اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى داريوش شايغان أن بودلير هو أعظم شعراء الحداثة، إذ أحدث «ارتجاجاً جديداً» في الشعر غيّر به وجه الأدب في أوروبا وإيران. وتركّز المحاضرة على خصائص فنه وأثره في صادق هدايت والشعراء الفرنسيين.

رغم أن تخصصي ليس الأدب، وأعمالي تتعلق غالبًا بالأديان الهندية والفلسفة المقارنة، إلا أنني كنت شغوفًا بالأدب منذ شبابي. وبعد دراستي في إنجلترا ثم إقامتي في سويسرا، قادني قدري إلى الأدب الفرنسي واكتشفت بودلير. كنت بالطبع أعرف الكلاسيكيين الفرنسيين من قبل، ولم أكن غريبًا عن الرومانسيين، أمثال شاتوبريان وفيكتور هوغو. كان أول إحساس غمر كياني عند قراءة أشعار بودلير هو الدهشة؛ فهذا الشاعر العجيب لم يكن يندرج ضمن أي من مقولاتي الذهنية. سحر الكلام وكمال الشكل الكلاسيكي لشعره من جهة، والمضامين التي لا نظير لها لدى أي شاعر آخر من جهة أخرى، شكّلا في ذهني شخصية مدهشة وغامضة له.
مع الفهم الذي كنت أحلمه عن الشعر والشاعرية آنذاك، بدا كل هذا جديدًا. أدركت أن هذا الشاعر فرد استثنائي ومختلف تمامًا عن جميع العظماء الذين عرفتهم من قبل. كنت أعرف أنه لُقب بأعظم شاعر في الحداثة. كنت أعرف أنه عندما طُبعت تحفته الكبرى المسماة «أزهار الشر» لأول مرة، أثارت ضجة تمامًا مثل رواية «مدام بوفاري» لفلوبير. فتشكلت على الفور جبهتان: جماعة هاجمته، وجماعة أخرى هبت للدفاع عنه وعن تحفته. اعتبره برونتيير مثالاً للفسق والفجور وانعدام الأخلاق، لكن كان هناك عظماء مثل فلوبير وتيوفيل غوتييه ونادار وتيودور دو بانفيل لقبوه بأكثر شعراء فرنسا ابتكارًا. واعتبره ميترلينك المرشد الروحي لجيله. منذ ذلك الحين، كان يداعب ذهني حلم أن أكتب شيئًا عن بودلير يومًا ما، لكن مسار حياتي المتعرج أخذني في منعطفات أخرى، وبقي تحقيق ذلك الحلم الشبابي مؤجلًا حتى اليوم وزمن الشيخوخة. كان هذا هو دافعي الشخصي لكتابة هذا الكتاب. لكن كان هناك دافع آخر، وهو أنه في إيران وباللغة الفارسية، ورغم وجود بعض الأعمال القيّمة بالطبع، لم يصدر بعد عمل موسع وجدير بهذا الشاعر الفذ في عصره. يقول فالتر بنيامين، الذي يُعد بحق أحد أعظم دارسي بودلير في القرن العشرين، إن بودلير هو الشاعر الكبير الوحيد الذي تجاوز الحدود اللغوية وتحول إلى شاعر أوروبي. كنت أسأل نفسي: أي خاصية متفردة حولت هذه الشخصية إلى وجه أوروبي؟ ربما يمكن العثور على مفتاح هذا السؤال في رسالة كتبها فيكتور هوغو إلى خالق هذه الأشعار بعد قراءة بعض قصائد بودلير التي أهديت إليه:
لا أعرف بأي شعاع مشؤوم أنرتم سماء الفن. لقد جلبتم ارتعاشة جديدة إلى عالم الشعر.
