ينطلق مارك فيشر في «لا أصلح لشيء» من تجربته الشخصية مع الاكتئاب ليبيّن أن الشعور بانعدام القيمة ليس دائما مجرد مسألة فردية ونفسية، بل قد تكون له جذور في علاقات القوة واللامساواة الطبقية. ومن خلال نقده لـ«الإرادوية السحرية» وتحميل الفرد مسؤولية الفقر والبطالة، يتناول الصلة بين الاكتئاب والرأسمالية والعجز الجماعي عن إحداث التغيير.

«لا أصلح لشيء» (Good for Nothing) من أكثر كتابات مارك فيشر (۱۹۶۸–۲۰۱۷) شخصية، وفي الوقت نفسه من أكثرها سياسية. كان فيشر منظّرا ثقافيا وناقدا بريطانيا، واشتهر بكتابه الواقعية الرأسمالية (۲۰۰۹) ومدونته «k-punk». كُتبت هذه المقالة نحو عام ۲۰۱۴، في سياق سياسات التقشف الاقتصادي في بريطانيا.
يبدأ فيشر هذا النص، خلافا لمعظم كتاباته النظرية، من تجربته المعيشة: الاكتئاب الذي لازمه منذ المراهقة، ودخوله المستشفى، وشعوره بأنه «لا يصلح لشيء». ثم يبيّن أن هذا الشعور يمكن فهمه بوصفه أكثر من مجرد أذى فردي أو اضطراب كيميائي أو عائلي. وحجته الأساسية هي أن جانبا كبيرا من المعاناة النفسية ينتج من «القوة الاجتماعية»، ولا سيما القوة الطبقية. فالطبقة الدنيا تتعلم منذ الطفولة أنها «ليست من أولئك الذين خُصصت لهم تلك الأدوار». ويستعين فيشر في بلورة هذه الفكرة بديفيد سمايل (المعالج النفسي البريطاني) وبمفهوم «الإرادوية السحرية»، أي الاعتقاد بأن كل إنسان يستطيع، بقوة الإرادة وحدها، أن يصير ما يشاء. وإلى جانب ذلك يتحدث عن «تحميل المسؤولية للفرد»: وهي حيلة تجعل كل شخص يبدو المسؤول الوحيد عن فقره وبطالته. وهذا هو ما كان فيشر يسميه في مواضع أخرى «خصخصة الضغط النفسي». وتتمثل الخطوة الأخيرة في حجته في إمكان النظر إلى قبول التقشف الاقتصادي بوصفه «اكتئابا جماعيا»، وعلاجه في إعادة بناء الوعي الطبقي وتسييس السخط.
بضع ملاحظات للقارئ:
يجمع النص بين السيرة الشخصية والمقالة السياسية. لا يطرح فيشر ادعاء سريريا، وهو نفسه يقول إن النماذج الطبية والتحليلية النفسية والمعرفية «ليست خاطئة تماما»، وإنما لا ترى السبب الاجتماعي. ومن الانتقادات الشائعة لهذا النهج أنه قد يقلل من شأن العوامل البيولوجية والشخصية، وأن «الاكتئاب الجماعي» قد يكون استعارة سياسية أكثر منه مفهوما تحليليا. ومع ذلك، تكمن قوة النص في ربط التجربة الشخصية بالتحليل البنيوي.
أنهى فيشر حياته في يناير ۲۰۱۷، عن عمر ۴۸ عاما. وتضفي هذه الحقيقة، بالنسبة إلى كثير من القراء، طبقة أخرى من المعنى على هذه الكتابة، وإن كان النص نفسه لا يشير إليها.
أعاني الاكتئاب على نحو متقطع منذ أن كنت مراهقا. وقد كانت بعض هذه النوبات شديدة الإعاقة: أفضت إلى إيذاء النفس، والانسحاب من العالم (حيث كنت أقضي أشهرا متواصلة في غرفتي، ولا أخرج إلا لمراجعة مكتب التوظيف والحصول على إعانة البطالة أو لشراء الحد الأدنى من الطعام الذي كنت أتناوله)، وإلى قضاء فترات في أجنحة الطب النفسي. لا أقول إنني تعافيت من هذه الحالة، لكن يسعدني أن أقول إن عدد نوبات الاكتئاب وحدتها قد انخفضا كثيرا في السنوات الأخيرة. يعود ذلك جزئيا إلى تغيرات طرأت على ظروف حياتي، لكنه يرتبط أيضا بتوصلي إلى فهم مختلف لاكتئابي ولأسبابه. ولا أعرض تجربتي الخاصة مع المعاناة النفسية لأنني أرى فيها شيئا مميزا أو فريدا، بل دفاعا عن القول إن كثيرا من أشكال الاكتئاب يُفهم على نحو أفضل، وتكون مواجهته أجدى، من خلال أطر غير شخصية وسياسية، لا من خلال أطر فردية و«نفسية».
