اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
سعى مصطفى ملكيان عبر مشروعه «العقلانية والمعنوية» إلى الحد من التقليد التراثي، غير أن منهجه وسلوكه أسهما، دون قصد، في إعادة إنتاج سلطة قائمة على الشخص وثقافة الطاعة في ثوب التنوير الحديث.

قلّما تجد اليوم بين الباحثين عن الخطابات والحوارات التنويرية في إيران من لم يسمع باسم مصطفى ملكيان. فمساعيه العلمية في العقود الأخيرة، من أيّ جهة نظرنا إليها، تُعدّ علامة على تحوّل كبير في طرح قضايا الفكر وتطويرها في بلادنا.[1] ولعلّ أثمن ما قدّمه ملكيان هو تربية وتنشئة جيل من خرّيجي أقدم مؤسسة معرفية في إيران، جيل يتباهى بتمكّنه المتزامن من أجزاء من التراث الإسلامي والفكر الغربي. ويمكننا اليوم أن نلمس ثمرة جهاد ملكيان الفكري بوضوح في كلّ مكان. فنحن نواجه الآن نوعًا نادرًا من طلّاب العلوم الدينية ورجال الدين يتحدّثون بوضوح ودقّة، وقد أدركوا بعمق ضرورة إعادة النظر في منابع المعرفة الدينية، وتصدّوا لها بمنهجية، واستبدلوا أخيرًا العداء للغرب بمعرفة تفاعلية نشطة للتراث الغربي. وهذه كلّها في حدّ ذاتها جديرة بالتقدير والثناء. ومع ذلك، فقد تحوّل مصطفى ملكيان نفسه، في خضمّ ذلك، إلى إشكالية ضمن العقد المستعصية للتنوير الإيراني.
والهدف من هذه الكتابة هو التعرّف على هذه الإشكالية وتقديم تحليل لائق لجوانبها. إنّ مضمون هذا التقييم، بما أنّه يتناول شخصية مفكّر أو سلوكياته الفردية، يسير على أرض زلقة تثير الحساسية وتحتاج في الوقت نفسه إلى تنظيم لائق، خشية أن تُطمس محاسن الفعل التنويري لملكيان في خضمّ بعض نتائجه المترتّبة عليه. ومع ذلك، فإنّ الضرر المُدّعى به قد ظهرت له أعراض سريرية في الفضاء العام تثير قلق أيّ مراقب بشأن أداء "التنوير المعنوي" في بلادنا. والأمل أن يُنظر إلى هذا النصّ بوصفه مجرّد مقدّمة يقلق كاتبها من إعادة إنتاج الطاعة والعصبية التقليدية في وادي التنوير الحديث لدينا.
لقد ظلّ التنوير في إيران، بعد انهيار الملكية البهلوية، منخرطًا على الدوام في واقع بروز نظام ديني من رحم آخر ثورة كلاسيكية في القرن العشرين. ونتيجة لهذه المواجهة، غيّر خطاب قسم من الجسد التنويري اتجاهه من الصراع مع الاستكبار العالمي وقيم العالم الحديث إلى التعرّف على التراث الديني، وأصبحت آفات تسييس الإسلام ومن ثمّ المعرفة النقدية للخصائص السياسية لهذا الدين محورًا للمساعي الفكرية لأولئك الذين أطلقوا على أنفسهم بعد فترة اسم "المتنوّرين الدينيين". وكان الوجه المميّز والسمة الأساسية لهذا الطيف هي بالتحديد معارضة الهيمنة الدينية على الأمر السياسي (من موقع الحفاظ على التدين) بالاستناد إلى علم الدين، وتباينت مقاربة كلّ واحد منهم في متابعة هذا الالتزام التنويري، من التمسّك بالتراث العرفاني في مواجهة القراءة الفقهية وتحويل محمّد من نبيّ حاكم إلى عارف واصل، إلى الاستفادة من الهرمنيوطيقا الأوروبية في حلّ معضلة الآيات السياسية وكيفية مواجهة نصّ يدّعي الهداية الجمعية، إلى تتبّع جذور العلمانية في القرآن وتاريخ حياة نبيّ الإسلام، والتركيز على قدرة المذهب الشيعي على تعليق أحكام الشريعة، وأخيرًا اعتبار المعنوية جوهر جميع الأديان، كلّ ذلك كان يندرج في إطار تحليل أسباب وقوع الثورة الإسلامية.
وكان القاسم المشترك لكلّ هذه الجهود الفكرية واحدًا: تقويض سلطة الفقهاء. فغالبية هؤلاء المتنوّرين الدينيين كانوا إمّا من دارسي العلوم الدينية أو زوّدوا أنفسهم بمعرفة مقبولة بلغة الدين والنصوص الفقهية. وكان هذا التجهيز عقلانيًا وضروريًا بالكامل، لأنّهم كانوا عازمين على تغيير شيء لم يكن يحدّد حدود تأويله وتفسيره قبل ذلك إلّا ممثّلوه الرسميون.
ينبغي أن نعدّ مصطفى ملكيان في امتداد هذا الجيل من المثقفين منعطفًا لافتًا. فهذا المجدد الديني (إن كان لا يزال يصحّ إطلاق هذا الوصف عليه) انتقل من نقد المعرفة الدينية إلى نقد الدين، واتخذ من ذلك مرتكزًا للوصول إلى روحانية فوق-دينية. لقد كانت نظرته النقدية إلى القرآن وسيرة حامل ذلك الكتاب أكثر منهجية واتساقًا من جميع أسلافه.[2] ولأنه ينتمي هو نفسه إلى سلالة الباحثين عن الروحانية، فقد أُتيحت له فرصة أن يكون نهجه في نقد الدين أكثر تحررًا فكريًا بكثير من سائر رواد التنوير الديني،[3] وذلك لأنه (استنادًا إلى تعلقه بتقليد الوجودية) وعلى حد تعبيره، لا يحمل همًّا إلا همّ «الإنسان»، لا الدين ولا الحضارة ولا أي بناء بشري آخر. لقد أضفى ملكيان على النظرة الفلسفية إلى الدين وطرح الإشكاليات المعرفية في هذا المجال (بالاستعانة بالتقليد التحليلي) عمقًا ودقة غير مسبوقين. وهو في تحليله لعلاقة الأخلاق[4] بسائر مجالات الحياة الإنسانية يُعدّ أكثر المفكرين الإيرانيين جدية، ويمكن اعتباره المؤسس الدؤوب لفلسفة الأخلاق في إيران.[5]
وقبل كل شيء، تجدر الإشارة إلى أن آفة تشكّل المرجعية المتمحورة حول الشخص ليست حكرًا على التنوير الروحاني، بل هي للأسف إحدى الوظائف المعكوسة والقائمة بالفعل للتنوير الإيراني (دينيًا كان أم غير ديني)، تمامًا كما كانت مناهضة سلطة الفقهاء قاسمًا مشتركًا بين جميع التيارات التنويرية البارزة بعد قيام الجمهورية الإسلامية. ولعل وجود بضع خصائص في بنية تفكير ملكيان وسيرته (يُسهم معظمها في التأثير العاطفي على المتلقي) أدى إلى تشكل هالة غير نقدية حول شخصيته لدى محبيه. وفقرات هذا القسم هي محاولة للتعرف على هذه الخصائص في عمل ملكيان التنويري.
إن الإيمان بإمكانية وجود حيز من الوجود لا يحق للعلم التجريبي التطفل عليه، إلى جانب تعميم المباحث النظرية في الأخلاق وإعلان بيان «العيش الأخلاقي الأصيل»، أدى إلى أن يحل البسط العاطفي الروحاني محل الوسواس النقدي لدى ملكيان عند جمهوره. وكأن هذا التغير في الصورة يُظهر أن هذين الوجهين (على الأقل في ذهنية العموم) لا ينسجمان كثيرًا. كان ملكيان، الذي يدّعي أن تخلف الإيرانيين يعود من جملة أسباب إلى التقليد والتعبد وتقديس الشخصية، ينبغي أن يكون أكثر من أي أحد آخر راصدًا لظروف حدوث مثل هذه الآفات. وبقدر ما كان ملكيان دائم القلق (عن صواب أو خطأ) إزاء المخاطر المعادية للعقل لنشر الأفكار ما بعد الحداثية في إيران، كان جديرًا به أن يكون قلقًا أيضًا إزاء عواقب الترويج للنزعة الروحانية. والمدهش أنه يصرح بتناقض الحياة الفلسفية مع العيش العرفاني، لكنه لا يرى هذا التعارض نفسه بين نهجه النقدي وأسلوبه الروحاني![6] وفي ديار يكون أهلها على أهبة الاستعداد مسبقًا للانقياد لسلطة دينية، لم تكن إعادة إنتاج الحالة ذاتها أمام سلطة تنويرية ذات مضمون روحاني أمرًا بعيدًا عن الذهن. ويستند عدم أحقية ملكيان في امتلاك مثل هذه السلطة إلى تعاليمه هو نفسه حول العقلانية.[7]
إن وهن الطبيعة البشرية هو الواقع الذي لم يعره مشروع ملكيان في نشر المعنوية (في أعقاب إيمانه بالأخلاق) أي اهتمام. ذلك أن البشر ليسوا، أولاً وبالذات، محبين للغير ولا عقلانيين. فالمثقف المعنوي متفائل بالطبيعة البشرية شاء أم أبى، أو على الأقل يسعى لإخراج هذه الطبيعة من حالة الأنانية والاغتراب عن الذات.[8] لقد آل الطريق الذي سلكه ملكيان للخلاص الآن، من بعض الوجوه، إلى نتيجة عكسية. كان يهدف إلى أن يحل محل السلطة المؤسساتية التاريخية لأرباب الأديان والمذاهب خطابٌ منافس يبدو في الظاهر جامعاً وشمولياً، لكنه في الواقع يريد أن يتحدى الهيمنة الشمولية لتقليد عمره مئات السنين. كان ملكيان يقول: «إن أول عمل في تحقيق المعنوية هو إزالة عامل التعبد من الدين»، وكان يسميه «الدين العقلاني أو المؤسس على العقلانية» و«نوعاً من التجريبية الدينية» التي تتسم في الوقت نفسه بخاصية «نزع القداسة عن الأشخاص»[9]. إن مشروع المعنوية في ميدان النظر جريء وذكي ومتسق تماماً مع فكرة التسامح الديني والتفكير الحر. ويقر ملكيان بالطبع بأن «في المعنوية رجوعاً إلى الأستاذ، لكن فقط من أجل اختصار الطريق»[10]، ويؤكد في توضيح مقصده على الوجه التجريبي والقابل للاختبار في الحلول المعنوية. لكن تنفيذ هذا المشروع أظهر أن المقبلين عليه يسعون هذه المرة في ساحة المعنوية إلى القداسة ذاتها التي لا تقبل المساءلة والتي كانوا يضفونها على الدين. وكلما ازداد الجانب المعنوي لهذا المشروع تضخماً، تحولت صورة ملكيان من مثقف إلى حكيم. فإذا كان كلام آيات الله في قم هو الفصل في الأمر بالأمس، فإن ملفات ملكيان الصوتية قد بلغت اليوم المنزلة ذاتها، مع فارق أن أولئك يصرحون بمكانتهم، بينما ينفي ملكيان هذه المكانة.