الارتعاشة الجديدة التي يشير إليها فيكتور هوغو، ربما تنبع من حساسية جديدة لم تكن موجودة في عالم الشعر حتى ذلك الحين. حاول جول لافورغ تفكيك هذا التعبير الشهير لفيكتور هوغو ليكتشف لماذا وصف هذا الذئب العتيد في مملكة الشعر بودلير بأنه الشاعر الذي جلب «ارتعاشة جديدة» للشعر الفرنسي. يستخدم لافورغ، لتحديد مكانة بودلير وشرح الخصائص الفريدة لفنه، وبذكاء وحدّة نظر، مفهوم «الأولية»:
كان بودلير أول من عبّر عن سرديته بنبرة معتدلة واعترافية، دون أن يتخذ وضعية شخص يخضع للإلهام؛ كان أول من جعل الروح الملعونة لمدينة كبيرة مثل باريس مادة لفنه؛ كان أول شاعر لم يتكلم بلسان الفاتح، بل بلسان العتاب متحدثًا عن آلامه وجراحه وتقاعسه وملله العقيم في قلب هذا العصر الصناعي؛ كان أول شاعر تناول الملل الناجم عن اللذة ومشهده الغريب، أي غرفة النوم الكئيبة؛ كان أول شاعر، بعد تهورات الرومانسية، يتشبث بتشبيهات خشنة تظهر فجأة عارية دون مواربة وسط التناغم السائد في جملة ما (...)؛ كان أول من قطع علاقته بالقراء؛ كان الشعراء دائمًا يخاطبون القراء - الخزانة البشرية - أما هو فكان أول من خاطب نفسه لأنه: «مخاطب الشعر هم النخبة فقط. عامة الناس يظنونني ملعونًا - حسنًا - فلا يدخلوا هذه الساحة إذن»؛ كان أول شاعر يخلق تشبيهات عظيمة:
غارق في النسيان كقرش في البحر
أنا تلك المقبرة التي القمر عدوها
أنا خلوة عتيقة
لقد أحدثت نظرة بودلير الجديدة إلى العالم، ولا سيما إلى العالم الصناعي في منتصف القرن التاسع عشر، تأثيرًا واسعًا وعميقًا في جميع أنحاء أوروبا: نفوذه في ألمانيا، الذي سرعان ما انتشر بفضل ترجمة شتيفان جيورجه العجيبة لـ«أزهار الشر»؛ تأثيره على شاعر فذ مثل ريلكه، الذي خُصص له فصل من هذا الكتاب؛ تأثيره على نيتشه، خصوصًا في مرحلة نضجه في أواخر حياته، وقد خصصتُ له أيضًا فصلًا من الكتاب؛ في إنجلترا نصادف نفوذًا يفوق الوصف، بدأ مع سوينبرن. فهو أول من قدّم بودلير إلى الناطقين بالإنجليزية في مجلة «السبكتاتور»، كما نظم رثاءً للشاعر بعنوان «تحية ووداع». ومنذ ذلك الحين، قلّما نجد كاتبًا كبيرًا في إنجلترا لم يرتبط بشكل أو بآخر بخالق «أزهار الشر»، وفي هذه القائمة الطويلة يمكن أن نذكر أسماء ألدوس هكسلي ووليم بيتر وأوسكار وايلد وغيرهم الكثير، وفي مقدمتهم ت. س. إليوت الذي تأثرت قصيدته المطولة «الأرض اليباب»، ولا سيما جزؤها الأول، تأثرًا كبيرًا بمجموعة من قصائد بودلير تُدعى «لوحات باريسية»؛ وقد خُصص فصل من هذا الكتاب لإليوت. ولم تكن روسيا بمنأى عن هذا النفوذ، إذ بدأت الرمزية الروسية بتأثير بودلير؛ وفي إيطاليا يمكن الإشارة إلى كاتب كبير مثل دانونسيو الذي كان ملهمًا ببودلير على نحو ما. ذلك الارتجاج الجديد الذي تحدث عنه فيكتور هوغو جعل حتى سماء الأدب الإيراني، على بعد فراسخ من هناك، تتلألأ؛ وتجلى في أعمال صادق هدايت، ولا سيما تحفته «البومة العمياء». من المحتمل أن صادق هدايت، الذي كان ملمًا تمامًا بالأدب الغربي، لم يكن غريبًا عن أعمال بودلير التي كانت تحظى بشعبية كبيرة آنذاك في فرنسا، وأن الأجواء البودليرية قد شقت طريقها إلى أعماله، إما مباشرة عبر معرفته بـ«أزهار الشر» أو بشكل غير مباشر عبر شعراء وكتّاب آخرين تأثروا ببودلير. إن تأثير بودلير الشاعر على صادق هدايت كان أعمق بكثير من تأثيره على الشعر الفارسي الحديث.
