اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن الأصولية الإسلامية تقوم على الاعتقاد بعدم كفاية العقل لحل المشكلات الدنيوية، وأبدية الأحكام الفقهية بمعزل عن الزمان والمكان، وجوهرية ارتباط الإسلام بالسلطة السياسية؛ وهو تمييز يرسم الحد الفاصل بين المتدينين والأصوليين.

لا شك أن الحديث عن الأصولية الدينية الآن في هذه الجلسة وربما في جلسات مماثلة، يُقصد به الأصولية الإسلامية. ومع أن لدينا أصوليات غير إسلامية، كالأصولية اليهودية الموجودة الآن في العالم، وكذلك الأصولية المسيحية والهندوسية وحتى البوذية، فإن المشكلة التي يعاني منها مجتمعنا على أية حال هي الأصولية الإسلامية. رغم أنه يمكن تكرار النقاط المتشابهة بشأن الأصوليات الدينية غير الإسلامية. ولكي لا يكون هناك أي التباس، سأتحدث عن مخاطر ومهالك الأصولية الدينية أو الإسلامية، وما الذي نعنيه بها، وسأعرّف الأصولية الإسلامية في موضعها. في موضع آخر، كنت قد أوضحت الفرق بين النظرة الأصولية إلى الإسلام، والنظرة التقليدية الإسلامية، والنظرة التحديثية إلى الإسلام. وهذه النظرات الثلاث تختلف وتتباين في أحد عشر أمراً. وذلك في مقالة «علاقة الإسلام بالليبرالية ونسبتها إليه».
في مقالة علاقة الإسلام بالليبرالية ونسبتها إليه، والتي كُتبت قبل 14 أو 15 عاماً [1]، قلت هناك إن هذه النظرات الثلاث بينها اختلافات جوهرية. والآن، سأستحضر تعريفاً أكثر إيجازاً للأصولية الإسلامية من أحد المفكرين الإسلاميين، أي من المفكرين العرب، عادل ظاهر. ليس هناك متسع من الوقت لأشرحها للأصدقاء. سأستحضر تعريفاً أكثر إيجازاً للأصولية الإسلامية. لأنه لا يتسع الوقت لأشرح تلك الأمور الأحد عشر للأعزاء. تُطلق الأصولية الإسلامية على المسلك والطريق والرسم الذي يعتقد بالأقضية الثلاثة التالية مجتمعة. إذا اعتقد شخص بهذه الأقضية الثلاثة مجتمعة، لا فرادى، فإننا نكون أصوليين إسلاميين.
عدم كفاية العقل في حل المسائل المادية والدنيوية من منظور الأصوليين الإسلاميين
القضية الأولى هي أن الإنسان لا يمتلك القدرة على حل مسائل ومشكلات هذا العالم بالاستعانة بعقله وحده. انتبهوا إلى الألفاظ. القضية الأولى المعتقد بها هي أن الإنسان، بالاستعانة بعقله وحده، أي بالاستعانة بمجموع قواه الإدراكية، لا يمتلك القدرة على حل مسائل هذا العالم ورفع مشكلاته الدنيوية. قد أعتقد أنا أن الإنسان لا يمتلك حل مسائله الأخروية والروحية بالاستعانة بعقله فقط. هذا لا يجعلني أصولياً إسلامياً. تقريباً كل مسلم يعتقد أن حل المسائل الأخروية والروحية ورفع المشكلات الأخروية بالاستعانة بالعقل والقوى الإدراكية فقط أمر غير ممكن. سأبسطها أكثر: أنت إذا كنت متديناً، بأي اتجاه في تدينك، سواء كنت متديناً بدين الإسلام أو المسيح أو أي دين ومذهب، فبمجرد أن تكون متديناً فأنت بلا شك تعتقد أن حل المسائل الروحية والأخروية بالاستعانة بعقل البشر فقط ليس ممكناً. نحن نحتاج لرفع مشكلاتنا الروحية إلى غير العقل. كل المتدينين يقولون بهذا. ما يفصل المتدينين عن الأصوليين الإسلاميين هو أن الأصوليين يعتقدون أن الإنسان لا يمتلك القدرة على حل مسائله الدنيوية ورفع مشكلاته المادية والروحية بواسطة عقله هو أيضاً. أي أن الإنسان لحل مسائله الدنيوية، هذا العالمية، ورفع مشكلاته الأخروية هو أيضاً، يحتاج إلى مصدر أو مصادر أخرى. إذن، القضية الأولى التي يعتقد بها الأصوليون الإسلاميون هي أنهم يعتقدون أن المسائل الأخروية والروحية جانباً. لا!! مسائلنا الدنيوية والمادية هذه أيضاً لا يمكن حلها ورفعها بالتوسل بالعقل البشري. أي أننا لحل المسائل المتعلقة بمؤسسة الأسرة، والتعليم والتربية، والعلم والفن والتقنية، والسياسة والاقتصاد، والحقوق، لحل هذه المشكلات المادية والدنيوية وهذا العالمية، هنا أيضاً لا يكفي عقلنا. هذه هي القضية الأولى.
أزلية الأحكام الفقهية من منظور الأصوليين الإسلاميين
القضية الثانية التي يعتقد بها الأصوليون الإسلاميون هي أن الأحكام الفقهية أبدية وصالحة إلى الأبد. أي أنها ليست أحكامًا تصلح للتطبيق في مكان دون آخر، أو في زمان دون آخر، أو في ظروف وأحوال دون أخرى، أو في مجتمع وحضارة دون مجتمع وحضارة أخرى. إنهم يعتقدون أن الأحكام الفقهية هي أحكام ذات اعتبار وحجية دائمة وأبدية وشاملة لكل مكان. وبصرف النظر عن الزمان والمكان والظروف والأحوال والثقافة والحضارة والمجتمع، هناك دائمًا تفسير ساذج لهذا القول المأثور: «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة». أنا لا أقول إن قائل هذا الكلام كان يقصد من قوله هذا الأصولية الإسلامية، ولكن غرضي هو أنهم يستنتجون من هذه الجملة أن اعتبار الأحكام الفقهية لا يقبل المساس.