وينبغي أن نضيف إلى ذلك أن طيف الأنصار المتحمسين لمصطفى ملكيان ينتمي في أغلبه إلى طبقة الطلاب الجامعيين لا طلاب العلوم الدينية. ولأسباب واضحة، كانت تلك التبعية الفكرية أقل ظهوراً بين أقرانه أو عابرة، مقارنة بمن كانوا يجهلون التجربة المعيشة داخل التقليد الديني. إن الجرأة على دخول «جزيرة المعرفة المهجورة» والمواجهة القريبة مع «نماذج الطاعة العريقة» تحول في الغالب دون أن يعيد المجربون، بعد تغيير مسارهم إلى العالم المثقف، إنتاج العلاقات غير النقدية ذاتها. بعبارة أخرى، لقد أدت آفات المنهج المعنوي عند ملكيان إلى نتائج مذهلة حين دخل عمله الفكري وصيت أفكاره إلى مستوى أوسع بكثير، وكان أول من نظر بتأمل إلى بضاعته المعنوية هم طلاب العلوم الدينية من ذوي الفكر الجديد (وليس الطلاب الجامعيين فحسب)، وأثبتت النتيجة أن تشاؤمهم العلمي كان في محله إلى حد كبير.
على أي حال، لا ينبغي أن ننسى أن للسلطة التقليدية مؤسسة وسجلاً وتاريخاً ومتحدثين رسميين، وكل هذه السمات تعني أن نقد هذه السلطة قد وجد إطاره ومنهجه مسبقاً. أما تقييم تلك السلطة المعنوية التي تدعي في الوقت نفسه مناهضة السلطة، فسيكون أمراً أصعب وأعقد بكثير. من منظور محافظ إزاء الطبيعة البشرية والتاريخ، فإن كبح السلطة الكلاسيكية ينطوي على هامش خطأ أقل من بناء سلطة جديدة للإطاحة بمنافستها التاريخية.[11] ولهذا، فإن ربح وخسارة المشروع الأول (الاستثمار في كبح السلطة الدينية ثم توظيفها) قابلان للتنبؤ إلى حد ما، بينما لا نملك معياراً لتقدير عواقب التركيز على معنوية بلا إطار. ترتبط الملاحظات الأخيرة ارتباطاً وثيقاً برسم مستقبل السياسات العلمانية في إيران، الذي يبدو مستحيلاً دون الالتفات إلى مؤسسة الدين. يمكن القول إن معنوية ملكيان غير سياسية وفردية بالأساس. ومثل هذا الدفاع، فضلاً عن كونه شاهداً آخر على خلو بال ملكيان من الشأن السياسي، لا يفسر كيف أدى طرح فكرة كهذه (العقلانية المعنوية أو المعنوية العقلانية) عملياً إلى مجرد بحث عن المعنوية وأخلاقوية شكلية في السياسة.
يمكن رؤية إشكال مشابه لكن بدافع معاكس (الصدام مع العلمانية) في مقالة هادي صادقي النقدية[12]، حيث يتحدث عن غياب البعد الاجتماعي والاهتمام الفردي المحض في مشروع المعنوية. وهو يشير بحق إلى أن تحقيق نتائج غير فردية من مشروع كهذا مرهون ببزوغ المدينة الفاضلة أو اليوتوبيا، ويُحيل في ثنايا مقاله إلى توجيهات الإسلام لهداية المجتمع. يريد صادقي أن يخلص إلى أن الدين المؤسساتي التاريخي هو المرجع الصالح الوحيد في صنع القرارات في المجال الجمعي. يدّعي هذا المقال في المقابل أن المستقبل العلماني لإيران غير ممكن دون نزع يد الدين عن الحيز العام، وفي الوقت نفسه فإن إتمام عملية فصل الدين أسهل فيما يتعلق بالدين المؤسساتي التاريخي منه بالنسبة للمعنوية المجهولة الهوية. بعبارة أوضح، إن العلمانية في إيران تتوازى مع إنهاء هيمنة دين الإسلام، وهي تمضي بهذا المشروع على جبهتين؛ إعادة التفكير الشيعي (بما في ذلك فكرة القعود السياسي في زمن الغيبة) وفتح المجال لإبراز خطابات منافسة، من البهائية والطرق الدراويشية إلى الحركات الروحانية في العصر الحديث. كبح الدين وحرية التدين متعانقان ومتشابكا المصير. فقط، لا ينبغي أن ننسى في هذا السياق أن المخاطَب الرئيسي للعلمانية في تاريخنا الممتد لخمسمئة عام الأخيرة هو المذهب الشيعي، ولربما كان من الأجدى أن يحافظ مشروع ملكيان على جانبه السلبي والنقدي تجاه الخصم الرئيسي، بدلاً من أن يكون مشروعاً إيجابياً وتأسيسياً لنمط من العيش شبه الديني ذي آفات مماثلة.
الإسلام، بتصريح هادي صادقي، لديه برنامج لإدارة المجتمع، وله على الأقل في التاريخ المعاصر سجل فاشل يقترب من أربعين عاماً. إن معنوية ملكيان غير سياسية بالكلية ولا تطمح إلى السلطة، لكنها حيثما ألقت بنظرة عابرة إلى السياسة اليومية (من حيث المقاربة) فقد ضلت الطريق تماماً. وبقبول حقيقة أن دائرة نفوذ المثقف المعنوي لا تُقاس بأرباب المذهب (سواء من حيث قلة عدد الأول أو من حيث بناء المؤسسات التاريخي للثاني)، فإن القلق من أن يقدم جمهور المعنويين، تحت مرجعية ملكيان، على ممارسة الفعل السياسي ليس في غير محله، وقد أظهر صاحب المشروع أنه على الرغم من السمة العامة لآرائه الأخلاقية، فإنه يدخل فجأة، باسم الأخلاق والمعنوية المقدسين، في مجال تحديد المصاديق الملموسة والجزئية. وبالطبع، كما أن منع الدين من التدخل السياسي لا يعني منع المتدينين، فإن المعنوية العلمانية ليست بصدد أن تؤدي إلى خمول سياسي لدى طلاب المعنوية. لكن من جهة أخرى، إذا كان لا ينبغي للمتدينين أن يقدموا على تقرير مصير المجتمع بناءً على معتقدات دينية، فلا ينبغي للمعنويين أيضاً أن يفعلوا ذلك بناءً على اعتقادات معنوية. الخير الجمعي في وادي السياسة لا يمكن أن يكون دينياً ولا معنوياً ولا أخلاقياً. الدين والمعنوية والأخلاق، ثلاثتها متوافقة في عدم قابلية أحكامها للحسم. ثمة اتفاق عام على أقل القليل من قضايا هذه المجالات الثلاثة، والأهم من ذلك أنه لا يوجد أي ضمان حقيقي لأي منها في الساحة السياسية. الائتلاف السياسي على أساس أي من هذه الوديان الثلاثة هو عقد اتفاق على لا شيء وكل شيء. من هذه الزاوية، فإن امتداد السلطة المعنوية أو الأخلاقية إلى المسائل السياسية هو أمر كارثي بقدر تدخل السلطة الدينية.
