اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُعزى فشل الاستثمارات الثقافية إلى غياب الأمل والثقة والحيوية الاجتماعية؛ وهي عوامل يدفع غيابها النخبَ إلى الانسحاب من الميدان. وفي غياب المثقفين، تُبدَّد الميزانيات الضخمة على أيدي مديرين أقل تخصصاً.

في موضوع الثقافة، تؤدي هذه الخصائص الثلاث (الأمل والثقة والحيوية الاجتماعية) دوراً مهماً. فإذا ما أصيب أي من هذه العوامل الثلاثة بضرر، فإن المثقفين والنخب الفكرية والثقافية سيحجمون عن تقديم رؤوس أموالهم إلى الساحة. إما لانعدام الأمل لديهم في التأثير، أو لانعدام الثقة في الفهم والتلقي الصحيحين لأقوالهم، فيعتقدون مثلاً أن طرح آرائهم سيوفر ذريعة لاتهامهم، أو لأنهم يفتقرون إلى الحيوية اللازمة للقيام بذلك. وبالطبع، هذه العوامل الثلاثة ليست منفصلة عن بعضها البعض، بل يؤثر بعضها في بعض ويتأثر به. فمثلاً، إذا شعر الأفراد أن أفكارهم ستُستغل من قبل سيئي النية أو ستُقابل سريعاً بالتهم و...، فمن الطبيعي أن تُسلب ثقتهم بالمحيط الاجتماعي، ومع تضاؤل هذه الثقة، يفقدون الأمل والحيوية اللازمين. وبالطبع، توجد استثناءات في كل الظروف، وقد يكون هناك أشخاص لا يفقدون أملهم وحيويتهم بهذه السهولة، لكنهم بالتأكيد ليسوا القاعدة.
كلمتان من أستاذين جامعيين ورد على سؤال مهم: 1- قبل مدة، ذكّر الدكتور صادق زيبا كلام، بإحصائية للميزانيات الثقافية المنفقة في البلاد وبعض المؤسسات المتنوعة التي تتلقى هذه الميزانيات، في رسالة إلى الدكتور مطهري. حيث أشار إلى أن هناك ما لا يقل عن 40 مؤسسة وهيئة ومركزاً ثقافياً ومنظمة ونهاداً وبنياداً، متداخلة في الشأن الثقافي، وتتلقى هذه الميزانية البالغة 6000 مليار. تستهلك وزارة الإرشاد 13 في المئة منها، بينما تستهلك منظمات أخرى ما يقارب 90 في المئة منها. 2- كتب الدكتور محمود سريع القلم في مذكرة بعنوان «لماذا لا نتعاون مع بعضنا البعض؟»، على موقعه الإلكتروني: «قبل بضع سنوات، عندما كنت ضيفاً في إحدى الجامعات النرويجية، اقترح عليّ أستاذ إيراني الأصل في تلك الجامعة القيام بجولة فيها. وخلال ثلاث ساعات من الزيارة سيراً على الأقدام، ظل يتحدث بشوق وحماس واهتمام وتعلق وانتماء عن الجامعة، ومشاريعها، ومكتبتها، وأهدافها، ومبانيها وواجهاتها، وزملائه والأقسام الإدارية والتنفيذية فيها، مما أثر فيّ أكثر من أهمية الجامعة نفسها. وفي نهاية الزيارة التي اختتمت بوجبة غداء، سألته عن أسباب هذا الشوق والحماس. فقال: البيئة، والخدمات، والإدارة، والفضاء التعليمي - البحثي في هذه الجامعة يمنحني الطمأنينة؛ الجميع يحترمونني؛ على الرغم من أنني إيراني الأصل، فقد أشركتني الكلية والجامعة في ثلاث لجان للمشاركة؛ الطالب والأستاذ عموماً يريدون أن يتعلموا؛ لا أبالغ إن قلت إن هذا المكان هو بيتي الرئيسي. أبادر بالمحبة، فألقى المحبة. أصدق القول، فيصدقونني القول. لا أريد الشر لأحد، ولا يريدون