اعتقاد الأصوليين بأن تشكيل الحكومة وكسب السلطة السياسية من صميم الإسلام وفرض على المسلم
القضية الثالثة التي يعتقد بها الأصوليون الإسلاميون هي أن علاقة الإسلام بالحكم ليست عرضية أو اتفاقية، وأن الارتباط بالسياسة والحكم متأصل في جوهر الإسلام. فليس الأمر أن ظروفًا وأحوالًا طرأت جعلت النبي (ص) يضطر، بمقتضى تلك الظروف والأحوال، إلى تولي رئاسة الأنصار والمهاجرين، ثم بحكم قبوله قيادة هذه المدينة الجديدة، وجد أعداءً بطبيعة الحال، فهاجمه أولئك الأعداء فاضطر للقتال، ووجد أصدقاء فعقد معهم عهودًا، ومني بهزائم وانتصارات. كلا، لم تكن هذه حوادث لو لم تقع لما كان للنبي شأن بالحكم. ففي نظر هؤلاء، إن دين الإسلام هو في الأساس دين لا يستقيم أمره إلا بالاستيلاء على السلطة السياسية. أنتم تعلمون أن النبي (ص) كانت له حكومة في السنوات العشر الأخيرة من عمره في مكة والمدينة، وصولًا إلى مكة. إنما يدور النقاش حول ما إذا كان هذا بسبب أن النبي (ص) حصل على السلطة السياسية نتيجة لحوادث، أم أن السلطة السياسية هي من صميم الإسلام. يعتقد الأصوليون أن على من يريد التدين بدين الإسلام أن يسعى بجدية للاستيلاء على السلطة السياسية. إن ارتباط جوهر الإسلام بالسياسة والسلطة السياسية ليس عرضيًا ولا اتفاقيًا. فهذا الدين، في الأساس، دين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياسة وبالاستيلاء على السلطة السياسية. دعوني أضرب لكم مثلًا. هناك آية في القرآن تقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا...». أيها الذين آمنوا، لا تقولوا راعنا، بل قولوا انظرنا. هذه الآية، فقط لأن لغة الناس كانت عربية، تتعلق بحادثة معينة كان النبي (ص) يتلو فيها آيات القرآن على الناس بتسرع أحيانًا، فكان أصحاب النبي (ص) يقولون له «راعنا» ليقولوا له: اقرأ الآيات بتأنٍ لنحفظها، وراعِ حالنا. وكان مخالفو النبي (ص) يقرؤون كلمة «راعنا» هذه، وخصوصًا بلفظها آنذاك، على سبيل الاستهزاء «راعينا» بمعنى راعينا، ويقولون مستهزئين إن أتباع النبي (ص) يدعونه راعينا. فلما صار هذا موضع سخرية، نزلت آية تقول: يا أيها الذين آمنوا، لا تقولوا للنبي راعنا، لأنكم إن قلتم راعنا اتخذها الأعداء موضع سخرية. قولوا انظرنا، أي أمهلنا، فـ «انظرنا» لا يمكن السخرية منها. لا شك أن هذه الآية نزلت لهذا السبب، لأن لغة الناس كانت عربية.
وقبل قيادة هذه المدينة، وبطبيعة الحال كان لهذه المدينة أعداء، وحدثت هزائم، وصدرت أوامر ونواهٍ من النبي، هذه حوادث ليست كحادثة «راعنا». أي لو لم يكن هناك ظلم وجور المشركين في مكة، ولو لم يُضطر النبي إلى الهجرة إلى المدينة، لكان النبي قد شكل حكومة بالتأكيد. لأن تشكيل الحكومة جزء من جوهر نبوته ورسالته. لذلك فكل المسلمين، سواء أكانوا أصوليين أم تقليديين أم تجديديين، وحتى المؤرخين، يعتقدون جميعاً أن النبي شكل حكومة في السنوات العشر الأخيرة من عمره. لكن الأصوليين، على عكس الآخرين، يقولون إن تشكيل الحكومة هذا لم يكن مجرد حادثة، ولم يكن عارضاً لو لم يحدث لما أقدم عليه النبي، بل كان جزءاً من جوهر دين الإسلام. أما التقليديون المسلمون والتجديديون المسلمون فلا يقبلون هذا إطلاقاً، ويقولون إن سلسلة من الحوادث والعوامل كانت قد ألجأت النبي. فلم تكن رسالة النبي (ص) سوى تبليغ رسالة الله. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. وإلا، وبتعبير القرآن، سأضرب لكم مثلاً آخر: لو لم تتخاصم نساء النبي حول سلوك النبي معهن، لما حرّم النبي على نفسه أكل العسل قطعاً، ولما نزلت هذه الآية قطعاً: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ؟ تلك الآية واقعة حدثت. لو لم تكن بين هاتين المرأتين منافسة، ولم تحدث تلك المشاكل، ولم تقع تلك الحادثة، لما حرّم النبي أكل العسل على نفسه قطعاً. هذه الأمور ليست جزءاً من جوهر الإسلام، بل حادثة وقعت ولم يكن ثمة مفر من أن تنزل آية بشأنها. كل حادثة كانت تقع، وكل واقعة كانت تحدث، كان النبي جزءاً من رسالته أن يبلغها للناس. قصة ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. إذن يمكن القول إن ما ورد في القرآن، كل واقعة كانت تحدث، وكل ظاهرة كانت تتجلى، فإن قول النبي وفعله ذاك ليس جزءاً من جوهر الإسلام. القضية الثالثة التي يعتقد بها الأصوليون الإسلاميون هي أن التدخل في السياسة جزء من رسالة الإسلام. السلطة السياسية جزء من رسالته. فإن لم يفعلوا ذلك فكأنهم قصّروا في تكليف الصلاة والصيام مثلاً.
فإن لم يفعلوا ذلك فكأنهم قصّروا في تكليف الصلاة والصيام. وإن قصّر في إقامتها، فكأنه... إذا كان شخص ما يعتقد بهذه القضايا الثلاث مجتمعة، فإننا نسميه اليوم أصولياً إسلامياً، هذا الشخص هو أصولي إسلامي. 1- عقل البشر لا يكفي لحل المسائل الدنيوية أيضاً، ويجب حلها بواسطة الوحي. عدم كفاية العقل البشري في حل ورفع المسائل الدنيوية والأخروية. 2- الأحكام الفقهية لا تزول، ولها حجية ووثاقة دائمتان. 3- واجب المسلم أن يسعى بقدر طاقته في تشكيل السلطة السياسية وإقامتها واستقرارها وحفظها واستمرارها. لأن من واجبات المسلمين تشكيل الحكومة، فإن لم يفعلوا فكأنهم لم يؤدوا الحج أو الصلاة. أن يقيم حكومة دينية، ثانياً أن يقيم حكومته الدينية على أسس القواعد الفقهية، ثالثاً أن يبسط حكومته في المسائل المادية أيضاً. مثلاً في المشكلات الأسرية، والسياسية، والاقتصادية، والتعليم والتربية، والعلم والتقنية والفن، يريد أن تتدخل حكومته في كل شيء. لأنه حتى في أكثر المسائل مادية، لن يكون الاستمداد من العقل حلاً للمشكلة.