كان للتنوير الفكري في هذه الأرض قصة تراجيدية. في العهد البهلوي، ولأي سبب كان (بما في ذلك عدم مرونة الطرفين)، لم يستطع النظام السياسي الحاكم (الذي يُعد رائد التحديث والتطور البنيوي في تاريخنا المعاصر) والتنوير الفكري المناهض للإمبريالية أن يتوصلا إلى وفاق حول ماهية الاستبداد السياسي وكيفية تجاوزه. وبدلاً من ذلك، فإن تقارب شريحة كبيرة من جسد التنوير الفكري ما بعد الثوري مع الجمهورية الإسلامية، في تحيير الناس بين متاهة «الاختيار بين السيئ والأسوأ»، قد أفضى إلى ذلك الوفاق السياسي نفسه مع نظام رجعي وشمولي بالكامل حول «تثبيت الحاكمية الدينية المناهضة للغرب».[13]
لم يمنع إصرار ملكيان الدائم على أن المشكلة الأساسية (بلغته: العلة الوحيدة أو علة العلل للمشكلات) في المجتمع هي «ثقافية»، من أنه كان يدعو جمهوره في كل موسم انتخابي، وبتبريرات مختلفة، إلى صناديق الاقتراع. فقد اعتبر في عام سبعة وثمانين أن التصويت لمحمد خاتمي هو «واجب أخلاقي على النخب الإيرانية»[14]، لأسباب منها «ضميره الأخلاقي القوي والحي»، وفي آخر منافسة انتخابية، تشبث بمفهوم «الأمل» وتفضيل المتفائلين على المتشائمين[15] (مدعياً الضرر الدائم لليأس) وشجع الناس مرة أخرى على انتخاب حسن روحاني. يُظهر رد فعله الأول، قبل كل شيء، عدم التمييز بين الفضائل الأخلاقية والفضائل السياسية والمساواة بينهما. كما أنه انطلاقاً من مجرد ملاحظات أخلاقية – نفسية، توصل إلى حكم معياري بالغ الثقل (تعيين مصداق الواجب الأخلاقي للنخب) في الساحة السياسية. أما رد فعله الثاني (أي استخدام مفاهيم متناقضة المصاديق ومبهمة كالأمل/اليأس كمقياس للسلوك السياسي) فيُظهر، قبل كل شيء، مقاربة رومانسية للسياسة. يمكن بسهولة، وباستخدام نفس المفاهيم، القول إن اليأس لم يكن دائماً ضاراً، بل قد يكون، من قبيل الصدفة، ممهداً لأمل دائم. إن اللعب اللغوي في فضاء السياسة التشبيهية والشاعرية سيف ذو حدين.
بالنظر إلى مقاربتي ملكيان معاً، القائمتين على «أصالة الثقافة» و«المشاركة السياسية»، يمكن رؤية النتيجة بوضوح: ينبغي على المواطنين، عبر التأمل الذاتي والسير الأنفسي، بلوغ الفضائل الأخلاقية، وفي الوقت نفسه الهمة لتقرير مصيرهم في إطار النظام الإسلامي. يؤدي الجمع بين هذين التعليمين إلى تذرير[16] المواطنين وتجزئة المجتمع ذرةً ذرةً على المدى الطويل، وإلى تضامنات موسمية محضة في المحطات التي يقرها النظام السياسي. وهكذا، فإن أصالة الثقافة في نظره تنطوي على جانب كبير من العزوف عن السياسة، والدعوة المتقطعة إلى صندوق «الجمهورية» السحري هي علامة على التسيّس.
على عكس تأكيدات ملكيان المتكررة، فإن محاربة نظام سياسي لا تعني بالضرورة أننا نعتبره علة العلل لمشكلات المجتمع، أو أننا بتنا نمتدح الشعب لنخلص إلى أن أمة عظيمة كهذه تستحق حكومة أفضل مثلاً. لا توجد رابطة ضرورية بين الإطاحة السياسية والشعبوية. ومن قبيل الصدفة، يمكن أن يكون حقن جسد المجتمع بالأمل الدوري في موسم كل انتخابات أكبر مصداق «لترجيح ما يرضي الناس على ما فيه مصلحتهم»[17]. المغالطة التي يرتكبها ملكيان هي المساواة بين أصالة الثقافة وبطلان الراديكالية. وهو يظهر في «الأسس النظرية للإصلاحية»[18] أيضاً بهيئة مفكر سياسي ويدعم الإصلاحات الديمقراطية والسلمية والتدريجية. إذا كان ثمة إشكال واحد فقط يؤخذ على ملكيان، فهو الخلط بين وادي السياسة ووادي الأخلاق. لكان هذا الادعاء خاطئاً لو اكتفى ملكيان بطرح تطلعاته الأخلاقية في الساحة السياسية. لكن هذه الأخلاقوية قد اقترنت بالتوجيه السياسي. فهو في فترات الانتخابات يستخدم نفوذه الاجتماعي لجلب مشاركة الناس، وليس سند طلبه سوى هذه المُثُل الأخلاقية.
إن تأكيد ملكيان الدائم على «هرم أبراهام ماسلو للاحتياجات الإنسانية» وأولوية المطالب الفسيولوجية على المطالب الأخرى (الاجتماعية أو السياسية أو الروحية) يقع أيضاً في إطار «الأسس النظرية للإصلاحات» وأصالته الثقافية. علاوة على ذلك، فإن تركيز ملكيان الحصري على الأخلاق الفردية باعتبارها الطريق الوحيد لتحسين الوضع الجمعي ومن ثم النظام السياسي، لا ينسجم كثيراً مع إصراره على نظرية ماسلو، خاصة إذا علمنا أن توصية ملكيان هي «نسيان إصلاح المجتمع»[19] و«عدم تعليق طيب الحياة وهنائها على النظام السياسي»[20]، وفي المقابل الالتزام الشخصي المحض بمراعاة المبادئ الأخلاقية. إن مجموع هذه التعاليم غير المتسقة يترك الناس في حيرة أمام حاكمية فاسدة بالكلية وعاجزة عن تلبية حتى المرتبة الأولى من هرم الاحتياجات. يبدو أن أهم طريق للخلاص من وجهة نظر ملكيان هو بلوغ «الرضا من الدرجة الثانية»[21] (التصالح مع الذات) في مواجهة مصاعب العالم الخارجي. إجمالاً، يبدو الجانب الرواقي من منظومة ملكيان الفكرية غير متوافق مع فكرة الإصلاح.
في الواقع، إنَّ ذاتوية ملكيان التي تبحث عن جذور كل اضطراب أولاً في الداخل لا تؤدي إلى نتيجة سوى تحييد المجتمع إزاء نوع النظام السياسي الحاكم، وهذا ضربٌ من "أَسْطَوَة"* الساحة السياسية. من وجهة النظر هذه، لا فرق كبيراً بين أن تعيش تحت راية الديمقراطية الليبرالية أو تحت لواء ولاية الفقيه، لأن الظلم والظلام إن وُجدا فهما من داخل كل واحد منا. نسأل ملكيان: متى سيرتفع الحجاب الإجباري والعداء المنظم للمرأة؟ أين الجذور البنيوية لقمع المغايرين جنسياً والمغايرين فكرياً؟ ما صلة التمييز المنهجي بالتحول الفردي؟ جوابه هو أن أصلحوا أنفسكم أولاً، ثم اسعوا في المرحلة التالية إلى اختيار الإصلاحيين داخل بنية الحكم. ولكن ما موقع التجربة التاريخية (ما يقرب من عشرين عاماً) في هذا السياق؟ ألم تتحول "الإصلاحية" نفسها إلى دوغمائية فكرية لا ترجمان لها سوى أننا لم نستطع تخليص أنفسنا من الاستبداد الديني، وبدلاً من ذلك نحيل الناس إلى الحرية الباطنية أكثر من الحرية الخارجية؟ إن "أصالة الثقافة" عند ملكيان هي أوضح اعتراف بغياب الفكر السياسي في عقلانيته المُرَوْحَنة. النتيجة المنطقية لتعاليم ملكيان تفضي إلى هذا الوهم غير الواقعي الذي لا أساس له، وهو أن جميع الأنظمة السياسية قابلة للإصلاح إذا أصلح أفراد مواطنيها أنفسهم.
كان الأجدر بمثقفينا ألا يتصدوا لتقديم الحلول السياسية لمجرد ما لهم من اعتبار فكري. إن مجتمعاً يلجأ، في غياب السياسيين التقدميين، إلى المثقفين الواعظين، سيختزل السياسة والخير العام إلى الأخلاق والتنقية الفردية. إن مقاربة ملكيان مصابة بوضوح بمغالطة "الإحالة إلى مستقبل مجهول". فهو يحيل الزمن اللازم للتغيير السياسي المنشود (بربطه إياه بالأخلاق الفردية) إلى المستحيل. ناهيك عن أن ملكيان لا يوضح أن لهذا "التعليم والتربية" و"الثقافة" مؤسسات تقع بالكامل تحت سيطرة النظام السياسي، وفي ظروف تُدفع فيها أصغر المنظمات المستقلة إلى الإغلاق والعزلة، كيف يمكن المضي قدماً في مشروع "التحول الثقافي"؟ مع أن سجل المؤسسات الثقافية في الجمهورية الإسلامية ينبئ بنتائج عكسية، فإن هذا لا يعني أن الحكم لم يحقق أي نجاح من جراء هذا العداء، وأن الفوضوية الثقافية الراهنة في صالحنا. إن تجاهل ملكيان المتعمد لـ"أهمية المؤسسات" يتجلى أكثر فأكثر في مثل هذه المنعطفات الحاسمة. وفي النهاية، فإن معضلة "السلطة السياسية" تتطلب تفكيراً متناسباً وحلاً سياسياً، لا نصائح أخلاقية.
