اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن التقرّب إلى الله ليس قربًا مكانيًا، بل هو تخلّق بأسمائه وصفاته الأخلاقية؛ فاكتساب خصال كالبساطة والثبات والطمأنينة الدائمة يقرّب الإنسان من الله، وهو معيار التدين الحقيقي ومنزلته في الآخرة.

في الأديان الإبراهيمية ثمة مفهوم يُعرف بالتقرّب إلى الله أو القرب من الله، وبمعنىً ما تُعتبر غاية التدين في هذه الأديان هي الاقتراب من الله؛ وبالطبع كان هذا المفهوم موجوداً أيضاً في الجاهلية، وقد ورد في مواضع من القرآن أن المشركين حين يُسألون عن سبب عبادتهم للأصنام يقولون: ما نعبد الأصنام إلا لتقرّبنا إلى الله زلفى. لا شك أن الاقتراب من الله ليس مفهوماً مكانياً، فالله ليس له مكان، ولو كان لله مكان لكان معنى ذلك أنه ينبغي أن يكون جسماً، وفي الأديان الإبراهيمية ليس الله بذي جسد؛ وبالطبع فإن قلة قليلة في هذه الأديان، نطلق عليهم وصف المجسّمة أو المشبّهة، يقولون بتجسيم الله. فإذا لم يكن هذا الاقتراب من الله قرباً مكانياً، ولم يكن بالأولى قرباً زمانياً، فما معناه إذن؟ لقد أخذ العرفاء في الأديان الإبراهيمية الاقتراب من الله بمعنى خاص، وهو أن نقرّب صفاتنا من صفات الله. فلله صفات وسمات، والاقتراب من الله في صفة أو اثنتين أو عدة صفات يجعلنا أقرب إلى الله. والمراد هنا من قوله تعالى: تقربوا إلى الله، هو تشبهوا بالله. أي أن تصيروا شبيهين بالله. انظروا ما هي صفات الله، وحاولوا أن تخلقوا تلك الصفات في أنفسكم، أو قوّوها إن كانت موجودة لديكم. ومن جهة أخرى، انظروا ما هي الصفات التي لا يتصف بها الله، وحاولوا أن تقتلعوا جذور تلك الصفات من أنفسكم، أو إن لم تكن موجودة فيكم فحاولوا ألا تظهر فيكم. وكان العرفاء يقولون أحياناً ما هو أكثر صراحة من هذا، وهو أن تشبهوا بالله يعني تخلقوا بأخلاق الله. أي انظروا ما هي أخلاق الله وخصاله، فتحلّوا أنتم بها أيضاً. وقد كان العرفاء يقولون لله صنفان من الصفات: 1- الصفات الماوراء طبيعية: أو الميتافيزيقية، وهي صفات لا يختص بها أحد سوى الله. ككون الله واجب الوجود، أو كونه علة العلل، أو المحرك الذي لا يتحرك. هذه صفات لا يستطيع الإنسان أصلاً أن يتجه نحوها، وهي غير ممكنة للإنسان، ويختص بها الله وحده. 2- الصفات الأخلاقية: غالب صفات الله المذكورة في الكتب المقدسة هي من هذا الصنف الثاني. وهذه الصفات يمكننا أن نقترب منها. فإذا كان الاقتراب من الله يعني أن نخلق في أنفسنا الصفات الأخلاقية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي أهم الصفات الأخلاقية؟ ما هي تلك الصفات الكبرى والجليلة والمهمة التي إذا حصلنا عليها امتلكنا الصفات الصغرى بالأولى؟ إذ إنه إذا تحقق العدد 100 فالعدد 90 حاصل معنا أيضاً. وفي اصطلاح العرفاء، إذا وجدت فيك هذه الصفات صرت آية الله. أي أنك ستكون علامة لله على الأرض. وفي نهج البلاغة يقول الإمام علي عن نفسه: أنا آية الله العظمى، ومعنى ذلك أنه حاول أن ينمي هذه الصفات في نفسه إلى أقصى حد. ومعرفة هذه الصفات تفيد في أن يفهم كل شخص بنفسه كيف سيكون وضعه في الحياة الأخرى. فهذه الصفات هي معايير ومقاييس دنيوية للتنبؤ بالوضع الأخروي. إنها مقاييس للتدين والقرب من الله.