يعود تاريخ هذه الأصولية إلى ما بعد أن فتح نابليون مصر عام 1799 ودخل القاهرة، وهنا حدث أول مواجهة بين الإسلام الذي كان قد نام لقرون، والغرب، ولأن بوابة العالم الإسلامي كانت مصر، وحدثت هناك أول مواجهة وجهاً لوجه مع الغرب، فقد بدأت من مصر ثم سرت شيئاً فشيئاً إلى أماكن أخرى. لا أريد أن أذكر أسماء الشخصيات المناصرة للأصولية الإسلامية. هذه الأصولية الإسلامية خطرها الأعظم اليوم هو أنها تدمر مسألة الكرة الأرضية برمتها.
الأصولية في صالح من؟
الذين يتوهمون أنهم يستفيدون من الأصولية هم ثلاث فئات فقط. أما إن كان تصورهم صحيحاً أم لا، فحديث آخر. إحداها هي القوى الماركسية في العالم.
مصلحة القوى الماركسية في العالم من الأصولية الإسلامية
أي أنني لا أصدق أبداً أن روسيا أو الصين تشعران بذرة قلق واحدة إزاء نمو الأصولية الإسلامية، لماذا؟ لأن شخصاً مثل بوتين المشؤوم يعتقد أن رأس الحربة في هجوم الأصولية الإسلامية هو الغرب، ولأن نظاماً مثل نظام بوتين والصين لديهما خلاف أيديولوجي مع الغرب، فهؤلاء هم طلائع الهجوم على الغرب، فليدفع المسلمون خسائره. من أي جهة قُتلوا فالربح لنا. لهذا لا أعتقد أن الصين وروسيا والأنظمة التابعة لهما ستظن أبداً أن الأصولية الإسلامية تضر بها.
مصلحة رجال الدين في العالم الإسلامي من نمو الأصولية الإسلامية
الطبقة الثانية هي قسم عظيم، بل وأريد أن أقول مع الأسف القسم الأعظم من رجال الدين في العالم الإسلامي. هؤلاء يظنون أن الأصولية الإسلامية في صالحهم. لا، ولكن رجل الدين الشيعي يظن أن الأصولية الإسلامية الشيعية في صالحه. ورجل الدين السني يظن أن الأصولية الإسلامية السنية في صالحه، وإلا فإن جمهور رجال الدين - لا أقول كل رجال الدين - في جميع أنحاء الإسلام يستفيدون حسب ظنهم. طبعاً حسب ظنهم. إذا كانوا يسمون داعش بالتكفيريين فمن هذا الاسم يتضح أنهم ليسوا قلقين من شيء آخر، بل من أن الدواعش يقولون للشيعة أنتم كفار. لا يقولون أبداً أنتم أصوليون إسلاميون. لأن الدواعش تكفيريون. من يكفرون؟ قبل الجميع وأكثر من الجميع الشيعة. إذا دققتم لم يظهروا ردود فعل جادة تجاه الأصولية حتى الآن. لأن رجال الدين الشيعة والسنة لديهم نوع من المشكلة الثقافية مع الغرب. هؤلاء يحمّلون الغرب مسؤولية نفور المجتمع من الدين. إذا كان هناك نفور من الإسلام وعداء للإسلام في المجتمعات الإسلامية، فالسبب الرئيسي هو الغرب. عندما يخاف الغرب ويرتعب حينها يخفف من غزوه الثقافي تجاه المسلمين. أربعة تفجيرات في باريس والغرب تجعلهم يوقفون الغزو الثقافي. حينها نتنفس نحن رجال الدين الصعداء لأن الناس حينها لن يكونوا معادين للإسلام. أنا لا أعتقد أن رجال الدين - ليس كلهم، لقد كررت ذلك مراراً - لكن القسم الأعظم منهم منزعجون في قرارة أنفسهم من نمو الأصولية الإسلامية.
مصلحة فقراء العالم الإسلامي من نمو الأصولية الإسلامية
وأما القسم الثالث فهم فقراء العالم الإسلامي، وأولئك الذين دُفعوا إلى الفقر أكثر من الحد ولا يملكون حتى ضروريات الحياة. هؤلاء الأصولية الإسلامية في صالحهم. لماذا؟ لأن الفقر يجلب ثلاثة أشياء. أولاً، أن الفقر المادي يجلب الفقر الثقافي. كلما كنا أفقر من الناحية المالية، نصبح أفقر من الناحية الثقافية أيضاً في سعة معلوماتنا وقوة تفكيرنا وقوة فهمنا وتجاربنا. الفقر الثقافي يعني أننا نستسلم لكل خرافة. وإحدى تلك الخرافات هي هذه الأصولية الإسلامية نفسها التي تعيث فساداً منذ 40 عاماً. الفقر يجلب الحسد حتماً. ولا مفر من أن يحسد. كما قال حافظ: الغيرة لا تسمح بأن يمتلئ العالم بلاءً. انتبهوا أنكم إذا انحرفتم عن منهج العقل، وبتعبير المعاصرين تجاوزت الفجوة بين الفقير والغني حداً معيناً، فإن هذا يقلب كل شيء. الفقير يقول لماذا يوجد في العالم أناس أدير أنا وعائلتي بمصاريف كلب شخص غربي في شهر واحد لمدة 5 سنوات. الفجوة الطبقية بين الدول الفقيرة والغنية، دول الشمال والجنوب، وحتى داخل دول الجنوب نفسها بين الطبقات الفقيرة، أصبحت واسعة جداً لدرجة أن الشخص يقول في نفسه: ألا تساوي قيمتي أنا وزوجتي وأطفالي قيمة قطة؟ حينها عندما يقول شخص ما أريد أن أذهب وأفجرهم وأقضي على بناتهم وأبنائهم الشباب، فإن هؤلاء يستقبلون ذلك بحفاوة بالغة.
النقطة التالية هي أن الشخص الفقير لا يخسر شيئاً، ولهذا فهو جريء وشجاع جداً. كل ما يحدث لا يسبب لهم خسارة، لينكسر الطاقاري.. وينسكب اللبن ويدور العالم لصالح قاطع الطريق... لذا فإن فقراء العالم الإسلامي هم أكبر فئة، أينما رُفع راية الأصوليين، سواء من قبل طالبان، أو من قبل الملا عمر، أو من قبل داعش، أو من قبل بوكو حرام، سيدبون الصدور تحت رايتهم جميعاً.