ثمة فرق جوهري بين السياسة الأخلاقية وتظاهر السياسة بالأخلاق. هذا القول لا يتصل بالمكيافيلية ولا بدعم فكرة «السياسة فاسدة بالذات ولا مكان للأخلاق فيها»[22]. المسألة هي أنه في ظل نظام سياسي شمولي وأيديولوجي يؤسس للتمييز المنهجي والبنيوي في مجتمع ما ويدفعه قُدُماً، بأي تبرير أخلاقي يمكن الاستناد إلى المبادئ الأخلاقية لاختيار رئيس السلطة التنفيذية؟ هنا يكون تطبيق قاعدة «ما لا يُدرَك كله، لا يُترَك كله» بلا أساس، لأن الجسد السياسي ليس كأجزاء بسيطة تجتمع إلى جانب بعضها لتشكل كلاً. ثمة انسجام عضوي بين مؤسسات الحكم مجتمعة. إذا كان الكذب أساس حكومة ما، فإن إزالة عدد من الأكاذيب السياسية يعني الانشغال بدور إيوان. في الواقع، ألا تكون أخلقة المشاركة في الانتخابات شبه الديمقراطية لمثل هذا النظام غير أخلاقية بحد ذاتها؟ بينما تقوم هيئة الحكم برمتها على الزيف، هل يجوز لنا أخلاقياً أن نعتبر إزالة الكذب من الجهاز التنفيذي واجباً أخلاقياً؟ وفقاً لرؤية آرنت في تحليل سلوك الناس تحت الأنظمة الشمولية، هل يمكن التوافق مع الشر الشامل من أجل الحصول على خير محدود؟[23] من البديهي أن تناول علاقة المجتمع بالحكومة ممكن خارج هذا الجدل الأخلاقي ومن وجوه ومناظير أخرى أيضاً. طرح هذه الشكوك ليس إلا للتذكير بأنه في مقابل أخلقة المشاركة السياسية في الجمهورية الإسلامية، توجد أدلة داحضة وشواهد نقض أخلاقية. الوثيقة الأخلاقية الأكثر فاعلية في الوقت الحالي هي «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» الذي نعرف على الأقل أنه في عهد حسن روحاني (وباستخدام خطاب ملكيان السياسي حول محور الأمل) صار وضعه «أكثر إحباطاً».[24] من منظور السياسة الأخلاقية ذاته، الجمهورية الإسلامية تعني بالنسبة لنا نهاية الأخلاق. يمكن أن نسأل كيف توصل مثقفونا من ادعاء أن «التغيير السلمي واللاعنفي لا يتحقق إلا عبر الانتخابات» إلى هذه النتيجة المتمثلة في أنه، دون أي مراجعة لأسلوب فعلهم السياسي، واستناداً إلى وثنية صندوق الاقتراع لدى الإلهيين الحاكمين، يدعون الناس دوماً إلى طقس انتخابي، وبنفي مسبق لوجود أي حل آخر، يُبقون أفق المستقبل السياسي ضمن حدود الجمهورية الإسلامية؟
البدعة التي أتى بها ملكيان في نوع من التحليل النفسي – الأخلاقي لكل شيء، لم يُسبق إليها إلا قلة من السابقين. من اكتشاف «العوامل العشرين لتخلف الإيرانيين»[25] إلى استقراء «الخصائص التسع للمثقف الحقيقي»[26]، كلها ناتجة عن افتقاد النظرة التاريخية في فكره. المدهش أن ملكيان يقدم مقاربته الخاصة في تتبع أسباب التخلف بوصفها «مسألتي أنا الإيراني في أوائل القرن العشرين الذي يعيش في الجمهورية الإسلامية»، وكأنه يريد بهذا أن يصر على السمة التاريخية لما هو غير تاريخي قطعاً! [27] وفي هذا ظلم لكلمة «الدقة» يستوجب رد الاعتبار. فالتدقيق أو التعمق في كل مجال له مقتضياته. الدقة في طرح الموضوعات السياسية – الاجتماعية تعني مراعاة دقائق سياق النقاش وزمانه، ومن سوء الحظ أن خطاب ملكيان المثقف ليس دقيقاً على الإطلاق من هذه الجهات. لقد تحولت دقته منذ زمن طويل إلى إشارات قصيرة وأشبه بالبروشورات لكل موضوع. صار أسلوب تحليلات ملكيان المرقمة والنموذجية شبيهاً بـ«الكرامات اللفظية». وكأن بحث أي مسألة يعني الحصول على شرطها الضروري والكافي لتعريفها، ومن ثم إتمام عملية المعرفة باللجوء إلى المنهج التحليلي المبسط. يصر ملكيان بوعي وعمد على هذه المقاربة التجريدية والتعميمية، ويعوض غياب النظرة التاريخية في بحث المسائل الإيرانية بالمواعظ والنصائح الأخلاقية.
إنه يتحدث عن تخلف الإيرانيين، لكن مضمون كلامه يمكن تطبيقه، أكثر أو أقل، على أي قوم أو أمة أو سكان بلاد أخرى. نقده الوعظي للمثقفين[28] يخلو أيضاً من البعد التاريخي وحل العقد. القصور الجوهري في طبيعة مثقفيته هو أنه لا يملك خطاباً خاصاً بـ«الإنسان الإيراني»، بل إنه يصرح بهذا الافتقار إلى الخطاب ويفتخر بعالميته. يدّعي ملكيان أن مشكلات الإيرانيين ليست بالضرورة مرتبطة بتاريخ إيران وثقافتها، وأننا نستطيع، سواء من جهة اشتراكنا في المصائب أو من جهة الحلول المتشابهة لمصائبنا الخاصة، أن نستفيد من تجارب الأمم الأخرى. يُفترض بهذا الكلام في الواقع أن يكون نفياً للمشاريع الإيرانية في وادي التنوير. ومع ذلك، فإن ملكيان حين يريد معالجة المشكلات التاريخية للمجتمع الإيراني، لا يزيد على الإصرار على ذكر الجمود والتعصب والتحيز المسبق والنرجسية وأمثالها. إنه لا يوضح أن هذه الآفات الثقافية ليست خاصة بالإيرانيين، ولا أن طريقة معالجة ملكيان لها تحمل أي أثر للنظرة التاريخية أو البعد الإيراني في مثقفيته. الواقع أن نهج ملكيان المتفادي للتاريخ، فضلاً عن عدم جدواه، لا ينسجم مع ادعائه هو نفسه بضرورة مراعاة المقتضيات الزمانية والمكانية للعمل التنويري.[29] إن معظم آثار ملكيان لو تُرجمت إلى أي لغة، لظن أبناء تلك الديار أنها كُتبت لهم، ذلك أن غالب الموضوعات التي بحثها تتسم بطابع كلي وعالمي. لكنه، شاء أم أبى، هو في النهاية مفكر إيراني، وينبغي أن يكون قادراً على صياغة المفاهيم والتفكير لإنسان مجتمعه، بشكل خاص. غير أن هذه الضرورة تستلزم فهماً تاريخياً للمسائل الوطنية. إن نفي القومية بهذه النظرة القَبْلية واللاتاريخية واليوتوبية التي تريد أن تؤسس إنكار الهوية الإيرانية على الأخلاقوية، هو علامة على افتقاد الفكر السياسي والفهم التاريخي لضرورة «التنوير الوطني».[30]
حتى الطرح العام للعلمانية في بيان ملكيان هو طرح معرفي محض، دون أدنى سند تاريخي أو أقل عودة إلى التجارب المعيشة/الممكنة في العالم الإيراني.[31] في رؤيته الكليانية، يُختزل كل شيء إلى علم أمراض أخلاقي وثقافي، وتزول الفروق الواقعية والجزئية. وكأن ملكيان، شأنه شأن إله الفلاسفة المشائين، متعالٍ كلياً عن التاريخ وفي غنى عن الالتفات إلى الجزئيات. وعلى عكس ابتكاراته الفلسفية، فإن المسائل التي طرحها ملكيان في ميدان السياسة كانت في الغالب غريبة عن الأمر السياسي.[32] فعلى سبيل المثال، لا يجد في مقالته «العلمانية والحكومة الدينية»[33] أي حل لمنع حدوث ديكتاتورية الأغلبية وانتهاك حقوق الأقلية سوى تنامي الروحانية لدى البشر عبر السلوك الباطني والداخلي، بحيث لا يستغلون، حيثما تمنحهم السلطة والعدالة فرصة اتخاذ القرار (عبر الرجوع إلى الآراء العامة)، هذه الفرصة على حساب أفراد المجتمع الآخرين. هذا في حين أن أقل ما يمكن أن يقترحه مثقف في المجال العام إزاء مسألة كهذه هو التأكيد على تأسيس مؤسسة قضائية مستقلة، كي يجد الحفاظ على حقوق الأقلية سنداً موضوعياً وضماناً بنيوياً. وإلا، فبحسب نموذج ملكيان، في بداية تشكل الجمهورية الإسلامية، صوتت أغلبية الشعب لصالح الثيوقراطية، وبالتالي فإن تأسيس النظام الإسلامي لم يكن منافياً لعلمانية ملكيان الفلسفية (لأن المعتقدات الدينية من سنخ الأمور الموضوعية غير القابلة للتحقيق الفعلي، وبمقتضى العدالة التي لا تقبل الترجيح بلا مرجح، يجب اللجوء إلى صندوق الاقتراع لإقامة حكومة دينية)، وتُظهر الشواهد التاريخية أن تفسير روح الله الخميني لحاكمية الإسلام لم يختلف كثيراً عن تصور العموم. ثم إن هؤلاء الناس أنفسهم سكتوا إزاء إذلال النساء المتعمد، وقمع البهائيين، وانتهاك حقوق اليهود وسائر الأقليات على أيدي ممثليهم السياسيين. علاوة على ذلك، لا يقدم ملكيان أي تبيين لكون الحكومة الدينية تعني، ضمن ما تعنيه، فرض قوانين دين واحد على بلد بأسره، وأن مثل هذا الاختيار، حتى لو افترضنا ديمقراطيته، لا يمت بصلة إلى «حقوق الإنسان العالمية». ذلك أن هيمنة قيم دين واحد تؤدي بالضرورة إلى إجازة التمييز ضد مواطني المجتمع، فكيف تكون ظاهرة كهذه منسجمة مع العدالة السقراطية أو العلمانية؟
في النهاية، ينبغي على ملكيان أن يجيب عن هذا السؤال: ما هو الحد الفاصل الذي يقيمه بين الديمقراطية والعلمانية؟ [34] إذ يبدو أنه في طرحه المعرفي قد قام بتوحيد هذين المفهومين، وانتهى به الأمر إلى حلِّ العلمانية في الديمقراطية؛ فبما أن غالبية الناس قد اختارت حاكمية الدين، إذن فالثيوقراطية لا تتنافى مع العلمانية. هكذا ينتهي التقرير التجريدي الذي يقدمه ملكيان للعلمانية إلى نتيجة متناقضة ظاهرياً. ويُظهر هذا المثال عينه كيف أن مقاربته الفلسفية للمسألة قد أدت إلى نفي الجوهر التاريخي والوظيفة السياسية – الاجتماعية للعلمانية.
