اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تعود جذور مسألة العقل والجسد والهوية الشخصية إلى مباحث ديكارت ولوك، وهما فيلسوفان كان همهما تثبيت المعتقدات الدينية وخلود الروح؛ مقالة في تطور هذه المسائل من لاهوت القرن السابع عشر إلى الفلسفة المعاصرة.

ما تقرأه أمامك هو محاولة من السيد زهير ميركريمي لترجمة ملحوظة من الإنجليزية إلى العربية حول «الارتباط بين العقل والجسد» و«الهوية الشخصية» من تأليف نيكولاس جولي[۱]، أستاذ الفلسفة في جامعة كاليفورنيا. تم نشر هذه الترجمة سابقاً أيضاً على موقع الدين أون لاين.
ما طبيعة الارتباط بين العقل والجسد؟
في أحد الحوارات من فيلم «لعبة التقليد»[۲] الذي عُرض مؤخراً، يسأل المحقق المكلّف بالتحقيق في قضية «آلان تورينغ»[۳]عنها: "هل يمكن للآلات أن تفكر؟" وعلى الرغم من أن الحوار الذي يتابع هذا السؤال في الفيلم ليس مضيئاً من وجهة نظر فلسفية كثيراً، إلا أنه يذكرنا بأمر مهم: الثورة التي حدثت مع بناء الحاسوب، والتي ساهم آلان تورينغ في تشكيلها بالفعل، قد خلقت حافزاً قوياً جداً للانتباه إلى ما نسميه اليوم «مسألة العقل والجسد». بعبارة أخرى، ظهر هذا السؤال: كيف يرتبط العقل بالجسد؟ وكيف تؤدي مادة رطبة وردية اللون مثل الدماغ إلى نشوء ظاهرة مذهلة مثل «الوعي»[۴]؟
مسألة العقل والجسد هي اليوم واحدة من أكثر المواضيع إثارة للجدل في الفلسفة، وقد أثارت حماساً كبيراً للنقاش بين مختلف فئات الفلاسفة (انظر مثلاً المناظرات المكتوبة المتبادلة بين جلين سترسون[۵] وعدد من الفلاسفة الآخرين، والتي نُشرت مؤخراً في عمود ملاحظات القراء في الملحق الأدبي لمجلة التايمز). يعتقد بعض فلاسفة العصر الحديث، مثل كولن ماكغinn[۶]، أن مسألة العقل والجسد بعيدة جداً عن متناولنا بحيث لن نتمكن أبداً من حلها، لأننا لا نملك حتى المفاهيم اللازمة لفهم كيف ينشأ «الوعي» من آلية مادية.
لكن منذ متى نشأت مسألة العقل والجسد في الفلسفة؟ وعلى الرغم من أن الثورة التي حدثت مع بناء الحاسوب قد خلقت حافزاً قوياً للنقاش حول هذا الموضوع، إلا أنها بالتأكيد لم تكن منشأ المسألة الأساسي. الإجابة المعتادة والشائعة على هذا السؤال هي نسخة حديثة من المسألة التي طرحها ديكارت. وعلى الرغم من أن بعض الباحثين حاولوا إظهار أن ديكارت هو آخر الفلاسفة من سلسلة فلاسفة «الدراسة»، إلا أن الإجابة المعروفة أعلاه مقبولة وذات سلطة. يبدو أن ديكارت كان أول من فسّر «الوعي» ضمن إطار مفهومي حديث وطرح السؤال عن كيف يتصل هذا الوعي بالدماغ. بلا شك، أثارت نظرية ديكارت في الثنائية الجوهرية نقاشات كثيرة خلال قرن بعد نشر كتابه - «تأملات في الفلسفة الأولى»[۷] - وعلى الرغم من أن النقاشات حول هذه المسألة قد تكون قد انقطعت في بعض الأوقات، إلا أنها استمرت بأشكال مختلفة حتى الوقت الحاضر.
وعلى الرغم من أن ديكارت في كثير من الحالات كان يفكر مثل أحدنا من أبناء العصر الحديث، إلا أنه بقراءة نقاشاته يمكن بسرعة ملاحظة فرق جوهري بين آرائه والنقاشات الفلسفية للعصر الحديث. عندما يتناول ديكارت وتلاميذه مسألة العقل والجسد، فإنهم دائماً يراقبون من طرف العين المواضيع اللاهوتية. كانوا دائماً ينظرون حولهم ليعرفوا ما هو رد فعل الكنيسة. في عهد ديكارت، لم تكن مسألة العقل والجسد تُطرح كمسألة مستقلة وأكاديمية بل كانت لها صلة وثيقة بنقاش خلود الروح. كان ديكارت يعتقد أنه بإظهار أن مسألة العقل والجسد يمكن أن توفر أساساً متيناً لتعاليم المسيحية حول خلود الروح، سيتمكن من تقديم أفكاره الفلسفية «لتتناولها» الكنيسة الكاثوليكية. حدث طرح هذه النقاشات في وقت كان «المادية» فيه تزعزع أسس تعاليم الكنيسة.