أما إذا تجاوزنا هذه الفئات الثلاث، فلا شك أن الكرة الأرضية بأسرها ستتكبد الخسائر، سواء الغرب أو البلدان الإسلامية التي هي مهدها. ولهذا فإن التحرر من الأصولية الإسلامية هو تحرر من جميع المشكلات التي تنشأ في عالمنا اليوم، وتقريباً كل مشكلة عدا مشكلات مثل البيئة تقع تحت تأثير الأصولية الإسلامية. مع أن البيئة أيضاً تتدمر بفعل تفجيرات هؤلاء. ولمواجهة الأصولية الإسلامية ثلاثة أوجه للمواجهة.
أحدها بيان أن المعتقدات الثلاثة للأصولية الإسلامية لا دليل عقلياً يسندها ولا دليل نقلياً يقوم عليها. هذا طريق للنقاش الفلسفي مع الأصوليين الإسلاميين. لا يمكن إقامة دليل عقلي ولا دليل نقلي لصالحهم. هذا النقاش ليس موضوع حديثي الليلة. ومن حسن الحظ أن عادل ظاهر قد أجرى نقاشاً فلسفياً في هذا الشأن في هذا الكتاب. غير أن نقاشه الفلسفي حول عدم استناد الأصولية الإسلامية إلى دليل هو من المنظور العقلي فحسب. لكن يمكن عقلاً ونقلاً بيان أن القضايا الثلاث جميعها خاطئة. هذا نقاش أول.
ضرورة اتخاذ نهج قائم على المصلحة لاستئصال الأصولية الإسلامية
النقاش الثاني هو نقاش أخلاقي. بيان أن الأصولية الإسلامية ستجرنا إلى أفعال لا مبرر لها مطلقاً من الناحية الأخلاقية. أي أنه لا مناص للأصولية الإسلامية من أن تقبل، عاجلاً أم آجلاً، الضوابط الأخلاقية. أما نقاشي فهو النقاش الثالث. لا من المنظور الفلسفي ولا من المنظور الأخلاقي، بل من منظور المصلحة: ما الذي يمكن فعله، وأي تدبير قائم على المصلحة يمكن اتخاذه كي تزول الأصولية الإسلامية ويستطيع العالم الإسلامي أن يتحرك صوب العدالة والحرية. وكي يتحرر العالم من بث الرعب، ومن شر الإرهاب، ويعود العالم الإسلامي والعالم الغربي إلى علاقات سليمة وإنسانية فيما بينهما؟
المقصود أن الوجه القائم على المصلحة يريد أن يحقق أمرين: أحدهما أن يجعل العالم الإسلامي، المتخلف عن العالم الغربي من حيث العدالة والرفاه والأمن والحرية، ذا أربع مُثُل اجتماعية كبرى، والآخر أن يزيل التناقض بين الغرب والعالم الإسلامي حتى نستطيع أن نحيا مع جميع الناس في الشرق والغرب حياة وتعايشاً سلمياً، وألا يقاسوا هذه المصائب الأربع في ألم وعذاب. أريد الآن أن أتحدث عن هذه النقطة: ما هي الأعمال التي يمكن القيام بها؟
واجب القوى السياسية الغربية في مكافحة الأصولية الإسلامية
يبدو لي أن الأعمال التي ينبغي لنا القيام بها تقع مسؤوليتها بالدرجة الأولى على عاتق ثلاث فئات: إحداها القوى السياسية الغربية التي هي هدف هجمات الأصوليين الإسلاميين، والثانية رجال الدين في العالم الإسلامي، والثالثة مثقفو العالم الإسلامي، أي المفكرون غير رجال الدين ممن لديهم همّ الدين والشريعة ويشعرون بالقلق من أن يعيش الناس حياة إسلامية حقاً. ما سأقوله تقع مسؤولية كل جزء منه على عاتق واحدة من هذه الفئات الثلاث. أتناول أولاً البلدان والقوى الغربية.
القوى الغربية، أول ما ينبغي لها فعله هو أن تسعى بجد في سبيل الرفاه، أي في سبيل جعل المجتمعات الشديدة الفقر في العالم الإسلامي مرفهة. الفقر مستنقع تنمو منه جميع فطريات الخرافة. ما دام العالم الإسلامي يعيش في الفقر فهو معرض للخرافات، خرافات تدمر الخرافيين أنفسهم وتدمر الآخرين أيضاً. على العالم الغربي، وهو أرفاه بكثير من العالم الإسلامي، أن يفهم أنه إذا أراد إضعاف الأصولية الإسلامية، فعليه أولاً استئصال الفقر في العالم الإسلامي. حيثما يوجد الفقر تجد مستنقعاً تنبت من داخله الخرافة. وكل خرافة هي خطر عملياً. لذلك، ينبغي في هذه المحافل العالمية، في المؤتمرات والندوات، بدل الهمجية والعنف والمقابلة بالمثل، أن يفكروا في رفاه البلدان الإسلامية وجعلها مرفهة. لا بمعنى أن يقدموا الصدقات، ولا أن يشجعوا على التسول. مثل الأفارقة المساكين الذين يستجدون الدقيق من الغرب. أن تتحقق هذه المساعدات ببرمجة دقيقة تؤدي إلى رفاه العالم الإسلامي. هذه النقطة واضحة. هذا أول عمل ينبغي لهم فعله. الفقر يضع الفقراء دوماً في مواجهة المرفهين، وبما أن مصداق المرفهين هو العالم الغربي، فإنهم يتجهون صوبهم ليدمروهم.
أما الثاني، وهو ليس أقل أهمية من الأول. فأنتم، بصفتكم قوة سياسية غربية، تستطيعون تقديم مساعدات تجعل مصر، على سبيل المثال، تنعم بالرفاه، أو العراق، أو أفغانستان، أو باكستان، ولكن الأهم من ذلك ألا تسمحوا بنشوء فجوة طبقية في هذه البلدان أيضاً. إن خطر الفجوة الطبقية لا يقل عن خطر الفقر. تصوروا بلداً فقيراً تماماً، لكن فارق الدخل فيه يجعل الفقير يكسب 3 دولارات يومياً، والميسور يكسب 15 دولاراً يومياً. هذا البلد فقير بالتأكيد، لكن لا توجد فيه فجوة طبقية. الناس إذا علموا أن الجميع مثلهم، لا يستسلمون لتلك الاضطرابات وإثارة الفتن الاجتماعية. أما في بلد يكسب فقيره 30 دولاراً يومياً ويكسب أقواه 15 ألف دولار، مقارنة ببلد فقير يكسب فقيره 3 دولارات ويكسب أغناه 15 ألف دولار يومياً، فإن هذا البلد الثاني أكثر عرضة للخطر من البلد الأول. الفجوة الطبقية أخطر من الفقر. لذلك، يجب أن تكون المساعدات مشروطة بعدم السماح باتساع الفجوة الطبقية أكثر من ذلك.
