اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يعتبر العارفون قلب الإنسان عرشًا لله، ويرون أن الله لا يسعه سماء ولا أرض، وإنما يسعه قلب عبده المؤمن. ومن هنا فإن حرمة القلب أعظم من حرمة الكعبة، وكسر الخاطر يُعدّ إثمًا أكبر من ترك المناسك.

لماذا كان الحكماء العارفون يعتبرون "إيذاء القلب" أمراً سيئاً إلى هذه الدرجة؟ من أين ينشأ هذا الاهتمام والعناية الكبيرة بضمير الإنسان وطبعه؟ اليوم يبدو أن مثل هذه التعاليم تحمل طابعاً رومانسياً وعاطفياً أكثر، وإيذاء القلب لا يعتبر ذنباً عظيماً. لكن سعدي كان يقول:
الدنيا لا تستحق أن تُفجّع فيها قلباً فإياك أن تُسيء، فما أساء عاقل - يا حي القلوب، يا سعدي! ملك الوجود لا يستحق الوجود من يشقي بنفسه - إن حُزتَ ممالك الأرض كلها وسلبتَ من السماء تاج الجبابرة وإن ملكتَ خزائن قارون وملك جم لا يستحق الوجود من يشقي بنفسه
هذا التأكيد والاهتمام لا يختص بسعدي: لا تكن في طلب الأذى، وافعل ما شئت فليس في شريعتنا غير هذا الذنب (حافظ) كن على حذر، لا تُجرح القلب بسهو بأظفار تستطيع حلّ العُقد (صائب)
حقاً، لماذا يحظى حرم القلب بهذا التعظيم عند العارفين؟ وتألُّم القلب مذموم إلى هذه الدرجة، وطلب القلب محمود إلى هذا الحد؟ يعتني العارفون بحديث، وإن كان محدثون قد حكموا بوضعيته وأورده الصغاني في كتاب "الموضوعات". والقول المنسوب إلى النبي (ص): "قلب المؤمن عرش الله". مهما يكن، فالمضمون هنا يحظى عند العارفين بجاذبية خاصة وقبول. وحديث قدسي آخر في ذات المعنى نال درجة عالية من الاهتمام عندهم، وإن لم يجد المحققون له أصلاً: "قال الله تعالى: لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الودود." (من كتاب إحياء علوم الدين)
شمس التبريزي يقول في ذات المعنى: "أنت عالم لا متناهٍ، فما مكان السماوات والأرض؟ لا يسعني سمائي ولا أرضي، بل يسعني قلب عبدي المؤمن [لا تسعني سمائي ولا أرضي، بل قلب عبدي المؤمن هو الذي يسعني]، لن تجدني في السماوات، ولن تجدني على العرش."(من مقالات شمس)
مولانا أيضاً يعطي أهمية خاصة لهذا القول: قال النبي: إن الحق قد فرموا أنا لست أسع في الخفض والعلو في الأرض والسماء والعرش أيضاً أنا لا أسع، اعلم هذا يا عزيز في قلب المؤمن أسع يا عجب إن بحثت عني فابحث في تلك القلوب (المثنوي: الدفتر الأول)
عين القضاة الهمداني أيضاً يقول: "قلب المؤمن عرش الله. من طاف حول القلب وجد المقصود، ومن ضل عن سبيل القلب ابتعد بحيث لا يجد نفسه أبداً. قلت: يا ملك أين أطلبك ومن وصفك ماذا أقول قال: لا تطلبني في العرش والسماء بل عند قلبك، فبقلبك أبحث." (من التمهيدات)
إذا كان "قلب المؤمن" عرش الله والدار الحقيقية لحضرة الحق، فطلب القلب أشرف من الحج، وطواف القلب أفضل من طواف الكعبة. ظاهر هذا التعبير، رغم حدته الشاعرية، لا ينسجم مع الفهم الشائع من الشريعة وأحكام الدين، لكنه غذاء الروح والنور للعارفين. موكب جمالك لا يسع الأرض والسماء في دهشة صدري، كيف أسعته؟ (عبد الرحمن الجامي)
قال شمس التبريز: "هل قال الله: وقد كرمنا السماوات؟ أو قال: وقد كرمنا العرش؟ إن ذهبت إلى العرش لا فائدة، وإن ذهبت فوق العرش، وإن نزلت تحت سبع أراضين، لا فائدة. يجب أن ينفتح باب القلب. كل جهد الأنبياء والأولياء والأصفياء كان لهذا، كانوا يطلبون هذا." (من مقالات شمس)
رواية تعبر عن هذا الترجيح والفضل الذي يعطيه العارفون تُروى في سياق قصة حج بايزيد البسطامي:
"التقاني رجل في الطريق وقال: أين تذهب؟ قلت: إلى الحج. قال: ماذا معك؟ قال: مائتا درهم. قال: تعال أعطني إياها، فعندي أهل؛ وطفف حولي سبع مرات، فذلك حجك! قال: ففعلت وعدت." (من تذكرة الأولياء)
مولانا أيضاً أعاد سرد هذه الحكاية ذاتها: قال: طُفْ حول قلبي سبع مرات وهذا أفضل من عد طواف الحج وتلك الدراهم أمامي لا يا جواد اعلم أنك حججت وتحقق القصد حتى إذا طاف الكعبة لم يدخلها وفي هذا البيت لم يدخل إلا هذا الحي حين رأيتني فقد رأيت الله طُفت حول الكعبة بالصدق خدمتي طاعة وحمد لله حتى لا تظن أن الحق منفصل عني افتح عينيك الحسنة وانظر إلي حتى ترى نور الحق في الإنسان (المثنوي: الدفتر الثاني)
التأكيد الذي في بيان مولانا يعبِّر عن حقيقة عميقة في معرفة الله العرفانية. يقول الشيخ لبايزيد أنه لا ثنوية في الأمر. يجب أن نترك الرؤية المزدوجة والشّول الروحي، وألا نرى الله منفصلاً عن الإنسان (حتى ترى نور الحق في الإنسان). إذا كنا طالبي الله، فإن هذا الله لا يمكن أن يكون في مكان خارج ضمير وقلب الإنسان. هذا النظر يجعل العارف يعتبر مقام الإنسان شامخاً ورفيعاً، ويعتبر رعاية أحواله مهمة أساسية.البيت الحقيقي للإله هو قلوب عباده، والامتناع عن كسر القلب والالتفات باحترام ومودة إلى قلوب الناس هو لازمة هذا النظر والاعتقاد. نحن نصون قلب الإنسان لأنه بيت الله.