١ . ٤ تفضيل الخطابة على الكتابة
على غرار كثيرين غيرهم ممن أسهموا في تاريخنا المعاصر في تأسيس وتنمية «التقليد الشفاهي للتنوير»، مال ملكيان إلى إلقاء المحاضرات أكثر مما مال إلى الكتابة. صحيح أن منهجه التحليلي ينعكس أيضاً في أحاديثه، لكن القصور المنهجي نفسه الذي ذُكر آنفاً يمكن تتبعه في خطابه أيضاً، بل إنه أشد وطأة مما هو عليه في كتاباته. يقر ملكيان نفسه بثلاث مزايا للكتابة على الخطابة؛ تصحيح الأخطاء قبل اطلاع المخاطب عليها، والسلامة من عواطف المخاطبين والأجواء الانفعالية المحيطة، وأخيراً تقديم المصادر والمراجع للادعاءات[35]. ومن بين هذه الفروق الثلاثة، فإن ما هو أقرب إلى موضوع هذه المقالة هو إدراك ملكيان لميزة تدوين الأفكار في عزلة مقابل إعادة سردها أمام جمع من المستمعين. وهو يرى لاحقاً أن سبب هذا الاختيار يعود إلى «حتمية الفعل السياسي» للمثقفين والناشئ عن ظروف إيران، ثم يرفض بشدة شبهة «استثارة المخاطب»، لكنه يقر بوضوح بهدف «جذب المخاطب». وحتى لو قبلنا بأن كتابات ملكيان معقدة وأنه مال إلى المحاضرات والمقابلات بسبب إقبال المهتمين الأكبر عليها، فإنه لا يتضح لنا أين يقع مقامه كأكاديمي في هذا السياق. لقد درّس ملكيان سنين طوالاً، وقبل أن يدخل فضاء التنوير كان أستاذاً بارزاً في الحوزة والجامعة. ومع ذلك، فإن كتبه، أكثر من كونها مجموعات مقالات، تعود إلى مقابلاته، وبالطبع لا تزال كراريس دروسه تتداولها الأيدي.
ومن ناحية أخرى، في ميدان التنوير، يتابع ملكيان منذ أكثر من عشر سنوات مشروعاً مثيراً للتحدي مثل «العقلانية والمعنوية»، لكن هذه المتابعة لم تفضِ أبداً إلى تأليف حتى كتاب واحد مخصص لهذه المنظومة الفكرية، يُستقصى فيه في كتاب جامع نسبياً، ومع مراعاة تلك المزايا الثلاث التي عددها هو نفسه للأثر التأليفي، مختلف أجزاء هذا المشروع وتُفحص جوانبه الغامضة. كانت مسؤوليته التنويرية تقتضي أن تكون عنايته بنفس الموضوع أكبر من عنايته بإقبال المخاطب. هذه «المسؤولية» ليست من جنس الالتزام الذي كان مثقفو ما قبل الثورة يتحدثون عنه ويطالبون بقلب أسس البلاد رأساً على عقب – وقد نجحوا في ذلك – بل هي ناشئة ببساطة عن ضرورة إقامة توازن بين الشؤون الاجتماعية للفرد، وكذلك وجوب إيجاد تناسب بين المشروع وتنفيذه. لقد وُعد المجتمع الناطق بالفارسية قبل أكثر من عقد من الزمان بنشر ثلاثة مجلدات من «الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية»، لكن واجهات المكتبات في إيران لم تشهد هذه المجلدات قط. وبالنظر إلى الملاحظات السالفة، لا نكون مخطئين إذا خلصنا إلى أن الميل المهني لملكيان (في تفضيله الخطاب على الكتابة) لم يكن متناسباً كثيراً مع مقتضيات عمل المثقف المعنوي، ولا مع مكانة ملكيان الأكاديمية، ولا أخيراً مع طرح مشروع بهذه الضخامة في الفضاء الفكري الإيراني.
٢ .٤ سهولة الوصول؛ نقطة قوة أم ضعف
من الانتقادات الشائعة لسلوك مثقفينا أنهم غالباً ما لا يكونون في متناول اليد، ولا يستطيع أحد الوصول إليهم والتواصل معهم دون اجتياز سبع صعاب. لكن يبدو أننا نقف على مفترق طرق، لكل منه عواقبه. فمن جهة، نضع نموذج الارتباط الواسع لرجال الدين بالمجتمع في مقابل صعوبة الوصول إلى المثقفين، ونعتبره سر نجاح الفئة الأولى وفشل المجموعة الثانية. ومن جهة أخرى، نعتبر النوع الخاص من التواصل الجماهيري السهل المنال للمثقف المعنوي ممهداً لعبادة الأفراد والتبعية العقائدية. فما هو سبيل الخلاص؟
يمكن العثور على الجواب في مراجعة الإشكال الذي وجّهناه أولاً إلى المثقفين. إن مقارنة وظيفة المثقف ورجل الدين تكشف عن افتراض مسبق بـ«التنافس» بين هاتين الفئتين. جزء من آفات التنوير الإيراني ناشئ عن قبول المنافسة في ميدان لا يخصّهم أساساً. المثقف أشبه بلاعب السيرك الذي يحتمل سقوطه في كل لحظة، وهذا التحرك على الحدود بين النخبوية والابتذال يتطلب حساسية أكبر في منطقتنا. بقدر ما ينشغل المثقف الروحي بتجنب مدح الناس، ينبغي أن يقلق من تحوّله هو نفسه إلى موضوع للمديح. لكن إغراء التأثير الأكبر على الجمهور العام يؤدي غالباً إلى تعزيز السلطة المثقفية، ويؤول الأمر في النهاية إلى شبه غريب بالسلطة التقليدية؛ حيث تُستعاد الحميّات ذاتها، والتشخّصات، والتسليمات. التأثير قصير المدى لا يفسح مجالاً للتخطيطات طويلة الأمد، وتحل الخطب الباهرة محل الآثار الخالدة، ويُلقي استقطاب الباحثين عن الجديد بظلاله على مراجعة الطروحات الجديدة.
٣ . ٤ التجمعات المنزلية؛ تمرين على الحوار أم اكتساب للفيض
إن عقد جلسات النقاش في البيوت هو أحد تقاليدنا التنويرية. أشهرها في تاريخنا المعاصر هي بلا شك محاضرات أحمد فرديد في منزل أمير حسين جهانبكلو، التي شارك فيها بعض من أبرز مثقفينا اليوم. ويبدو أن سلسلة الجلسات التي يعقدها مصطفى ملكيان بين الحين والآخر في منزله (وهي أكثر شهرة حتى من جلسات عبد الكريم سروش المماثلة) هي ثاني أشهر مثال في العصر الراهن. يجدر بنا أن نتوقف قليلاً عند الفرق بين إلقاء محاضرة في الجامعة أو مؤسسة، والعمل نفسه تحت سقف البيت. يبدو أن التجمع في المنزل أكثر نخبوية وأكثر حميمية وخصوصية. الألفة أو الوداد بين الأشخاص في الثاني أكبر بكثير. وبقدر ما تزداد هذه الألفة، يقل النقد الموجّه إلى المتحدث. بعد فترة، يتحول الارتباط بالمفكر في البيت إلى مفاخر حصرية ونادرة للمشاركين، ويمتزج الحديث الخاص مع لازمة «قالوا لي هكذا» بجو من التمحور حول التبجيل، لا ينتج عنه سوى تضخيم هالة القداسة الناشئة حول صاحب الكلام. لقد سمعنا الكثير عن حيل فرديد في تحقير الجمهور والسيطرة عليهم في تلك الجلسات التي صارت في ذمة التاريخ. دون مقارنة بين هاتين الشخصيتين (اللتين تفصل بينهما أميال وهما على طرفي نقيض في السلوك)، لا بد من الإقرار بأن طبيعة هذه المجالس المنزلية في منطقتنا تؤدي إلى تفاقم «عبادة الفرد»؛ وهو أمر له جذور ضاربة في الطبيعة البشرية عموماً وفي روحياتنا التاريخية نحن الإيرانيين خصوصاً. ورغم أن ملكيان يبدو في الظاهر مرحباً دوماً بالحوارات النقدية والمباحثات السقراطية، إلا أن أسلوب تعامله مع الآخرين (خاصة عندما يكون في موقع المضيف) يتسم بالمجاملات والرسمية والتكلف إلى درجة تضعهم في «حصار نفسي» إزاءه. يشعر المرء من فرط تكريم ملكيان له بإحساس عميق بالخجل. هذا اللقاء البالغ الكرم يزيد من مشاعر التبجيل والتواضع لدى المخاطبين. مركز الثقل في النقد يكمن هنا بالتحديد؛ فلا يمكن في أي عملية من هذا القبيل إلقاء كل الذنب على عاتق المريدين، واعتبار الشخص الذي هو محور هذا الحجم الهائل من المشاعر وإظهار التبجيل بريئاً من الخطأ.
