحية. وحافظ وسعدي معروفان في العالم أيضًا. نيتشه الذي كان يتفلسف بالمطرقة ويشتم الجميع، كان إذا وصل إلى حافظ أثنى عليه. وغوته كتب «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» مستلهمًا حافظًا، وكان الفرنسيون يسمّون أبناءهم باسم سعدي؛ مثل سعدي كارنو، عالم الديناميكا الحرارية المشهور.
وينقل عن علي امتياز أنّ شيراز مدينة المتقاعدين، مثل فيينا؛ مكان يعمل فيه الناس في أماكن أخرى ثم يكون لهم بيت في شيراز تبدأ منه حياتهم الجديدة. ومن تجربة بهبهاني أنّ أصدقاء فلاسفة جاؤوا إلى شيراز، ولا سيما في الحافظية، قالوا إنهم يحبون أن يبقوا هنا. وتتغلغل شيراز في كيان المرء بلطف حتى تكون بلا حدّ حاد، بخلاف طهران التي تؤذي من الناحية الروحية. وينتقد كذلك البناء العمودي في شيراز، لأنّ المدينة بين سلسلتي جبال ويجب أن يُرى منظرها من كل مكان، وينتقد تدمير بساتين قصردشت التي كانت رئة المدينة. ويرى أنّ المركز يمنع تفتّح طاقات المدينة؛ فشيراز لا تطلب دعمًا، بل تريد فقط رفع العوائق، وهذا ما يسميه الفلاسفة «الحرية السلبية». ويشير إلى الإقامات والبوتيكات في النسيج القديم التي تضمّ في داخلها بيوتًا زندية وقاجارية وبهلوية، وإلى مهرجان شيراز للفنون الذي كان يُقام في الماضي.
ينتقد بهبهاني احتكار المطاعم للمدينة: كأنّ المكان الوحيد الذي يمكن فيه سماع الموسيقى وتناول الطعام هو المطعم. ويذكّر بأنّ في شيراز أكثر من سبعمئة معهد موسيقى، وهو رقم لافت لمدينة بهذا العدد من السكان، وبأنّ الشارع ينبغي أن يكتسب على يد الموسيقيين «مشهدًا صوتيًا»، كالأطفال الذين يصنعون الإيقاع في ميدان تقسيم في إسطنبول بعودين ودلو. ويعدّ العائق أمام ذلك نوعًا من ذهنية الحكم الملوّثة بالنفط، تظنّ أنّ كل الأموال ينبغي أن تأتي من هناك، ولا تعلم أنّ الناس قادرون على خلق الثروة. وقد وجّه حافظ النقد نفسه: «أين سماع الوعظ وأين نغمة الرباب».
وعن كون شيراز مدينة الماضي أم المستقبل، يقول إنّ هذا التقسيم الخطي إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل مصطنع إلى حدّ ما، لأننا نحمل على أكتافنا عبء تقاليد الماضي. فروما «رقّ ممحوّ» (بالمبسست)، ويمكن أن تُقرأ فيها حضارات بائدة طبقةً فوق طبقة. ويدافع بهبهاني عن الحداثة والتجديد العمراني ويقول إنّ هناك أنسجة هي هويتنا التاريخية ولا ينبغي المساس بها، وأنسجة أخرى بلا هوية؛ ويضرب مثلًا بشارع زند الذي لا يغري المشي فيه كثيرًا، بخلاف شارع إرم. ويتمنى أن نعيش في مدن ذكية، لكن لا كدبي؛ فعلى شيراز أن يكون لها مستقبلها الخاص.
ويشبّه الماضي بنظارة مصنوعة من الخشب الخام للثقافة واللهجة والنماذج الأصلية. وبهذه النظارة ننظر إلى المستقبل. والإنسان بلا هوية هو من يرمي نظارته ويضع نظارة باريس على عينيه.
وفي الختام يُطلب منه أن يغمض عينيه ويأخذنا إلى مكان في شيراز. فيصف بهبهاني فضاءً ذا رصيف حجري خاص وبضع درجات إلى الأعلى، وبابًا يفضي إلى أشجار سرو باسقة، وبناءً بتصميم فريد يضع قلنسوة الدرويش على الأعمدة، وضريح مفكّر عظيم. وخلفه يرقد شعراء آخرون كمهدي حميدي شيرازي. وفيه يتردد صوت شجريان، وتعبق رائحة زهر النارنج وأنواع النباتات. ويتحدث عن بحث يعدّ صوت الماء آلة مفقودة في موسيقى شجريان، ويرى أنّ لصوت نوافير الحافظية أثرًا في هذا الفضاء. وهذه تجربة ينبغي أن تُعاش، كما لا يمكن وصف طعم طعام لم تتذوقه.
وفي جملة واحدة، يرى بهبهاني أنّ شيراز مدينة بُنيت على هذه النماذج الأصلية: لا ينبغي أن نكون سذّجًا فنظنّ أننا بلغنا الحقيقة المطلقة وأنّ علينا هداية الآخرين. شيراز مدينة منفتحة على جميع الأفكار والآراء والأذواق، والذوق الرفيع فيها يعني تهذيب الذائقة الخاصة والترحيب بأذواق الآخرين المختلفة معًا.
[1]حوار «نارنجكاست» مع كاوه بهبهاني، الموسم الأول، الحلقة الثانية؛ الفيديو على يوتيوب:

نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.