الكتابة عن اكتئاب المرء أمر صعب. فالاكتئاب يتكون جزئيا من ذلك الصوت «الداخلي» الساخر الذي يتهمك بالاستغراق في الذات والتدليل: («أنت لست مكتئبا، إنما تشفق على نفسك؛ تماسك»)، ومن السهل أن يؤدي الإفصاح العلني عن الحالة إلى استثارة هذا الصوت. لكن هذا الصوت ليس «داخليا» في الحقيقة. إنه التعبير المستبطن عن قوى اجتماعية فعلية، لبعضها مصلحة في إنكار أي صلة بين الاكتئاب والسياسة.
كان اكتئابي دائما متشابكا مع اقتناع بأنني، بالمعنى الحرفي للكلمة، لا أصلح لشيء. قضيت معظم حياتي حتى سن الثلاثين معتقدا أنني لن أعمل أبدا. وفي العشرينيات من عمري كنت أتنقل بين الدراسات العليا وفترات البطالة والأعمال المؤقتة. وفي كل واحد من هذه الأدوار كنت أشعر بأنني لا أنتمي حقا إلى مكاني. ففي الدراسات العليا، كنت أرى نفسي هاويا تمكّن بطريقة ما من التحايل ليصل إلى هناك، لا باحثا حقيقيا. وفي البطالة، كنت أشعر بأنني لست عاطلا حقيقيا عن العمل، مثل أولئك الذين يبحثون بصدق عن وظيفة، بل متهربا. وفي الأعمال المؤقتة، كنت أشعر بأنني أؤدي عملي على نحو يفتقر إلى الكفاءة، وأنني، على أي حال، لا أنتمي حقا إلى هذه الوظائف المكتبية أو وظائف المصانع؛ لا لأنني «أفضل من أن أعمل فيها»، بل على العكس تماما: لأنني مفرط في التعليم وعديم النفع، أشغل وظيفة شخص يحتاج إليها ويستحقها أكثر مني. وحتى حين كنت في جناح للطب النفسي، كنت أشعر بأنني لست مكتئبا حقا، وأنني لا أفعل سوى التظاهر بهذه الحالة هربا من العمل؛ أو، بحسب المنطق الجهنمي المتناقض للاكتئاب، أنني أتظاهر بها لأخفي حقيقة أنني غير قادر على العمل، وأنه لا مكان لي أصلا في المجتمع.
حين حصلت أخيرا على وظيفة مدرس في كلية للتعليم الإضافي*، شعرت بالابتهاج لبعض الوقت. لكن طبيعة هذا الابتهاج نفسها كانت تدل على أنني لم أتخلص من مشاعر انعدام القيمة التي سرعان ما كانت ستقودني إلى نوبات أخرى من الاكتئاب. كنت أفتقر إلى الثقة الهادئة التي يتمتع بها من وُلد لهذا الدور. وعلى مستوى غير خفي تماما من ذهني، بدا أنني ما زلت لا أعتقد أنني من ذلك النوع من الناس الذين يستطيعون القيام بعمل مثل التدريس. ولكن من أين جاء هذا الاعتقاد؟ يردّ الاتجاه السائد في الطب النفسي أصول مثل هذه «المعتقدات» إلى اختلال في كيمياء الدماغ ينبغي تصحيحه بالأدوية. أما التحليل النفسي وأشكال العلاج المتأثرة به، فمن المعروف أنها تبحث عن جذور المعاناة النفسية في الخلفية العائلية، في حين أن العلاج المعرفي السلوكي أقل اهتماما بتحديد مصدر المعتقدات السلبية من اهتمامه بمجرد استبدال مجموعة من الروايات الإيجابية بها. ليست المسألة أن هذه النماذج خاطئة تماما؛ بل إنها تغفل، ولا بد لها أن تغفل، السبب الأرجح لمشاعر الدونية هذه: القوة الاجتماعية. وكان الشكل من القوة الاجتماعية الذي ترك فيّ أعمق الأثر هو القوة الطبقية، وإن كان النوع الاجتماعي والعرق وغيرهما من أشكال الاضطهاد تعمل بالطريقة نفسها، من خلال إنتاج الإحساس ذاته بالدونية الأنطولوجية، الذي يجد أفضل تعبير عنه في الفكرة التي صغتها أعلاه: أن المرء ليس من ذلك النوع من الناس القادرين على أداء الأدوار المخصصة للجماعة المهيمنة.