تشير الشواهد إلى أن الأجواء السائدة في هذه الجلسات لا تحمل في صميمها وعمقها أثراً لتعاليم ملكيان القائمة على الالتزام بالنقد والفحص، كما أن النقاشات التي تدور في هذا الفضاء، تحت الوطأة الثقيلة للمضيف، أشبه بمبارزة تلميذ أمام أستاذ، حيث يتوقع جميع المتفرجين إقناع السائل المبتدئ، عاجلاً أم آجلاً، أمام الحكيم العليم. ثمة فروق لطيفة بين طريقة تعامل ملكيان مع الأسئلة في البيت وتعامله مع النقد نفسه في الفضاء العام؛ ألفة قاهرة هي سمة "مجالس الأنس". الوضع قائم على أن المخاطبين يتلقون كلام ملكيان فور صدوره بالتسليم، وإن أعقبه استدلال منه، عُدَّ ذلك لطفاً مضاعفاً ومنحاً للاطمئنان القلبي بصحة كلامه. في مثل هذا الجو، نقد ملكيان يساوي حرمان المتشوقين من لذة الطاعة. وهكذا، لا مصير للمريدين ولا للنقاد سوى الاغتراب عن الذات؛ الفريق الأول بإدماج الفردية في الآخر، والفريق الثاني بكتمانها عنه. من الواضح في هذا الشأن أنه لا ينبغي لأي مفكر أن يفعل ما يجعل الآخرين يفقدون أنفسهم في مغناطيس حضوره، فيستحسنوا كل ما يرونه في أستاذهم، حتى إذا ما أشار أحد إلى عيب، نظروا إليه بحدة وعتاب. شخصية ملكيان قوية وجذابة، وهذا كافٍ لأن يستقطب الطرف المقابل. لكن ينبغي ألا يُستدام هذا الاستقطاب عن عمد أكثر من ذلك، خشية ألا يتبقى من شخصية المخاطب شيء، فيبلغ الضيف مقاماً أطلقت عليه التقاليد العرفانية اسم "الفناء في الله". غير أن هذا المقام هو لعباد الله، لا لمخاطبي مثقف.[36]
٤. ٤ تماثل الآخرين والتكاثر الجماعي للذات
من العلامات السريرية في عملية تشكل هالة القداسة حول فرد، ملاحظة سير متزايد من محاولات التشبه. وتجدر الإشارة إلى أن بلوغ مثل هذه المكانة بين طلاب العلم والمتابعين للمباحث الفكرية، يدل بذاته على قدرة فكرية وشخصية، وملكيان في هذا المجال مقتدر من كل وجه. إن توفير مثل هذه الأرضية، عن وعي أو بدونه، يعني انحلال فردية الآخرين؛ تلك الفردية التي هي الركن الأشد أساسية في العقلانية. لا يمكن أبداً الادعاء بأن مصطفى ملكيان يسعى إلى زيادة عدد محبيه أو يخطو في سبيل هذا الهدف. نحن لا نحيط بنية أحد وسر ضميره، وبقدر ما يتعلق الأمر بملكيان، فهو شخص انطوائي لا ميل له إلى اكتساب الشهرة. لا يختلف الأمر كثيراً عند ملكيان إن كان باب بيته مفتوحاً أم مغلقاً، وإن وُجّهت إليه الدعوة لإلقاء محاضرة أم لا. ومع ذلك، فإننا في تحليل ما وقع، لا سبيل لنا إلا إلى الظواهر فحسب، وبها نشتغل، ولا يمكن في مسار هذا الفحص أن نتصور طريقاً باتجاه واحد بين المثقف ومخاطبيه، ونختزل هذا الارتباط برمته بنظرة أحادية الجانب تجاه المخاطب.
من هذه الجهة، تقف هذه الكتابة على النقيض تماماً من النقود التي تُلقى فيها كل المسؤولية على عاتق المريدين، ولا وجود للمُراد فيها من الأساس (إلا في مخيلتهم).[37] إن مقاربة كهذه تعمق، وبطريقة هدامة للذات، الضررَ موضعَ النقد، لأنها ترى التفاعل بين المثقف والمجتمع من جانب واحد فحسب، وتقرن مديح الأول بذم الثاني. ونتاج هذا النوع من النقد هو حفظ مكانة المثقف التي لا تُنتقد، وتعميق التبجيل في نفوس المخاطبين الموبخين. أما أن يبدو شخص ما في أعين الآخرين بمظهر المُراد، فلا يمكن أن يكون ناتجاً بالكامل عن سوء نظرهم. وكما يقول المثل السائر، أحياناً يكون الخلل في المنبع أيضاً، ولا يمكن القول دوماً بوجوب التلاعب بالمستقبلات. فالصورة المعوجة لها قدم في واقع صاحب الصورة أيضاً، ولا يمكن لسوء الفهم عن الآخر بهذا الحجم الواسع ألا يكون ذا صلة به هو. إن تشكل صورة خاطئة عن الفرد لدى عدد كبير من مخاطبيه، يعود من جملة ما يعود إلى تلك الكيفية التي يعيد بها الفرد تمثيل نفسه. وقطع هذا الارتباط يعني الوقوع في وادي المثالية القصوى وادعاء الانفصال بين الذهن والعين. إن ما نراه هو اتباع متزايد لكيفية تناول ملكيان للموضوعات[38]، وينبغي أن نتمكن من فهم وتبيين ومعرفة واقعية لهذه المسألة.
في تلخيص مدّعى هذه المقالة يمكن القول إنّ الصورة التي قدّمها ملكيان لنفسه بعنوان «الناصح الأخلاقي»، وتعميماته شبه التحليلية حول الموضوعات الجزئية والتاريخية، إلى جانب رنين مشروعه الفكري لدى جمهوره (في احتضان العقلانية والتطلع إلى الروحانية)، تحوّلت إلى مادة جاهزة أشعلتها أخيراً نكهةُ اللقاءات المنزلية الحميمية وشخصيةُ ملكيان نفسه العاطفية والودودة[39]. في الواقع، إنّ مشروع ملكيان «العقلانية والروحانية» لم يحالفه النجاح عملياً (وبناءً على حدسنا من حلقة المريدين المتشكّلة حوله وحول كلماته)، وقد قلب وظيفةَ المثقف الأولى التي لا بديل عنها رأساً على عقب. لقد أدّى نتاج الإصرار على الروحانية وإفرازه إلى إضعاف العقلانية، وأغلقت التوصيات الأخلاقية المتتابعة (لا المباحث النظرية في فلسفة الأخلاق) الطريقَ أمام النقد والتقويم النقدي. ومن دواعي الأسف أنّ الصمت إزاء النمو المتزايد للأنصار المقلّدين، واللامبالاة في كبح هذه العواطف المحرقة للعقل، لا يسمحان لنا، ونحن ندرس مسار تحليق هذا النوع من التبعية المثقفية وتضخّم النفوذ الشخصي، بأن نضع المثقف نفسه خارج دائرة النقد.
ينبغي التنويه بأنّ جهود ملكيان القيّمة في طرح أفكار جديدة بأسلوب جديد، وكذلك إعاناته الفكرية لكثيرين ممّن طلبوها (بدءاً من تحرير الترجمات ومراجعتها، وصولاً إلى كتابة خطط دراسية، ورسائل توصية، ومقترحات الدكتوراه، بل وحتى الاستماع إلى الهموم الشخصية)، لا يمكن إنكارها. لقد كان ملكيان في كل حوار ونقاش، إزاء أسئلة الآخرين ذات الصلة وغير ذات الصلة، صبوراً ومتألماً ومعلّماً وبشوشاً. وعلاوة على ذلك، واستناداً إلى جوهر تعاليمه هو نفسه، الذي ليس سوى إعلاء شأن الفردية ونفي التقليد الأعمى، فإنّ هذه القائمة يمكن أن تكون أفضل وفاء ممكن لدَين ملكيان. ذلك أنّ المحبة لأحدٍ لا ينبغي أن تؤدي إلى تجاهل الحقيقة (أو بالأحرى، ما نعتقده حقيقة)[40]. ملكيان إيثاريّ، وهو مسرور بإقامة مثل هذه العلاقة مع المحيطين به. وبصرف النظر عن كونه مثقفاً أو أستاذاً، فهو إنسان نبيل. وإذا كانت أدلته على صحة «الإيثار» قابلة للاعتراض، فإنّ سلوكه هو نفسه خير شاهد على صدق قوله.