مسألة «الهوية الشخصية»[۸] لها تاريخ مماثل لمسألة الذهن والجسد. لا توجد مسألة أقل جاذبية اليوم لطلاب الفلسفة من معرفة ما الذي يحافظ على هوية الإنسان الشخصية عبر الزمن. إذا سألنا متى ظهرت هذه المسألة في الفلسفة، فإن الإجابة الشائعة التي تُعطى لا تزال تبدو صحيحة: يمكن العثور على أول صياغة حديثة لهذه المسألة في كتاب «مقالة في فهم الإنسان»[۹] من تأليف ديفيد هيوم. لكن في هذه الحالة أيضاً يمكن ملاحظة كيف تغيرت السياقات الأساسية للمسألة عبر الزمن.
اليوم، تُطرح مسألة الهوية الشخصية في ضوء التنبؤات الناشئة عن التقدم المحرز في تكنولوجيا الطب. يفكر الفلاسفة بوضوح في هذا الموضوع: ماذا يمكن أن نقول عن الهوية الشخصية في حالات مثل زراعة دماغ سليم وحي من شخص إلى جسد شخص آخر. حتى وإن لم يكن يمكن نسب هذا المثال المحدد إلى جون لوك، فهو من رواد استخدام الموضوعات الخيالية العلمية لفحص حدسنا الباطني كبشر عن «الهوية الشخصية». غير أن الدافع الأولي للوك كان مختلفاً عن السبب الذي تُعالج به هذه المسألة في الفلسفة اليوم. أراد لوك أن يوضح أنه حتى لو لم تكن هناك جوهرية لا مادية، فإن الإنسان لن يختفي مع اختفاء جسده عند الموت. مثل ديكارت، كان لوك قلقاً أيضاً من موقف الكنيسة تجاه نظرياته الفلسفية، لكن هذه المرة كانت كنيسة إنجلترا الأنجليكانية هي التي كان يجب على لوك أن يشعر بالقلق من مواقفها.
وبالتالي، قد تكون تجربة دراسة آثار الفلاسفة العظماء في أوائل العصر الحديث غريبة وحتى غير ذات صلة بفهمنا الحالي لنفس هذه المسائل. من جهة، يعتبرون فلاسفة محدثين لأنهم صاغوا وشرحوا الكثير من الانشغالات الفلسفية لنا اليوم. من جهة أخرى، عند قراءة صياغاتهم، يبدو كما لو أننا نعيش في عالم غريب، عالم يكون النشاط الرئيسي فيه تفسير المعتقدات الدينية تفسيراً فلسفياً. قد نتمكن من فهم ظروف أولئك الفلاسفة بشكل أفضل إذا عرفنا أن القرن السابع عشر الميلادي كان عصراً ثنائي الوجه. من وجه، نظر نحو المستقبل والعالم الحديث، ومن وجه آخر، نظر نحو الماضي والعصور الوسطى. هذا الطابع الثنائي هو بالضبط ما يشكل سبب جاذبية تلك الفترة لكثير منا.
مؤلف هذه المقالة، نيكولاس جولي، أستاذ فلسفة متقاعد في جامعة كاليفورنيا، إيرفاين. درس في مدرسة الملك في كانتربري وكان طالباً وباحثاً جامعياً في كلير كالج في كامبريدج. كما عمل باحثاً مع كرايست كالج في كامبريدج بين عامي 1974 و 1978 ميلادياً. عمل بالتدريس في جامعة كاليفورنيا، سان دييغو (1978 إلى 1999 ميلادياً)، وجامعة سيراكيوز (1999 إلى 2000 ميلادياً)، وجامعة كاليفورنيا، إيرفاين، حيث شغل منصب رئيس قسم الفلسفة بين عامي 2004 و 2007 ميلادياً. نيكولاس جولي هو أيضاً مؤلف كتاب «مسائل حساسة في فلسفة لوك: المادية والخلود» الذي نشرته دار نشر جامعة أكسفورد عام 2015 ميلادياً.
.
.
[۱] Nicholas Jolley
[۲] Imitation Game
[۳] Alan Turing
[۴] Consciousness
[۵] Galen Strawson
[۶] Colin McGinn
[۷] Meditations in First Philosophy
[۸] Personal Identity
[۹] Essay Concerning Human Understanding
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.