عدم دعم إسرائيل من قبل العالم الغربي، سبيل لمكافحة الأصولية الإسلامية
الإجراء الثالث هو أن يكف الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، عن الدعم اللامحدود وغير المشروط لإسرائيل. ما دام العالم الإسلامي يعتقد أن ثمة عدواً في صلبه وجوهره، وأن هذا العدو مهما فعل يحظى بموافقة أمريكا ودعمها، فمن المستحيل أن تلين قلوبهم تجاه الغرب. بإمكان أمريكا وإيطاليا وفرنسا وغيرها أن تدعم أي بلد آخر، لكن دعمها يجب أن يكون مقيداً ومشروطاً بسلسلة من الضوابط، لا أن يكون غير مشروط. بشرط ألا يكون استنباطنا نحن المسلمين أن القوى الغربية تقول لإسرائيل: افعلي ما يحلو لكِ، فنحن ندعمكِ. منذ عام 1946، والاستنباط العام للعالم الإسلامي هو أنه ليس كل يهودي مقيم في إسرائيل محكوماً عليه بالنبذ، بل النظام السياسي للأمة اليهودية هو المحكوم عليه بالنبذ. تماماً كما لا يمكن إصدار الحكم نفسه على الأمة الروسية الذي نصدره على حكومتها. ورغم تفاوت درجة تدخل الأمم في قرارات حكوماتها تفاوتاً كبيراً، فإن النقاش يدور حول السلطة السياسية الحاكمة في إسرائيل. ما دام هؤلاء يحظون بتأييد الغرب، فهذا الخطر قائم. ما دام استنباط الرأي العام في العالم الإسلامي أن الإسلام ليس في مأمن من اعتداء إسرائيل على النفس والمال والعرض، فإن الغرب في خطر. لا يمكن القول إن الغرب ليس مذنباً. فالأصوليون الإسلاميون ينتقمون للعالم الإسلامي من الغرب. لذلك، لا مناص من أن نحمي نفوس المسلمين وأموالهم وأعراضهم وكرامتهم من اعتداء إسرائيل. باستمرار هذا النهج، لا يمكن تفادي استفزاز العالم الإسلامي. مع تقديم هذه المساعدات لإسرائيل، راعوا على الأقل حقوق الإنسان للمسلمين. ما ينبغي للغرب أن يفعله كإجراء بالغ الأهمية هو أن يقنع الرأي العام في العالم الإسلامي بعدم دعمه لإسرائيل. إن تحركهم هذا قد آذى وجرح نفس مليار ونصف المليار مسلم في العالم منذ زمن طويل.
عدم دعم الحكومات المستبدة في البلدان الإسلامية من قبل الدول الغربية سبيل لمكافحة الأصولية الإسلامية
أمر آخر هو أنه ينبغي للغرب ألا يدعم الحكومات المستبدة التي تنخر في جسد البلدان الإسلامية كالأكلة. إذا كانت حكومة في بلد مسلم لا تمس مصالح الغرب، فبإمكانها أن تفعل ما تشاء بحق شعبها. إنهم يعتقدون أن أي حكومة، مهما كانت مستبدة وجلادة وديكتاتورية، ما دامت لا تتعرض لمصالحهم، فلها أن تفعل ما تشاء بشعبها. عندما يبلغ الضيق بالناس في مثل هذه البلدان مبلغه، ويرون دعمكم لها، فلا شك أن شعوب هذه البلدان ستمقتكم. لا فرق إن كانت هذه الحكومات دينية، أو علمانية، أو لائيكية، أو اشتراكية، أو ليبرالية؛ الحكومات التي لا ترحم شعوبها، بدعمكم لها، من الطبيعي أن يبحث الناس عن مفر، وأحد طرق الهروب هذه هو اللجوء إلى الأصولية الإسلامية.
عدم توجيه الإهانة للمقدسات الإسلامية من قبل الغرب، سبيل لمكافحة الأصولية الإسلامية
نقطة أخرى هي أن الغرب، باسم حرية التعبير، ومنذ سنوات، يوجه الإهانة والتحقير والاستخفاف إلى مقدسات المسلمين الدينية في العالم. هنا لا بد أن أذكر بضع نقاط من باب طلب الحقيقة. لقد رأيتم في هذه السنوات كيف تُعرض رسوم كاريكاتورية لشخصيات إسلامية مختلفة على سبيل السخرية والهزل والمزاح لتكون موضع ضحك، وقد تفاعل العالم الإسلامي مع ذلك. هنا عدة مسائل. النقطة الأولى هي أنني لا أعتقد أن كائناً رحل عن هذه الدنيا يمكن أن يُهان. أنا، مصطفى، حينما أرحل عن هذه الدنيا، يستحيل أن يستطيع أحد إهانتي، لأنني حين أرحل عن الدنيا إما أن أصبح عدماً عدماً عدماً، أو إن كنا نعتقد بوجود حياة بعد الموت فسأستمر في حياتي، لكنني لن أكون جالساً هناك فوق الكرة الأرضية لأرى من يرسم صورتي أو من يكتب لي شعراً هزلياً. هناك عالم منفصل عن عالم الدنيا. لا يمكن توجيه الإهانة لأي زعيم ديني بعد رحيله عن الدنيا. إذن، إهانة زعيم مقدس بعد رحيله عن الدنيا أمر لا معنى له. الإهانة تعني أن تحقرني وتهينني وتسخر مني وتؤذيني بقولك وفعلك. الشخص الذي رحل عن الدنيا، إن كان ثمة عالم آخر وفق معتقدات الناس، فإن ذلك الفرد في ذلك العالم لا يطالع مجلة شارلي إبدو! هذه مزحة. نقطة أخرى هي أنه في الوقت نفسه، يعيش مليار ونصف مليار إنسان على هذه الكرة الأرضية، وعندما ترسمون كاريكاتيراً للزعيم الديني لهذا العدد من المسلمين، فإنكم تجرحون قلوب كل هؤلاء المسلمين. أنتم تؤججون ألم ومعاناة وتعب وقلق واضطراب مليار ونصف مليار مسلم. يجب أن يكون العنوان هو إيذاء مليار ونصف مليار إنسان على وجه الأرض بلا مبرر. أننا أدخلنا عليهم الألم والمعاناة بلا موجب. إحداث ألم ومعاناة غير ضروريين. ما الضرورة لأن نؤذي مليار ونصف مليار إنسان بصورة؟ انظر، لو صفعتني على أذني، ألا يقتادونك إلى المخفر؟ فكيف يكون الحال إذا أهنت الشخصية التي أحترمها، الشخصية التي أنا مستعد أن تصفعني آلاف الصفعات لكن لا تهنها؟ بينما تقتادونني إلى المحكمة بصفعة واحدة؟ هناك مسلمون كثر مستعدون لتحمل ألم يفوق ذلك مئة ضعف لكن لا يُهان نبيهم. معنى هذا أن الجسد الإنساني فقط هو المهم بالنسبة لكم. تقولون إذا أحدث شخص جرحاً في جسد آخر يجب أن يعاقب، لكن عندما تُجرح روحي، حتى لو كان الألم يفوق جرح الجسد بمئة ضعف، أليس لهذا عقاب؟ لا يمكننا نقل النقاش إلى مسألة الإهانة للنبي (ص)، لكن يمكننا نقل المسألة إلى ألم ومعاناة مليار ونصف مليار إنسان لا ذنب لهم سوى أن دينهم هو الإسلام. هذه هي النقطة الثانية.