مع هذه الأوصاف، فلا عجب أن يكون نفوذ بودلير في فرنسا، مسقط رأسه، بهذا القدر من العمق؛ لقد كان بودلير بداية تحول كبير في الأدب الفرنسي، ويمكن القول إن جميع الشعراء من بعده هم من سلالة بودلير على نحو ما. بعد ثلاثين أو أربعين عامًا من وفاته، لُقب بودلير بأعظم شاعر فرنسي. لقد تأثر به جيل عظيم من الشعراء: فيرلين، ورامبو، ومالارميه، وحتى السرياليون. فبينما سار فيرلين ورامبو على درب بودلير في مسار العاطفة والشعور، استلهم مالارميه منه، على حد قول فاليري، في ميدان التطور والصفاء الشعري الخالص. يقول فيرلين دفاعًا عن شعر بودلير:
كلما ذكرت اسم بودلير في مكان ما، يبادرك البعض قائلين: أهو ذاك الذي تحدث عن الجيفة؟ لعل أحد أسباب سوء الفهم هو أن الناس يتوقعون من الفن ما يتوافق مع ذوقهم المبتذل، وبالطبع فإن بودلير لا يوزع الحلوى بالمجان. إن كان يدلنا على درب النجوم، فهو يجرنا قبل ذلك إلى الجحيم مقتفيًا خطى دانتي. كيف لذاك الذي يبحث عن الملذات الطائشة أن يتعايش مع شاعر مثير للقلق كهذا.
وعلى حد قول رامبو: «بودلير يكشف عن روح الأشياء الميتة، إنه صاحب بصيرة، وسلطان الشعراء، إنه إله حق.»
وإلى جانب الشعراء، لم يكن الروائيون الفرنسيون بمنأى عن تأثير بودلير، ومن بينهم يمكن الإشارة إلى كاتب كبير مثل مارسيل بروست الذي قال في تمجيد كلام بودلير، الذي يراه «أقوى كلام خرج من فم إنسان حتى الآن»:
هذه المشاعر، إحساس الألم والموت والأخوة المتواضعة، تجعل من بودلير طليعة الشعراء الذين تحدثوا عن الناس وعن العالم الآخر. إن كلمات هوغو الطنانة، وحواراته مع الله، وكل تلك الجلبة، لا تقوى البتة على مضاهاة ما أحس به بودلير العليل في أنس قلبه وجسده المتألمين.
من صفات بودلير الأخرى المدهشة حقًا، تناقضه. إن جدلية التناقض جزء من كيان هذه الشخصية الفريدة، ولا وجه تصنع فيها، وهي أصيلة تمامًا. يقول مارسيل بروست عن هذا التناقض:
في «أزهار الشر»، هذا الكتاب الممتاز، تسخر الشفقة.
لكن هذا الرجل العظيم كان في الوقت نفسه شديد التواضع، وما أصدق أندريه جيد في هذا الشأن حين يكتب في مقدمته لطبعة عام 1917 من «أزهار الشر»:
كتب بودلير في موضع ما: «يذكر جيراننا شكسبير وغوته ويفتخرون بهما، ونحن في المقابل يمكننا أن نشمخ بأسماء فيكتور هوغو وتيوفيل غوتييه.»
يقول جيد رداً على عبارة بودلير هذه:
الشاعر الذي يحسدنا عليه الألمان ليس غوتييه ولا لوكونت دو ليل ولا حتى فيكتور هوغو، هذا الشاعر ليس سوى شارل بودلير. لم يكن بودلير واعياً بقيمته. كان مخطئاً بشأن الخصلة التي كانت تمنحه قيمته واعتباره. مذكراته الخاصة التي نُشرت بعد وفاته بليغة جداً من هذا المنظور. كان بودلير يعرف تجديده الأساسي لكنه لم يستطع تعريفه، ودراما حياته كلها تكمن في هذه النقطة. يا للعجب، فنان بهذه الرهافة والوعي واليقظة التي لا تُقاس، كم يتحدث عن نفسه ببلادة. كان بودلير عديم الغطرسة بشكل لا علاج له.
أحد الموضوعات البالغة الأهمية في شعر بودلير هو مفهوم الشرّ.. المثير للاهتمام أن دوستويفسكي أيضاً، في موقف مماثل، يؤكد على الدور الأساسي للشرّ. لكن الوجه المميز لبودلير هو أنه يسعى، بمعونة هذا الوعي المستمد من الشرّ، إلى التصدي للشيطان.
