اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يقول مصطفى ملكيان إن الندم على الخير الذي لم نفعله والأسى على اللذة التي لم ننلها هما أشد الآلام قسوة؛ لذا فإن كل لقاء هو سلام ووداع معًا. إن لم نؤجل الخير والمتعة، كان الفراق عن المحبوب بلا أسى ولا ندم.

مصطفى ملكيان: بشكل عام وباعتبارها تجربة أود أن أذكر الأصدقاء بنقطة، وهي أنه لا يوجد ألم ومعاناة في الحياة أشد وأعمق أثراً وأكثر إحراقاً من ألم الندم والحسرة (1). هذان وحدهما ما لا يمكن التعايش معهما البتة: أحدهما الندم الناجم عن عدم الإحسان إلى الآخرين، والآخر الحسرة الناجمة عن عدم التمتع بالآخرين؛ أما سائر المشاعر والانفعالات السلبية فكلها قابلة للتحمل ما عدا هذين الاثنين، ومن بين هذين الاثنين، الندم أسوأ من الحسرة. والآن يقول الفيلسوف: في عالم حيث كل شيء في تغير، أنا كقانون أقبل بأن المعشوق قد يغيب عن حضرتي، عن منظوري، عن مرآي وعن متناولي؛ أنا أشعر بالغم، لكن لأنني لم أقرن هذا الغم بتلك الحسرة ولم أقرنه بذلك الندم، فإن هذا الغم يشبه الغم الناتج عن اصفرار أوراق الأشجار، هذا الغم يمكن أن يزول رويداً رويداً. لكننا لسنا هكذا، لأننا كنا نعتقد أن منتجاً قد عشق منتجاً، وأن هذين الشيئين معفيان من مرور الزمن، هذان لا يبليان ولا يتغيران، حينها نواجه أمراً غير متوقع وغير منتظر، ثم ترى أن الأرباح التي جلبها لنا العشق، يخرج ذلك الندم والحسرة من رؤوسنا. أي أنك حين تحسب الحصيلة الإجمالية ترى أنه لم يكن ثمة ربح. لا أعني ربحاً مادياً، بل أعني إجمالاً، من أجل عمارة روحك، حين تنظر إلى الملف ترى أنه لم يجعلك أكثر عمارة. لأنك في أيام العشق لم تنل متعة إذ لم تكن لديك إدارة، ولم تفعل خيراً إذ لم تكن تعيش أخلاقياً، ثم بعد أن فقدته، أنت في أسف دائم، أنت في غم دائم. أنتم رأيتم تلك الأجهزة التي تمر بسرعة أمام العمال، وعلى كل عامل أن يقوم بعمل ما، مثلاً في فيلم تشارلي تشابلن رأيتموها [فيلم العصر الحديث لتشارلي تشابلن] تصوروا جهازاً كهذا، في هذا الجهاز حين يأتي ويمر أمامك، إن أردت أن تفكر وتتأمل و... فلن تستطيع العمل. عليك في كل ثانيتين أن تربط صامولة، إن كانت نظرتك إلى الحياة هكذا، فأنت في حضرة معشوقك تفهم ماذا ينبغي أن تفعل، حينها هذا ما كان يقوله بوذا: «كلما انفصلت عن إنسان، لا تكن مديناً له بشيء، لأنه قد يكون لقاؤك الأخير به.» لذا، إن كانت لديك خيرات لم تفعلها معه، فافعل هذه الخيرات معه الآن ولا تقل في اللقاء القادم... قد يكون الخير الذي لم أفعله وأنا مدين لكم به هو اعتذار ينبغي أن أطلبه منكم. أنت، خيراتك التي لم تفعلها والمتعلقة بحسن حياتك، لا تؤجلها ولا تسوفها، لعل هذا آخر لقاء لك، لأننا، صدقاً، نعيش في عالم لا استقرار فيه. ولا تقل عن أي متعة لم تنلها: سأتركها للغد، قد لا تكون موجوداً غداً (طبعاً بوذا كان يتحدث عن العلاقة مع أي إنسان، لا العلاقة العاشقة فحسب) لماذا؟ بسبب تلك الجملة التي كان يقولها بوذا: «كل لقاء هو سلام ووداع!» في هذا العالم غير المستقر، كل لقاء هو سلام ووداع؛ هو تحية وهو توديع. افهم أن هذا اللقاء سلام لأنه كان من الممكن ألا يحدث، وهو وداع لأنه قد لا يحدث مرة أخرى، وعليه فاعتبره جديداً واعتبره الأخير في آن. لهذا السبب لا تكن مديناً له. حينها، عندما ننتبه إلى هذه النقطة، نجد ذا معنى تاماً السلوك الذي كان يفعله زوربا في رواية زوربا اليوناني [زوربا هو الشخصية الرئيسية في رواية زوربا اليوناني للكاتب نيكوس كازانتزاكيس]؛ زوربا فعل ما كان يعتبره واجبه الأخلاقي، ونال كل لذة استطاع نيلها، وعندما قطعوا رأس معشوقته وقذفوها، قال لصديقه: هيا بنا لنرقص رقصة! ماذا عسانا أن نفعل بعد؟ هذا يعني أنه يفهم أنه يعيش في عالم لا استقرار فيه. هذا يبدو لنا غير رومانسي وغير عاطفي جداً جداً، ونقول إن هؤلاء أناس قساة القلوب جداً، لكن صدقوني، بهذه الطريقة نتصرف عملياً بمزيد من الحنان أكثر من تلك الطريقة التي تبدو في الظاهر قاسية.
.
.
1. الحسرة ناظرة إلى المتعة التي فقدناها في الماضي والتي تؤرقنا الآن، والندم ناظر إلى الخير الذي كان بإمكاننا فعله في الماضي ولكننا لم نفعله والغم هو الإحساس بفقدان شيء في الماضي أو الإحساس بعدم نيل شيء كنا نرغب في نيله.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
علم النفس
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.