مولانا بالطبع التزم بالشريعة، ولم يكن مقصوده بأي حال أن يثني الناس عن فريضة الحج، بل مقصوده لفت انتباه المؤمنين إلى «البيت الحقيقي» و«كعبة القلب». كعبة شريفة تجلّى منها في جوهر كل إنسان، وفيض من وجه الساقي الوجود في كأس كل روح.
يا قوم ذهبتم للحج فأين أنتم أين المعشوق هاهنا فتعالوا تعالوا معشوقك الجار والجدار بالجدار تائهون في البادية فما هذا الهوى إن رأيتم المعشوق بلا صورة كنتم أنتم الخواجة والبيت والكعبة (غزليات مولانا)
يقول عين القضاة الهمذاني: «القوم الذين ينوون الحج، قل لهم: حجيت مرة. طريق الله لا من اليمين ولا من اليسار، لا من الأعلى ولا من الأسفل؛ هو في القلب، وعلى القلب أن يسعى، ثم يسير. إن كان لديهم هذا الورق، بسم الله، وإلا فإلى متى هذا الغرور؟» (التمهيدات)
لشمس التبريز تعبير لا نظير له بخصوص «كعبة القلب»: «ولماذا تسب عابد الحجر لأنه توجه نحو حجر أو جدار مصور؛ وأنت أيضاً توجهت نحو جدار! فهذا هو الرمز الذي قال فيه محمد عليه السلام، أنت لا تفهم، أليست الكعبة في منتصف العالم، حينما يتجه جميع أهل الحلقة نحوها، إذا أزلنا هذه الكعبة من المنتصف، فإن سجودهم سيكون نحو قلوب بعضهم البعض. سجود هذا على قلب ذاك، وسجود ذاك على قلب هذا!» (مقالات شمس)
يقول شمس التبريز إننا إذا أزلنا الكعبة من الوسط، نرى أن الناس في الحقيقة يسجدون نحو قلوب بعضهم بعضاً. والكعبة التي ليست أكثر من حجر ورمز، والسجادة الحقيقية، هي قلوب المؤمنين ومستقر الله الحقيقي.
طُفْ حول كعبة القلب إن كان لك قلب القلب هو الكعبة الحقيقية فما ظنك بالطين طواف كعبة الصورة أمرك الحق لكي تحصل على قلب بواسطتها وإن طُفت ألف مرة حول الكعبة مشياً لا يقبل الله إذا أسأت إلى قلب هب لي ملكك ومالك وقلباً في يدي لأن القلب يعطيك النور في قبر الليل المظلم وإن أتيت ألف دنانير ذهب لحضرة الحق سيقول الحق: جِد بالقلب إن أتيتنا (غزليات مولانا)
الحمقى يعظمون المسجد ويشتغلون بإيذاء أهل القلب تلك مجاز وهذا حقيقة يا حمر ليس المسجد إلا في باطن السادات مسجد ذلك الولي في الباطن سجادة الجميع هناك والله هناك (المثنوي: الدفتر الثاني)
والخلاصة أنه في نظر العارفين، السجادة الحقيقية هي قلب الإنسان، والاهتمام الذي يولّيه المؤمنون للكعبة والمحراب، يجب أن يولّوه أكثر بكثير لقلوب بعضهم البعض. مظهر نفسه جعل الله رؤية عيننا فتعالوا لهذا البيت وارى الصفاء الله في قلوب المحبين فابحث ابحث في الأرض ولا تسأل السماء (صفاء الأصفهاني)
ربما بالالتفات إلى هذا النظر العرفاني، يمكننا أن نفهم بشكل أفضل لماذا كان سعدي يقول: ما دمت قادراً على الحصول على قلب فإن كسر القلب ليس بمهارة
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
درهم زیبا نغز وپرمعنااصلا اثری ازخودبزرگ بینی وجودندارددرحالیکه بیت بیت آن درهم دنیاخریداردارد من آنچه شرط بلااستفاده باتومیگویم-تنخواه انسانم پند گیر وسوسه ملال
سلام استاد تنها زندگی ممکن و مطلوب، زندگی شجاعانه است و نه زندگی شاد!
شاید به این خاطر که دلهای آدمیان سبدست برای جادادن سیبهای بی نهایت.