وجود الله ليس مركباً ولا متجزئاً. إنه بسيط لا جزء له. فلو كان الله مركباً لاحتاج إلى أجزائه، إذن فالله بسيط. "الله الصمد" تعني أنه تام لا خلل فيه ولا فرجة. وهذه الصفة قابلة للتحقق فينا أيضاً. فإذا صرنا في الحياة ذوي قلب واحد، ينشأ نوع من البساطة. لا شك أن صيرورة المرء ذا قلب واحد بالمعنى الدقيق للكلمة ربما لا تكون في وسع أي إنسان. لكن يمكننا على الأقل أن نصل من كوننا ذوي مئة قلب إلى كوننا ذوي عشرة قلوب. أنا أريد من الحياة الثروة، وجزء من نشاطاتي يصب في سبيل بلوغ الثروة. وأريد القوة أيضاً، والجاه والمقام والحيثية الاجتماعية والشهرة والمحبوبية والشهادة الجامعية والعلم الأكاديمي والجمال والصحة... إلخ. كل واحد من هذه المطالب يشتت وجودي ويمزقه أكثر. تمثيل القرآن: أنتم أيها البشر كصياد يُلقى به من فم عقاب من السماء فيهوي إلى قاع الوادي. وفي هذا المسار، تنهش الطيور الأخرى كلٌّ بقدر قوة منقارها قطعة منكم، فلا يصل إلى قاع الوادي شيء. كل مطلوب من مطالب الحياة ينهش قطعة من وجودنا، وحين نصل إلى قاع الحياة لا يبقى منا شيء. قصة "الشيخ والبحر" في الأدب الغربي تعبر عن هذا الموضوع نفسه تماماً. هذه المطالب التي يستهلك كل منها جزءاً من عمرنا ومواهبنا الباطنية وفرصنا الخارجية، ليست متوافقة فيما بينها. تمثيل القرآن هو أن تتصور أمةً اشتراها عدة أرباب بالاشتراك وهم في خصام، يقول أحدهم: اجلسي، ويقول الآخر: لا تجلسي. فماذا تفعل هذه الأمة؟ قارن هذا بأمة لها رب واحد. مهما يكن هذا الرب ظالماً وجاهلاً، فإن تلك الأمة تعرف على الأقل ماذا ينبغي أن تفعل. يقول القرآن: إن تتبعوا الله يكن لكم رب واحد على الأقل. إذا وصلتم إلى مرحلة قلتم فيها: لم أفهم ماذا أفعل، فهذا يدل على أن أربابكم كثر. صفاء القلب أو خلوص النية يعني ألا تريد في الحياة إلا شيئاً واحداً. وبهذا تكون الحياة مرغوبة أكثر لأن النزاع الداخلي يقل فيها.
الله لا يقع تحت تأثير غيره. لا ينفعل عن غيره، إنه منزه عن الانفعال. من الجيد أن نصل نحن أيضاً شيئاً فشيئاً إلى مرحلة تؤثر فينا فيها الأحوال الخارجية بأقل قدر ممكن. فلا نفرح لتصفيق الآخرين ولا نحزن لاستهجانهم. إذا أردنا أن نفرح، لا ينبغي أن نضطر للذهاب إلى الطبيعة وتغيير مكاننا. هذا يعني أن حبل سرتنا في الحياة موصول بالخارج، ولأن الخارج ليس تحت سيطرتنا وهو في تحول دائم، فإننا نتحول بدورنا باستمرار.