حرية التعبير وشروطها
أما النقطة الثالثة فهي أن حرية التعبير التي يُشدد عليها بهذا القدر لا يمكن الدفاع عنها بشكل مطلق أبداً. إذا قيل إن مثل هذا الأمر حر، فأولاً ليس من الجائز إدخال معتقدات خاطئة في أذهان الآخرين. كيف يُعقل أن يكون حراً أن يُدخل أي شخص أي تراهات، أي خرافة، أي جهل مركب ووهم وهذيان في حياة الآخرين؟ يجب أن تكون لحرية التعبير قيود وشروط. يجب أن يكون لها 4 قيود. ليس هذا مجال بحثها الآن. التوسل بحرية التعبير المطلقة ليس صحيحاً لا من الناحية الأخلاقية ولا حتى من الناحية الحقوقية. حرية التعبير تعني أنك إن ظلمتني بيدك فأنت مذنب، لكن إن ظلمتني بلسانك فلا مجال لتخطئتك لأن ذلك مشمول بحرية التعبير. أنا مع حرية التعبير لكن يجب أن تكون لها قيود وشروط. أحياناً يُسأل: كيف لا يمتلك البشر حرية في أفعالهم بينما يمتلكونها في أقوالهم؟ أليس القول والفعل غير بعضهما؟ كلاهما سلوك. أحياناً يكون السلوك على هيئة فعل وأحياناً يكون السلوك على هيئة قول. لماذا لا توجد حرية فعل؟ كلا الحريتين يجب أن تكون لهما قيود وشروط.
في ذيل هذه النقطة، أود أن أذكر أيضاً: هل الهجاء والكاريكاتير من مصاديق التعبير؟ لقد افترضوا أن الكاريكاتير من مصاديق التعبير. نحن نعلم أن الكتابة والقول من مصاديق التعبير، لكن هل الرسم أو النحت أيضاً من مصاديق التعبير أم لا؟ ليس هذا مجال البحث الفلسفي فيه. ما الذي يفصل القول عن الفعل قصة أخرى. هذه هي النقطة الثالثة.
معارضة الإسلام للفتك والإرهاب
النقطة الرابعة هي أننا في الوقت نفسه لا يمكننا أبدًا قبول الأنشطة الإرهابية. لأن معناها أنه إذا ارتكب شخص خطأً، يمكن قتل أي شخص آخر مكانه. أولئك الذين يسيرون في سوق بغداد، ويتناولون الطعام في مطاعم باريس، هل هم أنفسهم من رسموا الكاريكاتير؟ «لا فتك في الإسلام» حتى الشخص الذي يمكنك قتله لا يمكنك قتله غيلة. عندما قال النبي (ص): «لا فتك في الإسلام» حتى لو كان شخص ما يستحق القتل، لا يمكن قتله من كمين، فما بالك بأن يرسم شخص كاريكاتيرًا ثم يُقتل أشخاص آخرون بجريمة أنهم من نفس دينه ومجتمعه، بل وحتى لو كانوا متفقين معه، هل يمكن فعل ذلك بهم؟ لذلك، فإن الإرهاب لا يمتلك أي مبرر لا من الناحية الأخلاقية ولا القانونية.
فهم باطل للقرآن الكريم في دعم الاغتيال
النقطة الأخرى هي أنه في أدبيات صدر الإسلام كان الاغتيال يعادل الفتك، لكن للأسف بعض رجال الدين لدينا، بعد الجمهورية الإسلامية، قاموا بكل وعي بعمل لا أظن أنهم يجهلونه إلى هذا الحد. انظروا، في اللغة العربية لصدر الإسلام يُطلق على الاغتيال اسم الفتك، وقد قال النبي: «لا فتك في الإسلام». في القرنين الأخيرين، ومع التحولات الجدية التي واجهتها اللغة العربية، استُخدم بدلًا من الفتك القديم في اللغة العربية تعبير «إرهاب»، فيقولون إرهابي وإرهابية وإرهابيت. بسبب التحولات اللغوية. مثلما كان آباؤنا وأمهاتنا في الأزمنة القديمة يقولون «هگرز» ونحن الآن نقول «هرگز». إذن، هذا الإرهاب يعني إلقاء الرعب. تعابير إرهاب وإرهابي كلها من صنيعة القرنين الأخيرين. ثم يأتي رجل الدين لدينا في خطب ما قبل صلاة الجمعة ويقول إن القرآن أجاز الإرهاب حيث يقول: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم» وجاء وفسر «ترهبون» في القرآن بمعنى الإرهاب المعاصر، مع أنه في لغة القرآن الكريم وفي صدر الإسلام كان يُطلق عليه الفتك. ليس الأمر أن ترهبون (أرهب ترهب إرهاب) هي مصداق للإرهاب. هذه الكلمة استُحدثت في اللغة العربية منذ ما يقرب من 80 عامًا. صديقي العزيز والقيّم والغالي الدكتور سعيد حجاريان كتب مقالًا في ذلك الوقت نبه فيه إلى هذه النقطة. أي كونوا مستعدين للحرب وأعدوا خيولكم للحرب، فعندما يراكم الكفار متأهبين يخافون. هذا قاله أناس يعتبرون أنفسهم مفسرين للقرآن.
النقطة الرابعة هي أن الاغتيال والإرهاب لا يمكن تبريرهما بأي حال من الأحوال. الانقضاض على شخص غيلة ليس جائزًا، ولا معنى لأن يرتكب شخص في مكان ما عملًا خاطئًا فيُقتل أشخاص آخرون في مكان آخر. ناهيك عن أن الشخص الذي رسم الكاريكاتير نفسه، حتى لو ألقي القبض عليه، لم تكن جريمته الإعدام. لو ألقيتم القبض عليه وقدمتموه للمحكمة، فحتى حينها لم تكن جريمته الإعدام.