يعرف شارل بودلير جيداً كيف يستخرج شهد الجمال من الرعب. إنه يستعين بأداة الكلمة والبراعة الشعرية في استخدام حيل متقنة لاستثارة حواس متلقيه ويخلق الصور على رقعة أذهانهم، مهارة تُعرف في ميدان الشعر بالإكفراسيس (Ekphrasis) أو فن التصوير والإخراج المسرحي. في العديد من قصائد بودلير، تبرز هذه السمة بشكل لافت، مثلاً في مطلع قصيدة «الضحية»، يصف الشاعر مسرح الحادثة والفضاء المهيمن عليها هكذا:
بين قوارير العطر والأقمشة الموشاة بالذهب
والأثاث الفاخر الماجن المزركش
والتماثيل الرخامية والصور الملونة والأردية المعطرة
التي تنساب بتموجاتها الباذخة على الأرض
في غرفة كالدفيئة شبه دافئة وخانقة
هواؤها خطر ومشؤوم
حيث باقات الزهور الذابلة في قبورها البلورية
تلفظ أنفاسها الأخيرة،
جثة بلا رأس تسيل كنهر
دماً أحمر حياً على وسادة مضمخة،
تمتصه
بعطش حقل ظامئ
هل يمكن أن يُنشد أجمل من هذا: «حيث باقات الزهور الذابلة في قبورها البلورية/ تلفظ أنفاسها الأخيرة»، للإشارة إلى الفاجعة التي توشك أن تتكون، حيث يأخذ الشاعر، بـ «الأنفاس الأخيرة» للتجلي الرمزي للجمال أي الزهور، التي تفارق الحياة في «قبورها البلورية»، متلقيه لاستقبال مشهد جثة المرأة الجميلة التي لا يزال دماً حياً يسيل من حلقها المقطوع. هذا هو استخراج الجمال من صميم الأمر المرعب!
اخترت عنوان الكتاب «جنون اليقظة» لأنني أراه يليق بمن سبر جنون النفس البشرية المستتر بهذه اليقظة والبصيرة، وبنظرته النقدية التي كانت جزءاً من أسلوبه في الرؤية، لم يخشَ لحظة من الوقوع في فخ الأوهام الناجمة عن هذا الجنون، وانتصب بيقظة لا ترحم في وجه جاذبيته المغرية. لم يكن أحد واعياً بالشرّ ودوره الجميل والخلاق والمدمر مثل بودلير. إنه بنظرته النقدية الخاصة به، يجعل من الجنون نفسه موضوعاً لفحص طبيعته المقتدرة، ويعتبر النقد جزءاً لا يتجزأ من الفن. التناقض والمفارقة هما أساس شعره، في كل مكان في قصائده يمتزج الألم بالفرح، واليقين بالشك، والوجد بالحزن.
في الختام، أود أن أنهي كلامي بنفس العبارات التي أنهيت بها كتاب «جنون اليقظة»، بقطعة جميلة من رثاء الشاعر الفرنسي بيير جان جوف في كتابه على قبر بودلير:
الشاعر العظيم لا يقتصر على ذاته فحسب؛ إنه أسطورة، إنه نفوذ هائل. بودلير هو البداية والأصل. أولاً، لأنه خالق الشعر الفرنسي بعد قرون من الخمول والخطابية؛ وثانياً، لأن إبداعه يعبّر عن قفزة كبرى في القيم ــ من العقلانية إلى ما وراء العقلانية، من رتابة الفكر إلى سرّ الإبداع.
بودلير، هذا العبقري الصانع، كرّس نفسه لهذا العمل الطويل. عمل كان يتطلب همة عالية، لأنه بالإضافة إلى مصارعة روحه، كان عليه أن يصارع اللغة أيضاً، وأن يحطم بطريقة ما صرحَ جدلية اللغة الفرنسية ــ هذا الصرح الأكثر استبداداً ما يمكن.
الوعي بكونه شاعراً ملعوناً (poète maudit) كان لا بد أن يكون له ثمن: فبدون اللعنة والنقمة، لا ابتكار ممكن. إذن، كان عليه أن يجتاز هذه اللعنة ليبلغ مملكة الصور الجوفية. يقول مثل شعبي: الولادة يصحبها الألم لا محالة. وبما أن المملكة التي كان الشاعر يرتحل إليها بلا اسم، كان عليه أن يتخذ هيئة المسخ. قيل إن بودلير لم يكن مالكاً لخلقته، بل كان ضحيتها. ربما لهذا ينبغي الحديث عن نوع من الفشل بخصوص بودلير: لا بمعنى أن إبداعه كان ثمن فشله الداخلي ــ بل إن هذا الفشل الداخلي كان نتيجة لشدة إبداعه وحدّته.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
ممنون