بناء على إلحاح أحد قراء كتابي الواقعية الرأسمالية، بدأت أدرس أعمال ديفيد سمايل. وقد أكّد سمايل، وهو معالج يجعل مسألة القوة في صميم ممارسته المهنية، الفرضيات المتعلقة بالاكتئاب التي كنت قد اهتديت إليها تدريجيا وعلى غير هدى. وفي كتابه المهم، أصول التعاسة، يوضح سمايل كيف صُممت علامات الطبقة بحيث يتعذر محوها. فمن تعلموا منذ ولادتهم أن ينظروا إلى أنفسهم بوصفهم أدنى منزلة، نادرا ما يكون اكتساب المؤهلات أو الثروة كافيا لمحو ذلك الإحساس البدئي بانعدام القيمة الذي وسمهم في مرحلة مبكرة من حياتهم، سواء في أذهانهم أو في أذهان الآخرين. ومن يخرج من الحيز الاجتماعي الذي «يُفترض» أن يشغله يظل معرضا دائما لأن تجتاحه مشاعر الدوار والهلع والرعب: «... معزولا، مقطوعا عن الآخرين، محاطا بفضاء عدائي، تجد نفسك فجأة بلا روابط، بلا استقرار، وبلا شيء يسندك أو يثبتك في مكانك؛ يستولي عليك إحساس باللاواقعية، مثير للدوار والغثيان؛ يتهددك فقدان كامل للهوية، وإحساس مطلق بأنك محتال؛ لا حق لك في أن تكون هنا، الآن، في هذا الجسد، مرتديا هذه الملابس؛ أنت لا شيء، و«اللاشيء» هو، بالمعنى الحرفي تماما، ما تشعر بأنك على وشك أن تصير إليه.»
منذ مدة، كان من أنجح تكتيكات الطبقة الحاكمة «تحميل المسؤولية للفرد». إذ يُشجَّع كل فرد من أفراد الطبقة التابعة على الشعور بأن فقره أو افتقاره إلى الفرص أو بطالته خطؤه، وخطؤه وحده. فيلوم الأفراد أنفسهم بدلا من البنى الاجتماعية، التي جرى إقناعهم، على أي حال، بأنها لا وجود لها في الحقيقة، وأنها ليست سوى ذرائع يتذرع بها الضعفاء. وما يسميه سمايل «الإرادوية السحرية» ـ أي الاعتقاد بأن في مقدور كل فرد أن يصنع من نفسه ما يشاء ـ هو الأيديولوجيا المهيمنة والدين غير الرسمي للمجتمع الرأسمالي المعاصر، ويروّج له «خبراء» تلفزيون الواقع ومعلمو الأعمال بقدر ما يروّج له السياسيون. والإرادوية السحرية نتيجة وسبب في آن واحد للمستوى المتدني تاريخيا للوعي الطبقي في زمننا. وهي الوجه الآخر للاكتئاب، الذي يقوم اقتناعه الأساسي على أن كلا منا مسؤول، على نحو فريد، عن بؤسه، ومن ثم فإنه يستحقه. ويُفرض الآن في بريطانيا مأزق مزدوج شديد القسوة على العاطلين عن العمل لفترات طويلة: فئة من الناس ظلت طوال حياتها تتلقى رسالة مفادها أنها لا تصلح لشيء، ويقال لها في الوقت نفسه إنها تستطيع أن تفعل أي شيء تريده.
علينا أن نفهم استسلام سكان بريطانيا القدري للتقشف بوصفه نتيجة لاكتئاب جرى استزراعه عمدا. ويتجلى هذا الاكتئاب في قبول أن الأمور ستزداد سوءا (بالنسبة إلى الجميع باستثناء نخبة صغيرة)، وأننا محظوظون لأن لدينا عملا أصلا (ولذلك لا ينبغي أن نتوقع أن تواكب الأجور التضخم)، وأننا لا نستطيع تحمل كلفة التوفير الجماعي الذي تقدمه دولة الرفاه. إن الاكتئاب الجماعي هو نتيجة مشروع الطبقة الحاكمة لإعادة إخضاع الطبقات التابعة. فمنذ مدة أخذنا نقبل، على نحو متزايد، فكرة أننا لسنا من ذلك النوع من الناس الذين يستطيعون الفعل. وهذا ليس فشلا في الإرادة، تماما كما لا يستطيع الفرد المكتئب أن «ينتشل نفسه من حالته» بمجرد أن «يتماسك». إن إعادة بناء الوعي الطبقي مهمة هائلة حقا، ولا يمكن إنجازها باللجوء إلى حلول جاهزة. لكن، على الرغم مما يخبرنا به اكتئابنا الجماعي، فإن ذلك ممكن. ابتكار أشكال جديدة من المشاركة السياسية، وإحياء المؤسسات التي أصابها الانحطاط، وتحويل السخط الذي جرت خصخصته إلى غضب مسيّس: كل ذلك يمكن أن يحدث، وحين يحدث، فمن يدري ما الذي قد يصبح ممكنا؟
* Further Education college: في نظام التعليم البريطاني، مؤسسة للتعليم بعد المرحلة الثانوية، يكون تعليمها عادة مهنيا وتقنيا، ولا تُعد جامعة.
العلوم الاقتصادية
العلوم الاقتصادية
البيئة
العلوم السياسية
علم النفس
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.