ضرورة دعم طبقة المثقفين الدينيين من قبل الحكومات الإسلامية كوسيلة لمكافحة انتشار الأصولية الإسلامية
النقطة الخامسة هي أن العالم الإسلامي يجب أن يتربى على يد مثقفيه حتى لا تظهر الجماهير هذه الحساسيات في غير محلها. عندما يمزح شخص ما، إذا أظهرت حساسية بهذه الدرجة، فهذا يدل على أنني لم أبلغ الرشد اللازم. عندما لا تستطيعون منع هذه التصرفات، فكيف يمكن منع القاعديين والدواعش والبوكو حراميين؟ التحقير ليس صحيحًا لا من الناحية الأخلاقية ولا من الناحية البراغماتية. القوى الغربية، حتى لو لم ترد منع التحقير والاستهزاء من الناحية الأخلاقية، فمن البراغماتية أن تمنعه. لأنه في هذا العالم الهش والقابل للكسر اليوم، هذا في مصلحتكم أنتم.
دعم التنوير الديني من قبل الدول الإسلامية
النقطة التالية هي أن أحد أسباب نمو الأصولية الإسلامية هو أن المفكرين الجدد والمثقفين الإسلاميين لا يجدون مجالاً للحوار مع جماهير العالم الإسلامي. فلو أتيحت للمفكرين الدينيين والمثقفين الدينيين في البلدان الإسلامية الناطقة بالفارسية مثل إيران وطاجيكستان، وفي العالم الإسلامي الناطق بالتركية كتركيا، وفي العالم العربي بأسره، وكذلك في العالم الإسلامي الناطق بالإنجليزية كماليزيا وبنغلاديش وغيرها، لو أتيحت لهم إمكانية الحوار مع جمهور واسع، لما سمح لهم ذلك التنوير بأن يتخبط الناس إلى هذا الحد في الخرافة والجهل والهذيان والوهم، وعندئذٍ يصبحون لقمة سائغة لأولئك الذين يريدون تسليح الأصولية الإسلامية بهم. إن أحد أكبر الأسباب التي روّجت للأصولية الإسلامية في هذه البلدان هو أن جميع حكومات هذه البلدان لا تسمح للمفكرين الدينيين الذين لديهم فهم أكثر إنسانية ورأفة ورحمة للإسلام بأن يتحدثوا إلى الناس في الإذاعة والتلفزيون. عندما تفتح أي قناة تلفزيونية ترى أصولياً بزي رجل دين أو أستاذ جامعة وما إلى ذلك يتحدث. من الواضح كيف يجد الناس غذاءهم الفكري. اسمحوا لهؤلاء أن يتحدثوا مع الناس عن الإسلام. هل سبق أن خضع كتاب أصولي للرقابة في هذه البلدان؟ ولكن كم تمنعون ترويج ونشر الكتب التي تقدم رواية أخلاقية وإنسانية ورحمانية عن الإسلام؟ فقط الكتب التجديدية التي تحمل نظرة رحمانية وإنسانية وعرفانية هي التي تخضع للرقابة. كلما كان الكتاب أكثر أصولية، كان الحصول على رخصة النشر أسهل وأكثر. بل إنكم تستثمرون فيه بأنفسكم وتكونون على استعداد لتوصيله للناس مجاناً. عندما يأخذ المسلمون إسلامهم من هذه الشريحة، تكون هذه هي النتيجة. للأسف، حتى القوى الغربية لا تنتبه إلى هذه النقطة، وهي أنه حتى لو لم تعطوا هؤلاء المفكرين الدينيين حق التعبير من باب العدالة، فمن مصلحتكم أن تعطوهم حق التعبير.
ضرورة تقوية البنية العلمية والنظرية لرجال الدين في العالم الإسلامي كسبيل لمكافحة الأصولية الإسلامية
النقطة التالية هي أنه ينبغي على رجال الدين في العالم الإسلامي الانتباه إلى أمرين. الأول ألا يظنوا أنهم يستفيدون من أي شخص يصارع الغرب. وألا يقولوا: بما أننا لا نستطيع مواجهة الغرب ثقافياً، فلنقم بتصفيته جسدياً. يقولون: بما أننا لا نستطيع القيام بالحذف الاستدلالي والفكري، وبما أننا لا نستطيع مواجهة هذه الفلسفة العظيمة وهذه العلوم الإنسانية وهذه العلوم التاريخية لديهم، فلنأتِ الآن ونتصافح، ظاهراً وباطناً، مع من يقومون بتصفيتهم. لا تفضلوا مصالح طائفتكم على مصالح ستة مليارات إنسان على وجه الأرض. كان سقراط يقول دائماً: عندما تواجه شخصاً ما، لا تضعف عدوك بل قوِّ نفسك. رجال الدين في العالم الإسلامي، للأسف ثم للأسف، لم يعد لديهم ما يقولونه في مواجهة الفلسفة الغربية والعلوم الإنسانية وعلم النفس وعلم الاجتماع والسياسة، فيقولون: حسناً، ليقووا مسارهم هم. أنتم كنتم تقولون: "كلمة الله هي العليا"، فإذا لم يكن لديكم كلام لتقولوه، فمن الواضح أن كلامكم ليس كلام الله. إذا كان كلامكم أدنى من كلام الآخرين، وهو كذلك، فهذا أدل دليل على أنه ليس كلام الله. اذهبوا وقووا أنفسكم. وإذا ادعى أحدهم أنه أعظم مصارع في العالم، فلكي تعرفوا أنه يعتقد ذلك حقاً في قرارة نفسه، اختبروه. قولوا له: الأسبوع القادم هناك اختبار، فسيقول: ليت عندي مباراتان، لأنه واثق من أن تفوقه سيثبت في كل مرة. ولكن إذا قال أحدهم: لا، لماذا يُقام الآن في هذا الفصل وفي هذا الجو البارد؟ قولوا له: بعد شهرين في الربيع. فإذا رأيتموه يفعل ذلك، فاعلموا أنه لا يعتقد أنه أعظم مصارع في العالم، لأنه يتهرب من المباراة. وإلا، فعليه أن يرحب بكل جلسة. من الواضح أن "كلمة الله هي العليا"، فإذا كان كلامكم هو كلام الله، أي أن كلامكم لن يُغلب، فعليكم أن ترحبوا بكل كلام يُقال، لأن غلبة كلامكم ستثبت مرة أخرى. ولهذا، يأتي البعض ويعتقدون أنه إذا ذهب أربعة إرهابيين واغتالوا أربعة من المفكرين وأهل القلم، فليس ذلك بالأمر السيئ.