لأن الله لا يتغير، فله الطمأنينة الدائمة. أنتم أيضاً إن استطعتم قطع حبل سرّة تعلقاتكم عن الخارج، بحيث لا يثير الخارج فيكم الغضب والعشق والأمل واليأس، فستجدون السكينة في دواخلكم. في التصور الديني، أسمى مقام يُنظر إليه للإنسان هو "النفس المطمئنة". هذه السكينة تجعل الإنسان شبيهاً بالله. بنص القرآن، السكينة وطمأنينة القلب فوق الإيمان. يمكن للمرء أن يكون مؤمناً لكن دون أن يمتلك قلباً مطمئناً. ورد في القرآن أن إبراهيم قال لله: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ فقال الله لإبراهيم: أولم تؤمن؟ قال إبراهيم: بلى آمنت ولكن ليطمئن قلبي. كان العرفاء يقولون لنا: في تلاطم إعصار العالم، كن عين ذلك الإعصار وابقَ هادئاً. هذا لا يعني ألا تناضل أو لا تعمل، بل يعني أن تعمل بقلب مطمئن.
الله ينفذ أقواله بأفعاله. أما نحن فغالباً ما ننفذ أفعالنا بالأقوال. نحن نلجأ إلى العمل حيثما لا نستطيع الكلام، بينما الله لا يكسر صمته إلا لضرورة، وحين يريد أن يتكلم فإنه يتكلم بالفعل. كون العرفاء يعتبرون نظام العالم نظاماً آياتيًا معناه أن الله يتحدث إلينا عبر جميع الظواهر، لكنه ينفذ كلامه بالفعل. (اجلس على ضفة الجدول وانظر مرور العمر... فهذه الإشارة من العالم الفاني تكفينا (حافظ) حين يجري الله الماء في النهر، فهو يريد أن يقول لك: إن عمرك في مرور.)
الله غنيٌّ. لديه عزة النفس وإباء الضمير. والإنسان كذلك ينبغي ألا تكون عينه على ما في أيدي الآخرين، وأن ينظر إلى كل شيء من موقع الشبع والاكتفاء. دیده سیر است مرا جان دلیر است مرا (مولانا) هذا الاستغناء ينجينا من كثير من الخساسات. ننجو من الانحناء في غير محله، والتملق، وغض الطرف عن أكل الحقوق... إلخ. حين تصبح مستغنياً تصير شجاعاً، لأنه لا شيء لديك لتخسره أو لتكسبه، فلا يؤثر فيك تهديد بفقدان شيء ولا إغراء بنيل شيء. در این بازار اگر سودی است با درویش خرسند است خدایا منعمم گردان به درویشی و خرسندی (حافظ) في السوق تربح فئتان: أولئك الذين يدخلون السوق برأس مال كبير، وأولئك الذين لديهم حرص على الربح. لكن هذا السوق الذي يتحدث عنه حافظ هو على العكس، فحين لا تملك شيئاً ولا تريد شيئاً، فأنت الرابح.
الله لديه عطاء بلا أخذ. له يد الأولياء يعطي بها، وليست له يد سافلة فلا يأخذ. إن كنت مستغنياً تجد لك يداً معطاءة، لكن بلا مِنَّةٍ على أحد. الإمام الحسين كلما كان يساعد فقيراً كان يُقبِّل يد ذلك الفقير، بمعنى أنك أخذت وحملت عنا جزءاً من وِزرنا، ولم تكن هناك مِنَّة.
الله لديه ابتهاج ذاتي. هو مسرور بمشاهدة ذاته. العارفون يسعدون بالسير في الباطن. مولوي يتعجب من أناس يجتمعون حول مشعوذ في الطريق، بينما باطنهم مليء بالعجائب. الإمام علي يقول: تظن أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر. هناك صفات أخرى سأتناولها في فرصة أخرى. والسلام
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
صحیح:ید علیا نه اولیا