ومع ذلك، لا شيء من هذه الطيبات الأخلاقية يجعل الأثرَ المترتب على نهج ملكيان (سواء من الناحية العملية أو النظرية) لا يفضي إلى نقض غرضه المثقفي. إنّ ما حدث ناشئ فوراً عن حاجة متبادلة بين المثقف وجمهوره. لكن مثل هذه الرابطة آلت إلى التمحور حول التبجيل وتأليه الأشخاص. قد تكون المثقفية الروحانية، من حيث التنظير، أقلّ تناقضاً من المثقفية الدينية، لكنها في جزء من واقعها المتحقق أدّت إلى نفي مثالياتها الذاتية، ومنها الاستقلال الذاتي والتفكير الذاتي. لقد انتهى السعي لنشر «الحياة الأصيلة» إلى اختيار اللا أصالة في معيش شريحة لافتة من الجمهور. يؤكد ملكيان أن تغيير رأيه في الحياة كان نابعاً من طلب الحقيقة، لا من موضة العصر[41]. وكلّ كلام النص هو أنّ ملكيان نفسه تحوّل في هذه الأثناء إلى موضة عصر، وأنّ أناساً ليسوا بالقليل يروّجون آراءه عن حبٍّ بوصفها «اعتقاداً صادقاً مبرراً». يُظهر مثال ملكيان أنّه ينبغي لنا مرة أخرى أن نفكر بجدية في كيفية تعميم النظريات الفلسفية، وفي سبب افتقاد المثقفية الدينية – الروحانية للفكر السياسي، وأخيراً في كيفية نشوء نتاجات لا تنسجم مع المشاريع المثقفية الأولية.
.
.
[1] يعتبر آرش نراقي موقع ملكيان الأكثر راديكالية في طيف «التجديد الديني»، حيث أوصل هذا المشروع إلى أقصى طاقته. (انظر: «مستقبل مرجعية الفكر الديني»، آرش نراقي)
[2] على سبيل المثال، راجع حوار ملكيان قبل سنوات مع مجلة فراراه (المتخصصة في الدراسات القرآنية) بعنوان «هرمنيوطيقا القرآن وتعارضات العقل الحديث والوحي». يتحدث في هذه المقابلة، عن صواب، عن حتمية امتلاك افتراضات مسبقة في مواجهة النص المقدس، مع وجوب الالتزام بأصول التفسير، ولا يقبل القراءات المتعددة للدين إلا بشرط تجنب الفوضى المنهجية في التفسير.
[3] لفهم أفضل للفرق بين التنوير الديني والتنوير الروحي، راجع: «با پارادوکس خود چه میکنید؟» (التنوير الديني في حوار مطول لموقع فرهنگ امروز مع مصطفى ملكيان).
[4] لفهم متعاطف لدوافع عمل ملكيان التنويري، ينبغي أن نتساءل: لماذا وضع نفسه في زي المثقف الأخلاقي؟ لا يمكن أن نمر بلا مبالاة على هذه الحقيقة المرة المتمثلة في أن أداء النظام الإسلامي وسجله خلال هذه العقود الأربعة قد دفع ببعض مثقفينا إلى ضرورة النزعة الأخلاقية في الذهنية الإيرانية. من «معنويت» مصطفى ملكيان إلى «پارسایی» محمد رضا نيكفر، يمكن تقصي جذور هذا القلق (وإن كان الأول يسعى أكثر إلى الخير الفردي في مجال الأخلاق، والثاني يبحث أكثر عن الخير الجمعي في مجال السياسة).
[5] وفي هذا السياق، يمكن الإشارة بشكل خاص إلى دروسه الصوتية حول «سيكولوجيا الأخلاق» وتعريفه بالمقاربات الإنسانية في علم النفس وصلتها وعلاقتها بفلسفة الأخلاق.
[6] انظر: عطا و لقای عرفان اسلامی، حوار صديق قطبي مع مصطفى ملكيان، نُشر لأول مرة في مجلة «اندیشهی اصلاح» الشهرية، العدد الأول، يوليو ۲۰۱۵.
[7] من المهم التذكير بأننا لم نشهد قط هذا القدر من الحماسة لدى بعض المثقفين ذوي النزعة الروحية الآخرين الذين لم يعقدوا العزم على التزاوج بين العقلانية والروحانية (مثل داريوش شايغان).
[8] بخصوص «طاعة عامة الناس للسلطة»، من المفيد التوقف عند تقرير جامعة سانتا كلارا. في تحليل كيف وافق المواطنون الألمان على التعاون في معسكرات الموت، وما الذي يحفز السلوكيات غير الأخلاقية لدى الناس العاديين، تُظهر تجربة ستانلي ميلغرام أن ثلثي المشاركين أطاعوا هذا الأمر الوحشي استجابة لأمر يزيد من شدة الصدمة الكهربائية للضحية مقابل كل إجابة خاطئة. لكن لاحقًا، تشير النتائج الجديدة إلى أن إصرار ملكيان على الطرح البسيط والدقيق والمفهوم للجميع لـ مباحث فلسفهی اخلاق (بغض النظر عن السلطة المتشكلة حول شخصه) قد يتمكن يومًا ما من منع ارتكاب «جريمة ضد الإنسانية» على أيدي الإيرانيين، كما حدث في ألمانيا النازية. هذا الاحتمال مشروط بأن تنجو «النزعة الأخلاقية» نفسها من مأزق التحول إلى إيماءة اجتماعية، وألا يؤدي مجرد الوعظ إلى تشويهها وتحويلها إلى شعارات جوفاء. خلاصة القول إن تجربة ستيفن شيرمان تكشف حقيقة أن التعليم والتربية الأخلاقية للمشاركين قد أفضى إلى نتيجة معاكسة تمامًا لتجربة ميلغرام، وتسبب في تغلب الوعي الداخلي على السلطة الخارجية. وتخلص المقالة إلى أن التأمل في القضايا الأخلاقية قبل أن ينخرط فيها الفرد يومًا ما، يؤدي إلى التصرف وفقًا للضمير الأخلاقي وعصيان السلطة في الحياة الواقعية. ووفقًا للتجربة الثانية، فإن الاعتبارات الأخلاقية والنقاش حول الخير والشر يزيدان بشكل كبير من الجودة الأخلاقية لخيارات الفرد المستقبلية. وإلى جانب التشاؤم والأضرار الموجودة في مقاربة ملكيان الأخلاقية (خاصة باعتبارها مطروحة كحل سياسي)، لا ينبغي تجاهل هذا الأمل في أن يساهم نشر تأملاته الأخلاقية أيضًا في دفعنا نحن الإيرانيين، على سبيل المثال، إلى إعادة التفكير في تقصيرنا وذنبنا في القمع المروع للبهائيين وإعدام آلاف السجناء السياسيين في ثمانينيات القرن العشرين. انظر:
‘Conscience and Authority’, Developed by Manuel Velasquez, Claire Andre, Thomas Shanks, S.J., and Michael J. Meyer. Santa Clara University (The Jesuit University in Silicon Valley).
[9] راجع: التقليد والعلمانية (محاضرات لعبد الكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، ومحسن كديور)، مؤسسة صراط الثقافية، طهران، 1384 (النسخة الإلكترونية)، الصفحات 126، 128 و130
[11] ناهيك عن أن السلطة المعنوية، عبر "تقبيح إهانة الدين" (وبتسويغ أخلاقي محض لإلحاق الألم والمعاناة المفترضين بمن يلوذون بالإسلام)، تسهم طوعاً أو كرهاً في هيمنة السلطة الدينية. (راجع: رأي ملكيان حول رسم كاريكاتير للنبي الإسلام)
[12] راجع: «معرفة الفكر؛ ملكيان»، هادي صادقي، الطبعة الأولى في فصلية معرفة الكلام، السنة الأولى، العدد 3، خريف 1389
[13] كان ملكيان في بداية حكومة الإصلاحات مثقفاً داخل البنية وقد دعم الثورة الدينية والحكومة المنبثقة عنها. لقد قيلت هذه الأقوال بوضوح يوماً ما، ولكن رغم أننا نعلم إجمالاً أن وجهة نظره قد انقلبت رأساً على عقب الآن، فإننا نجهل مدى هذا التحول أو الصراحة في التعبير عنه. إن هذا العدول الشفاف عن الماضي مصيري، خاصة بالنسبة للتنوير الديني أو المعنوي، لأنه يحول الصراع مع المرجعية الفقهية إلى فكرة سياسية واضحة. ومع ذلك، فإن تفسير ملكيان المقلوب للعلمانية، والذي يزاوجها في نهاية المطاف مع نوع من الحكم الديني الأمثل، لا يزال يبقي معرفتنا بكيفية وكم تحول فكره معلقة.
[14] راجع: «مصطفى ملكيان: السعي لترشيح خاتمي وفوزه في الانتخابات، واجب أخلاقي على النخب الإيرانية». منشور على الموقع الرسمي لجماعة الدعوة والإصلاح.
[15] راجع: «الأستاذ ملكيان يصوت أيضاً»، موقع نيلوفر.
[16] «أتميده» هو المقابل الذي وضعه داريوش آشوري في «معجم العلوم الإنسانية (الطبعة الثانية)» لكلمة atomized.
[17] راجع: حوار مع مصطفى ملكيان في صحيفة شرق (بتاريخ 17 خرداد 1389) بعنوان «على المثقفين أن يقلعوا عن النرجسية».
[18] «الأسس النظرية للإصلاحية» قُدمت قبل سنوات في مؤسسة المعرفة والبحث. يمكنكم قراءة تقرير عن نشرها في كتاب ملكيان الجديد في صحيفة شرق (بتاريخ 23 مرداد 1393).
[19] رک: زندگی من؛ گفتوگوی محمود مقدسی با مصطفی ملکیان.