الشر لي. لا أتوقع توقعات غير معقولة من الآخرين، ولا يتوقعون مني توقعات غير معقولة. أنجز واجباتي، وينجزون واجباتهم. أستشير، ويستشيرون. لا أخون، ولا يخونون. أنا منضبط، وهم منضبطون. لا أغتاب، ولا يغتابون. لا أقصي، ولا يقصون. أتعاون، ويتعاونون. الانطباع والإحساس الذي خرجت به من هذا الحوار هو: كم هو طبيعي هذا الإنسان. الفرد الطبيعي، إذا رأى خيراً، يصنع خيراً. لكن إذا ما أُقصي هذا الفرد الطبيعي نفسه، فإنه يصبح حذراً بعد ذلك. عندما يُخان، يبتعد. عندما يكذبون عليه، يصبح مرتاباً. عندما يشتمونه، يعزل نفسه. عندما يستغلونه، يتردد في المبادرة بالمحبة. إذا رأى شخص ما ردود فعل سلبية ومدمرة مقابل مبادرته بالمحبة، واحترامه، وصنعه الخير، وقيامه بواجبه، وصدقه، وإنصافه، فأية معنويات سيحتفظ بها للتعاون؟» (النص التفصيلي)
إذا سلّمنا بأن رأس المال الاجتماعي ورأس المال الرمزي (اللذين لن نتطرق إلى دورهما هنا) هما المحرك الأساسي للتنمية الثقافية، فينبغي أن نرى: ما هي أهم رؤوس الأموال الاجتماعية التي تولّد التنمية الثقافية؟ ومن حيث المبدأ، في أي ظروف تكون الاستثمارات الثقافية مثمرة؟
استناداً إلى الأبحاث العالمية، يعتقد كثير من الباحثين (1) أن الاستثمار الاقتصادي لا يكون مثمراً إلا في البلدان التي تتوفر فيها ثلاث خصال مهمة. هذه الخصال الثلاث هي: «الأمل، والثقة، والحيوية الاجتماعية». وكلما أصيبت واحدة من هذه الخصال بضرر، فإن المستثمرين الاقتصاديين إما لا يقدمون على ضخ رؤوس أموالهم في الميدان، وإما إن قدموها، فحتى لو روعيت جميع الاعتبارات العلمية والاقتصادية الأخرى، فلن يحدث نمو وتقدم يذكر في الاقتصاد. وهنا يبرز دور رؤوس الأموال الاجتماعية. نحن هنا بصدد الحديث عن رؤوس أموال اجتماعية هي في وضع اقتصادي جيد. لنعد الآن إلى موضوع الثقافة. في موضوع الثقافة، تؤدي هذه الخصال الثلاث (الأمل، والثقة، والحيوية الاجتماعية) دوراً أشد أهمية بكثير. فكلما تضرر واحد من هذه العوامل الثلاثة، امتنع المثقفون والنخب الفكرية والثقافية عن تقديم رؤوس أموالهم إلى الميدان. إما لأنهم لا أمل لهم في التأثير، أو لأنهم لا يثقون في أن تُفهم أقوالهم فهماً صحيحاً ويُتعامل معها بتلقٍّ سليم، فيعتقدون مثلاً أن طرح آرائهم سيكون سبباً في توجيه التهم إليهم، أو لأنهم يفتقرون إلى الحيوية اللازمة للقيام بهذا العمل. بطبيعة الحال، هذه العوامل الثلاثة ليست منفصلة عن بعضها البعض، بل يؤثر بعضها في بعض ويتأثر به. فمثلاً، إذا شعر الأفراد بأن أفكارهم ستُستغل استغلالاً سيئاً من قبل سيئي النية، أو أنهم بمجرد طرحها سيتعرضون بسرعة للتهمة و...، فإن ثقتهم بالبيئة الاجتماعية تُسلَب بطبيعة الحال، ومع تضاؤل هذه الثقة، يفقدون الأمل والحيوية اللازمين. وبالطبع، توجد استثناءات في كل الظروف، وقد يكون هناك من لا يفقدون أملهم وحيويتهم حتى في مثل هذه الظروف، لكنهم بالتأكيد ليسوا القاعدة.