أعتقد أن على المؤسسة الدينية في العالم الإسلامي أن تقوّي نفسها. لن ينفعكم هذا الماء من هذه الحكايات. ألم يقل علي بن أبي طالب: إني لأعجب من جنود معاوية كيف هم متحدون على باطلهم هذا، وأنتم مختلفون على حقكم؟ أنتم الذين تعتقدون أن الغرب جادٌّ على باطله هذا القدر، فلماذا لا تجدّون أنتم على حقكم؟ أي منهج بحث هذا الذي لا تملكون فيه ما تقولونه؟ لا تستطيعون أن تقولوا شيئًا. تعالوا وانظروا إلى أي مدى وصل علم اجتماع السياسة عندهم؟ حين يسقط هذا الخوف في قلوب الغربيين، لا يعود أحد يمسك بالقلم، لأنه يعتقد أن داعشيًا سيقضي عليه. الآن، لو خنقني داعشي، فأنتم لا تزالون على ضعفكم الذي كنتم عليه. كل علم ينمو. اذهبوا وقوّوا أنفسكم.
لتأت المؤسسة الدينية وتقل للناس رسالة الله حقًا، قولوا للناس لا يمكنكم أن تقولوا إن الإسلام ليس فيه فتك. يثير العجب صمت رجال الدين في العالم الإسلامي. يُذبح إنسان بذنب إنسان آخر. ما سبب صمتكم في العالم الإسلامي؟ ألا ينبغي أن تتكلموا حين يُواجَه الكتاب والسنة؟ كل هذا التوحش، كل هذه الوحشية، ألا ينبغي أن ينهض أحد منكم؟ إذا ظهرت البدعة في الدين، فعلى العلماء أن يُظهروا علمهم، وإلا فعليهم لعنة الله. باسم الإسلام، هناك إرهاب بين الأتراك. أعتقد أن رجال الدين، حتى لو كانوا يعارضون المثقفين الدينيين، فهم لا يعارضون كلام القرآن والروايات. قولوا إن هذه الأمور ليست من الإسلام. لم أرَ قط أناسًا يلبسون الكفن في مجلس للضحك، ثم تسكتون أمام كل هذه الجرائم التي تحدث، سكوت علامة الرضا. أنتم تصرخون كثيرًا على المكروه، وحين تقع أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم تحت أيدي الأصوليين الإسلاميين، ألا تكون هذه بدعة في الدين؟
وآخر ما دونته لأقوله هو أنني حقًا لا أريد أن أعبر عن وجهة نظر أمثالي، وهي أن كل فكرة تخط خطًا بين البشر هي على حساب البشر. خط لون البشرة، والعرق، والجنسية، والقوم، والدين، والمذهب، وكل فكرة – في ظني – تخط خطًا بين الناس، وبدل أن تقول إننا سكان أمة واحدة تعدادها سبعة مليارات، تأتي وتخط خطًا باسم الدين والمذهب والعرق. إنها رؤية العارفين التي تقول: من أحب الإنسان من حيث هو إنسان فقط، فقد بلغ غاية السمو الأخلاقي. أنا أقول: على الأقل، الخطوط التي لم يخطها الدين بين الناس، لا تخطوها أنتم. وإن كان كثير من المفكرين المتدينين يرون أن الدين نفسه قد خط خطوطًا. فالمسلم يقسم المسلم إلى شيعي وسني. والشيعي يقسم الشيعي إلى إمامي وزيدي وكيساني وإسماعيلي. ثم الشيعي الاثنا عشري يقسم إلى من يعتقد بولاية الفقيه ومن لا يعتقد بولاية الفقيه. أي مسوغ عقلي أو نقلي لهذا؟ أنا لا أقول كونوا مثل لاوتسه، وكونفوشيوس، وبوذا، ومولانا جلال الدين البلخي، وعين القضاة الهمداني، الذين يقولون: نحن نحب كل البشر، كما أن الشمس حين تشرق صباحًا لا تقول: سأشرق فقط على المروج والأزهار، بل تشرق على كل مستنقع، والله أيضًا يفيض ويشرق على كل إنسان. أنا أقول: على الأقل، الخطوط التي لم يخطها ديننا نفسه، لا تخطوها بين الناس. يبدو لي أن هذه رؤوس مطالب، لو التزمنا بها التزامًا جادًا، لاستطعنا إنقاذ العالم الإسلامي من أن يكون مبغوضًا إلى هذا الحد من العالم الغربي، ولترميم الشرخ بين العالم الغربي والإسلام، ولننعم في العالم الإسلامي برفاه وحرية وعدالة وأمن. على العالم الإسلامي أن يجعل هذه الأربعة نصب عينيه. نحن بحاجة إلى مجتمع يتوفر فيه أولًا الأمن، وثانيًا الرفاه، وثالثًا العدالة، ورابعًا الحرية. مع الأسف، لا نملك شيئًا من هذا في العالم الإسلامي. مع أنهم قالوا لنا: إن التزمتم بهذا الدين، فلكم حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة. ويبدو أن دنيانا هكذا: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. من كانت هذه دنياه، فلتوقنوا أن آخرته ستكون أسوأ. والسلام
[1] الإسلام والليبرالية، مجلة كيان، العدد 48، السنة التاسعة (مرداد وشهريور 1378)
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام. یک سوالی که از استاد داشتم این هست که آیا کس که اعتقاد به یک عقیده دارد و مرتکب قتل اعتقادی و مذهبی می شود ،مشکل از شخص تندرو هست یا مکتبی که او به آن معتقد است؟ خیلی از مسلمانها با این اعتقاد که پیامبر در بنی قریظه هفتصد نفر را گردن زده پس حق کشتن را برای خود قائل می شون. در ضمن مورد پیامبر قرآن گفته میشود که داستانهای قرآن که در تورات هست گفته می شود که داستانهای برگرفته از تمدنهای بابلی وکلدانی می باشد و خود محمد در واقع تحت تاثیر افرادی بنام ورقه ابن نوفل که پسر عموی عایشه می باشد که بع دین مسیحت و یهودیت اگاهی داشته است. که این در کتاب تولدی دیگر شجاع الدین شفا ذکر شده. یا در کتابی بنام نامه ای برای محمد از خسین قاضی محمد را مسیونری از مسیحان نستوری میداند و حروف مقطعه قران را مثل حروف ابجد شمارهای از گتاب فرقان می داند که برای محمد نوشته شده. اگر درصدی از این گقتها درست باشد پس ما خیلی به خطا رفتیم.