[20] رک: دیدار و گفتوگوی جمعی از معلمان با مصطفی ملکیان.
[21] رک: زندگی من؛ گفتوگوی محمود مقدسی با مصطفی ملکیان.
[22] رک: اخلاق و سیاست، مصطفی ملکیان، نشریهی آیین، شمارهی ۱۵، ۱۳۸۷
[23] برای تقریر روشن و دستهبندی خوبی از دیدگاه هانا آرنت دربارهی رابطهی مردم و حکومت توتالیتر به این مقاله رجوع کنید:
Tamar de Waal, ‘Personal responsibility under totalitarian regimes: An analysis of Hannah Arendt’s philosophy on the prevention of evildoing and criminal liability for international crimes’, published in the academic journal of Amsterdam Law Forum, January 2012.
[24] رجوع کنید به گزارش دو سازمان حقوق بشری مبنی بر ثبت رکورد تازه از تعداد اعدامها در ایران و نیز گزارش سازمان عفو بینالملل مبنی بر اعدام ۷۴۳ نفر در سال گذشتهی میلادی که از سال ۲۰۰۲۲ تا کنون بیسابقه بوده است.
[25] رک: گزارش سخنرانی مصطفی ملکیان دربارهی بیست عامل عقبماندگی ایرانیان.
[26] رک: نُه ویژگی یک روشنفکر واقعی (گزارش سخنرانی ملکیان در مراسم نکوداشت اسلامی ندوشن)، تارنمای نیلوفر.
[27] رک: مصاحبه با روزنامهی اعتماد به تاریخ ۲۴ اسفند ۱۳۹۲ با عنوان «آسیبشناسی جامعهی روشنفکری ایران در گفتوگو با مصطفی ملکیان: روشنفکر باید داور مردم باشد»
[28] رک: گفتوگو با مصطفی ملکیان در روزنامهی شرق (به تاریخ ۱۷ خرداد ۱۳۸۹) با عنوان «روشنفکران از خودشیفتگی دست بردارند».
[29] رک: مصاحبه با روزنامهی اعتماد به تاریخ ۲۴ اسفند ۱۳۹۲ با عنوان «آسیبشناسی جامعهی روشنفکری ایران در گفتوگو با مصطفی ملکیان: روشنفکر باید داور مردم باشد»
[30] راجع: «ندوة مقاربة فلسفية لمفهوم القومية»، ندوة بحضور مصطفى ملكيان، أصغر دادبه وشروين وكيلي، موقع صدانت. ومن الجدير بالذكر أن تحذير منتقدي ملكيان في هذه الندوة من أن كلامه في نفي القومية والهوية الإيرانية سيصبح أداة استغلال بيد من يتخذون من اختلاف البشر ذريعة لبث الكراهية، قد تحقق مصداقه على الأقل في فضاء الشبكة العالمية للإنترنت؛ حيث لقي مقابلته التي تعود لسنوات خلت استقبالاً باختيار عنوان «الحضارة الإيرانية كذبة كبرى». وانظر كيف أن هذا الموقع نفسه ينكر الصفة القومية للغة الفارسية على جميع الإيرانيين ويعرّفها بأنها مجرد لغة قومية للقوم الفرس. (للاطلاع على أقوال أخرى مشابهة لملكيان في هذا الشأن، راجع: «مصطفى ملكيان: التحديث الإيراني لا معنى له»، مدونة بَيام إيرانيان).
[31] قارن نظرته الفلسفية إلى العلمانية بمسعى محمد رضا نيكفر في تقديم صياغة تستند إلى التجربة التاريخية للإيرانيين مع فصل الدين عن الدولة. راجع حديث ملكيان في فصل «العلمانية والحكومة الدينية» في كتاب التقليد والعلمانية (حوارات من عبد الكريم سروش، محمد مجتهد شبستري، مصطفى ملكيان ومحسن كديور)، مؤسسة صراط الثقافية، طهران، 1384 (النسخة الإلكترونية)، صفحة 114، وكذلك حديث نيكفر بعنوان «طرح نظرية بومية حول العلمنة» في مجلة آفتاب، العدد 27، تير 1382 (نسخة PDF متاحة على موقع نيلغون).
[32] في المقابل، انظر مقال «مفكر حقبة الاستقرار» لمحمد منصور هاشمي، والذي وإن كان لا يعتبر ملكيان مفكراً سياسياً بالأساس، إلا أنه يقيّم نظرته إلى السياسة (بالمقارنة مع سائر المثقفين الدينيين) بأنها تنطوي على تقدم نقدي.
[33] راجع: التقليد والعلمانية (حوارات من عبد الكريم سروش، محمد مجتهد شبستري، مصطفى ملكيان ومحسن كديور)، مؤسسة صراط الثقافية، طهران، 1384 (النسخة الإلكترونية)، الصفحات 114 إلى 121
[34] هذا الإشكال تعرّف عليه آخرون أيضاً في نظرية العلمانية عند ملكيان، أناس من الجيل الأول من تلامذته الحوزويين الذين فهمهم لهذه النظرية أعمق وأشمل من فهم ملكيان نفسه. إن التناقض بين العلمانية والثيوقراطية يضطرنا تبعاً لذلك إلى اختيار واحد منهما فقط لا غير. (راجع: محمد تقي سبحاني، «إعادة قراءة العلاقة بين العلمانية والحكومة الدينية»، فصلية نقد ونظر، خريف وشتاء 1383، العددان 35 و36)
[35] راجع: مقابلة ملكيان مع وكالة أنباء الكتاب الإيرانية (بتاريخ 29 تير 1394) بعنوان «تغيير فكري نابع من طلب الحقيقة لا من موضة العصر».
[36] إله محمد في الآية السابعة والثمانين من سورة يونس يخاطب موسى وهارون قائلاً (وفقاً لأحد التفاسير) أن يتخذوا من خوف الفراعنة بيوتاً في أرض مصر لقوم بني إسرائيل «وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» (راجع: تفسير الطبري للآية المذكورة). وقصة جزء من تنويرنا هي كذلك أيضاً، إذ حوّلوا بيوتهم إلى محافل للعبادة، مع فارق أن الاستبداد الديني قد ترك الطريق شبه مفتوح لإقامة الشعائر التنويرية في الفضاء العام، ويبدو اللجوء إلى التجمعات المنزلية بلا مبرر. ثم إن كان أحدهم يتطلع من هذه البيوت إلى إقامة رابط شبكي بين أنصار حركة احتجاجية ويذكر وظيفتها السياسية – الاجتماعية (راجع: البيان رقم تسعة لمير حسين موسوي) فهو أمر أكثر قبولاً من لقاءات يجلس فيها مثقف (بصفته قطباً فكرياً) أمام مريدين يبتغون اكتساب الروحانية من حضوره.
[37] كمثال، انظر إلى كتابة مهدي خسرواني بعنوان «الدوستداران في مواجهة ملكيان».
[38] يمكنكم رؤية تقليد منهج ملكيان التجريدي واللاتاريخي والتحليلي (الذي ورد في الفقرة الثالثة) في مقال «مراجعة باثولوجية لنسبة الأفعال التنويرية ورفاه الناس» لنيماء أفراسيابي. هذه الكتابة نموذج واضح لانتشار أسلوب ملكيان غير المتناسب في دراسة المسائل الاجتماعية، كما أنها شاهد على استنساخه في الآخرين. الكاتب، بحسب ظنه، نجح في اكتشاف «واحد وثلاثين سبباً وعلة» يمكن «بالنظر إليها تقليص الفجوات القابلة للتجنب بين الناس والمثقفين وزيادة معامل التأثير الإيجابي للمثقفين». لكن إن كان عشرون عاملاً لتخلفنا أو تسع خصائص للمثقف الحقيقي قد استطاعت تقديم معرفة ما بالموضوع، فإن هذه الحالات الواحدة والثلاثين يمكنها أيضاً أن تدّعي معالجة المسألة. مع الأسف، هذا النص يتبع أسلوب كتابة ملكيان وتعميمات محاضراته وكتاباته حرفياً بحذافيره.
[39] راجع: المقاطع الأولى من مقابلة مجلة مهرنامه مع ملكيان (العدد 32، آذر 1392) بعنوان «ملكيان الخامس»
[40] هذه العقيدة الأفلاطونية كررها ملكيان بنفسه مراراً وتكراراً بعبارات مختلفة.
[41] راجع: مقابلة ملكيان مع وكالة أنباء الكتاب الإيرانية (بتاريخ 29 تير 1394) بعنوان «تغيير فكري نابع من البحث عن الحقيقة لا من موضة العصر».
.
.
أمير يحيى آيت اللهي (المتخرج من الحوزة العلمية في قم) بعد إتمامه مرحلة البكالوريوس في جامعة مفيد، حصل على ماجستير الفلسفة الغربية عن بحث حول مفهوم التقليد في فكر إدموند بيرك (الفيلسوف المحافظ الإنجليزي) من الجامعة الوطنية، وهو الآن في ألمانيا يواصل دراسته للدكتوراه ببحث حول «الصلة بين المحافظة الإيرانية والإصلاح الديني». صدرت له سلسلة مقالات في «كتاب ماه تاريخ وجغرافيا»، وموقع «راديو زمانه» و«بي بي سي الفارسية».
.
.
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
سلام ضمن تبریک سال نو به عزیزان صدا نت لطفا ترتیبی اتخاذ فرمایید تا فایل مورد نظر را به توان به صورت پی. دی اف دانلود کرد. متشکرم
دانشگاه ملی؟؟؟!!!