حتى الآن، تناولنا تأثير هذه الظروف الثلاثية في حضور رؤوس الأموال الاجتماعية أو غيابها وفي أدائها لدورها. وينبغي النظر إلى الوجه الآخر للمسألة أيضاً. فإذا لم تتوفر هذه الظروف الثلاثة أو تضاءلت، فحتى لو قدمت رؤوس الأموال الثقافية أموالها إلى الميدان، فبما أن أرضية النشر والتبادل والإنتاج الثقافي على مستوى قيّم غير متوفرة، فإن أقل ما سيحدث هو أن تظل هذه الرؤوس المالية راكدة أو لا تزدهر كما ينبغي، وتضمحل في نهاية المطاف. عندما نستبعد رؤوس أموالنا ببساطة، وبدلاً من أن نشاركهم في بناء الثقافة أو الاقتصاد، نفعل ما يسلبهم الأمل أو الثقة أو الحيوية، فإننا سنواجه تدريجياً حذر الأغلبية منهم وتشاؤمهم وترددهم ولا مبالاتهم وعزلتهم. وفي ظروف كهذه، من الواضح من سيحل محلهم. هناك دائماً من يشعرون بالمسؤولية لإنفاق هذه الميزانيات في مسار الثقافة كما يفهمونها هم. ولأن فهمهم قد يكون أدنى بكثير من فهم رؤوس الأموال الثقافية، فلن تكون النتيجة سوى إضاعة الوقت والطاقة ورأس المال. لا يتعاون المواطنون اقتصادياً أو ثقافياً إلا في ظروف يكون فيها تعاونهم مُجْزياً. وأن يفضي أداؤهم لدورهم إلى شعورهم بأنهم مفيدون ومؤثرون. وأن تُعتبر الثقافة والنخبوية قيمةً، وألا يُساوى عملياً بين العالم وغير العالم. وإلا فإن الطاقات، بدلاً من أن تتعاون في سبيل النمو، تظل في حالة تزاحم دائم ويُبطل بعضها مفعول بعض. ويرى كل شخص الآخرين منافسين له. ويستحوذ النرجسيون على الميدان، ولا يُستمع إلى كلام المخلصين المثقفين. ويلجأ المجتمع إلى ترسيم حدود صارمة وجامدة، وتتلاشى روح التعاون. وحتى الأفراد العاديون يبتعدون عن المجتمع بسبب ما يجدونه من ضعف في الأمل والثقة والحيوية. أما المثقفون فيشعرون كتاجر لا يجد أي مكان مناسب لاستثمار أمواله. فهم وإن كانوا مستعدين لتقديم أفكارهم دون أجر مادي، إلا أنه لا يوجد نظام يقدّر الأفكار ويشتري الفكر (ولو كان فكراً مختلفاً)، ولا يوجد أمل في أن يستحق كل ذلك الجهد الفكري ما يترتب عليه من عناء وعواقب.
النتيجة إذن: لمعالجة المعضلات الثقافية لا حاجة ماسة إلى إنفاق مضاعف في مجال الثقافة. علينا أن نحيي الأمل والثقة والحيوية والنشاط المفقودة. فهذه العوامل ستجعل رأس المال الفكري والثقافي يدخل الميدان بدلاً من صرف تكاليف اقتصادية باهظة. وهذا هو سبيل الإصلاح والرضا العام عن الوضع الثقافي. لذا ينبغي أن نعمل على أن يصبح عموم الناس أكثر سعادة مقارنة بالماضي وأكثر أملاً بالمستقبل، وأن يزداد شعورهم بالأمن الفردي وثقتهم العامة. هذه هي مؤشراتنا الثقافية المهمة، وينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار عند تقييم حسن أو سوء الجهود الثقافية.
.
۱- الدكتور رناني في كتابه القيم المسمى « دورات انحدار الأخلاق والاقتصاد » يشرح مجموعة العوامل المؤثرة في انحدار الأخلاق والاقتصاد في قالب إهمال «رأس المال الاجتماعي». وهو يوضح في المقدمة بشكل جيد أن التنمية الاقتصادية حتى غير ممكنة بدون بنية تحتية أخلاقية وثقافية.
.
.
.
.
الفلسفة
علم النفس
الدين
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.